50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الثاني/الباب الخامس والثلاثون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك
المؤلف: ابن حزم


قال أبو محمد رحمه الله: إنما جمعنا هذا كله في باب واحد، لأنها كلها ألفاظ واقعة على معنى واحد، لا فرق بين شيء من المراد بها وإن اختلفت الألفاظ وهو الحكم بما رآه الحاكم أصلح في العاقبة وفي الحال، وهذا هو الاستحسان لما رأى برأيه من ذلك، وهو استخراج ذلك الحكم الذي رآه. قال المالكيون بالاستحسان في كثير من مسائلهم، روى العتبي محمد بن أحمد قال: ثنا أصبغ بن الفرج قال: سمعت ابن القاسم يقول: قال مالك: تسعة أعشار العلم الاستحسان، قال أصبع بن الفرج: الاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس، ذكر ذلك في كتاب أمهات الأولاد من المستخرجة. وأما الحنفيون فأكثروا فيه جدّاً، وأنكره الشافعيون، وأنكره من أصحاب مذهب أبي حنيفة أحمد بن محمد الطحاوي، فأما القائلون به فإننا نجدهم يقولون في كثير من مسائلهم إن القياس في هذه المسألة كذا، ولكنا نستحسن فنقول غير ذلك. قال أبو محمد: واحتج القائلون بالاستحسان بقول الله عز وجل: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَـئِكَ هُمْ أُوْلُو الأَلْبَابِ } .

قال أبو محمد: وهذا الاحتجاج عليهم لا لهم، لأن الله تعالى لم يقل فيتبعون ما استحسنوا وإنما قال عز وجل: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } وأحسن الأقوال ما وافق القرآن وكلام الرسول ، هذا هو الإجماع المتيقن من كل مسلم، ومن قال غير هذا فليس مسلماً، وهو الذي بينه عز وجل إذ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ولم يقل تعالى فردوه إلى ما تستحسنون.

ومن المحال أن يكون الحق فيما استحسنا دون برهان، لأنه لو كان ذلك لكان الله تعالى يكلفنا ما لا نطيق، ولبطلت الحقائق ولتضادت الدلائل، وتعارضت البراهين، ولكان تعالى يأمرنا بالاختلاف الذي قد نهانه عنه، وهذا محال لأنه لا يجوز أصلاً أن يتفق استحسان العلماء كلهم على قول واحد، على اختلاف هممهم وطبائعهم وأغراضهم، فطائفة طبعها الشدة، وطائفة طبعها اللين، وطائفة طبعها التصميم، وطائفة طبعها الاحتياط، ولا سبيل إلى الاتفاق على استحسان شيء واحد مع هذه الدواعي والخواطر المهيجة، واختلافها واختلاف نتائجها وموجباتها، ونحن نجد الحنفيين قد استحسنوا ما استقبحه المالكيون، ونجد المالكيين قد استحسنوا قولاً قد استقبحه الحنفيون، فبطل أن يكون الحق في دين الله عز وجل مردوداً إلى استحسان بعض الناس، وإنما كان يكون هذا ــــ وأعوذ بالله ــــ لو كان الدين ناقصاً، فأما وهو تام لا مزيد فيه، مبين كله منصوص عليه، أو مجمع عليه فلا معنى لمن استحسن شيئاً منه أو من غيره، ولا لمن استقبح أيضاً شيئاً منه أو من غيره. والحق حق وإن استقبحه الناس، والباطل باطل وإن استحسنه الناس، فصح أن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان. وقد روى الفتيا بالرأي في مسائل عن الصحابة. فإن قال قائل: إذ قد ظهر الفتيا بالرأي في الصحابة فقد أجمعوا على الرضا به. قيل له وبالله تعالى التوفيق: ليس كما تقول، بل لو قال قائل: إنهم رضي الله عنهم أجمعوا على ذمه لكان مصيباً، لأن الذين روى عنهم الفتيا منهم رضي الله عنهم مائة ونيف وثلاثون، لا يحفظ التكثير منهم من الفتيا إلا عن عشرين، ثم لا يحفظ عن أحد من هؤلاء المذكورين تصويب القول بالرأي، ولا أنه دين ولا أنه لازم، بل أكثرهم قد روي عنه ذم ما أخبر به من الرأي وعلى أي وجه أفتى به من أنه غير لازم. ثم تعكس عليهم السؤال فنسألهم: أعصم أحد من الخطأ بعد النبي ، فمن قولهم وقول جميع المسلمين: إنه لم يعصم أحد من الخطأ بعد النبي وإن كان من دونه يخطىء ويصيب، فإذ الأمر كذلك أفيسوغ لأحد أن يقول: إنهم قد أجمعوا على الخطأ؟ وأراد تصحيح الخطأ بذلك، وهذا ما لا يقوله أحد. وإنما يكون الإجماع صحيحاً إذا أجمعوا على صحة القول بشيء ما، ولم يصحح قط أحد منهم القول بالرأي، وأيضاً فإنه ليس منهم أحد أفتى برأيه في مسألة إلا وقد أفتى غيره فيها بنص رواه، أو موافق لنص فإذ الأمر كذلك، فإن الواجب عرض تلك الأقوال على القرآن والسنة، فالقرآن والسنة يشهدان بصحة قول من وافق قوله النص، لا من قال برأيه، وبالله تعالى التوفيق.

واحتجوا في الاستحسان بقول يجري على ألسنتهم وهو: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وهذا لا نعلمه ينسند إلى رسول الله من وجه أصلاً، وأما الذي لا شك فيه، فإنه لا يوجد البتة في مسند صحيح وإنما نعرفه عن ابن مسعود، كما حدثنا المهلب التميمي عن محمد بن عيسى بن مناس، عن محمد بن مسرور، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن عبد الله عتبة، عن عاصم بن بهدلة، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود فذكر كلاماً فيه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. قال أبو محمد: وهذا لو أتى من وجه صحيح لما كان لهم فيه متعلق، لأنه إنما يكون إثبات إجماع المسلمين فقط، لأنه لم يقل ما رآه بعض المسلمين حسناً فهو حسن وإنما فيه: ما رآه المسلمون، فهذا هو الإجماع الذي لا يجوز خلافه لو تيقن، وليس ما رآه بعض المسلمين بأولى بالاتباع مما غيرهم من المسلمين، ولو كان ذلك لكنا مأمورين بالشيء وضده، وبفعل شيء وتركه معاً، وهذا محال لا سبيل إليه، ثم يقال لهم: ما معنى قولكم: الاستحسان في هذه المسألة وجه كذا؟. فجوابهم في ذلك أحد جوابين:

أحدهما: ما كانوا عليه فيما قارب عصر أبي حنيفة ومالك، وهو الذي يرونه أحوط أو أخف أو أقرب من العادة والمعهود، أو أبعد من الشناعة، وهذا كله بالجملة راجع إلى ما طابت عليه أنفسهم، وهذا باطل بقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وبقوله تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } وقال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } . وفي هذه الآي إبطال أن يتبع أحد ما استحسن بغير برهان من نص أو إجماع، ولا يكون أحد أحوط على العباد المؤمنين من الله خالقهم ورازقهم، وباعث الرسل إليهم، والاحتياط كله اتباع ما أمر الله تعالى به والشناعة كلها مخالفته، ولا مني لما نافرته قلوب لم تعتده، وهذا كله ظنون فاسدة لا تجوز إلا عند من لم يتمرن بمعرفة الحقائق، ولا حسن إلا ما أمر الله تعالى به رسوله أو أباحاه، ولا قبيح ولا شنيع إلا ما نهى عنه تعالى ورسوله .

وجواب لهم ثان: أجاب به الكرخي، وهو أن قال: هو أدق القياسين. قال أبو محمد: وهذا القول يبطله كل ما نورده إن شاء الله في باب إبطال القياس من ديواننا هذا. وبالله تعالى التوفيق. ويقال لهم: إن كان ههنا قياس يوجب ترك قياس آخر ويضاده ويبطله فقد صح بطلان دلالة القياس بإقراركم، وصح بالبرهان الضروري إبطال القياس كله جملة بهذا العمل، لأن الحق لا يتضاد ولا يبطل بعضه بعضاً، ولا يضاد برهان برهاناً أبداً، لأن معنى المضاد أن يبطل أحد المعنيين الآخر، والشيء إذا أبطله الحق فقد بطل، والباطل لا يكون حقّاً في حال كونه باطلاً، وإذا أبطل بعض الشيء بعضاً فواجب أن يكون كله باطلاً، لما قلنا من أن الحق لا يبطل بعضه بعضاً. فإذا شهد بعض القياس عندكم بإبطال بعض قياس آخر، فنوع القياس كله متفاسد، مبطل بعضه بعضاً، فهو كله باطل.

فإن قالوا: إن الحديث ينقض بعضه بعضاً، وكذلك الآي على سبيل النسخ وكذلك النظر، وليس ذلك دليلاً على بطلان جميع القرآن والحديث والنظر. قال أبو محمد: فنقول لهم، وبالله تعالى التوفيق: هذا تمويه شديد، ولا يجوز أن تبطل آيةٌ آيةً أخرى، ولا حديثٌ حديثاً آخر، إلا من طريق النسخ، أو يكون أحد الحديثين ضعيف النقل، فليس داخلاً حينئذ فيمال أمرنا بطاعته وكذلك النظر، لأن النظر الصحيح إنما هو البرهان، وإنما تأتي أغاليط وشبه بظن قوم أنها برهان، وليست برهاناً فليس هذا داخلاً في النظر، وليس ما قلتم في القياسين من هذا الباب في شيء، لأن القياس ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، ولا قلتم: إن أحد القياسين مموه ليس قياساً، بل قلتم: هما معاً قياس، فاستحسنا أدقهما، فتركتم أحد القياسين وأبطلتموه، وأنتم تقرون أنه قياس وإذا كان بعض النوع باطلاً فهو كله باطل، ولا يجوز أن يجمع الحق والباطل نوع واحد أبداً. ولا يظن القائلون بإبطال الاستحسان، الهاربون إلى القول بترجيح العلل وتغليب كثرة الأشباه، أنهم يتخلصون من هذا الإلزام بما فزعوا إليه، لأنهم على كل حال قد أبطلوا العلة المرجح عليها الأخرى، وأبطلوا حكم الأشباه القليلة، ولم يوجبوا بها حكماً، ولا صححوا بها قياساً بل حكموا بأن العلل يبطل بعضها بعضاً، وأن بعض الأشباه لا يحكم به، ولا من أجله يحكم به، ولا من أجله بحكم واحد، ولا يوجب الاشتباه اتفاقاً في الحكم بالتشابه وبالعلل، وبطل بذلك القول بالقياس جملة، لأن كل طريق من الجدال أبطل بعضه بعضاً، وكذب بعضه بعضاً، وتناقض وتفاسد ــــ فهو كله فاسد باطل، والحق لا يعارض الحق أبداً، ولا يقوم دليل على صحة ضدين في معنى واحد أبداً.

وقد اعترف مالك رحمه الله بالحق في هذا، وبرىء ممن قلده، كما حدثنا رجل من أصحابنا اسمه عبد الرحمن بن سلمة قال: ثنا أحمد بن خليل، ثنا خالد بن سعد، ثنا عبد الله بن يونس المرادي من كتابه، نا بقي بن مخلد، نا سحنون والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك أنه كان يكثر أن يقول: إن نظن إلا ظنّاً وما نحن بمستيقنين.

قال أبو محمد: ونحن نقول لمن قال بالاستحسان: ما الفرق بين ما استحسنت أنت واستقبحه غيرك، وبين ما استحسنه غيرك واستقبحته أنت؟ وما الذي جعل أحد السبيلين أولى بالحق من الآخر؟ وهذا ما لا انفكاك منه، وبالله تعالى التوفيق. وأما الاستنباط فإن أهل القياس ربما سموا قياسهم استنباطاً، وهو مأخوذ من أنبطت الماء، وهو إخراجه من الأرض والتراب والأحجار، وهو غيرها، فالاستنباط هو استخراج الحكم من لفظ هو خلاف لذلك الحكم، وهذا باطل، ومن العجب أنه احتجوا في ثباته بقول الله عز وجل: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } وهذا من عظيم مجاهرتهم الدالة على رقة دين من احتج بهذا في إثبات الاستنباط غشّاً لمن اعتبر به، وتلبيساً على من أحسن الظن بكلامه.

وهذه الآية مبطلة الاستنباط بلا شك، لأن (لو) في كلام العرب ــــ الذي نزل به القرآن ــــ حرف يدل على امتناع الشيء لا امتناع غيره، فنص تعالى على أن المستنبطين لو ردوه إلى الرسول وإلى أهل العلم الناقلين لسنن النبي لعلموا الحق فلم يردوه واتكلوا على استنباطهم، فلم يعلموا الحق، هذا شيء ظاهر لا يجوز أن يحتمل تأويلاً غير ما ذكرنا، ولا حجة أعظم في إبطال الاستنباط من هذه الآية لو أنصفوا أنفسهم. وقد قال بعضهم: إن الضمير في قوله تعالى: راجع إلى الرسول وإلى أولي الأمر، لا إلى الضمير الذي في. قال أبو محمد: وهذا ليس بمخرج للفظ الآية عن إبطال الاستنباط الذي يريدون نصره، لأنه إن كان كما ذكروا فمعنى الآية حينئذ: إنهم لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلم الحق الذين يستنبطونه أي يستخرجون علمه من عند الرسول وأولي الأمر. قال أبو محمد: وهذا قولنا لا قولهم، لأن كل قول أخذ عن النبي وعن الإجماع فهو حق بلا شك، وإنما ينكر عليهم أن يستخرجوا من كلام النبي ، ومن إجماع الأمة معنى لا يفهم من مسموع ذلك الكلام، ولا يقتضيه موضوعه في اللغة العربية، فهذا الذي راموا نصره وخالفناهم فيه، لا ما أخذ عن النبي وعن الأئمة الناقلين للحكم عنه ، ومن استجاز مثل هذا التمويه في دين الإسلام فلا يستجيزه من له دين أو حياء. فإن تعلقوا بحديث رويناه عن عمر في سبب نزول هذه الآية وفيه: أن عمر قال: «فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر» فلا حجة لهم فيه، بل هو عليهم لا لهم، وهو حديث حدثناه عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم، حدثني زهير بن حرب، نا عمر بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمار، عن سماك أبي زميل قال حدثني عبد الله بن العباس، حدثني عمر بن الخطاب ــــ فذكر حديث إيلاء النبي من أزواجه، وأن عمر قال: «فقلت يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهم فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت ــــ وأحمد الله ــــ بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت الآية آية التخيير: {إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً } قال عمر: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله نساءه، ونزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } قال عمر: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله عز وجل آية التخيير. قال أبو محمد: وقبل كل شيء فهذا اللفظ إنما روي من هذه الطريق، وفيها عكرمة بن عمار وهو منكر الحديث جدّاً، وقد روينا من طريقه حديثاً موضوعاً مكذوباً من طريق هذا الإسناد نفسه، عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل، عن ابن عباس وهكذا لا شك فيه، ليس في سنده أحد متهم غيره. وهذا الحديث الذي فيه أن أبا سفيان بن حرب بعد إسلامه كان المسلمون يجتنبونه، وأنه سأل النبي أن يتزوج ابنته أم حبيبة وأن يستكتب ابنه معاوية وأن يستعمله يعني نفسه ــــ ويوليه. قال أبو محمد: وهذا هو الكذب البحت، لأن نكاح رسول الله أم حبيبة كان وهي بأرض الحبشة مهاجرة، وأبو سفيان كان بمكة قبل الفتح بمدة طويلة، ولم يسلم أبو سفيان إلا ليلة يوم الفتح. ولأن الصحيح عنه قوله: «إِنَّا لاَ نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ» روينا ذلك من طريق أبي موسى الأشعري، فظهر كذب رواية عكرمة بن عمار بيقين، لا إشكال فيه، ولا يخلو ضرورة هذا الخبر من أن عكرمة بن عمار وضعه، أو أخذه عن كذاب وضعه، فدلسه هو إلى أبي زميل وكلتاهما مسقطة لعدالته مبطلة لروايته. ثم لو صح ــــ وهو لا يصح ــــ لكان حجة عليهم، لأن فيه أن آية التخيير نزلت يومئذ، وهي مخالفة لرأي عمر واستنباطه، فليس فيه ــــ صح ــــ إلا أن الذي استنبطه عمر ليس فيه ذكر التخيير لهن، ولا أشار إليه. ثم ليس فيه أيضاً إلا أمر ظاهر منصوص عليه من قدرة الله تعالى أن يبدله خيراً منهن إن طُلِّقن، وهذا أمر ظاهر لا يجهله مسلم، وأن الله تعالى معه والملائكة والمؤمنين، وهذا أيضاً متيقن يدريه كل مسلم قبل أن يقوله عمر، وليس هذا هو الاستنباط الذي يشيرون إليه، ونمنعه نحن من إخراج حكم في شرع الدين ليس له نص في قرآن ولا سنة، فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة، والحمد لله رب العالمين.

وأما الرأي فإنهم احتجوا في تصويب القول به بقول الله عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } وبقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ومن الحديث بالأثر الصحيح في مشاورة النبي المسلمين فيما يعملون به لوقت الصلاة قبل نزول الأذان فقال بعضهم: نار، وقال بعضهم: بوق وقال بعضهم: ناقوس.

وبما حدثناه أحمد بن عمر بن أنس، ثنا أبو داود، ثنا عبد اللـه بن أحمد السرخسني، ثنا إبراهيم بن خزيم، نا عبد بن حميد، نا عبد الرزاق، أنا معمر عن الزهري ــــ وذكر حديث مشاورة النبي أصحابه في القتال يوم الحديبية ــــ قال الزهري فكان أبو هريرة يقول: «ما رأيت أحداً قط كان أكثر مشاور لأصحابه من رسول اللـه ». حدثنا المهلب: ثنا ابن مناس بن مسرور، نا يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، نا إبراهيم بن نشيط، عن عبد اللـه بن عبد الرحمن بن أبي حسين قال: «سئل رسول اللـه عن الحزم، فقال: تَسْتَشِيرُ الرَّجُلَ ذَا الرَّأْيِ، ثُمَّ تَمْضِي إِلَى مَا أَمَرَكَ بِهِ». وبه إلى ابن وهب: أخبرني عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عيسى الواسطي يرفعه قال: «ما شَقِيَ عَبْدٌ بِمَشُورَةٍ، وَلا سَعِدَ عَبْدٌ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ» حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي، نا ابن مفرج، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس، نا محمد بن علي بن زيد، نا سعيد بن منصور، نا فرج بن فضالة، نا محمد بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن عبد اللـه بن عمرو بن العاص، عن أبيه قال: «جاء خصمان يختصمان إلى رسول اللـه فقال لي: يا عمرو اقض بينهما، قلت: أولى بذلك مني يا نبي اللـه، قال: وإن كان، قلت: على ماذا أقضي؟ قال: إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت، فأخطأت فلك حسنة».

قال سعيد بن منصور: وحدثناه فرج بن فضالـه، عن ربيعة بن يزيد، عن عقبة بن عامر/ عن رسول اللـه مثلـه، إلا أنه: «إِنْ أَصَبْتَ فَلَكَ عَشَرَةُ أُجُورٍ وَإِنْ أَخْطَأْتَ فَلَكَ أَجْرٌ وَاحِدٌ» . حدثنا عبد اللـه بن ربيع التميمي، ثنا عبد الملك بن عمر الخولاني، نا محمد بن بكر البصري، نا أبو داود السجستاني، نا حفص بن عمر، نا شعبة عن أبي عون محمد بن عبيد اللـه الثقفي، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة/ عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ: «أن رسول اللـه لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللـه عز وجل، قال: فإن لم تجد في كتاب اللـه؟ قال: فبسنة رسول اللـه ، قال: فإن لم تجد في سنة رسول اللـه ولا في كتاب اللـه؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول اللـه صدره وقال: الحمد للـه الذي وفق رسول اللـه لما يرضي رسول اللـه». قال أبو داود: وثناه مسدد قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا شعبة، ثنا أبو عون ــــ هو محمد بن عبيد اللـه الثقفي، عن الحارث بن عمرو، عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ «أن رسول اللـه بعثه إلى اليمن» فذكر معناه.

كتب إلى يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري قال: ثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال: ثنا إبراهيم بن أبي الفياض البرقي الشيخ الصالح، ثنا سليمان بن بزيغ الإسكندراني، ثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب قال: قلت: يا رسول الله ، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم يمض فيه منك سنة؟ قال: «اجْمَعُوا لَهُ العَالِمِينَ ــــ أو قال العَابِدِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَاجْعَلُوهُ شُورَى بَيْنَكُمْ وَلاَ تَقْضُوا فِيهِ بِرَأْي وَاحِدٍ» . حدثنا عبد الله بن ربيع، حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الأسدي، ثنا أحمد بن خالد، ثنا عبد العزيز، ثنا الحجاج بن المنهال السلمي، ثنا عبد الحميد بن بهرام، ثنا شهر بن حوشب، حدثني ابن غنم: أن رسول الله لما خرج إلى بني قريظة والنضير قال له أبو بكر وعمر: يا رسول الله إن الناس يزيدهم حرصاً على الإسلام أن يروا عليك زيّاً حسناً من الدنيا، فانظر إلى الحلة التي أهداها لك سعد بن عبادة فالبسها فليرك اليوم المشركون أن عليك زيّاً حسناً، قال: أَفْعَلُ، وَأيْمُ الله لَوْ أَنَّكُمَا تَتَّفِقَانِ لِي عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ مَا عَصَيْتُكُمَا فِي مَشُورَةٍ أَبَداً وَلَقَدْ ضَرَبَ لِي رَبِّي مَثَلاً، فَأَمْثَالُكُمَا فِي المَلاَئِكَةِ كَمَثَلِ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ فَأَمَّا ابْنُ الخَطَّابِ فَمَثَلُهُ فِي المَلاَئِكَةِ كَمَثَلِ جِبْرِيلَ إِنَّ الله لَمْ يُدَمِّرَ أُمَّةً قَطُّ إِلا بِجِبْريلَ، وَمَثَلُهُ فِي الأَنْبِياءِ كَمَثَل نُوحٍ إِذْ قَالَ : {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً } وَمَثَلُ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ فِي المَلاَئِكَةِ كَمَثَلِ مِيكائِيلَ إِذْ يَسْتَغْفِرُ لِمَنْ فِي الأَرْضِ، وَمَثَلهُ فِي الأَنْبِياءِ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ : {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وَلَوْ أَنَّكُمَا تَتَّفِقَانِ لِي عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ مَا عَصَيْتُكُمَا فِي مُشَاوَرَةٍ أَبَداً وَلكِنَّ شَأْنُكُمَا فِي المُشَاوَرَةِ شَيْءٌ كَمَثَلِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَنُوحَ وَإِبْرَاهِيمَ» . قال أبو محمد: هذا كل ما موَّهوا به من الحديث، وقالوا: قد جاء النص بوجوب طاعة أولي الأمر منا عموماً فهو فيما قالوه برأيهم أيضاً. وقالوا قد اتفقنا على وجوب تقديم الإمام إذا مات الإمام، ولا نص على إمام بعينه فثبت أنه إنما يقدم بالرأي والإمامة من قواعد الدين.

وذكروا عن الصحابة ما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكي، حدثنا ابن مفرج، ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، نا محمد بن علي، ثنا سعيد بن منصور، نا سفيان بن عيينة وأبو معاوية ــــ هو محمد بن خازم الضرير ــــ كلاهما عن الأعمش، عن عمارة بن عميرة، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثر الناس على عبد الله بن مسعود يوماً فقال: إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هنالك إن الله تعالى قدر أن بلغنا من الأمور ما ترون، فمن عرض قضاء منكم بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله تعالى، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه ، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله تعالى، وليس فيما يقضي به النبي فليقض بما قضى به الصالحون، فاجتهد رأيه، وليقل إني أرى وأخاف، فإن الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور متشابهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. حدثنا حمام: ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي، ثنا عبد الله بن يونس المرادي، ثنا بقي بن مخلد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود مثله بتمامه وزاد فيه: فإن أتاه أمر لا يعرفه فليقر ولا يستحي.

وبه إلى ابن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس أنه كان إذا سئل عن أمر فكان في القرآن أخبر به، فإن لم يكن في القرآن فكان عن رسول الله أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه، حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي، ثنا ابن المفرج، ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، ثنا محمد بن علي بن زيد، ثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان بن عيينة، حدثني عبيد الله بن أبي يزيد قال: شهدت ابن عباس إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله تعالى قال به فإنْ لم يكن في كتاب الله عز وجل وحدث به عن رسول الله قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولا حدث به عن رسول الله ولا أخبر به عن أبي بكر، وعمر واجتهد وقال برأيه. وبه إلى سعيد بن منصور: ثنا هشيم، أخبرنا سيار، عن الشعبي قال: لما بعث عمر شريحاً على قضاء الكوفة قال: انظر ما تبين لك من كتاب الله فاتبع فيه السنة، وما لم يتبين في السنة فاجتهد فيه برأيك. وبه إلى سعيد بن منصور: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: إذا أتاك أمر في كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله ، فاقض بما قضى به أئمة الهدى، فإن لم يكن في كتاب الله عز وجل، ولا في سنة رسول الله ، ولا فيما قضى به أئمة الهدى فأنت بالخيار: إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن شئت أن تؤامرني، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيراً لك. حدثنا حمام، ثنا الباجي، ثنا عبد الله بن يونس، ثنا بقي بن مخلد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا علي بن مسهر، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه: إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها، فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله فاقض بما قضى به أئمة الهدى، فإن لم يكن في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك وتقدم فتقدم، وإن شئت أن تؤخر فتأخر، ولا أرى التأخير إلا خيراً لك.

قال أبو محمد: هذا كل ما موهوا به، ما نعلم لهم شيئاً غيره، وكله لا حجة لهم في شيء منه. أما قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } وقوله عز وجل: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } فإن كل مخالف ومؤلف لا يمتري أن ذلك ليس في شرع شيء من الدين، ولو أن أحداً يقول: إن الصلاة فرضت برأي ومشورة، أو قال ذلك في الصيام أو الحج، أو في شيء من الدين، لكان كاذباً آفكاً كافراً مع ذلك. وكيف يكون هذا مع قول الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } وقوله تعالى: {اتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } وقوله: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الثاني

في الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك (1) | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك (2) | في إبطال التقليد (1) | في إبطال التقليد (2) | في إبطال التقليد (3) | في إبطال التقليد (4) | في إبطال التقليد (5) | في إبطال التقليد (6) | في إبطال التقليد (7) | في إبطال التقليد (8) | في إبطال التقليد (9) | في إبطال التقليد (10)