انتقل إلى المحتوى

هداية الحيارى/الفصل العاشر: معاصي الأمم لا تقدح في الرسل ولا في رسالتهم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة


الفصل العاشر: معاصي الأمم لا تقدح في الرسل ولا في رسالتهم

قال السائل: «نرى في دينكم أكثر الفواحش، فيمن هو أعلم، وأفقه في دينكم، كالزنا، واللواط، والخيانة، والحسد، والبخل، والغدر، والتجبر، والتكبر، والخيلاء، وقلة الورع، واليقين، وقلة الرحمة، والمروءة، والحمية، وكثرة الهلع، والتكالب على الدنيا، والكسل في الخيرات، وهذا الحال يكذب لسان المقال»

والجواب من وجوه:

أحدها: أن يقال: ما ذا على الرسل الكرام من معاصي أممهم وأتباعهم؟

وهل يقدح ذلك شيئا في نبوتهم أو يغير وجه رسالتهم؟

وهل سلم من الذنوب على اختلاف أنواعها، وأجناسها إلا الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؟

وهل يجوز رد رسالتهم وتكذيبهم بمعصية بعض أتباعهم لهم؟

وهل هذا إلا من أقبح التعنت؟ وهو بمنزلة رجل مريض دعاه طبيب ناصح إلى سبب ينال به غابة عافيته، فقال: لو كنت طبيبا لم يكن فلان وفلان وفلان مرضى! وهل يلزم الرسل أن يشفوا جميع المرضى بحيث لا يبقى في العالم مريض؟ !

هل تعنت أحد من الناس للرسل بمثل هذا التعنت؟

الوجه الثاني: أن الذنوب والمعاصي أمر مشترك بين الأمم، لم تزل في العالم من طبقات بني آدم عالمهم، وجاهلهم، وزاهدهم في الدنيا، وراغبهم، وأميرهم، ومأمورهم، وليس ذلك أمرا اختصت به هذه الأمة حتى يقدح به فيها وفي نبيها.

الوجه الثالث: أن الذنوب والمعاصي لا تنافي الإيمان بالرسل، بل يجتمع في العبد الإسلام والإيمان والذنوب والمعاصي، فيكون فيه هذا وهذا. فالمعاصي لا تنافي الإيمان بالرسل وإن قدحت في كماله وتمامه.

الوجه الرابع: أن الذنوب تغفر بالتوبة النصوح، فلو بلغت ذنوب العبد عنان السماء، وعدد الرمل والحصا، ثم تاب منها تاب الله عليه، قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم). فهذا في حق التائب؛ فإن التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتوحيد يكفر الذنوب.

كما في الحديث الصحيح الإلهي: «ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لقيتك بقرابها مغفرة» فالمسلمون ذنوبهم ذنوب موحد إن قوي التوحيد على محو آثارها بالكلية، وإلا فما معهم من التوحيد يخرجهم من النار إذا عذبوا بذنوبهم.

وأما المشركون، والكفار فإن شركهم وكفرهم يحبط حسناتهم، فلا يلقون ربهم بحسنة يرجون بها النجاة، ولا يغفر لهم شيء من ذنوبهم، قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

وقال تعالى في حق الكفار والمشركين: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا).

وقال رسول الله : «أبى الله أن يقبل من مشرك عملا» فالذنوب تزول آثارها بالتوبة النصوح، والتوحيد الخالص، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة لها، وشفاعة الشافعين في الموحدين، وآخر ذلك إذا عذب بما يبقى عليه منها أخرجه توحيده من النار.

وأما الشرك بالله، والكفر بالرسول، فإنه يحبط جميع الحسنات بحيث لا تبقى معه حسنة.

الوجه الخامس: أن يقال لمورد هذا السؤال إن كان من أمة اليهود: ألا يستحي من إيراد هذا السؤال من آباؤه وأسلافه كانوا يشاهدون في كل يوم من الآيات ما لم يره غيرهم من الأمم؟ وقد فلق الله لهم البحر، وأنجاهم من عدوهم، وما جفت أقدامهم من ماء البحر، حتى قالوا لموسى:

(اجعل لنا إلها كما لهم ألهه، قال: إنكم قوما تجهلون) ولما ذهب لميقات ربه لم يمهلوه أن عبدوا بعد ذهابه العجل المصوغ، وغلب أخوه هرون معهم، ولم يقدر على الإنكار عليهم، وكانوا مع مشاهدتهم تلك الآيات، والعجائب، يهمون برجم موسى، وأخيه هرون في كثير من الأوقات، والوحي بين أظهرهم!!

ولما ندبهم إلى الجهاد قالوا: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)، وآذوا موسى أنواع الأذى حتى قالوا: أنه آدر - أي منتفخ الخصية - ولهذا يغتسل وحده، فاغتسل يوما ووضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فعدا خلفه عريانا حتى نظر بنو إسرائيل إلى عورته، فرأوه أحسن خلق الله متجردا.

ولما مات أخوه هرون قالوا: إن موسى قتله وغيبه. فرفعت الملائكة لهم تابوت بين السماء والأرض حتى عاينوه ميتا، وآثروا العود إلى مصر وإلى العبودية ليشبعوا من أكل اللحم، والبصل، والقثاء، والعدس. هكذا عندهم.

والذي حكاه الله عنهم أنهم آثروا ذلك على المن والسلوى؛ وإنهماكهم على الزنا وموسى بين أظهرهم، وعدوهم بإزائهم حتى ضعفوا عنهم ولم يظفروا بهم، وهذا معروف عندهم.

وعبادتهم الأصنام بعد عصر يوشع بن نون معروف، وتحيلهم على صيد الحيتان في يوم السبت لا تنسه، حتى مسخوا قردة خاسئين وقتلهم الأنبياء بغير حق حتى قتلوا في يوم واحد سبعين نبيا في أول النهار، وأقاموا السوق آخره، كأنهم جزروا غنما وذلك أمر معروف.

وقتلهم يحيى بن زكريا ونشرهم إياه بالمنشار، وإصرارهم على العظائم واتفاقهم على تغيير الكثير من أحكام التوراة، ورميهم لوطا بأنه وطئ ابنتيه وأولدهما، ورميهم يوسف بأنه حل سراويله، وجلس من امرأة العزيز من القابلة حتى انشق له الحائط، وخرجت له كف يعقوب، وهو عاض على أنامله، فقام وهرب.

وهذا لو رآه أفسق الناس، وأفجرهم لقام ولم يقض غرضه، وطاعتهم للخارج على ولد سليمان بن داود لما وضع لهم كبشين من ذهب فعكفت جماعتهم على عبادتهما، إلى أن جرت الحرب بينهم وبين المؤمنين الذين كانوا مع ولد سليمان، وقتل منهم في معركة واحدة ألوف مؤلفة.

أفلا يستحي عباد الكباش والبقر من تغيير الموحدين بذنوبهم؟

أولا تستحي ذرية قتلة الأنبياء من تعيير المجاهدين لأعداء الله؟

فأين ذرية من سيوف آبائهم تقطر من دماء الأنبياء ممن تقطر سيوفهم من دماء الكفار والمشركين؟

أولا يستحي من يقول في صلاته لربه: انتبه كم تنام يا رب، استيقظ من رقدتك، ينخيه بذلك ويحميه، من تعيير من يقول في صلاته: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين) فلو بلغت ذنوب المسلمين عدد الحصا والرمال والتراب والأنفاس، ما بلغت مبلغ قتل نبي واحد، ولا وصلت إلى اليهود (إن الله فقير ونحن أغنياء).

وقولهم: (عزير ابن الله).

وقولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه).

وقولهم: إن الله بكر على الطوفان حتى رمد من البكاء، وجعلت الملائكة تعوده، وقولهم: أنه عض أنامله على ذلك.

وقولهم: إنه ندم على خلق البشر، وشق عليه لما رأى من معاصيهم وظلمهم.

وأعظم من ذلك نسبة هذا كله إلى التوارة التي أنزلها على كليمه، فلو بلغت ذنوب المسلمين ما بلغت، لكانت في جنب ذلك كتفلة في بحر، ولا تنس قصة أسلافهم مع شاؤل الخارج على داود فإن سوادهم الأعظم انضم إليه، وشدوا معه حرب داود.

ثم لما عادوا إلى طاعة داود، وجاءت وفودهم وعساكرهم مستغفرين معتذرين، بحيث اختصموا في السبق إليه فنبغ منهم شخص، ونادى بأعلى صوته: لا نصيب لنا في داود.

ولا حظ في شاؤل، ليمض كل منهم إلى خبائة يا إسرائيلين، فلم يكن بأوشك من أن ذهب جميع عسكر بني إسرائيل إلى أخبيتهم بسبب كلمته، ولما قتل هذا الصائح، عادت العساكر جميعها إلى خدمة داود، فما كان القوم إلا مثل همج رعاع، يجمعهم طبل ويفرقهم عصى!

هداية الحيارى
خطبة الكتاب | تمهيد | مسائل الكتاب | المسألة الأولى | الأسباب المانعة من قبول الحق | لا غرابة في جحد النصارى رسالة محمد وقد سبوا الله | صلاة النصارى استهزاء بالمعبود | المسألة الثانية | قصة النجاشي | وفد نصارى نجران | خبر عدي بن حاتم الطائي | قصة سلمان الفارسي | قصة هرقل | إسلام النجاشي | قصة المقوقس | قصة ابن الجلندي | صاحب اليمامة | قصة الحارث | قصة عبد الله بن سلام | المذكور في كتبهم غالبا وهو أبلغ من الاسم | نصارى نجران | اثنا عشر وجها تدل على أنه مذكور في الكتب المنزلة | اختلاف نسخ التوراة والإنجيل وتناقضها | نصوص الكتب المتقدمة في البشارة به وصفته ونعت أمته | النصارى آمنوا بمسيح لا وجود له واليهود ينتظرون المسيح الدجال | ما عوض به إبليس والنصارى وكل مستكبر عن حق | أدلة من التوراة على نبوة محمد | نطق التوراة صراحة بنبوة محمد | ما ذكر في نبوة حبقوق | مناظرة المؤلف لأحد كبار اليهود | صفات النبي المذكورة في كتبهم | خبر المباهلة | حديث وهب عن الزبور | خبر الحجر الذي وجد في قبر دانيال | أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي | خبر بحيرا الراهب | خبر آخر عن هرقل | الطرق الأربعة الدالة على صحة البشارة به | تحريف التوراة والإنجيل | سبب تحريف التوراة | جحدهم بنبوة محمد نظير جحدهم نبوة المسيح | التغيير في ألفاظ الكتب | المناقضات في الإنجيل | الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة | الرد على من قال بعدم كفر هاتين الأمتين | الرد على من طعن بالصحابة | معاصي الأمم لا تقدح في الرسل ولا في رسالتهم | كتب اليهود | من شريعتهم نكاح امرأة الأخ أو العار | دين النصارى | مقالة أشباه الحمير في مريم وابنها | لو لم يظهر محمد لبطلت نبوة سائر الأنبياء | النصارى أشد الأمم افتراقا في دينهم | اختلاف فرقهم المشهورة في شخصية المسيح | تاريخ المجامع النصرانية | ذكر ماني الكذاب | بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح | أول من ابتدع شارة الصليب قسطنطين | المجمع الأول | المجمع الثاني | المجمع الثالث | المجمع الرابع | المجمع الخامس | المجمع السادس | المجمع السابع | المجمع الثامن | المجمع التاسع | المجمع العاشر | لو عرض دين النصرانية على قوم لم يعرفوا لهم إلها لامتنعوا من قبوله | يستحيل الإيمان بنبي من الأنبياء مع جحد نبوة محمد | إنكار النبوات شيمة الفلاسفة والمجوس وعباد الأصنام | غباوة اليهود | إشراق الأرض بالنبوة