50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الأول/فصل هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم؟

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام فصل هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم ؟
المؤلف: ابن حزم


فصل هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم ؟

  • قال أبو محمد : قال أبو سليمان والحسين ، عن أبي علي الكرابيسي ، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم ، أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معاً ،

وبهذا نقول : وقد ذكر هذا القول أحمد بن إسحاق المعروف بابن خويز منداد ، عن مالك بن أنس .

وقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج : إن خبر الواحد لا يوجب العلم، ومعنى هذا عند جميعهم أنه قد يمكن أن يكون كذباً أو موهوماً فيه، واتفقوا كلهم في هذا، وسوى بعضهم بين المسند والمرسل.

وقال بعضهم : المرسل لا يوجب علماً ولا عملاً ، وقد يمكن أن يكون حقاً وجعلت المعتزلة والخوارج هذا حجة لهم في ترك العمل به .

قالوا : ما جاز أن يكون كذباً أو خطأ فلا يحل الحكم به في دين الله عز وجل ، ولا أن يضاف إلى الله تعالى ولا إلى رسول الله ﷺ ، ولا يسع أحداً أن يدين به.

وقال سائر من ذكرنا : إنه يوجب العمل ، واحتج كل من ذكرنا بأن هذه صفة كل خبر واحد في جواز الكذب وتعمده وإمكان السهو فيه ، وإن لم يتعمد الكذب .

وقال أبو بكر بن كيسان الأصم البصري : لو أن مائة خبر مجموعة قد ثبت أنها كلها صحاح إلا واحداً منها لا يعرف بعينه أيها هو قال : فإن الواجب التوقف عن جميعها ، فكيف وكل خبر منها لا يقطع على أنه حق متيقن ، ولا يؤمن فيه الكذب والنسخ والغلط .

  • قال أبو محمد : أما احتجاج من احتج بأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجوز عليه الكذب والوهم فهو كما قالوا ، إلا أن يأتي برهان حسي ضروري أو برهان منقول نقلاً يوجب العلم من نص ضروري على أن الله تعالى قد برأ بعض الأخبار من ذلك ، فيخرج بدليله عن أن يجوز فيه الكذب والوهم ، وقد وافقنا المعتزلة وكل من يخالفنا في هذا المكان على أن خبر النبي ﷺ في الشريعة لا يجوز فيه الكذب ولا الوهم لقيام الدليل على ذلك .

وقال أصحاب القياس : إن إجماع الأمة على القياس معصوم من الخطأ بخلاف إجماع سائر الملل لقيام دليل ادعوه في ذلك، وكما أجمعتم معنا على القطع ببراءة عائشة رضي الله عنها ، وخروج ما قذفت به عن الإمكان لقيام البرهان بذلك عند جميعكم وعندنا ، وقد ادعى الروافد منكم هذا في خبر الإمام ، فإن وجدنا نحن برهاناً على أن خبر الواحد المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة لا يجوز عليه الكذب ولا الوهم ، فقد صح قولنا وقولهم في أن خبر النبي ﷺ في الشريعة لا يجوز عليه الكذب والوهم ، وإن لم نجد برهاناً على ذلك فهو قولهم، وقد صح البرهان بذلك ، ولله الحمد على ما نذكره إن شاء الله تعالى .

وأما قول ابن كيسان فباطل لأنه دعوى بلا دليل ، بل الواجب حينئذ البحث عن الخبر الواهي والمنسوخ حتى يعرف فيجتنب ، وإلا فالعمل واجب ، لأن الأصل وجوب العمل بالسنن حتى يصح فيها بطلان أو نسخ ، وإلا فهي على البراءة من النسخ ومن الكذب والوهم حتى يصح في الخبر شيء من ذلك فيترك لقول الله تعالى : { أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ } ولقوله تعالى: {اتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ } ولقوله تعالى: { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } .

وقد علمنا أن في القرآن آيات منسوخة بلا شك لقوله تعالى : {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وقد اختلف العلماء فيها :

فطائفة قالت في آية إنها منسوخة ، وطائفة قالت ليست منسوخة بل هي محكمة .

فما قال مسلم قط لا ابن كيسان ولا غيره : إن الواجب التوقف عن العمل بشيء من القرآن من أجل ذلك ، وخوفاً أن يعمل بمنسوخ لا يحل العمل به ، بل الواجب العمل بكل آية منه حتى يصح النسخ فيها فيترك العمل بها.

وقول ابن كيسان يوجب ترك الحق يقيناً ، ولا فرق بين ترك الحق يقيناً وبين العمل بالباطل يقيناً ، وكلاهما لا يحل ، فقد تعجل ابن كيسان لنفسه الذي فر عنه وأشد منه ، لأنه ترك الحق يقيناً خوف أن يقع في خطأ لعله لا يقع فيه ، وهذا كما ترى .

  • قال أبو محمد : وهذا حين نأخذ إن شاء الله تعالى في إيراد البراهين على أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة يوجب العلم ، ولا يجوز فيه البتة الكذب ولا الوهم .

فنقول وبالله تعالى التوفيق : قال الله عز وجل عن نبيه ﷺ : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } وقال تعالى آمراً لنبيه ﷺ أن يقول : {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } وقال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } وقال تعالى : {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } .

فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله عز وجل، لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل ، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين ، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شيء أبداً تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه ، إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذباً وضمانه خائساً ، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل ، فوجب أن الذي أتانا به محمد ﷺ محفوظ بتولي الله تعالى حفظه ، مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبداً إلى انقضاء الدنيا قال تعالى : {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } .

فإذ ذلك كذلك فبالضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله ﷺ في الدين ، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطاً لا يتميز عن أحد من الناس بيقين ، إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ ، ولكان قول الله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } كذباً ووعداً مخلفاً وهذا لا يقوله مسلم .

فإن قال قائل : إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده ، فهو الذي ضمن تعالى حفظه لسائر الوحي الذي ليس قرآناً.

قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل ، وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى : {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .

فصح أن لا برهان له على دعواه ، فليس بصادق فيها ، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن أو من سنَّة وحي يبين بها القرآن ، وأيضاً فإن الله تعالى يقول : {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فصح أنه ﷺ مأمور ببيان القرآن للناس .

وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه ، لكن بيان رسول الله ﷺ فإذا كان بيانه ﷺ لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه ، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه ، فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها ، فما أخطأ فيه المخطىء أو تعمد فيه الكذب الكاذب ، ومعاذ الله من هذا ، وأيضاً نقول لمن قال : إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغاً إلى النبي ﷺ لا يوجب العلم ، وإنما يجوز فيه الكذب والوهم ، وأنه غير مضمون الحفظ : أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله ﷺ ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة ، فجهلت حتى لا يعملها علم يقين أحد من أهل الإسلام في العالم أبداً ، وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطاً لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبداً ، أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين ؟ .

فإن قالوا : لا يمكنان أبداً ، بل قد أمّنا ذلك ، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مسنداً إلى رسول الله ﷺ في الديانة ، فإنه حق قد قاله ﷺ كما هو، وأنه يوجب العلم ونقطع بصحته ، ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله ﷺ قط اختلاطاً لا يتميز فيه الباطل من الحق أبداً .

وإن قالوا : بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن الدين دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره ، واختلط ما أمر الله تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطاً لا يميزه أحد أبداً ، وأنهم لا يدرون أبداً ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به ، ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله ﷺ إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث ، والذي لا يغني من الحق شيئاً وهذا انسلاخ من الإسلام ، وهدم للدين ، وتشكيك في الشرائع . ثم نقول لهم : أخبرونا إن كان ذلك كله ممكناً عندكم ، فهل أمركم الله تعالى بالعمل بما رواه الثقات مسنداً إلى رسول الله ﷺ أو لم يأمركم بالعمل به ؟ ولا بد من أحدهما .

فإن قالوا : لم يأمرنا الله تعالى بذلك لحقوا بالمعتزلة ، وسيأتي جوابهم على هذا القول إن شاء الله تعالى .

وإن قالوا: بل أمرنا الله تعالى بالعمل بذلك .

قلنا لهم: فقد قلتم إن الله تعالى أمركم بالعمل في دينه بما لم يأمركم به مما وضعه الكذابون ، وأخطأ فيه الواهمون ، وأمركم بأن تنسبوا إليه تعالى وإلى نبيه ﷺ ما لم يأتكم به قط ، وما لم يقله الله تعالى قط ولا رسوله ﷺ .

وهذا قطع بأنه عز وجل أمر بالكذب عليه ، وافترض العمل بالباطل ، وبما ليس من الدين، وبما شرع الكذابون مما لم يأذن به الله تعالى وهذا عظيم جداً لا يستجيز القول به مسلم .

ثم نسألهم عما قالوا : إنه ممكن من سقوط بعض ما قاله رسول الله ﷺ من الحكم في الدين بإيجاب أو تحريم حتى لا يوجد عند أحد ، هل بقي علينا العمل به أم سقط عنا ؟ ولا بد من أحدهما .

فإن قالوا : بل هو باق علينا .

قلنا لهم : كيف يلزمنا العمل بما لا ندري وبما لم يبلغنا ولا يبلغنا أبداً. وهذا هو تحميل الإصر والحرج والعسر الذي قد آمننا الله تعالى منه.

وإن قالوا: بل سقط عنا العمل به .

قلنا لهم: فقد أجزتم نسخ شرائع من شرائع الإسلام مات رسول الله ﷺ وهي محكمة ثابتة لازمة ، فأخبرونا من الذي نسخها وأبطلها ، وقد مات وهي لازمة لنا غير منسوخة ؟ وهذا خلاف الإسلام والخروج منه جملة .

فإن قالوا : لا يجوز أن يسقط حكم شريعة مات رسول الله ﷺ وهو لازم لنا ولم ينسخ .

قلنا لهم : فمن أين أجزتم هذا النوع من الحفظ في الشريعة ؟ ولم تجيزوا تمام الحفظ للشريعة في ألا يختلط بها باطل لم يأمر الله تعالى به قط ، اختلاطاً لا يتميز معه الحق الذي أمر الله تعالى به من الباطل الذي لم يأمر به تعالى قط ؟

وهذا لا مخلص لهم منه ، ولا فرق بين من منع من سقوط شريعة حق وأجاز اختلاطها بالباطل ، وبين من منع من اختلاط الحق في الشريعة بالباطل ، وأجاز سقوط شريعة حق ، وكل هذا باطل لا يجوز البتة وممتنع قد أمنا كونه ولله الحمد ، وإذا صح هذا فقد ثبت يقيناً أن خبر الواحد قد أمنا كونه ولله الحمد وإذا صح هذا فقد ثبت يقيناً أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغاً إلى رسول الله ﷺ حق مقطوع به موجب للعمل والعلم معاً.

وأيضاً قال الله تعالى : {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وقد قال تعالى : {يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }

نسألهم هل بيّن رسول الله ﷺ ما أنزل الله إليه أو لم يبين ؟ وهل بلغ ما أنزل الله إليه أو لم يبلغ ؟ ولا بد من أحدهما .

فمن قولهم إنه ﷺ قد بلغ ما أنزل الله إليه وبينه للناس ، وأقام به الحجة على من بلغه ، فنسألهم عن ذلك التبليغ .

وذلك البيان : أهما باقيان عندنا وإلى يوم القيامة ؟ أم هما غير باقيين ؟

فإن قالوا : بل هما باقيان وإلى يوم القيامة رجعوا إلى قولنا ، وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله تعالى في الدين مبين مما لم ينزله ، مبلغ إلينا وإلى يوم القيامة ، وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل عن مثله مسنداً إلى رسول الله ﷺ حق مقطوع على مبيّنه موجب للعلم والعمل .

وإن قالوا : بل هما غير باقين ، دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيراً من الدين قد بطل ، وإن التبليغ قد سقط في كثير من الشرائع ، وأن تبيين رسول الله ﷺ لكثير من الدين قد ذهب ذهاباً لا يوجد معه أبداً ، وهذا هو قول الروافض بل شر منه ، لأن الروافض ادعت أن حقيقة الدين موجودة عند إنسان مضمون كونه في العالم ، وهؤلاء أبطلوه من جميع العالم ، ونعوذ بالله من كلا القولين .

وأيضاً فإن الله تعالى قال : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وقال تعالى : {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } وقال تعالى : {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } وقال تعالى ذاماً لقوم قالوا : {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } وقال تعالى : {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } .

وقد صح أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله مبلغاً إلى رسول الله ﷺ ، وأن نقول أمر رسول الله ﷺ بكذا، وقال ﷺ كذا ، وفعل ﷺ كذا ، وحرم القول في دينه بالظن ، وحرم تعالى أن نقول عليه ﷺ إلا بعلم . فلو كان الخبر المذكور يجوز فيه الكذب ، أو الوهم لكنا قد أمرنا الله تعالى بأن نقول عليه ما لا نعلم ، ولكان تعالى قد أوجب علينا الحكم في الدين بالظن الذي لا نتيقنه ، والذي هو الباطل الذي لا يغني من الحق شيئاً ، والذي هو غير الهدى الذي جاءنا من عند الله تعالى ، وهذا هو الكذب والإفك والباطل الذي لا يحل القول به ، والذي حرم الله تعالى علينا أن نقول به ، وبالتخرص المحرم فصح يقيناً أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه ، موجب للعلم والعمل معاً ، وبالله تعالى التوفيق .

وصار كل من يقول بإيجاب العمل بخبر الواحد ، وأنه مع ذلك ظن لا يقطع بصحة غيبه ، ولا يوجب العلم قائلاً بأن الله تعالى تعبدنا أن نقول عليه تعالى ما ليس لنا به علم ، وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم تعالى علينا أن نحكم به في الدين ، وهذا عظيم جداً.

وأيضاً فإن الله تعالى يقول : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

وقال تعالى : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وقال تعالى : {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ } وقال تعالى : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .

  • قال أبو محمد : فنقول لمن جوز أن يكون ما أمر الله تعالى به نبيه ﷺ من بيان شريعة الإسلام لنا غير محفوظ ، وإنه يجوز فيه التبديل ، وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطاً لا يتميز أبداً : أخبرونا عن إكمال الله ديناً ورضاه الإسلام لنا ديناً ، ومنعه تعالى من قبول كل دين حاشا الإسلام ، أكل ذلك باق علينا ولنا إلى يوم القيامة ؟ أم إنما كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم فقط ؟ أم لا للصحابة ولا لنا ؟ ولا بد من أحد هذه الوجوه .

فإن قالوا : لا للصحابة ولا لنا ، كان قائل هذا القول كافراً لتكذيبه الله تعالى جهاراً وهذا لا يقوله مسلم .

وأن قالوا: بل كان كل ذلك باق لنا وعلينا إلى يوم القيامة صاروا إلى قولنا ضرورة، وصح أن شرائع الإسلام كلها كاملة، والنعمة بذلك علينا تامة، وأن دين الإسلام الذي ألزمنا الله تعالى اتباعه لأنه هو الدين عنده عز وجل متميز عن غيره الذي لا يقبله الله تعالى من أحد، وأننا ولله الحمد قد هدانا الله تعالى له، وأننا على يقين من أنه الحق وما عداه هو الباطل، وهذا برهان ضروري قاطع على أنه كل ما قاله رسول الله ﷺ في الدين ، وفي بيان ما يلزمنا محفوظ لا يختلط به أبداً ما لم يكن منه.

وإن قالوا: بل كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم ، وليس ذلك لنا ولا علينا كانوا قد قالوا الباطل وخصصوا خطاب الله تعالى بدعوى كاذبة ، إذ خطابه تعالى بالآيات التي ذكرنا عموم لكل مسلم في الأبد ، ولزمهم مع هذه العظيمة أن دين الإسلام غير كامل عندنا ، وأنه تعالى رضي لنا منه ما لم ينبته علينا ، وألزمنا ما لا ندري أين نجده ، أو ألزمنا ما لم ينزله ، وافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة والمستخفون ، ووضعوه على لسان رسوله ﷺ ، أو وهم فيه الواهمون مما لم يقله نبيه وهذا بيقين ليس هو دين الإسلام ، بل هو إبطال الإسلام جهاراً ، ولو كان هذا وقد أمنا ولله الحمد أن يكون لكان ديننا كدين اليهود والنصارى الذي أخبرنا الله تعالى أنهم كتبوا الكتاب وقالوا هو من عند الله .

  • قال أبو محمد : حاشا لله من هذا ، بل قد وثقنا بأن الله تعالى صدق في قوله : {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }

وأنه تعالى قد هدانا للحق فصح يقيناً أن كل ما قاله ﷺ فقد هدانا الله تعالى له ، وأنه الحق المقطوع عليه ، والعلم المتيقن الذي لا يمكن امتزاجه بالباطل أبداً .

  • قال أبو محمد : وقال بعضهم إذا انقطعت به الأسباب : خبر الواحد يوجب علماً ظاهراً .
  • قال أبو محمد : وهذا كلام لا يعقل ، وما علمنا علماً ظاهراً غير باطن ، ولا علماً باطناً ، غير ظاهر ، بل كل علم تيقن فهو ظاهر إلى من علمه وباطن في قلبه معاً . وكل ظن يتيقن فليس علماً أصلاً ، لا ظاهراً ولا باطناً ، بل هو ضلال وشك وظن محرم القول به في دين الله تعالى .

ونقول لهم : إذا جاز عندكم أن يكون كثير من دين الإسلام قد اختلط بالباطل ، فما يؤمنكم إذ ليس محفوظاً من أنه لعل كثيراً من الشرائع قد بطلت ، لأنها لم ينقلها أحد أصلاً ؟ فإن منعوا من ذلك لزمهم المنع من اختلاطها بما ليس منها ، لأن ضمان حفظ الله تعالى يقتضي الأمان من كل ذلك .

وأيضاً فإنه لا يشك أحد من المسلمين قطعاً في أن كل ما علمه رسول الله ﷺ أمته من شرائع الدين واجبها وحرامها ومباحها ، فإنها سنة الله تعالى ، وقد قال عز وجل : {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } {اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } هذا نص كلامه تعالى .

وقد قال تعالى : {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } فلو جاء أن يكون ما نقله الثقات الذين افترض الله علينا قبول نقلهم والعمل به ، والقبول بأنه سنة الله تعالى وبيان نبيه ﷺ , يمكن في شيء منه التحويل أو التبديل ، لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لهما تبديل ولا تحويل كذباً ، ولكانت كلماته كذباً ، وهذا ما لا يجيزه مسلم أصلاً ، فصح يقيناً لا شك فيه أن كل سُنّة سنّها الله تعالى من الدين لرسوله ﷺ . وسنّها رسوله ﷺ لأمته، فإنها لا يمكن في شيء منها تبديل ولا تحويل أبداً وهذا يوجب أن نقل الثقات في الدين يوجب العلم بأنه حق كما هو عند الله تعالى ، وقولنا ولله الحمد .

وأيضاً : فإنهم مجمعون معنا على أن رسول الله ﷺ معصوم من الله تعالى في البلاغ في الشريعة ، وعلى تكفير من قال ليس معصوماً في تبليغه الشريعة إلينا.

فنقول لهم : اخبرونا عن الفضيلة بالعصمة التي جعلها الله تعالى لرسوله ﷺ في تبليغه الشريعة التي بعث بها ؟ أهي له ﷺ في إخباره الصحابة بذلك فقط ؟ أم هي باقية لما أتى به ﷺ في بلوغه إلينا وإلى يوم القيامة ؟

فإن قالوا : بل هي له ﷺ مع من شاهده خاصة لا في بلوغ الدين إلى من بعدهم .

قلنا لهم : إذا جوزتم بطلان العصمة في تبليغ الدين بعد موته ﷺ ، وجوزتم وجود الداخلة والفساد والبطلان والزيادة والنقصان والتحريف في الدين ، فمن أين وقع لكم الفرق بين ما جوزتم من ذلك بعده ﷺ ؟ وبين ما منعتم من ذلك في حياته منه ﷺ ؟

فإن قالوا : لأنه كان يكون ﷺ غير مبلغ ما أمر به ، ولا معصوم ، والله تعالى يقول : {يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } .

قيل لهم : نعم وهذا التبليغ المعترض عليه والذي هو فيه ﷺ معصوم بإجماعكم معنا من الكذب والوهم هو إلينا كما هو إلى الصحابة رضي الله عنهم ولا فرق ، والدين لازم لنا كما هو لازم لهم سواء بسواء فالعصمة واجبة في التبليغ للديانة باقية مضمونة ولا بد إلى يوم القيامة كما كانت قائمة عن الصحابة رضي الله عنهم سواء بسواء .

ومن أنكر هذا فقد قطع بأن الحجة علينا في الدين غير قائمة والحجة لا تقوم بما لا يدرى أحق هو أم باطل كذب ؟ .

ثم نقول لهم وكذلك قال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.

فإن ادعوا إجماعاً قلنا لهم : من الكرامية من يقول إنه عليه السلام غير معصوم في تبليغ الشريعة .

فإن قالوا: ليس هؤلاء ممن يعد في الإجماع .

قلنا: صدقتم ، ولا يعد في الإجماع .

من قال : إن الدين غير محفوظ ، وإن كثيراً من الشرائع التي أنزل الله تعالى قد بطلت واختلطت بالباطل الموضوع والموهوم فيه اختلاطاً لا يتميز معه الرشد من الغي ولا الحق من الباطل ولا دين الله تعالى من دين إبليس أبداً .

فإن قالوا : بل الفضيلة بعصمة ما أتى النبي به من الدين باقية إلى يوم القيامة صاروا إلى الحق الذي هو قولنا ولله تعالى الحمد.

فإن قالوا : فإنه صفة كل مخبر وطبيعته أن خبره يجوز فيه الصدق والكذب والخطأ ، وقولكم بأن خبر الواحد العدل في الشريعة موجب للعلم إحالة لطبيعة الخبر وطبيعة المخبرين ، وخرق لصفات كل ذلك وللعادة فيه .

قلنا لهم : لا ينكر من الله تعالى إحالة ما شاء من الطبائع إذا صح البرهان بأنه فعل الله تعالى ؛ والعجب من إنكاركم هذا مع قولكم به بعينه في إيجابكم عصمة النبي ﷺ من الكذب والوهم في تبليغه الشريعة ، وهذا هو الذي أنكرتم بعينه ، بل لم تقنعوا بالتناقض إذا أصبتم في ذلك وأخطأتم في منعكم من ذلك في خبر الواحد العدل ؛ حتى أتيتم بالباطل المحض إذ جوزتم على جميع الأمم موافقة الخطأ في إجماعها في رأيها ، وذلك طبيعة في الكل وصفة لهم ، ومنعتم من جواز الخطأ والوهم على ما ادعيتموه من إجماع الأمة من المسلمين خاصة في اجتهادها في القياس ، وحاشا لله أن تجمع الأمة على الباطل والقياس عين الباطل فخرقتم بذلك العادة وأحلتم الطبائع بلا برهان لا سيما إن كان المخالف لنا من المرجئة القاطعين بأنه لا يمكن أن يكون يهودي ولا نصراني يعرف بقلبه أن الله تعالى حق . فإن هؤلاء أحالوا الطبائع بلا برهان ومنعوا من إحالتها إذا قام البرهان بإحالتها .

فإن قالوا : فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار الشرعية التي قالها رسول الله ﷺ معصومون في نقلها ، وإن كل واحد منهم معصوم في نقله من تعمد الكذب ووقوع الوهم منه .

قلنا لهم : نعم هكذا نقول ، وبهذا نقطع ونبت . وكل عدل روى خبراً عن رسول الله ﷺ في الدين أو فعله ﷺ , فذلك الراوي معصوم من تعمد الكذب مقطوع بذلك عند الله تعالى ومن جواز الوهم فيه عليه إلا ببيان وارد ولا بد من الله تعالى ببيان ما وهم فيه ، كما فعل تعالى بنبيه ﷺ , إذ سلم من ركعتين ومن ثلاث واهماً ، لقيام البراهين التي قدمنا من حفظ جميع الشريعة وبيانها مما ليس منها ، وقد علمنا ضرورة أن كل من صدق في خبر ما فإنه معصوم في ذلك الخبر من الكذب والوهم بلا شك فأي نكرة في هذا ؟ .

فإن قالوا : تعبدنا الله تعالى بحسن الظن به ، وقال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» .

قلنا : ليس هذا من الحكم في الدين بالظن في شيء بل كله باب واحد لأنه تعالى حرم علينا أن نقول عليه ما لا نعلم ونحن لا نعلم أيغفر لنا أم يعذبنا فوجب علينا الوقوف في ذلك والرجاء والخوف ، وحرم علينا أن نقول عليه في الدين والتحريم والإباحة والإيجاب ما لا نعلم ، وبين لنا كل ما ألزمنا من ذلك فوجب القطع بكل ذلك كما وجب القطع بتخليد الكفار في النار أو تخليد المؤمنين في الجنة ، ولا فرق ولم يجز القول بالظن في شيء من ذلك كله .

فإن قالوا : أنتم تقولون : إن الله تعالى أمرنا بالحكم بما شهد به العدل مع يمين الطالب وبما شهد به العدلان فصاعداً ، وبما حلف عليه المدعى عليه ، إذا لم يقم المدعي بينة في إباحة الدماء المحرمة ، والفروج المحرمة ، والأبشار المحرمة ، والأموال المحرمة ، وكل ذلك بإقراركم ممكن أن يكون في باطن الأمر بخلاف ما شهد به الشاهد ، وما حلف عليه الحالف ، وهذا هو الحكم بالظن الذي أنكرتم علينا في قولنا في خبر الواحد ولا فرق .

قلنا لهم وبالله التوفيق : بين الأمرين فروق واضحة كوضوح الشمس .

أحدهما : أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله، وتبينه من الغي ومما ليس منه. ولم يتكفل تعالى قط بحفظ دمائنا، ولا بحفظ فروجنا ، ولا بحفظ أبشارنا ولا بحفظ أموالنا في الدنيا . بل قدر تعالى بأن كثيراً من كل ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا . وقد نص على ذلك رسول الله ﷺ إذ يقول : «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أنْ يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنَ الآخَرِ فَأقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»

وبقوله ﷺ للمتلاعنين : «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب» أو كما قال ﷺ في كل ذلك .

والفرق الثاني : أن حكمنا بشهادة الشاهد وبيمين الحالف ، ليس حكماً بالظن كما زعموا ، بل نحن نقطع ونبت بأن الله عز وجل افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع شهادة العدل ، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم بينة ؛ وبشهادة العدل والعدلين والعدول عندنا ، وإن كانوا في باطن أمرهم كذابين أو واهمين والحكم بكل ذلك حق عند الله تعالى ، وعندنا مقطوع على غيبه .

برهان ذلك : أن حاكماً لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي ، فلم يحكم للمدعى عليه باليمين ، أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما . فإن ذلك الحاكم فاسق عاصٍ لله عز وجل، مجرح الشهادة ظالم ، سواء كان المدعى عليه مبطلاً في إنكاره أو محقاً ، أو كان الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين ، إذا لم يعلم باطن أمرهم .

ونحن مأمورون يقيناً بأمر الله عز وجل لنا بأن نقتل هذا البريء المشهود عليه بالباطل ، وأن نبيح هذه البشرة المحرمة ، وهذا المال الحرام المشهود فيه بالباطل ، وحرم على المبطل أن يأخذ شيئاً من ذلك . وقضى ربنا بأننا إن لم نحكم بذلك فإننا في الدين فساق عصاة له تعالى ظلمه متوعدون بالنار على ذلك وما أمرنا تعالى قط بأن نحكم في الدين بخبر وضعه فاسق أو وهم فيه واهم .

وقال تعالى : {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .

فهذا فرق في غاية البيان .

وفرق ثالث ؛ وهو أن نقول : إن الله تعالى افترض علينا أن نقول في جميع الشريعة : قال رسول الله ﷺ .

وأمرنا الله تعالى بكذا، لأنه تعالى يقول : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ، {مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }

ففرض علينا أن نقول : نهانا الله تعالى ورسوله ﷺ عن كذا ، وأمرنا بكذا ، ولم يأمرنا تعالى قط أن نقول : شهد هذا بحق ، ولا حلف هذا الجانب على حق ، ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق له يقيناً ، ولا قال تعالى ما قال هذا الشاهد ، لكن الله تعالى قال لنا : احكموا بشهادة العدول ، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم عليه بينة ، وهذا فرق لا خفاء به فلم نحكم بالظن في شيء من كل ذلك أصلاً ولله الحمد ، بل بعلم قاطع ، ويقين ثابت أن كل ما حكمنا به مما نقله العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ فحق من عند الله تعالى أوحى به ربنا تعالى ، مضاف إلى رسول الله ﷺ محكي عنه أنه قال وكل ما حكمنا فيه بشهادة العدول عندنا فحق مقطوع به من عند الله تعالى لأنه أمرنا بالحكم به ، ولم يأمرنا بأن نقول فيما شهدوا به ، وما حلف به الحالف أنه من عند الله تعالى ، ولا أنه حق مقطوع به .

فإن قالوا : إنما قال تعالى : {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } ولم يقل كل الظن إثم.

قلنا : قد بيّن الله تعالى الإثم من البر وهو أن القول عليه تعالى بما لا نعلم حرام ، فهذا من الظن الذي هو إثم بلا شك .

  • قال علي : فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد ، للدلائل التي ذكرنا ، وظنوا أنهم تخلصوا بذلك ولم يتخلصوا ، بل كل ما لزم غيرهم مما ذكرنا هو ملازم لهم ، وذلك أننا نقول لهم وبالله تعالى التوفيق : أخبرونا عن الأخبار التي رواها الآحاد أهي كلها حق إذا كانت من رواية الثقات خاصة ؟ أم كلها باطل ؟ أم فيها حق وباطل ؟

فإن قالوا : فيها حق وباطل وهو قولهم .

قلنا لهم : هل يجوز أن تبطل شريعة أوحى الله تعالى بها إلى نبيه ﷺ ليبينها لعباده حتى يختلط بكذب وضعه فاسق ونسبه إلى النبي ﷺ ، أو وهم فيها واهم فيختلط الحق المأمور به مع الباطل المختلق اختلاطاً لا يتميز به الحق من الباطل أبداً لأحد من الناس ، وهل الشرائع الإسلامية كلها محفوظة لازمة لنا أو هي غير محفوظة ، ولا كلها لازم لنا، بل قد سقط منها بعد رسول الله ﷺ كثير ، وهل قامت الحجة علينا لله تعالى فيما افترض من الشرائع بأنها بينة لنا متميزة مما لم يأمرنا به ، أو لم تقم لله تعالى علينا حجة في الدين لأن كثيراً منه مختلط بالكذب غير متميز منها أبداً ؟ .

فإن أجازوا اختلاط شرائع الدين التي أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بما ليس في الدين .

وقالوا : لم تقم لله تعالى علينا حجة فيما أمرنا به . دخل عليهم في القول بفساد الشريعة ، وذهاب الإسلام ، وبطلان ضمان الله تعالى بحفظ الذكر كالذي دخل على غيرهم حرفاً بحرف ، سواء بسواء ، ولزمهم أنهم تركوا كثيراً من الدين الصحيح كما لزم غيرهم سواء بسواء ، أنهم يعملون بما ليس من الدين ، وأن النبي ﷺ قد بطل بيانه ، وأنه حجة الله تعالى بذلك لم تقم علينا سواء بسواء ، وفي هذا ما فيه . فإن لجأوا إلى الاقتصار على خبر التواتر ، لم ينفكوا بذلك من أن كثيراً من الدين قد بطل لاختلاطه بالكذب الموضوع ، وبالموهوم فيه ، ومن جواز أن يكون كثير من شرائع الإسلام لم ينقل إلينا ، إذ قد بطل ضمان حفظ الله تعالى فيها ، وأيضاً فإنه لا يعجز أحد أن يدعي في أي خبر شاء أنه منقول نقل التواتر ، بل أصحاب الإسناد أصح دعوى في ذلك، لشهادة كثرة الرواة وتغير الأسانيد لهم بصحة قولهم في نقل التواتر وبالله تعالى التوفيق .

فإن لجأ لاجىء إلى أن يقول بأن كل خبر جاء من طريق الآحاد الثقات ، فإنه كذب موضوع ليس منه شيء قاله قط رسول الله ﷺ .

وقلنا وبالله تعالى التوفيق : هذه مجاهرة ظاهرة ، ومدافعة لما نعلم بالضرورة خلافه ، وتكذيب لجميع الصحابة أولهم عن آخرهم ، ولجميع فضلاء التابعين ، ولكل إنسان من العلماء جيلاً بعد جيل ، لأن كل ما ذكرنا رووا الأخبار عن النبي بلا شك من أحد ، واحتج بها بعضهم على بعض ، وعملوا بها ، وأفتوا بها في دين الله تعالى وهذا اطراح للإجماع المتيقن ، وباطل لا تختلف النفوس فيه أصلاً ، لأنا بالضرورة ندري أنه لا يمكن البتة في البنية أن يكون كل من ذكرنا لم يصدق قط في كلمة رواها ، بل كلهم وضعوا كل ما رووا .

وأيضاً ففيه إبطال الشرائع التي لا يشك مسلم ولا غير مسلم في أنها ليست في القرآن مبينة كالصلاة ، والزكاة ، والحج ، وغير ذلك ، وأنه إنما أخذ بيانها من كلام رسول الله ﷺ ، وفي هذا القطع بأن كل صاحب من الصحابة ، روى عن رسول الله ﷺ فإنه هو الواضع ، والمخترع للكذب عن رسول الله ﷺ فيه ، ولا يشك أحد على وجه الأرض في أن كل صاحب من الصحابة قد حدث عن النبي ﷺ أهله وجيرانه ، وفي هذا إثبات وضع الشرائع على جميعهم ، أولهم عن آخرهم ، وما بلغت الروافض والخوارج قط هذا المبلغ ، مع أنها دعوى بلا برهان، وما كان كذلك فهو باطل بيقين، في ثلاثة أقوال كما ترى لا رابع لها :

إما أن يكون كل خبر نقله العدل عن العدل مبلغاً إلى رسول الله ﷺ كذباً كلها أولها عن آخرها موضوعة بأسرها ، وهذا باطل بيقين كما بيّنا ، وإيجاب أن كل صاحب وتابع وعالم لا نحاشي أحداً قد اتفقوا على وضع الشرائع والكذب فيها على رسول الله ﷺ ، وهذا انسلاخ عن الإسلام .

أو يكون فيها حق وفيها باطل إلا أنه لا سبيل إلى تمييز الحق منها من الباطل لأحد أبداً ، وهذا تكذيب لله تعالى في إخباره بحفظ الذكر المنزل ، وبإكماله الدين لنا ، وبأنه لا يقبل منا إلا دين الإسلام لا شيئاً سواه , وفيه أيضاً فساد الدين واختلاطه بما لم يأمر به تعالى قط به .

وأنه لا سبيل لأحد في العالم إلى أن يعرف ما أمره الله تعالى به في دينه مما لم يأمره به أبداً ، وأن حقيقة الإسلام وشرائعه قد بطلت بيقين ، وهذا انسلاخ عن الإسلام .

أو أنها كلها حق مقطوع على غيبها عند الله تعالى ، موجبة كلها للعلم ، لإخبار الله تعالى بأنه حافظ لما أنزل من الذكر ، ولتحريمه تعالى الحكم في الدين بالظن والقول عليه بما لا علم لنا به ، ولإخباره تعالى بأنه قد بيّن الرشد من الغي ، وليس الرشد إلا ما أنزله الله تعالى على لسان نبيه ﷺ ، وفي فعله، وليس الغي إلا ما لم ينزله الله تعالى على لسان نبيه ﷺ ، وهذا قولنا والحمد لله رب العالمين .

  • قال علي : فإذا قد صح هذا القول بيقين ، وبطل كل ما سواه ، فلنتكلم بعون الله تعالى على تقسيمه

فنقول وبالله تعالى نتأيد : إننا قد أمنَّا ولله الحمد أن تكون شريعة أمر بها رسول الله ﷺ ، أو ندب إليها أو فعلها ﷺ , فتضيع ولم تبلغ إلى أحد من أمته ، إما بتواتر أو بنقل الثقة عن الثقة ، حتى تبلغ إليه ، وأمنَّا أيضاً قطعاً أن يكون الله تعالى يفرد بنقلها من لا تقوم الحجة بنقله من العدول ، وأمنَّا أيضاً قطعاً أن تكون شريعة يخطىء فيها راويها الثقة ، ولا يأتي بيان جليّ واضح بصحة خطئه فيه، وأمنَّا أيضاً قطعاً أو يطلق الله عز وجل من قد وجبت الحجة علينا بنقله على وضع حديث فيه شرع يسنده إلى من تجب الحجة بنقله، حتى يبلغ به إلى رسول الله ﷺ ، وكذلك نقطع ونثبت بأن كل خبر لم يأت قط إلا مرسلاً ، أو لم يروه قط إلا مجهول أو مجرح ثابت الجرحة ، فإنه خبر باطل بلا شك موضوع لم يقله رسول الله ﷺ إذ لو جاز أن يكون حقاً لكان ذلك شرعاً صحيحاً غير لازم لنا، لعدم قيام الحجة علينا فيها .

  • قال علي : وهذا الحكم الذي قدمنا إنما هو فيما نقله من اتفق على عدالته كالصحابة وثقات التابعين ثم كشعبة وسفيان وسفيان ومالك وغيرهم ، من الأئمة في عصرهم وبعدهم إلينا وإلى يوم القيامة ، وفي كل من ثبتت جرحته كالحسن بن عمارة وجابر الجعفي وسائر المجرحين الثابتة جرحتهم ، وأما من اختلف فيه فعدله قوم وجرحه آخرون ، فإن ثبتت عندنا عدالته قطعنا على صحة خبره ، وإن ثبتت عندنا جرحته قطعنا على بطلان خبره ، وإن لم يثبت عندنا شيء من ذلك وقفنا في ذلك ، وقطعنا ولا بد حتماً على أن غيرنا لا بد أن يثبت عنده أحد الأمرين فيه ، وليس خطؤنا نحن إن أخطأنا ، وجهلنا إن جهلنا ، حجة على وجوب ضياع دين الله تعالى ، بل الحق ثابت معروف عند طائفة وإن جهلته أخرى ، والباطل كذلك أيضاً ، كما يجهل قوم ما نعلمه نحن أيضاً ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، ولا يصح الخطأ في خبر الثقة إلا بأحد ثلاثة أوجه : إما تثبت الراوي واعترافه بأنه أخطأ فيه ، وإما شهادة عدل على أنه سمع الخبر مع راويه فوهم فيه فلان ، وإما بأن توجب المشاهدة بأنه أخطأ .
  • قال علي : وكذلك نقطع ونبتّ في كل خبرين صحيحين متعارضين ، وكل آيتين متعارضتين ، وكل آية وخبر صحيح متعارضين ، وكل اثنين متعارضين ، لم يأت نص بيّن بالتناسخ منهما ، فإن الحكم الزائد على الحكم المتقدم من معهود الأصل هو الناسخ ، وأن الموافق لمعهود الأصل المتقدم ، وهو المنسوخ قطعاً يقيناً للبراهين التي قدمنا من أن الدين محفوظ ، فلو جاز أن يخفى فيه ناسخ من منسوخ ، أو أن يوجد عموم لا يأتي نص صحيح بتخصيصه ، ويكون المراد به الخصوص ، لكان الدين غير محفوظ ، ولكانت الحجة غير قائمة على أحد في الشريعة ؛ ولكنا متعبدين بالظن الكاذب المحرم ، بل بالعمل بما لم يأمر الله تعالى قط به ، وهذا باطل مقطوع على بطلانه .
  • قال علي : فإن وجد لنا يوماً غير هذا فنحن تائبون إلى الله تعالى منه ، وهي وهلة نستغفر الله عز وجل منها ، وإنا لنرجو ألا يوجد لنا ذلك بمنّ الله تعالى ولطفه .
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الأول

مقدمة تشمل الباب الأول والثاني | في إثبات حجج العقول | في كيفية ظهور اللغات أعن التوقيف أم عن إصطلاح ؟ | في الألفاظ الدائرة بين أهل النظر | تتمة الباب الخامس وفصل في معاني حروف تتكرر في النصوص | هل الأشياء في العقل قبل ورود الشرع على الحظر أو على الإباحة | فصل فيمن لم يبلغه الأمر من الشريعة | في أصول الأحكام في الديانة وأقسام المعارف وهل على النافي دليل أو لا ؟ | فصل : في هل على النافي دليل أو لا ؟ | في البيان ومعناه | في تأخير البيان | في الأخذ بموجب القرآن | في الكلام في الأخبار وهي السنن المنقولة عن رسول اللـه ﷺ | فصل فيه أقسام الإخبار عن الله | هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم؟ | صفة من يلزم قبوله نقل الأخبار