هداية الحيارى/بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
هداية الحيارى
المؤلف: ابن القيم


بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح

ثم قام بعده قيصر آخر، وفي زمنه جعل في أنطاكية بتركا مسمى بولس الشمشاطي وهو أول من ابتدع في شأن المسيح اللاهوت والناسوت، وكانت النصارى قبله كلمتهم واحدة أنه عبد رسول مخلوق مصنوع مربوب، لا يختلف فيه اثنان منهم، فقال بولس هذا، وهو أول من أفسد دين النصارى، إن سيدنا المسيح خلق من اللاهوت إنسانا كواحد منا في جوهره وإن ابتداء الابن من مريم، وإنه اصطفى ليكون مخلصا للجوهر الإنسي صحبته النعمة الإلهية، فحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي ابن الله. وقال إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد.

قال سعيد بن البطريق: وبعد موته اجتمع ثلاثة عشر أسقفا في مدينة أنطاكية ونظروا في مقالة بولس فأوجبوا عليه اللعن، فلعنوه ولعنوا من يقول بقوله وانصرفوا.

ثم قام قيصر آخر، فكانت النصارى في زمنه يصلون في المطامير والبيوت فزعا من الروم، ولم يكن بترك الإسكندرية يظهر خوفا أن يقتل، فقام بارون بتركا فلم يزل يداري الروم حتى بنى بالإسكندرية كنيسة.

ثم قام قياصرة أخر، منهم اثنان تملكا على الروم إحدى وعشرين سنة، فأثارا على النصارى بلاء عظيما وعذابا أليما وشدة تجل عن الوصف من القتل والعذاب واستباحة الحريم والأموال، وقتل ألوف مؤلفة من النصارى، وعذبوا "مارجرجس" أصناف العذاب ثم قتلوه، وفي زمنهما ضربت عنق بطرس بترك الإسكندرية، وكان له تلميذان.

وكان في زمنه أريوس يقول: إن الأب وحده الله الفرد الصمد، والابن مخلوق مصنوع، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن. فقال بطرس لتلميذيه: إن المسيح لعن أريوس فاحذرا أن تقبلا قوله؛ فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب، فقلت: يا سيدي! من شق ثوبك؟ فقال لي: أريوس، فاحذروا أن تقبلوه أو يدخل معكم الكنيسة. وبعد قتل بطرس بخمس سنين، صير أحد تلميذيه بتركا على الإسكندرية، فأقام ستة أشهر ومات، ولما جرى على أريوس ما جرى أظهر أنه قد رجع عن مقالته فقبله هذا البترك وأدخله الكنيسة وجعله قسيسا.

ثم قام قيصر آخر، فجعل يتطلب النصارى ويقتلهم حتى صب الله عليه النقمة فهلك شر هلكة.

ثم قام بعده قيصران: أحدهما ملك الشام وأرض الروم وبعض الشرق. والآخر رومية وما جاورها. وكانا كالسباع الضارية على النصارى فعلا بهم من القتل والسبي والجلاء ما لم يفعله بهم ملك قبله.

وملك معهما قسطنطين أبو قسطنطين، وكان دينا يبغض الأصنام محبا للنصارى، فخرج إلى ناحية الجزيرة والرها، فنزل في قرية من قرى الرها فرأى امرأة جميلة يقال لها هيلانة. وكانت قد تنصرت على يدي أسقف الرها وتعلمت قراءة الكتب فخطبها قسطنطين من أبيها فزوجه إياها، فحبلت منه وولدت قسطنطين، فتربى بالرها وتعلم حكمة اليونان، وكان جميل الوجه، قليل الشر محبا للحكمة.

وكان عليانوس ملك الروم حينئذ رجلا فاجرا شديد البأس، مبغضا للنصارى جدا كثير القتل فيهم محبا للنساء، لم يترك للنصارى بنتا جميلة إلا أفسدها، وكذلك أصحابه.

وكان النصارى في جهد جهيد معه، فبلغه خبر قسطنطين وأنه غلام هاد قليل الشر كثير العلم، وأخبره المنجمون والكهنة أنه سيملك ملكا عظيما فهمّ بقتله، فهرب قسطنطين من الرها ووصل إلى أبيه فسلم إليه الملك.

ثم مات أبوه، وصب الله على عليانوس أنواعا من البلاء حتى تعجب الناس مما ناله ورحمه أعداؤه مما حل به، فرجع إلى نفسه وقال: لعل هذا بسبب ظلم النصارى. فكتب إلى جميع عماله أن يطلقوا النصارى من الحبوس وأن يكرموهم ويسألوهم أن يدعوا له في صلواتهم.

فوهب الله له العافية ورجع إلى أفضل ما كان عليه من الصحة والقوة، فلما صح وقوي رجع إلى شر مما كان عليه، وكتب إلى عماله أن يقتلوا النصارى ولا يدعوا في مملكته نصرانيا ولا يسكنوا له مدينة ولا قرية، فكان القتلى يحملون على العجل ويرمى بهم في البحر والصحارى.

وأما قيصر الآخر الذي كان معه فكان شديدا على النصارى واستعبد من كان برومية من النصارى ونهب أموالهم وقتل رجالهم ونساءهم وصبيانهم.

هداية الحيارى
خطبة الكتاب | تمهيد | مسائل الكتاب | المسألة الأولى | الأسباب المانعة من قبول الحق | لا غرابة في جحد النصارى رسالة محمد وقد سبوا الله | صلاة النصارى استهزاء بالمعبود | المسألة الثانية | قصة النجاشي | وفد نصارى نجران | خبر عدي بن حاتم الطائي | قصة سلمان الفارسي | قصة هرقل | إسلام النجاشي | قصة المقوقس | قصة ابن الجلندي | صاحب اليمامة | قصة الحارث | قصة عبد الله بن سلام | المذكور في كتبهم غالبا وهو أبلغ من الاسم | نصارى نجران | اثنا عشر وجها تدل على أنه مذكور في الكتب المنزلة | اختلاف نسخ التوراة والإنجيل وتناقضها | نصوص الكتب المتقدمة في البشارة به وصفته ونعت أمته | النصارى آمنوا بمسيح لا وجود له واليهود ينتظرون المسيح الدجال | ما عوض به إبليس والنصارى وكل مستكبر عن حق | أدلة من التوراة على نبوة محمد | نطق التوراة صراحة بنبوة محمد | ما ذكر في نبوة حبقوق | مناظرة المؤلف لأحد كبار اليهود | صفات النبي المذكورة في كتبهم | خبر المباهلة | حديث وهب عن الزبور | خبر الحجر الذي وجد في قبر دانيال | أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي | خبر بحيرا الراهب | خبر آخر عن هرقل | الطرق الأربعة الدالة على صحة البشارة به | تحريف التوراة والإنجيل | سبب تحريف التوراة | جحدهم بنبوة محمد نظير جحدهم نبوة المسيح | التغيير في ألفاظ الكتب | المناقضات في الإنجيل | الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة | الرد على من قال بعدم كفر هاتين الأمتين | الرد على من طعن بالصحابة | معاصي الأمم لا تقدح في الرسل ولا في رسالتهم | كتب اليهود | من شريعتهم نكاح امرأة الأخ أو العار | دين النصارى | مقالة أشباه الحمير في مريم وابنها | لو لم يظهر محمد لبطلت نبوة سائر الأنبياء | النصارى أشد الأمم افتراقا في دينهم | اختلاف فرقهم المشهورة في شخصية المسيح | تاريخ المجامع النصرانية | ذكر ماني الكذاب | بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح | أول من ابتدع شارة الصليب قسطنطين | المجمع الأول | المجمع الثاني | المجمع الثالث | المجمع الرابع | المجمع الخامس | المجمع السادس | المجمع السابع | المجمع الثامن | المجمع التاسع | المجمع العاشر | لو عرض دين النصرانية على قوم لم يعرفوا لهم إلها لامتنعوا من قبوله | يستحيل الإيمان بنبي من الأنبياء مع جحد نبوة محمد | إنكار النبوات شيمة الفلاسفة والمجوس وعباد الأصنام | غباوة اليهود | إشراق الأرض بالنبوة