50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الأول/الباب الثامن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في البيان ومعناه
المؤلف: ابن حزم


في البيان ومعناه

  • قال علي : قد بيّنا في باب تفسير الألفاظ الدائرة بين أهل النظر حد البيان وتفسيره .

ونحن نقول : إن التخصيص أو الاستثناء نوعان من أنواع البيان ، لأن بيان الجملة قد يكون بتفسير كيفياتها وكمياتها دون أو يخرج من لفظها شيء يقتضيه في اللغة ، كقوله تعالى : {وآتوا الزكاة}

فبيَّن رسول الله ﷺ ماهية هذه الزكاة المأمور بإيتائها ، دون أن يخرج من لفظ الزكاة شيئاً ، وكذلك فسر ﷺ من صفات النكاح والحج وغير ذلك ، وقد يكون باستثناء مثل ما روي عن نهيه ﷺ عن بيع الرطب بالتمر ، ثم استثنى العرايا فيما دون خمسة أوسق ، فكان هذا مخرجاً بحكم العرايا من جملة النهي المتقدم ، وقد يكون الاستثناء بألفاظ الاستثناء مثل : إلا وخلا وحاشا وما لم ، وما أشبه ذلك .

وقد يكون حكماً وارداً بلفظ الأمر ، أو بلفظ الخبر ، مستثنى من جملة أخرى ، وهذا يسمى التخصيص، كتحريمه تعالى نكاح المشركات جملة ، ثم جاءت إباحة نكاح نساء أهل الكتاب والزواج، فكان هذا تخصيصاً من الجملة المذكورة .

وأما النسخ ، فهو رفع الحكم أو بعضه جملة ، والفرق بينه وبين الاستثناء والتخصيص أن الجملة الواردة التي جاء التخصيص أو الاستثناء منها لم يرد الله تعالى قط إلزامها لنا على عمومها وقتاً من الدهر ، كالذي ذكرنا من تحريم المشركات ، فإنه لم يرد قط بذلك نكاح نساء الكتابيين بالزواج ، وكذلك القول في العرايا وأما النسخ فإننا مكلفون الجملة الأولى على عمومها مدة ما لم يأت أمر بإبطالها عنا ، أو إبطال بعضها على ما تبين في باب النسخ إذا بلغنا إليه إن شاء الله تعالى .

فإما وجوه البيان التي ذكرنا من التفسير والاستثناء والتخصيص ، فقد يكون بالقرآن للقرآن ، وبالحديث للقرآن ، وبالإِجماع للقرآن ، وقد يكون بالقرآن للحديث ، وبالحديث للحديث ، وبالإِجماع المنقول للحديث .

وقولنا : الحديث ، إنما نعني به الأمر والفعل والإِقرار والإِشارة ، فكل ذلك يكون بياناً للقرآن ، ويكون القرآن بياناً له ، وإنما فرقنا آنفاً بين التخصيص والاستثناء وبين النسخ لأنه قد تيقنَّا وجوب طاعة الله عز وجل ورسوله ﷺ علينا ؛ فحرام علينا الخروج عن طاعتهما في شيء مما أمرا به ، أو أن نقول في شيء مما ألزمنا إنه منسوخ ساقط بعد وجوبه إلا بيان جليّ لا شك فيه ، وإذا وجدنا الحكم سقط بعضه بالاستثناء أو التخصيص فنحن على يقين من أنه لا يلزمنا فلا يحل لأحد أن يقول إنه لزم ثم سقط، فيكون قد قفا ما ليس له به علم ، وقال بشك لا بيقين ، وذلك حرام .

ولا يجوز بأن نقول بأن حكم كذا لزمنا إلا بيقين ، ولا يسقط بعد لزومه إلا بيقين ، فلهذا قلنا بالفرق المذكور بين النسخ وبين الاستثناء والتخصيص ، لأننا إذا قلنا في ذلك إنه نسخ فقد أقررنا أنه لزم ثم سقط، وهذا لا يحل قوله إلا بيقين , وبالله تعالى التوفيق .

ومما خص من القرآن بالقرآن قوله تعالى : {ذلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } فاستثنى تعالى الأزواج وملك اليمين من جملة ما حظر من إطلاق الفروج ، ثم خص تعالى الجمع بين الأختين وبين الأم والابنة ، والربيبة والزانية ، والحريمة بالقرابة ، والشركة بالقرآن ، وخص الحريمة بالرضاع بالسنة ، والذكور والبهائم ، والأَمَة المشركة بالإِجماع المأخوذ من معنى دليل النص الثابت لا يحتمل إلا وجهاً واحداً بالحظر من جملة المباح بملك اليمين .

فإِن قال قائل : لا يجوز أن يبين القرآن إلا بالسنّة ، لأن الله تعالى يقول : {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } .

قيل له : وبالله تعالى التوفيق : ليس في الآية التي ذكرت أنه ﷺ لا يبيِّن إلا بوحي لا يتلى ، بل فيها بيان جليّ ، ونص ظاهر أنه أنزل تعالى عليه الذكر ليبينه للناس، والبيان هو بالكلام ، فإذا تلاه النبي ﷺ فقد بينه ، ثم إن كان مجملاً لا يفهم معناه من لفظه بينه حينئذ بوحي يوحى إليه ، إما متلو أو غير متلو ، كما قال تعالى : {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } فأخبر تعالى أن بيان القرآن عليه عز وجل ، وإذا كان عليه فبيانه من عنده تعالى ، والوحي كله ، متلوه وغير متلوه ، فهو من عند الله عز وجل : {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } وقال تعالى مخبراً عن القرآن : {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } .

فصح بهذه الآية أنه تكون آية متلوه بياناً لأخرى ، ولا معنى لإنكار هذا وقد وجد، فقد ذكر تعالى الطلاق مجملاً ، ثم فسره في سورة الطلاق وبيّنه .

ومما أُجمل في السنة وبينه القرآن ما حدثناه عبدالله بن يوسف عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي عن مسلم ، ثنا زهير بن حرب ، حدثنا إسماعيل بن علية ، ثنا أبو حيان ، ثنا يزيد بن حيان أنه سمع زيد بن أرقم يقول: خطبنا رسول الله ﷺ بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال : «أَمَّا بَعْدُ أَلا يَا أَيُّها النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهما كِتَابُ الله فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ الله عزَّ وَجَلَّ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ...

ثم قال ﷺ : وَأَهلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ الله في أهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ الله فِي أَهْلِ بَيْتِي» .

  • قال علي : وفسر زيد بن أرقم أنهم بنو هاشم .
  • قال علي : والتقليد باطل ، فوجب طلب من هم أهل بيته ﷺ في الكتاب والسنَّة ، فوجدنا الله تعالى قال : {ينِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيــراً * وَاذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَى فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْــمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً } .
  • قال علي : فرفعت هذه الآية الشك ، وبيَّنت أن أهل بيته ﷺ هن نساؤه فقط ، وأما بنو هاشم فإنهم آل محمد وذوو القربى بنص القرآن والسنة ، فهم في قسمه الخمس ، وتحريم الصدقة .

وقد أجمل ﷺ قوله : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلهَ إِلاَّ الله» ثم فسر الله تعالى ذلك وبينه بقوله في سورة براءة: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .

فإن قال قائل : ما بيَّن هذا الحديث إلا حديث ابن عمر وأبي هريرة : «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ المُشْرِكِينَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلهَ إِلاَّ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَيُؤْمِنُوا بِمَا أُرْسِلْتُ بِهِ» .

قيل له ، وبالله تعالى التوفيق : هذا الخبر الذي ذكرت هو موافق لما في براءة ، فصح أن الله تعالى أنزل ذلك عليه في القرآن ، ثم أخبر به ﷺ أصحابه بلفظ فكان بياناً مردداً تفسيراً مؤكداً ، فخبر أبي هريرة وابن عمر إنما هو حكاية لما في براءة .

يعلم ذلك ببديهة العقل عند قراءة الآية والحديث المذكور .

  • قال علي : وقد يرد البيان بالإِشارة على ما في حديث كعب بن مالك مع أبي حدرد إذ أشار إليه ﷺ بيده : أن ضع النصف .
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الأول/الجزء الأول

مقدمة تشمل الباب الأول والثاني | في إثبات حجج العقول | في كيفية ظهور اللغات أعن التوقيف أم عن إصطلاح ؟ | في الألفاظ الدائرة بين أهل النظر | تتمة الباب الخامس وفصل في معاني حروف تتكرر في النصوص | هل الأشياء في العقل قبل ورود الشرع على الحظر أو على الإباحة | فصل فيمن لم يبلغه الأمر من الشريعة | في أصول الأحكام في الديانة وأقسام المعارف وهل على النافي دليل أو لا ؟ | فصل : في هل على النافي دليل أو لا ؟ | في البيان ومعناه | في تأخير البيان | في الأخذ بموجب القرآن | في الكلام في الأخبار وهي السنن المنقولة عن رسول اللـه ﷺ | فصل فيه أقسام الإخبار عن الله | هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم؟ | صفة من يلزم قبوله نقل الأخبار