50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الأول/فصل: فيه أقسام الإخبار عن الله تعالى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام فصل فيه أقسام الإخبار عن الله
المؤلف: ابن حزم


فصل فيه أقسام الإخبار عن الله

  • قال أبو محمد : جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال ، ففرض اتباعه ، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن ، وبيان لمجمله ، ثم اختلف المسلمون في الطريق المؤدية إلى صحة الخبر عنه ﷺ بعد الإجماع المتيقن المقطوع به على ما ذكرنا ، وعلى الطاعة من كل مسلم لقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }

فنظرنا في ذلك فوجدنا الأخبار تنقسم قسمين :

خبر تواتر : وهو ما نقلته كافة بعد كافة حتى تبلغ به النبي ﷺ وهذا خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الأخذ به ، وفي أنه حق مقطوع على غيبه ، لأن بمثله عرفنا أن القرآن هو الذي أتى به محمد ﷺ وبه علمنا صحة مبعث النبي ﷺ وبه علمنا عدد ركوع كل صلاة وعدد الصلوات ، وأشياء كثيرة من أحكام الزكاة وغير ذلك مما لم يبين في القرآن تفسيره ، وقد تكلمنا في كتاب الفصل على ذلك وبينا أن البرهان قائم على صحته ، وبيّنا كيفيته وأن الضرورة والطبيعة توجبان قبوله ، وأن به عرفنا ما لم نشاهد من البلاد ، ومن كان قبلنا من الأنبياء والعلماء والفلاسفة والملوك والوقائع والتوالف .

ومن أنكر ذلك كان بمنزلة من أنكر ما يدرك بالحواس الأول ولا فرق .

ولزمه أن يصدق بأنه كان قبله زمان ولا أن أباه وأمه كانا قبله ، ولا أنه مولود من امرأة .

  • قال أبو محمد : وقد اختلف الناس في مقدار عدد النقلة للخبر الذي ذكرنا .

فطائفة قالت : لا يقبل الخبر إلا من جميع أهل المشرق والمغرب .

وقالت طائفة: لايقبل إلا من عدد لا نحصيه نحن .

وقالت طائفة: لا يقبل أقل من ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ، عدد أهل بدر .

وقالت طائفة لا يقبل إلا من سبعين .

وقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسين ، عدد القسامة .

وقالت طائفة لا يقبل إلا من أربعين لأنه العدد الذي لما بلغه المسلمون أظهروا الدين .

وقالت طائفة: لا يقبل إلا من عشرين، وقالت طائفة: لا يقبل إلا من اثني عشر .

وقالت طائفة: لا يقبل إلا من خمسة .

وقالت طائفة : لا يقبل إلا من أربعة .

وقالت طائفة: لا يقبل إلا من ثلاثة ، لقول رسول الله ﷺ حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه إنه قد نزل به جائحة .

وقالت طائفة: لا يقبل إلا من اثنين .

  • قال أبو محمد : وهذه كلها أقوال بلا برهان ، وما كان هكذا فقد سقط .

ويكفي في إبطال ذلك أن ننبه كل من يقول بشيء من هذه الحدود على أن يقيس كل ما يعتقد صحته من أخبار دينه ودنياه ، فإنه لا سبيل له البتة إلى أن يكون شيء منها صح عنده بالعدد الذي شرط كل واحد من ذلك العدد عن مثل ذلك العدد كله .

وهكذا متزايداً حتى يبلغ إلى تحقيق ذلك الخبر من دينه أو دنياه ، فحصل من كل قول منها بطلان كل خبر جملة ، ولا نحاشي شيئاً لأنه وإن سمع هو بعض الأخبار من العدد الذي شرط، فلا بد أن يبطل تلك المرتبة فيما فوق ذلك .

وكل قول أدى إلى الباطل فهو باطل بلا شك ، وباللَّه تعالى التوفيق ، فلم يبق إلا قول من قال بالتواتر ولم يحد عدداً .

  • قال أبو محمد : ونقول ههنا إن شاء الله تعالى قولاً باختصار :

فنقول وبالله تعالى التوفيق : لكل من حدّ في عدد نقلة خبر التواتر حداً لا يكون أقل منه يوجب تيقن صدقه ضرورة من سبعين أو عشرين ، أو عدد لا نحصيهم ، وإن كان في ذاته محصي ذا عدد محدود ، أو أهل المشرق والمغرب ، ولا سبيل إلى لقائه ولا لقاء أحد لهم كلهم ، ولا بد له من الاقتصار على بعضهم دون بعض بالضرورة ، ولا بد من أن يكون لذلك التواتر الذي يدعونه في ذاته عدد إن نقص منه واحد لم يكن متواتراً ، وإلا فقد ادعوا ما لا يعرف أبداً ولا يعقل .

فإذن لا بد من تحديد عدد ضرورة .

فنقول لهم : ما تقولون إن سقط من هذا الحد الذي حددتم واحد ، أيبطل سقوط ذلك الواحد قبول ذلك الخبر أم لا يبطله ؟

فإن قال : يبطله ، تحكم بلا برهان ، وكل قول بمجرد الدعوى بلا برهان فهو مطروح ساقط ، فإن قال بقبوله أسقطنا له آخر ثم آخر ، حتى يبلغ إلى واحد فقط، وإن حد عدداً سئل عن الدليل على ذلك فلا سبيل له إليه البتة .

وأيضاً فإنه ما في القول فرق بين ما نقله عشرون وبين ما نقله تسعة عشر ، ولا بين ما نقله سبعون ولا ما نقله تسعة وستون ، وليس ذكر هذه الأعداد في القرآن وفي القسامة وفي بعض الأحوال وفي بعض الأخبار بموجب ألا يقبل أقل منها في الأخبار ، وقد ذكر تعالى في القرآن أعداداً غير هذه ، فذكر تعالى الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة والمائة ألف وغير ذلك ، ولا فرق بين ما تعلق بعدد منها وبين ما تعلق بعدد آخر منها ، ولم يأت من هذه الأعداد في القرآن شيء في باب قبول الأخبار ولا في قيام حجة بهم ، فصارف ذكرها إلى ما لم يقصد بها مجرم وقاح محرف للكلم عن مواضعه .

وإن قال: لا يبطل قبول الخبر بسقوط واحد من العدد الذي حدّ كان قد ترك مذهبه الفاسد ، ثم سألناه عن إسقاط آخر أيضاً مما بقي من ذلك العدد ، وهكذا حتى يبعد عما حد بعداً شديداً ، فإن نظروا هذا بما يمكن حدّه من الأشياء كانوا مدعين بلا دليل ، ومشبهين بلا برهان، وحكم كل شيء يجعله المرء ديناً له أن ينظر في حدوده ويطلبها ، إلا ما أصبح إجماع أو نص أو أوجبت طبيعة ترك طلب حده ، وقد قال بعضهم: لا يقبل من الأخبار إلا ما نقلته جماعة لا يحصرها العدد .

  • قال أبو محمد : وهذا قول من غمره الجهل ، لأنه ليس هذا موجداً في العالم أصلاً ، وكل ما فيه فقد حصره العدد وإن لم نعلمه نحن ، وإحصاؤه ممكن لمن تكلف ذلك ، فعلى هذا القول الفاسد قد سقط قبول جميع الأخبار جملة وسقط كون النبي ﷺ في العالم وهذا كفر .

وأيضاً فيلزم هؤلاء وكل من حد في عدد من لا تصح الأخبار بأقل من نقل ذلك العدد أمر فظيع يدفعه العقل ببديهته ، وهو ألا يصح عندهم كل أمر يشهده أقل من العدد الذي حدوا ، وألا يصح عندهم كل أمر حصره عدد من الناس ، وكل أمر لم يحصره أهل المشرق والمغرب ، فتبطل الأخبار كلها ضرورة على حكم هذه الأقوال الفاسدة ، وهم يعرفون بضرورة حسهم صدق أخبار كثيرة من موت وولادة ونكاح وعزل وولاية واغتفال منزل ، وخروج عدو شر واقع ، وسائر عوارض العالم مما لا يشهده الا النفر اليسير ، ومن خالف هذا فقد كابر عقله ولم يصح عنده شيء مما ذكرنا أبداً ، لا سيما إن كان ساكناً في قرية ليس فيها إلا عدد يسير ، مع أنه لا سبيل له إلى لقاء أهل المشرق والمغرب .

  • قال أبو محمد : فإن سألنا سائل ، فقال : ما حدّ الخبر الذي يوجب الضرورة ؟

فالجواب وباللَّه تعالى التوفيق أننا نقول : إن الواحد من غير الأنبياء المعصومين بالبراهين عليهم السلام قد يجوز عليه تعمد الكذب ، يعلم ذلك بضرورة الحس ، وقد يجوز على جماعة كثيرة أن يتواطؤوا على كذبة إذا اجتمعوا ورغبوا أو رهبوا .

ولكن ذلك لا يخفى من قبلهم ، بل يعلم اتفاقهم على ذلك الكذب بخبرهم إذا تفرقوا لا بد من ذلك .

ولكنا نقول إذا جاء اثنان فأكثر من ذلك ، وقد تيقنا أنهما لم يلتقيا ، ولا دسسا ، ولا كانت لهما رغبة فيما أخبر به ، ولا رهبة منه ، ولم يعلم أحدهما بالآخر ، فحدث كل واحد منهما مفترقاً عن صاحبه بحديث طويل لا يمكن أن يتفق خاطر اثنين على توليد مثله ، وذكر كل واحد منهما مشاهدة أو لقاء لجماعة شاهدت أو أخبرت عن مثلها بأنها شاهدت ، فهو خبر صدق يضطر بلا شك من سمعه إلى تصديقه ويقطع على غيبه .

وهذا الذي قلنا يعلمه حسّاً من تدبره ورعاه فيما يرده كل يوم من أخبار زمانه من موت أو ولادة أو نكاح أو عزل أو ولاية أو وقعة وغير ذلك ، وإنما خفي ما ذكرنا على من خفي عليه لقلة مراعاته يمر به ، ولو أنك تكلف إنساناً واحداً اختراع حديث طويل كاذب لقدر عليه ، يعلم ذلك بضرورة المشاهدة ، فلو أدخلت اثنين في بيتين لا يلتقيان ، وكلفت كل واحد منهما توليد حديث كاذب لما جاز بوجه من الوجوه أن يتفقا فيه من أوله إلى آخره .

هذا ما لا سبيل إليه بوجه من الوجوه أصلاً ، وقد يقع في الندرة التي لم نكد نشاهدها اتفاق الخواطر على الكلمات اليسيرة ، والكلمتين نحو ذلك . والذي شاهدنا اتفاق شاعرين في نصف بيت ، شاهدنا ذلك مرتين من عمرنا فقط.

وأخبرني من لا أثق به : أن خاطره وافق خاطر شاعر آخر في بيت كامل واحد ، ولست أعلم ذلك صحيحاً .

وأما الذي لا أشك فيه وهو ممتنع في العقل ، فاتفاقهما في قصيدة بل في بيتين فصاعداً .

والشعر نوع من أنواع الكلام ، ولكل كلام تأليف ما ، والذي ذكره المتكلمون في الأشعار من الفصل الذي سموه المواردة ، وذكروا أن خواطر شعراء اتفقت في عدة أبيات ، فأحاديث مفتعلة لا تصح أصلاً ولا تتصل .

وما هي إلا سراقات وغارات من بعض الشعراء على بعض .

  • قال أبو محمد : وقد يضطر خبر الواحد إلى العلم بصحته إلا أن اضطراره ليس بمطرد ، ولا في وقت ولكن على قدر ما يتهيأ . وقد بيّنا ذلك في كتاب الفضل .
  • قال أبو محمد : فهذا قسم.
  • قال أبو محمد : القسم الثاني من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد ، فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله ﷺ وجب العمل به ، ووجب العلم بصحته أيضاً ، وبين هذا وبين شهادة العدول فرق نذكره إن شاء الله تعالى ، وهو قول الحارث بن أسد المحاسبي ، والحسين بن علي الكرابيسي .

وقد قال به أبو سليمان ، وذكره ابن خويز منداد عن مالك بن أنس .

والبرهان على صحة وجوب قبوله قول الله عز وجل : {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } فأوجب الله تعالى على كل فرقة نذارة النافر منها بأمره بالنفقة وبالنذارة ، ومن أمره الله تعالى بالتفقه في الدين وإنذار قومه ، فقد انطوى في هذا الأمر إيجاب قبول نذارته على من أمره بإنذارهم .

والطائفة في لغة العرب التي بها خوطبنا يقع على الواحد فصاعداً ، وطائفة من الشيء بمعنى بعضه هذا ما لا خلاف بين أهل اللغة فيه ، وإنما حدّ من حد في قوله تعالى : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } 0 1 2 3 4 (النور: 2) .

أنهم أربعة لدليل ادعاه ، وكان بذلك ناقضاً لمعهود اللغة ، ولم يدع قط قائل ذلك القول أن الطائفة في اللغة لا تقع إلا على أربعة.

وأما نحن فاللازم عندنا أن يشهد عذاب الزنى واحد على ما نعرف من معنى الطائفة ، فإن شهد اكثر فذلك مباح والواحد يجزي .

وبرهان آخر ، وهو أن رسول الله ﷺ بعث رسولاً إلى كل ملك من ملوك الأرض المجاورين لبلاد العرب ، وقد اعترض بعض من يخالفنا في ذلك بأن قال : إن الرفاق والتجار ، وردوا بأمر النبي ﷺ فلم يقتصر بذلك على الرسول وحده .

  • قال أبو محمد : وهذا شغب وتمويه لا يجوز إلا على ضعيف ، ونحن لا نشك أن النبي ﷺ لم يقتصر بالرسل المذكورين على الإخبار بظهوره ومعجزاته المنقولة بخير الرفاق والسفار ، بل أمرهم بتعليم من أسلم شرائع الإسلام ومسائل العبادات والأحكام ، ليس من شيء من ذلك منقولاً على ألسنة الرفاق والسفار ، وبعثه هؤلاء الرسل مشهورة بلا خوف، منقولة نقل الكواف .

فقد ألزم النبي ﷺ كل ملك . ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجه نحوهم من شرائع دينهم.

  • قال أبو محمد : وكذلك بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى الجَنَد وجهات من اليمن .

وأبا موسى إلى جهة أخرى ، وهي زبيد وغيرها ، وأبا بكر على الموسم مقيماً للناس حجهم ، وأبا عبيدة إلى نجران ، وعليّاً قاضياً إلى اليمن ، وكل من هؤلاء مضى إلى جهة مّا ، معلماً لهم شرائع الإسلام ، وكذلك بعث أميراً إلى كل جهة أسلمت ، بعدت منه أو قربت، كأقصى اليمن والبحرين وسائر الجهات والأحياء والقبائل التي أسلمت ، بعث إلى كل طائفة رجلاً معلماً لهم دينهم ، ومعلماً لهم القرآن ، ومفتياً لهم في أحكام دينهم ، وقاضياً فيما وقع بينهم ، وناقلاً إليهم ما يلزمهم عن الله تعالى ورسوله ﷺ وهم مأمورون بقبول ما يخبرونهم به على نبيهم ﷺ.

وبَعْثه هؤلاء المذكورين مشهورة بنقل التواتر من كافر ومؤمن ، لا يشك فيها أحد من العلماء ولا من المسلمين ، ولا في أن بعثهم إنما كانت لما ذكرنا من المحال الباطل الممتنع أن يبعث إليهم رسول الله ﷺ من لا تقوم عليهم الحجة بتبليغه ، ومن لا يلزمهم قبول ما علموهم من القرآن وأحكام الدين .

وما أفتوهم به في الشريعة ، ومن لا يجب عليهم الانقياد لما أخبروهم به من كل ذلك عن رسول الله ﷺ ، إذ لو كان ذلك لكانت بعثته لهم فضولاً ، ولكان ﷺ قائلاً للمسلمين : بعثت إليكم من لا يجب عليكم أن تقبلوا منه ما بلغكم عني ، ومن حكمكم ألا تلتفتوا إلى ما نقل إليكم عني وألا تسمعوا منه ما أخبركم به عني ، ومن قال بهذا فقد فارق الإِسلام .

وكذلك من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرىء واحد ، أو محدث واحد ، أو مفت واحد ، فنقول لمن خالفنا : ماذا تقولون ؟ أيلزمه إذا قرأ القرآن على ذلك المقرىء أن يؤمن بما أقرأه ، وأن يصدق بأنه كلام الله تعالى ، ويثبت على ذلك أم عليه أن يشك ، ولا يصدق بأنه كلام الله عز وجل ؟

فإن قالوا: يلزمه الإِقرار بأنه كلام الله تعالى .

قلنا: صدقتم ، فأي فرق بين نقلهم للقرآن وبين نقلهم لسائر السنن ، وكلاهما من عند الله تعالى ، وكلاهما فرض قبوله ؟

وإن قالوا: عليه أن يشك فيه حتى يلقى الكواف، أتوا بعظيمة في الدين.

ونسألهم حينئذ فيمن لقي من ذلك اثنين أو ثلاثة أو أربعة ، فلا بد لهم من حد يقفون عنده من العدد ، فيكون قولهم سخريًّا وباطلاً ، ودعوى بلا برهان ، أو يحيلوا على معدوم فيما لا يصح على قولهم قبول القرآن والدين إلا به ، وفي هذا إبطال للدين والقرآن جملة ، والمنع من اعتمادهما ، ونعوذ باللَّه من هذا ، وهكذا القول في وجوب طاعة من أخذ عن أولئك الرسل قرآناً أو سنَّة وبلغ ذلك إلى غيره ، ولأنها بلاد واسعة لا سبيل لكل واحد من أولئك الرسل إلى لقاء جميعهم من رجل وامرأة ، لكن يبلغ ويبلغ من بلغه هو وهكذا أبداً لئلا يقول جاهل هذا خصوص لأولئك الرسل .

وقال تعالى : {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } .

  • قال أبو محمد : لا يخلو النافر للتفقه في الدين من أن يكون عدلاً أو فاسقاً ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن كان فاسقاً فقد أمرنا بالتبين في أمره وخبره من غير جهته فأوجب ذلك سقوط قبوله ، فلم يبق إلا العدل. فكان هو المأمور بقبول نذارته.
  • قال أبو محمد : وهذا برهان ضروري لا محيد عنه رافع للإِشكال والشك جملة .

وقد بيّنا هذا النوع من البرهان في كتابنا في حدود الكلام المعروف بالتقريب .

  • قال أبو محمد : وقد توهم من لا يعلم أنا إنما أوجبنا قبول خبر العدل من قوله تعالى : {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } فقط .
  • قال أبو محمد : وقد أغفل من تأول علينا ذلك ، ولو لم تكن إلا هذه الآية وحدها لما كان فيها ما يدل على قبول خبر العدل ولا على المنع من قبوله ، بل إنما منع فيها من قبول خبر الفاسق فقط وكان يبقى خبر العدل موقوفاً على دليله ، ولكن لما استفاضت هذه الآية التي فيها المنع من قبول خبر الفاسق إلى الآية التي فيها قبول نذارة النافر للتفقه ، صارتا مقدمتين أنتجتا قبول خبر الواحد العدل دون الفاسق بضرورة البرهان وباللَّه تعالى التوفيق .
  • قال أبو محمد : وقد أوجب الله تعالى على كل طائفة إنذار قومها ، وأوجب على قومها قبول نذارتهم بقوله تعالى : {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }

فقد حذر تعالى من مخالفة نذارة الطائفة والطائفة في اللغة تقع على بعض الشيء كما قدمنا ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن مسلماً ثقة لو دخل أرض الكفر فدعا قوماً إلى الإِسلام وتلا عليهم القرآن وعلمهم الشرائع لكان لازماً لهم قبوله ، ولكانت الحجة عليهم بذلك قائمة .

وكذلك لو بعث الخليفة أو الأمير رسولاً إلى ملك من ملوك الكفر ، أو إلى أمة من أمم الكفر، ويدعوهم إلى الإِسلام ويعلمهم القرآن وشرائع الدين ، ولا فرق .

وما قال قط مسلم إنه كان حكم أهل اليمن أن يقولوا لمعاذ ولمن بعثه عليه السلام إلى كل ناحية معلماً ومفتياً ومقرئاً.

نعم أنت رسول رسول الله ﷺ وعقد الإِيمان حق عندنا .

ولكن ما أفتيتنا به وعلمتنا من أحكام الصلاة ونوازل الزكاة وسائر الديانة عن النبي ﷺ وما أقرأتنا من القرآن عنه ﷺ , فلا نقبله منك ولا نأخذه عنك ، لأن الكذب جائز عليك ، ومتوهم منك ، حتى يأتينا لكل ذلك كواف وتواتر .

بل لو قالوا ذلك لكانوا غير مسلمين .

وكذلك لا يختلف اثنان في أن رسول الله ﷺ إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلوا إليهم عنه القرآن ، والسنن وشرائع الدين ؛ وأنه ﷺ لم يبعثهم إليه ليشرعوا لهم ديناً لم يأت هو به عن الله تعالى ، فصح بهذا كله أن كل ما نقله الثقة عن الثقة مبلغاً إلى رسول الله ﷺ من قرآن أو سنّة ففرض قبوله ، والإقرار به والتصديق به، واعتقاده والتدين به، وأن كل ما صح عن صاحب أو تابع أو من دونهم من قراءة لم تستند إلى النبي ﷺ أو من فتيا لم تسند إليه ، فلا يحل قبول شيء من ذلك لأنه لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، وكل ذلك قد صح عن الواحد بعد الواحد من الصحابة والتابعين ، وليس فضلهم بموجب قبول آرائهم ، ولا بمانع أن يهموا فيما قالوه بظنهم ، لكن فضلهم معف على كل خطأ كان منهم ، وراجح به ، وموجب تعظيمهم وحبهم وباللَّه تعالى التوفيق .

وبرهان آخر: وهو أنه قد صح يقيناً وعلم ضرورة أن جميع الصحابة أولهم عن آخرهم قد اتفقوا دون اختلاف من أحد منهم ، ولا من أحد من التابعين الذين كانوا في عصرهم ، على أن كل أحد منهم كان إذا نزلت به النازلة سأل الصاحب عنها وأخذ بقوله فيها ، وإنما كانوا يسألونه عما أوجبه النبي ﷺ عن الله تعالى في الدين في هذه القصة ، ولم يسأل قط أحد منهم إحداث شرع في الدين لم يأذن به الله تعالى ، وهكذا كل من بعدهم جيلاً فجيلاً لا نحاشي أحداً ، ولا خلاف بين مؤمن ولا كافر قطعاً في أن كل صاحب وكل تابع سأله مستفت عن نازلة في الدين ، فإنه لم يقل له قط : لا يجوز لك أن تعمل بما أخبرتك به عن رسول الله ﷺ حتى يخبرك بذلك الكواف كما قالوا لهم فيما أخبروا به : أنه رأى منهم فلم يلزموهم قبوله .

فإن قيل : فاجعل هذه الحجة نفسها حجة في قبول المرسل .

قلنا : ليس كذلك لأنه لم يصح الإِجماع قط، لا قديماً ولا حديثاً على قبول المرسل ، بل في التابعين من لم يقبله كالزهري وغيره ، يسألون من أخبرهم عمن أخبرهم حتى يبلغوه إلى النبي ﷺ ، وإنما سقط ذلك عمن ليس في قوته فهم الإِسناد ومعرفته فقط ، وقد قال الزهري لأهل الشام : ما لي أرى أحاديثكم لا خطم لها ولا أزمَّة ، فصاروا حينئذ إلى قوله ، وغير الزهري أيضاً كثير .

فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ ، وأيضاً فإن جميع أهل الإِسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ ؛ يجزي على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنّة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإِجماع في ذلك ، ولقد كان عمرو بن عبيد يتدين بما يروي عن الحسن ويفتي به هذا أمر لا يجهله من له أقل علم .

وبرهان آخر : وهو أنه عدد محصور فالتواطؤ جائز عليهم وممكن منهم ؛ ولا خلاف بين كل ذي علم بشيء من أخبار الدنيا ، مؤمنهم وكافرهم ؛ أن النبي ﷺ كان بالمدينة وأصحابه رضي اللـه عنهم مشاغيل في المعاش ، وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز ، وأنه ﷺ كان يفتي بالفتيا ، ويحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط ، وإن الحجة إنما قامت على سائر من لم يحضره ﷺ بنقل من حضره وهم واحد واثنان ، وفي الجملة عدد لا يمتنع من مثلـهم بالتواطؤ عند خصومنا ، فإذ جميع الشرائع إلا الأقل منها راجعة إلى هذه الصفة من النقل ، وقد صح الإِجماع من الصدر الأول كلـهم ، نعم وممن بعدهم على قبول خبر الواحد ، لأنها كلـها راجعة إليه وإلى ما كان في معناه ، وهذا برهان ضروري، وباللَّه تعالى التوفيق .

وبالضرورة نعلم أن النبي ﷺ لم يكن إذا أفتى بالفتيا أو إذا حكم بالحكم يجمع لذلك جميع من بالمدينة ، هذا ما لا شك فيه ، لكنه ﷺ كان يقتصر على من بحضرته ، ويرى أن الحجة بمن يحضره قائماً على من غاب ، هذا ما لا يقدر على دفعه ذو حس سليم ، وباللَّه تعالى التوفيق .

  • قال أبو محمد : وأقوى ما شغب به من أنكر قبول خبر الواحد أن نزع بقول اللـه تعالى : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } .
  • قال أبو محمد : وهذه الآية حجة لنا عليهم في هذه المسألة ، لأنا لم نقف ما ليس لنا به علم ، بل ما قد صح لنا به العلم ، وقام البرهان على وجوب قبولـه ، وصح العلم بلزوم اتباعه والعمل به ، فسقط اعتراضهم بهذه الآية ، والحمد للـه رب العالمين .

وقال بعضهم : أنتم لا تقبلون الواحد في فلس فكيف تقبلونه في إثبات الشرائع ؟

  • قال أبو محمد : هذا السؤال لا يلزمنا ، لأننا لا نقيس شريعة على شريعة ، ولا نتعدى ما جاءت به النصوص وثبت في القرآن والسنن ، فصح البرهان كما ذكرنا بقبول خبر الواحد في العبادات والشرائع وقبول القرآن فقلنا به ، وصح الخبر بقبول المرأة الواحدة في أوضاع فقلنا به ، وصح الخبر بقبول الواحد مع اليمين فيما عدا الحدود فقلنا به ، وصح الخبر والنص بقبول الرجلين أو الرجل والمرأتين فيما عدا الزنى فقلنا به ، وصح النص بقبول أربعة في الزنى فقلنا به ، ولم نعارض شريعة بشريعة ولا تعقبنا على ربنا عز وجل ، ونحن وهم نقبل في إباحة الدم الحرام من المسلم الفاضل ، والفرج الحرام من المسلمة الفاضلة ، والبشرة المحرمة في جلد ثمانين في القذف ، وفي قطع اليد والرجل رجلين ، ولا نقبلـهما فيما يوجب إلا خمسين جلدة من زنى الأمَة ، لا على مؤمنة ولا على كافر ، فأين هم عن هذا الاعتراض الفاسد لو عقلوا وهم يقعوا تحت إنكار ربهم تعالى عليهم إذ يقول : {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } .

وقد قال بعض المتحكمين في الدين بقلة الورع ممن يدعي أنه من أهل القول ، بقبول السنن من طرق الآحاد : إن الخبر إذا كان مما يعظم به البلوى لم يقبل فيه خبر الواحد ، ومثل ذلك بعضهم بالآثار المروية في الأذان والإقامة ، وقال : إن الأذان والإقامة كانا بالمدينة بحضرة الأئمة من الصحابة رضي الله عنهم خمس مرات كل يوم ، فهذا مما تعظم به البلوى ، فمحال أن يعرف حكمه الواحد ، ويجهله الجماعة ، ومثل ذلك بعضهم أيضاً بخبر الوضوء من مس الذكر .

  • قال أبو محمد : وهذا كلام فاسد متناقض ، أول ذلك أن الدين كله تعظم به البلوى ، ويلزم للناس معرفته ، وليس هذا ما وقع في الدهر مرة من أمر الطهارة والحج أوجب في أنه فرض أو حرام مما يقع في كل يوم ، ولا يفرق بين ذلك إلا جاهل أو من لا يبالي بما تكلم، ويقال له في الأذان الذي ذكر : لا فرق بين أذان المؤذن بالمدينة بحضرة عمر وعثمان رضي الله عنهما خمس مرات كل يوم ، وبين أذان المؤذن بالكوفة بحضرة ابن مسعود وعلي خمس مرات كل يوم ، وليست نسبة الرضا بتبديل الأذان إلى علي وابن مسعود بأخف من نسبة ذلك إلى عمر وعثمان فبطل تمويه هذا الجاهل وبان تخليطه .

وكذلك الوضوء من مس الذكر ليست البلوى به بأعظم من البلوى بإيجاب الوضوء من الرعاف والقلس ، وقد أوجبه الحنفيون بخبر ساقط ولم يعرفه المالكيون ولاالشافعيون ، ولا البلوى أيضاً بذلك أعظم من البلوى بإيجاب الوضوء من المسة والقبلة للذة ، ومن إيجاب التدلك في الغسل وقد أوجبها المالكيون ، ولا يعرف ذلك الحنفيون ، ومثل هذا كثير جداً .

فإن قالوا : أوجبنا ذلك بالقرآن .

قيل لهم : قد عرف القرآن غيركم كما عرفتموه ، فما رأوا فيه ما ذكرتم مع عظيم البلوى به ، وقد بيّنا في كتابنا هذا أن مغيب السنة عمّن غاب عنه من صاحب أو غيره ليس حجة على من بلغته وإنما الحجة في السنة .

وقد غاب نسخ التطبق في الركوع عن ابن مسعود وهو مما تعظم به البلوى به ، ويتكرر على المسلم أكثر من بضع عشرة مرة في كل يوم وليلة ، وخفي على عمر رضي الله عنه أمر جزية المجوس ، والأمر في قبض رسول الله ﷺ لها من مجوس هجَر عاماً بعد عام ، وأبي بكر بعده عاماً بعد عام أشهر من الشمس ، ولم تكن فضلة قليلة ، بل قد ثبت أنه لم يقدم على رسول الله ﷺ مال أكثر منه على قلة المال هناك حينئذ، وخفي على عمر وابن عمر أيضاً الوضوء من المذي ، وهو مما تعظم البلوى به ، وهذا كثير جداً ، ويكفي من هذا أن قول هذا القائل دعوى مجردة بلا دليل ، وما كان هكذا فهو باطل مطرح قال عز وجل : {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ولا يجوز أن يعارض ما قد صح البرهان به من وجوب قبول السنن من طريق الآحاد بدعوى ساقطة فاسدة ، وبالله تعالى التوفيق .

وقال أيضاً بعض الحنفيين : ما كان من الأخبار زائداً على ما في القرآن أو ناسخاً له أو مخالفاً له لم يجز أخذه بخبر الواحد إلا حتى يأتي به التواتر .

  • قال أبو محمد : وهذا تقسيم باطل ودعوى كاذبة وحكم بلا برهان ، وما كان هكذا فهو ضلال لا يحل القول به .

ونقول لهم : أيجوز الأخذ بشيء من أخبار الآحاد في شيء من الشريعة أم لا ؟

فإن قالوا : لا ، كلمناهم بما قد فرغنا منه آنفاً وكانوا خارجين عن مذهبهم أيضاً .

وإن قالوا : نعم ، وهو قولهم .

قلنا لهم: من أين جوزتم أن يخبر عن النبي ﷺ به ، وأن يشرع به في دين الله عز وجل شريعة تضاف إليه في الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك في الموضع الذي أجزيتموه فيه ، ثم منعتم من قوله حيث هو بزعمك زائد على ما في القرآن أو ناسخ له ، فلا سبيل إلى فرق أصلاً .

وأما قولهم : مخالف الأصول ، فكلام فاسد فارغ من المعنى واقع على ما لا يعقل، لأن خبر الواحد الثقة المسند أصل من أصول الدين ، وليس سائر الأصول أولى بالقبول منه ولا يجوز أن تتنافى أصول الدين ، حاشا لله من هذا .

ثم نقول : اعلموا أن كل خبر روي عن رسول الله ﷺ رواية صحيحة مسندة فإنه ولا بد زائد حكم على ما في القرآن ، أو أتي بما في نص القرآن لا بد من أحد الوجهين فيه . والزائد حكماً على ما في القرآن ينقسم قسمين :

إما جاء بما لم يذكر في القرآن كغسل الرجلين في الوضوء ، وكرجم المحصن ، ونحو ما أخذوا به من إباحة صوم رمضان للمسافر ، ومن إيجاب الوضوء من القهقهة في الصلاة ، ومن الوضوء بالنبيذ ، ومن القلس والقيء والرعاف ، وكتخصيص ظاهر القرآن ، كعدد ما لا يقطع السارق في أقل منه ، وما لا يحرم من الرضاع أقل منه فهذا أيضاً زائد حكم على ما في القرآن ، ومثله ما بين مجمل القرآن كصفة الصلاة وصفة الزكاة وسائر ما جاءت به السنن فهو زائد حكم على ما في القرآن .

فمن أين جوزتم أخذ الزائد على ما في القرآن كما ذكرنا حيث اشتهيتم، ومنعتم منه حيث اشتهيتم ، وهذا ضلال لا خفاء به وكل ما وجب العمل به في الشريعة فهو واجب أبداً في كل حال ، وفي كل موضع إلا أن يأتي نص قرآني أو سنة بالمنع من بعض ذلك فيوقف عنده .

وأما بالآراء المضلة والأهواء السخيفة فلا ، على أنهم آخذ الناس بخلاف القرآن برأي فاسد أو قياس سخيف أو خبر ساقط كالوضوء من القهقهة وسائر تلك الأخبار الفاسدة .

وتأملوا ما نقول لكم : قد أجمعوا معنا على قبول ما جاء به رسول الله ﷺ من نسخ للقرآن أو زيادة عليه ، واتفقوا معنا على أن خبر الواحد الثقة عن مثله مسنداً حجة في الدين ، ثم تناقضوا كما ذكرنا بلا برهان ونعوذ بالله من الخذلان ، وقد ثبت عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وداود رضي الله عنهم وجوب القول بخبر الواحد ، وهذا حجة على من قلد أحدهم في وجوب القول بخبر الواحد ، وإن خالف من قلده من بعض من ذكرنا خطأ وتناقضاً لا يعزى منه بشر بعد رسول الله ﷺ وبالله تعالى التوفيق .

ومن البرهان في قبول خبر الواحد : خبر الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال له رجل : {وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يمُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } فصدقه وخرج فاراً وتصديقه المرأة في قولها: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }

فمضى معها وصدقها ، وبالله تعالى التوفيق .

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الأول

مقدمة تشمل الباب الأول والثاني | في إثبات حجج العقول | في كيفية ظهور اللغات أعن التوقيف أم عن إصطلاح ؟ | في الألفاظ الدائرة بين أهل النظر | تتمة الباب الخامس وفصل في معاني حروف تتكرر في النصوص | هل الأشياء في العقل قبل ورود الشرع على الحظر أو على الإباحة | فصل فيمن لم يبلغه الأمر من الشريعة | في أصول الأحكام في الديانة وأقسام المعارف وهل على النافي دليل أو لا ؟ | فصل : في هل على النافي دليل أو لا ؟ | في البيان ومعناه | في تأخير البيان | في الأخذ بموجب القرآن | في الكلام في الأخبار وهي السنن المنقولة عن رسول اللـه ﷺ | فصل فيه أقسام الإخبار عن الله | هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم؟ | صفة من يلزم قبوله نقل الأخبار