هداية الحيارى/قصة الحارث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
هداية الحيارى
المؤلف: ابن القيم


قصة الحارث

وذكر الواقدي أن رسول الله ﷺ بعث شجاع بن وهب إلى «الحارث ابن أبي شمر» وهو بغوطة دمشق، فكتب إليه مرجعه من الحديبية «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحرث ابن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك».وختم الكتاب، فخرج به شجاع بن وهب، قال: فانتهيت إلى حاجبه فأجده يومئذ وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيليا حيث كشف الله عنه جنود فارس شكرا لله عز وجل. قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله إليه فقال حاجبه: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه وكان روميا اسمه: مرى، يسألني عن رسول الله ﷺ وما يدعو إليه؟ فكنت أحدثه فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قرأت في الإنجيل وأجد صفة هذا النبي بعينه.

فكنت أراه يخرج بالشام فأراه قد خرج بأرض العرب، فأنا أؤمن به وأصدقه وأنا أخاف من الحارث ابن أبي شمر أن يقتلني.

قال شجاع: فكان هذا الحاجب يكرمني ويحسن ضيافتي، ويخبرني عن الحارث باليأس منه ويقول: هو يخاف قيصر، قال: فخرج الحارث يوما وجلس فوضع التاج على رأسه فأذن لي عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ فقرأه، وقال: من ينتزع مني ملكي؟ !أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته، عليّ بالناس، فلم يزل جالسا يعرض حتى الليل، وأمر بالخيل أن تنعل.

ثم قال: أخبر صاحبك ما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره خبري فصادف قيصر بإيليا وعنده دحية الكلبي قد بعثه إليه رسول الله ﷺ، فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه أن لا تسر إليه وأنه عنه ووافني بإيليا.

قال: ورجع الكتاب وأنا مقيم، فدعاني، وقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ قلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهبا، ووصلني مرى بنفقة وكسوة، وقال: أقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام، وأخبره أني متبع دينه.

قال: شجاع فقدمت على رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: «باد ملكه» وأقرأته من مرى السلام وأخبرته بما قال، فقال رسول الله ﷺ: «صدق».

ونحن إنما ذكرنا بعض ملوك الطوائف الذين آمنوا به، وأكابر علمائهم وعظمائهم، ولا يمكننا حصر من عداهم وهم جمهور أهل الأرض، ولم يتخلف عن متابعته إلا الأقلون، وهم إما مسالم له قد رضي بالذلة والجزية والهوان، وإما خائف منه فأهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلمون له، ومسالمون له، وخائفون منه.

هداية الحيارى
خطبة الكتاب | تمهيد | مسائل الكتاب | المسألة الأولى | الأسباب المانعة من قبول الحق | لا غرابة في جحد النصارى رسالة محمد وقد سبوا الله | صلاة النصارى استهزاء بالمعبود | المسألة الثانية | قصة النجاشي | وفد نصارى نجران | خبر عدي بن حاتم الطائي | قصة سلمان الفارسي | قصة هرقل | إسلام النجاشي | قصة المقوقس | قصة ابن الجلندي | صاحب اليمامة | قصة الحارث | قصة عبد الله بن سلام | المذكور في كتبهم غالبا وهو أبلغ من الاسم | نصارى نجران | اثنا عشر وجها تدل على أنه مذكور في الكتب المنزلة | اختلاف نسخ التوراة والإنجيل وتناقضها | نصوص الكتب المتقدمة في البشارة به وصفته ونعت أمته | النصارى آمنوا بمسيح لا وجود له واليهود ينتظرون المسيح الدجال | ما عوض به إبليس والنصارى وكل مستكبر عن حق | أدلة من التوراة على نبوة محمد | نطق التوراة صراحة بنبوة محمد | ما ذكر في نبوة حبقوق | مناظرة المؤلف لأحد كبار اليهود | صفات النبي المذكورة في كتبهم | خبر المباهلة | حديث وهب عن الزبور | خبر الحجر الذي وجد في قبر دانيال | أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي | خبر بحيرا الراهب | خبر آخر عن هرقل | الطرق الأربعة الدالة على صحة البشارة به | تحريف التوراة والإنجيل | سبب تحريف التوراة | جحدهم بنبوة محمد نظير جحدهم نبوة المسيح | التغيير في ألفاظ الكتب | المناقضات في الإنجيل | الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة | الرد على من قال بعدم كفر هاتين الأمتين | الرد على من طعن بالصحابة | معاصي الأمم لا تقدح في الرسل ولا في رسالتهم | كتب اليهود | من شريعتهم نكاح امرأة الأخ أو العار | دين النصارى | مقالة أشباه الحمير في مريم وابنها | لو لم يظهر محمد لبطلت نبوة سائر الأنبياء | النصارى أشد الأمم افتراقا في دينهم | اختلاف فرقهم المشهورة في شخصية المسيح | تاريخ المجامع النصرانية | ذكر ماني الكذاب | بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح | أول من ابتدع شارة الصليب قسطنطين | المجمع الأول | المجمع الثاني | المجمع الثالث | المجمع الرابع | المجمع الخامس | المجمع السادس | المجمع السابع | المجمع الثامن | المجمع التاسع | المجمع العاشر | لو عرض دين النصرانية على قوم لم يعرفوا لهم إلها لامتنعوا من قبوله | يستحيل الإيمان بنبي من الأنبياء مع جحد نبوة محمد | إنكار النبوات شيمة الفلاسفة والمجوس وعباد الأصنام | غباوة اليهود | إشراق الأرض بالنبوة