50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الأول/الباب الحادي عشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في الكلام في الأخبار وهي السنن المنقولة عن رسول اللـه ﷺ
المؤلف: ابن حزم


في الكلام في الأخبار وهي السنن المنقولة عن رسول اللـه ﷺ

وفي بعض فصول هذا الباب ذكر السبب في الاختلاف الواقع بين الأئمة في صدر هذه الأمة.

  • قال علي : لما بيّنا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول اللـه ﷺ ، ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفاً لرسولـه ﷺ : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى }

فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من اللـه عز وجل إلى رسولـه ﷺ على قسمين :

أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن .

والثاني : وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء ، وهو الخبر الوارد عن رسول اللـه ﷺ وهو المبين عن اللـه عز وجل مراده منا .

قال اللـه تعالى : {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } .

فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولـها عن أخرها ، وهي قولـه تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } فهذا أصل ، وهو القرآن .

ثم قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }

فهذا ثان وهو الخبر عن رسول اللـه ﷺ ، ثم قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }

فهذا ثالث وهو الإِجماع المنقول إلى رسول اللـه ﷺ حكمه ، وصح لنا بنص القرآن ، أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع ، قال تعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } .

  • قال علي : والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول اللـه ﷺ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنة والناس ، كتوجهه إلى من كان على عهد رسول اللـه ﷺ ، وكل من أتى بعده ﷺ وقبلنا ولا فرق ، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيل لنا إلى رسول اللـه ﷺ ، وحتى لو شغب مشغب بأن هذا الخطاب إنما هو متوجه إلى من يمكن لقاء رسول اللـه ﷺ لما أمكنه هذا الشغب في اللـه عز وجل ، إذ لا سبيل لأحد إلى مكالمته تعالى ، فبطل هذا الظن ، وصح أن المراد بالرد المذكور في الآية التي نصصنا إنما هو إلى كلام اللـه تعالى ، وهو القرآن وإلى كلام نبيه ﷺ المنقول على مرور الدهر إلينا جيل بعد جيل .
  • قال علي : وأيضاً فليس في الآية المذكورة ذكر للقاء ولا مشافهة أصلاً ، ولا دليل عليه ، وإنما فيه الأمر بالردِّ فقط ، ومعلوم بالضرورة أن هذا الرد إنما هو تحكيم ، وأوامر اللـه تعالى وأوامر رسولـه موجودة عندنا ، منقول كل ذلك إلينا، فهي التي جاء نص الآية بالرد إليها دون تكلف تأويل ولا مخالفة ظاهر .
  • قال علي : والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض . وهما شيء واحد في أنهما من عند اللـه تعالى ، وحكمها حكم واحد في باب وجوب الطاعة لـهما لما قدمناه آنفاً في صدر هذا الباب قال تعالى : {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }

فبين تعالى بهذه الآية أنه لم يرد منا الإِقرار بالطاعة لرسول اللـه ﷺ ، بلا عمل بأوامره واجتناب نواهيه ، وهذه صفة المقلدين فإنهم يقولون طاعة رسول اللـه ﷺ واجبة ، فإذا أتاهم أمر من أوامره يقروه بصحته ، لم يصعب عليهم التولي عنه وهم يسمعون ، نعوذ باللـه من ذلك .

وقال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } وقال تعالى {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ } فأخبر تعالى كما قدمنا أن كلام نبيه كلـه وحي، والوحي بلا خوف ذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن.

فصح بذلك أن كلامه كلـه محفوظ بحفظ اللـه عز وجل مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء ، إذ ما حفظ اللـه تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء فهو منقول إلينا كلـه. فللـه الحجة علينا أبداً ، وقال تعالى : {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } فوجدنا اللـه تعالى يردنا إلى كلام نبيه ﷺ على ما قدمنا آنفاً ، فلم يسمع مسلماً يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر على رسول اللـه ﷺ ولا أن يأتي عما وجد فيهما فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق ، وأما من فعلـه مستحلاً للخروج عن أمرهما وموجباً لطاعة أحد دونهما ، فهو كافر شك عندنا في ذلك .

وقد ذكرنا محمد بن نصر المروزي أن إسحاق بن راهويه كان يقول: من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر، ولم نحتج في هذا بإسحاق ، وإنما أوردناه لئلا يظن جاهل أننا منفردون بهذا القول ، وإنما احتججنا في تكفيرنا من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله ﷺ بقول الله تعالى مخاطباً لنبيه ﷺ : {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } .

  • قال علي : هذه كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر ، وأيقن أن هذا العهد عهد ربه تعالى إليه ، ووصيته عز وجل الواردة عليه ، فليفتش الإِنسان نفسه ، فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله ﷺ في كل خبر يصححه مما قد بلغه ، أو وجد نفسه غير مسلمة لما جاءه عن رسول الله ﷺ ، ووجد نفسه مائلة إلى قول فلان وفلان ، أو قياسه واستحسانه ، وأوجد نفسه تحكم فيما نازعت فيه أحداً دون رسول الله ﷺ متى صاحت فمن دونه ، فليعلم أن الله تعالى قد أقسم ، وقوله الحق إنه ليس مؤمناً وصدق الله تعالى ، وإذا لم يكن مؤمناً فهو كافر ، ولا سبيل إلى قسم ثالث .

وليعلم أن كل من قلد ، من صاحب أو تابع أو مالكاً أو أبو حنيفة والشافعي وسفيان والأوزاعي وأحمد وداود رضي الله عنهم متبرئون منه في الدنيا والآخرة ، ويوم يقوم الأشهاد ، اللهم إنك تعلم أنا لا نحكم أحداً إلا كلامك وكلام نبيك ﷺ الذي صليت عليه وسلمت في كل شيء مما شجر بيننا ، وفي كل ما تنازعنا فيه ، واختلفنا في حكمه ، وأننا لا نجد في أنفسنا حرجاً مما قضى به نبيك ﷺ ، ولو أسخطنا بذلك جميع من في الأرض وخالفناهم، وصرنا دونهم حزباً وعليهم حرباً، وإننا مسلمون لذلك طيبة أنفسنا عليه، مبادرون نحوه لا نتردد ولا نتلكأ ، عاصون لكل من خالف ذلك ، موقنون أنه على خطأ عندك ؛ وأنا على صواب لديك .

اللهم فثبتنا على ذلك ولا تخالف بنا عنه ؛ وأسألك اللهم بأبنائنا وإخواننا المسلمين هذه الطريقة حتى ننقل جميعاً ونحن مستمسكون بها إلى دار الجزاء ، آمين ... بمنِّك يا أرحم الراحمين .

  • قال علي : وإذ قد بيَّن الله لنا أن كلام نبيه ﷺ إنما هو كله وحي من عنده ، وأن القرآن وحي من عنده ، وأيضاً فقد قال فيه عز وجل : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }

فصح بهذه الآية صحة ضرورية أن القرآن والحديث الصحيح متفقان ، هما شيء واحد لا تعارض بينهما ولا اختلاف ، يوفق الله تعالى لفهم ذلك من شاء من عباده ، ويحرمه من شاء لا إله إلا هو ، كما يؤتي الفهم والذكاء والصبر على الطلب للخير من شاء ويؤتي البُلْدَة وبُعْدَ الفهم والكسل من شاء ، نسأل الله من هبته ما يقرب منه ويزلف لديه آمين .

وصحّ بما ذكرنا بطلان قول من ضرب القرآن بعضه ببعض ، أو ضرب الحديث الصحيح بعضه ببعض ، أو ضرب القرآن بالحديث بعضهما ببعض وإن أمدَّنا الله بانفساخ مدة وأيَّدنا بعون من قبله ، فسنجمع في كل ذلك دواوين نبين فيها أشخاص السؤال والجواب ، والتأليف في كل ما ظنه أهل الجهل من ذلك متعارضاً مختلف الحكم ، ونبين بحول الله وقوته أن كل ذلك شيء واحد لا اختلاف فيه ، وأن يختر منا قبل ذلك ، فحسبنا ما اطلع عليه من نيتنا في ذلك ، لا إِله إِلا هو ، وقال تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ }

وقال تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } .

  • قال علي : فليتق الله الذي إليه المعاد امرؤ على نفسه ، ولتوْجَل نفسه عند قراءة هذه الآية ، وليشتد إشفاقه من أن يكون مختاراً للدخول تحت هذه الصفة المذكورة المذمومة الموبقة الموجبة للنار ، فإن من ناظر خصمه في مسألة من مسألة الديانة وأحكامها التي أمرنا بالتفقه فيها ، فدعاه خصمه إلى ما أنزل الله تعالى ، وإلى كلام الرسول ﷺ ، فصده عنهما ودعاه إلى قياس ، أو إلى قول فلان وفلان ، فليعلم أن الله عز وجل قد سماه منافقاً . نعوذ بالله من هذه المنزلة المهلكة .

فالتوبة التوبة عباد الله قبل حلول الأجل وانقطاع المهل ، قال تعالى : {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } ، وقال تعالى : {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فصحَّ أن البيان كله موقوف على كلام الله تعالى وكلام نبيه ﷺ ، وقال عز وجل : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً } .

  • قال علي : هذه الآية كافية من عند رب العالمين في أنه ليس لنا اختيار عند ورود أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، وأنه من خير نفسه في التزام أو ترك ، أو في الرجوع إلى قول قائل دون رسول الله ﷺ فقد عصى الله بنص هذه الآية ، فقد ضلّ ضلالاً مبيناً ، وأن المقيم على أمر سمَّاه الله ضلالاً لمخذول ، وقال تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } وقال تعالى : {مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } وقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } .
  • قال علي : ومن جاءه خبر عن رسول الله ﷺ يقر أنه صحيح ، وأن الحجة تقوم بمثله ، أو قد صحح مثل ذلك الخبر في مكان آخر ثم ترك مثله في هذا المكان لقياس ، أو لقول فلان وفلان ، فقد خالف أمر الله وأمر رسوله ﷺ واستحق الفتنة والعذاب الأليم .
  • قال علي : أما الفتنة فقد عجلت له ولا فتنة أعظم من تماديه على ما هو فيه وارتطامه في هذه العظيمة أعظم فتنة ، ووالله ليصحن القسم الآخر إن لم يتدارك نفسه بالتوبة والإقلاع ، والطاعة لما أتاه من نبيه ﷺ ورفض قبول قول من دونه كائناً من كان ، وبالله تعالى التوفيق .

وقال تعالى : {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذلِكَ وَمَآ أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَآئِزُون * وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ }

  • قال علي : هذه الآيات مُحكماتٌ لم تَدَعْ لأحد علَقة يشغب بها ، قد بيّن الله فيها صفة فعل أهل زماننا فإنهم يقولون : نحن المؤمنون باللَّه وبالرسول ﷺ ، ونحن طائعون لهما ، ثم يتولى طائفة منهم بعد هذا الإقرار ، فيخالفون ما وردهم عن الله عز وجل ورسوله ﷺ ، أولئك بنص حكم الله تعالى عليهم ليسوا مؤمنين ، وإذا دعوا إلى آيات من قرآن أو حديث عن الرسول ﷺ يخالف كل ذلك تقليدهم الملعون أعرضوا عن ذلك ، فمن قائل : ليس عليه العمل ، ومن قائل : هذا خصوص ، ومن قائل : هذا متروك ، ومن قائل : أبى هذا فلان ، ومن قائل : القياس غير هذا ، حتى إذا وجدوا في الحديث أو القرآن شيئاً يوافق ما قلدوا فيه طاروا به كل مطار ، وأتوا إليه مذعنين كما وصف الله حرفاً حرفاً ، فيا ويلهم ما بالهم ، أفي قلوبهم مرض وريب ؟ أم يخافون جور الله تعالى وجور رسوله ﷺ ؟ ألا إنهم هم الظالمون كما سمّاهم الله رب العالمين فبعداً للقوم الظالمين .

ثم بيَّن تعالى أن قول المؤمنين إذا دعوا إلى كتاب الله تعالى ، وكلام نبيه ﷺ ، ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهذا جواب أصحاب الحديث الذين شهد لهم الله تعالى وقوله الحق أنهم مؤمنون ، وأنهم مفلحون ، وأنهم هم الفائزون ، اللهم فثبتنا فيهم ، ولا تخالف بنا عنهم، واكتبنا في عدادهم ، واحشرنا في سوادهم ، آمين رب العالمين .

ثم أخبرنا تعالى بما شهدناه من اكثر أهل زماننا ، وبما يميزونه من أنفسهم بظاهر أحوالهم وباطنها ، من أنهم يقولون : نسمع لله ولرسوله ﷺ ويقسمون على ذلك ، فقال لهم تعالى : لا تقسموا ، ولكن أطيعوا ، أن حققوا ما تقولون بإقراركم وفعلكم واتركوا حكم كل حاكم، وقول كل قائل دون قول الله تعالى وقول رسول الله ﷺ .

ثم أخبرنا تعالى أنه ليس على رسول الله ﷺ غير ما حمله ربه وهو التبليغ والتبيين ، وقد فعل ذلك ، وأخبرنا تعالى أن علينا ما حملنا وهو الطاعة والانقياد لما أمر به رسول الله ﷺ والعمل بذلك ، لا لما أمرنا به من دونه ، وباللَّه تعالى التوفيق .

  • قال علي : لقد كان في آية واحدة مما تلونا كفاية لمن عقل وفهم ، فكيف وقد أبدأ ربنا تعالى في ذلك وأعاد وكرر وأكَّد ، ولم يدع لأحد متعلقاً ، وقد أنذرنا كما أمرنا وألزمنا في القرآن ، وما توفيقنا إلا باللَّه عز وجل ، ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل .
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الأول

مقدمة تشمل الباب الأول والثاني | في إثبات حجج العقول | في كيفية ظهور اللغات أعن التوقيف أم عن إصطلاح ؟ | في الألفاظ الدائرة بين أهل النظر | تتمة الباب الخامس وفصل في معاني حروف تتكرر في النصوص | هل الأشياء في العقل قبل ورود الشرع على الحظر أو على الإباحة | فصل فيمن لم يبلغه الأمر من الشريعة | في أصول الأحكام في الديانة وأقسام المعارف وهل على النافي دليل أو لا ؟ | فصل : في هل على النافي دليل أو لا ؟ | في البيان ومعناه | في تأخير البيان | في الأخذ بموجب القرآن | في الكلام في الأخبار وهي السنن المنقولة عن رسول اللـه ﷺ | فصل فيه أقسام الإخبار عن الله | هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم؟ | صفة من يلزم قبوله نقل الأخبار