هداية الحيارى/المجمع الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
هداية الحيارى
المؤلف: ابن القيم


المجمع الثاني

ثم اجتمعوا بعد هذا مجمعا عظيما ببيت المقدس، وكان معهم رجل دسه بترك القسطنطينية، وجماعة معه، ليسألوا بترك الإسكندرية، وكان هذا الرجل لما رجع إلى الملك، أظهر أنه مخالف لأريوس، وكان يرى رأيه، ويقول بمقالته، فقام الرجل، وقال: إن أريوس لم يقل إن المسيح خلق الإنسان، ولكن قال به خلقت الأشياء، لأنه كلمة الله التي بها خلقت السموات والأرض، وإنما خلق الله الأشياء بكلمته ولم تخلق الأشياء كلمته، كما قال المسيح في الإنجيل: «كل بيده كان ومن دونه لم يكن شيء» وقال: «به كانت الحيا، والحياة نور البشر» وقال: «العالم به يكون» فأخبر أن الأشياء به تكونت.

قال ابن البطريق: فهذه كانت مقالة أريوس ولكن الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا تعدوا عليه وحرفوه ظلما وعدوانا، فرد عليه بترك الإسكندرية، وقال: أما أريوس، فلم تكذب عليه الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ولا ظلموه لأنه إنما قال: الابن خالق الأشياء دون الأب، وإذا كانت الأشياء إنما خلقت بالابن دون أن يكون الأب لها خالقا فقد أعطى أنه ما خلق منها شيئا.

وفي ذلك تكذيب قوله: «الأب يخلق وأنا أخلق».

وقال: «إن أنا لم أعمل عمل أبي فلا تصدقوني».

وقال: «كما أن الأب يحيي من يشاء ويميته، كذلك الابن يحيي من يشاء ويميته».

قالوا: فدل على أنه يحيي ويخلق، وفي هذا تكذيب لمن زعم أنه ليس بخالق وإنما خلقت الأشياء به دون أن يكون خالقا.

وأما قولك: إن الأشياء كونت به، فإنا لما قلنا: لا شك أن المسيح حي فعال، وكان قد دل بقوله: «إني أفعل الخلق والحياة» كان قولك: به كونت الأشياء إنما هو راجع في المعنى إلى أنه كونها وكانت به مكونة، ولو لم يكن ذلك لتناقض القولان.

قال: وأما قول من قال من أصحاب أريوس: إن الأب يريد الشيء فيكونه الابن، والإرادة للأب والتكوين للابن، فإن ذلك يفسد أيضا، إذا كان الابن عنده مخلوقا، فقد صار حظ المخلوق في الخلق أوفى من حظ الخالق فيه، وذلك أن هذا أراد وفعل، وذلك أراد ولم يفعل، فهذا أوفر حظا في فعله من ذلك، ولابد لهذا أن يكون في فعله لما يريد ذلك، بمنزلة كل فاعل من الخلق لما يريد الخالق منه، ويكون حكمه كحكمه في الخير والاختيار، فإن كان مجبورا فلا شيء له في الفعل، وإن كان مختارا، فجائز أن يطاع، وجائز أن يعصى، وجائز أن يثاب، وجائز أن يعاقب. وهذا أشنع في القول، ورد عليه أيضا وقال: إن كان الخالق إنما خلق خلقه بمخلوق، والمخلوق غير الخالق بلا شك، فقد زعمتم أن الخالق يفعل بغيره، والفاعل بغيره محتاج إلى متمم ليفعل به، إذ كان لا يتم له الفعل إلا به، والمحتاج إلى غيره منقوص، والخالق متعال عن هذا كله.

قال: فلما دحض بترك الإسكندرية حجج أولئك المخالفين، وظهر لمن حضر بطلان قولهم وتحيروا وخجلوا، فوثبوا على بترك الإسكندرية فضربوه حتى كاد يموت، فخلصه من أيديهم ابن أخت قسطنطين، وهرب بترك الإسكندرية وصار إلى بيت المقدس من غير حضور أحد من الأساقفة، ثم أصلح دهن الميرون وقدس الكنائس ومسحها بدهن الميرون، وسار إلى الملك فأعلمه الخبر فصرفه إلى الإسكندرية.

قال ابن البطريق: وأمر الملك أن لا يسكن يهودي ببيت المقدس ولا يجوز بها، ومن لم يتنصر قتل، فظهر دين النصرانية، وتنصر من اليهود خلق، فقيل للملك: إن اليهود يتنصرون من خوف القتل وهم على دينهم، فقال: كيف لنا أن نعلم ذلك منهم؟ فقال له بولس البترك: إن الخنزير في التوراة حرام، واليهود لا يأكلون لحم الخنزير، فأمر أن تذبح الخنازير ويطبخ لحومها ويطعم منها، فمن لم يأكل منه علم أنه مقيم على دين اليهودية. فقال الملك: إذا كان الخنزير في التوراة حراما فكيف يحل لنا أن نأكله ونطعمه الناس؟ فقال له بولس: إن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة وجاء بنواميس أخر وبتوراة جديدة وهو الإنجيل، وفي إنجيله: أن كل ما يدخل البطن فليس بحرام ولا نجس، وإنما ينجس الإنسان ما يخرج من فيه.

وقال بولس: إن بطرس رئيس الحواريين، بينما هو يصلي في ست ساعات من النهار، وقع عليه سبات فنظر إلى السماء قد تفتحت وإذا زاد قد نزل من السماء حتى بلغ الأرض، وفيه كل ذي أربع قوائم على الأرض، من السباع والدواب وغير ذلك من طير السماء، وسمع صوتا يقول له: يا بطرس قم فاذبح وكل، فقال بطرس: يا رب ما أكلت شيئا نجسا قط ولا دنسا قط، فجاء صوت ثان كل ما طهره الله فليس بنجس.

وفي نسخة أخرى: ما طهره الله فلا تنجسه أنت، ثم جاءه الصوت بهذا ثلاث مرات، ثم إن الزاد ارتفع إلى السماء، فتعجب بطرس وتحير فيما بينه وبين نفسه، فأمر الملك أن تذبح الخنازير وتطبخ لحومها وتقطع صغارا، وتصير على أبواب الكنائس في كل مملكته يوم أحد الفصح، وكل من خرج من الكنيسة يلقم لقمة من لحم الخنازير، فمن لم يأكل منه يقتل، فقتل لأجل ذلك خلق كثير، ثم هلك قسطنطين.

وقام بعده أكبر أولاده، واسمه قسطنطين، وفي أيامه اجتمع أصحاب أريوس ومن قال بمقالته إليه، فحسنوا لهم دينهم ومقالتهم، وقالوا: إن الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا الذين كانوا اجتمعوا بنيقية قد أخطأوا وحادوا عن الحق في قولهم إن الابن متفق مع الأب في الجوهر.

فأمر أن لا يقال هذا، فإنه خطأ، فعزم الملك على فعله، فكتب إليه أسقف بيت المقدس أن لا يقبل قول أصحاب أريوس فإنهم حائدون عن الحق وكفار، وقد لعنهم الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ولعنوا كل من يقول بمقالتهم، فقبل قوله.

قال ابن البطريق: وفي ذلك الوقت أعلنت مقالة أريوس على قسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية، وفي ثاني سنة من ملك قسطنطين هذا صار على أنطاكية بترك أريوسي، ثم بعده آخر مثله. قال: وأما أهل مصر والإسكندرية، وكان أكثرهم أريوسيين ومانيين، فغلبوا على كنائس مصر فأخذوها، ووثبوا على بترك الإسكندرية ليقتلوه فهرب منهم واستخفى. ثم ذكر جماعة من البتاركة والأساقفة من طوائف النصارى وما جرى لهم مع بعضهم بعضا وما تعصبت به كل طائقة لبتركها حتى قتل بعضهم بعضا. واختلف النصارى أشد الاختلاف وكثرت مقالاتهم، واجتمعوا عدة مجامع، كل مجمع يلعن فيه بعضهم بعضا، ونحن نذكر بعض مجامعهم بعد هذين المجمعين.

هداية الحيارى
خطبة الكتاب | تمهيد | مسائل الكتاب | المسألة الأولى | الأسباب المانعة من قبول الحق | لا غرابة في جحد النصارى رسالة محمد وقد سبوا الله | صلاة النصارى استهزاء بالمعبود | المسألة الثانية | قصة النجاشي | وفد نصارى نجران | خبر عدي بن حاتم الطائي | قصة سلمان الفارسي | قصة هرقل | إسلام النجاشي | قصة المقوقس | قصة ابن الجلندي | صاحب اليمامة | قصة الحارث | قصة عبد الله بن سلام | المذكور في كتبهم غالبا وهو أبلغ من الاسم | نصارى نجران | اثنا عشر وجها تدل على أنه مذكور في الكتب المنزلة | اختلاف نسخ التوراة والإنجيل وتناقضها | نصوص الكتب المتقدمة في البشارة به وصفته ونعت أمته | النصارى آمنوا بمسيح لا وجود له واليهود ينتظرون المسيح الدجال | ما عوض به إبليس والنصارى وكل مستكبر عن حق | أدلة من التوراة على نبوة محمد | نطق التوراة صراحة بنبوة محمد | ما ذكر في نبوة حبقوق | مناظرة المؤلف لأحد كبار اليهود | صفات النبي المذكورة في كتبهم | خبر المباهلة | حديث وهب عن الزبور | خبر الحجر الذي وجد في قبر دانيال | أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي | خبر بحيرا الراهب | خبر آخر عن هرقل | الطرق الأربعة الدالة على صحة البشارة به | تحريف التوراة والإنجيل | سبب تحريف التوراة | جحدهم بنبوة محمد نظير جحدهم نبوة المسيح | التغيير في ألفاظ الكتب | المناقضات في الإنجيل | الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة | الرد على من قال بعدم كفر هاتين الأمتين | الرد على من طعن بالصحابة | معاصي الأمم لا تقدح في الرسل ولا في رسالتهم | كتب اليهود | من شريعتهم نكاح امرأة الأخ أو العار | دين النصارى | مقالة أشباه الحمير في مريم وابنها | لو لم يظهر محمد لبطلت نبوة سائر الأنبياء | النصارى أشد الأمم افتراقا في دينهم | اختلاف فرقهم المشهورة في شخصية المسيح | تاريخ المجامع النصرانية | ذكر ماني الكذاب | بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح | أول من ابتدع شارة الصليب قسطنطين | المجمع الأول | المجمع الثاني | المجمع الثالث | المجمع الرابع | المجمع الخامس | المجمع السادس | المجمع السابع | المجمع الثامن | المجمع التاسع | المجمع العاشر | لو عرض دين النصرانية على قوم لم يعرفوا لهم إلها لامتنعوا من قبوله | يستحيل الإيمان بنبي من الأنبياء مع جحد نبوة محمد | إنكار النبوات شيمة الفلاسفة والمجوس وعباد الأصنام | غباوة اليهود | إشراق الأرض بالنبوة