هداية الحيارى/خبر عدي بن حاتم الطائي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
هداية الحيارى
المؤلف: ابن القيم


خبر عدي بن حاتم الطائي

وكان من رؤساء النصارى الذين دخلوا في الإسلام لما تبين أنه الحق الرئيس المطاع في قومه عدي بن حاتم الطائي، ونحن نذكر قصته رواها الإمام أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم.

قال عدي بن حاتم: أتيت النبي ﷺ وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما رفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: «إني لا أرجو أن يجعل الله يده في يدي» قال: فقام لي، فلقيته امرأة وصبي معها، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتي بي داره، فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها، وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

«ما يفرك أن تقول لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله» قال: قلت: لا، ثم تكلم ساعة، ثم قال: «إنما يفرك أن يقال الله تعالى أكبر، وتعلم أن شيئا أكبر من الله»؟ قال: قلت: لا، قال: «فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضلال» قال: قلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحا، قال: ثم أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار، جعلت أغشاه آتيه طرفي النهار.

قال: فبينا أنا عنده عشية إذ جاءه قوم في ثياب من الصوف من هذه النمار، قال: فصلى وقام فحث عليهم، ثم قال: «ولو بصاع، ولو بنصف صاع، ولو بقبضة، ولو ببعض قبضة، يقي أحدكم وجهه حر جهنم أو النار، ولو بتمرة، ولو بشق تمرة، فإن أحدكم لاقي الله، وقائل له ما أقول لكم؛ ألم أجعل لك سمعا وبصرا؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أجعل لك مالا وولدا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فينظر قدامه وخلفه، وعن يمينه وعن شماله، ثم لا يجد شيئا يقي وجهه حر جهنم، ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن الله ناصركم ومعطيكم، حتى لتسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أكثر ما يخاف على مطيتها السرق».

قال فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طي؟ وكان عدي مطاعا في قومه بحيث يأخذ المرباع من غنائمهم.

وقال حماد بن زيد: عن أيوب عن محمد بن سيرين، قال: قال أبو عبيدة بن حذيفة: قال عدي بن حاتم: بعث الله محمد ﷺ فكرهته أشد ما كرهت شيئا قط، فخرجت حتى أتيت أقصى أرض العرب مما يلي الروم، ثم كرهت مكاني أشد مما كرهت مكاني الأول؛ فقلت: لو أتيته فسمعت منه، فأتيت المدينة فاستشرفني الناس، وقالوا: جاء عدي بن حاتم الطائي!جاء عدي بن حاتم الطائي!

فقال: «يا عدي بن حاتم الطائي، أسلم تسلم» فقلت: إني على دين، قال: «أنا أعلم بدينك منك»، قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: «نعم» قال هذا ثلاثا، قال: «ألست لوسيا» قلت: بلى، قال: «ألست ترأس قومك» قلت: بلى، قال: «ألست تأخذ المرباع» قلت: بلى، قال: «فإن ذلك لا يحل لك في دينك» قال: فوجدت بها على غضاضة.

ثم قال: «لعله أن يمنعك أن تسلم أن ترى عندنا خصاصة، وترى الناس علينا ألبا واحدا، هل رأيت الحيرة؟ » قلت: لم أرها وقد علمت مكانها، قال: «فإن الظعينة سترحل من الحيرة تطوف بالبيت بغير جوار، وليفتحن الله علينا كنوز كسرى ابن هرمز» قلت: كسرى ابن هرمز! قال: «كنوز كسرى ابن هرمز، وليفيض المال حتى يهتم الرجل من يقبل منه صدقته» قال: فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن، ووالله لتكونن الثالثة، إنه حديث رسول الله ﷺ.

هداية الحيارى
خطبة الكتاب | تمهيد | مسائل الكتاب | المسألة الأولى | الأسباب المانعة من قبول الحق | لا غرابة في جحد النصارى رسالة محمد وقد سبوا الله | صلاة النصارى استهزاء بالمعبود | المسألة الثانية | قصة النجاشي | وفد نصارى نجران | خبر عدي بن حاتم الطائي | قصة سلمان الفارسي | قصة هرقل | إسلام النجاشي | قصة المقوقس | قصة ابن الجلندي | صاحب اليمامة | قصة الحارث | قصة عبد الله بن سلام | المذكور في كتبهم غالبا وهو أبلغ من الاسم | نصارى نجران | اثنا عشر وجها تدل على أنه مذكور في الكتب المنزلة | اختلاف نسخ التوراة والإنجيل وتناقضها | نصوص الكتب المتقدمة في البشارة به وصفته ونعت أمته | النصارى آمنوا بمسيح لا وجود له واليهود ينتظرون المسيح الدجال | ما عوض به إبليس والنصارى وكل مستكبر عن حق | أدلة من التوراة على نبوة محمد | نطق التوراة صراحة بنبوة محمد | ما ذكر في نبوة حبقوق | مناظرة المؤلف لأحد كبار اليهود | صفات النبي المذكورة في كتبهم | خبر المباهلة | حديث وهب عن الزبور | خبر الحجر الذي وجد في قبر دانيال | أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي | خبر بحيرا الراهب | خبر آخر عن هرقل | الطرق الأربعة الدالة على صحة البشارة به | تحريف التوراة والإنجيل | سبب تحريف التوراة | جحدهم بنبوة محمد نظير جحدهم نبوة المسيح | التغيير في ألفاظ الكتب | المناقضات في الإنجيل | الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة | الرد على من قال بعدم كفر هاتين الأمتين | الرد على من طعن بالصحابة | معاصي الأمم لا تقدح في الرسل ولا في رسالتهم | كتب اليهود | من شريعتهم نكاح امرأة الأخ أو العار | دين النصارى | مقالة أشباه الحمير في مريم وابنها | لو لم يظهر محمد لبطلت نبوة سائر الأنبياء | النصارى أشد الأمم افتراقا في دينهم | اختلاف فرقهم المشهورة في شخصية المسيح | تاريخ المجامع النصرانية | ذكر ماني الكذاب | بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح | أول من ابتدع شارة الصليب قسطنطين | المجمع الأول | المجمع الثاني | المجمع الثالث | المجمع الرابع | المجمع الخامس | المجمع السادس | المجمع السابع | المجمع الثامن | المجمع التاسع | المجمع العاشر | لو عرض دين النصرانية على قوم لم يعرفوا لهم إلها لامتنعوا من قبوله | يستحيل الإيمان بنبي من الأنبياء مع جحد نبوة محمد | إنكار النبوات شيمة الفلاسفة والمجوس وعباد الأصنام | غباوة اليهود | إشراق الأرض بالنبوة