منهاج السنة النبوية/49

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منهاج السنة النبوية
المؤلف: ابن تيمية


ثم إن الرافضة أو أكثرهم لفرط جهلهم وضلالهم يقولون انهم ومن اتبعهم كانوا كفارا مرتدين وان اليهود والنصارى كانوا خيرا منهم لان الكافر الأصلي خير من المرتد وقد رأيت هذا في عدة من كتبهم وهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين

ومن الدلائل الدالة على فساده أن يقال من المعلوم بالاضطرار والمتواتر من الأخبار أن المهاجرين هاجروا من مكة وغيرها إلى المدينة وهاجر طائفة منهم كعمر وعثمان وجعفر بن أبي طالب هجرتين هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة وكان الإسلام إذ ذاك قليلا والكفار مستولون على عامة الأرض وكانوا يؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله وهم صابرون على الأذى متجرعون لمرارة البلوى وفارقوا الأوطان وهجروا الخلان لمحبة الله ورسوله والجهاد في سبيله كما وصفهم الله تعالى بقوله للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون

وهذا كله فعلوه طوعا واختيارا من تلقاء أنفسهم لم يكرههم عليه مكره ولا الجاهم إليه أحد فانه لم يكن للإسلام إذ ذاك من القوة ما يكره به أحد على الإسلام وكان النبي ﷺ إذ ذاك هو ومن اتبعه منهيين عن القتال مأمورين بالصفح والصبر فلم يسلم أحد إلا باختياره ولا هاجر أحد إلا باختياره

ولهذا قال احمد بن حنبل وغيره من العلماء انه لم يكن من المهاجرين من نافق وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار لما ظهر الإسلام بالمدينة ودخل فيه من قبائل الأوس والخزرج ولما صار للمسلمين دار يمتنعون بها ويقاتلون دخل في الإسلام من أهل المدينة وممن حولهم من الأعراب من دخل خوفا وتقية وكانوا منافقين

كما قال تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين

ولهذا إنما ذكر النفاق في السور المدنية وإما السور المكية فلا ذكر فيها للمنافقين فان من اسلم قبل الهجرة بمكة لم يكن فيهم منافق والذين هاجروا لم يكن فيهم منافق بل كانوا مؤمنين بالله ورسوله محبين لله ولرسوله وكان الله ورسوله احب إليهم من أولادهم وأهلهم وأموالهم

وإذا كان كذلك علم أن رميهم أو رمي أكثرهم أو بعضهم بالنفاق كما يقوله من يقوله من الرافضة من أعظم البهتان الذي هو نعت الرافضة وإخوانهم من اليهود فان النفاق كثير ظاهر في الرافضة إخوان اليهود ولا يوجد في الطوائف اكثر واظهر نفاقا منهم حتى يوجد فيهم النصيرية والإسماعيلية وأمثالهم ممن هو من أعظم الطوائف نفاقا وزندقة وعداوة لله ولرسوله وكذلك دعواهم عليهم الردة من أعظم الأقوال بهتانا فان المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهوة ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى فمن كان إيمانهم مثل الجبال في حال ضعف الإسلام كيف يكون إيمانهم بعد ظهور آياته وانتشار أعلامه

وإما الشهوة فسواء كانت شهوة رياسة أو مال أو نكاح أو غير ذلك كانت في أول الإسلام أولى بالأتباع فمن خرجوا من ديارهم وأموالهم وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعز حبا لله ورسوله طوعا غير إكراه كيف يعادون الله ورسوله طلبا للشرف والمال

ثم هم في حال قدرتهم على المعاداة وقيام المقتضي للمعاداة لم يكونوا معادين لله ورسوله بل موالين لله ورسوله معادين لمن عادى الله ورسوله فحين قوي المقتضي للموالاة وضعفت القدرة على المعاداة يفعلون نقيض هذا هل يظن هذا إلا من هو من أعظم الناس ضلالا

وذلك أن الفعل إذا حصل معه كمال القدرة عليه وكمال الإرادة له وجب وجوده وهم في أول الإسلام كان المقتضي لإرادة معاداة الرسول أقوى لكثرة أعدائه وقلة أوليائه وعدم ظهور دينه وكانت القدرة من يعاديه باليد واللسان حينئذ أقوى حتى كان يعاديه آحاد الناس ويباشرون أذاه بالأيدي والألسن ولما ظهر الإسلام وانتشر كان المقتضى للمعاداة اضعف والقدرة عليها اضعف ومن المعلوم أن من ترك المعاداة أولا ثم عاداه ثانيا لم يكن إلا لتغير إرادته أو قدرته

ومعلوم أن القدرة على المعاداة كانت أولا أقوى والموجب لإرادة المعاداة كان أولا أولى ولم يتجدد عندهم ما يوجب تغير إرادتهم ولا قدرتهم فعلم يقينا أن القوم لم يتجدد عندهم ما يوجب الردة عن دينهم ألبته والذين ارتدوا بعد موته إنما كانوا ممن اسلم بالسيف كأصحاب مسيلمة وأهل نجد فأما المهاجرون الذين اسلموا طوعا فلم يرتد منهم والله الحمد احد وأهل مكة لما أسلموا بعد فتحها هم طئفة منهم بالردة ثم ثبتهم الله بسهيل بن عمرو

وأهل الطائف لما حاصرهم النبي ﷺ بعد فتح مكة ثم رأوا ظهور الإسلام فاسلموا مغلوبين فهموا بالردة فثبتهم الله بعثمان بن أبي العاص

فأما أهل مدينة النبي ﷺ فإنما اسلموا طوعا والمهاجرون منهم والأنصار وهم قاتلوا الناس على الإسلام ولهذا لم يرتد من أهل المدينة أحد بل ضعف غالبهم بموت النبي ﷺ وذلت أنفسهم عن الجهاد على دينه حتى ثبتهم الله وقواهم بابي بكر الصديق رضي الله عنه فعادوا إلى ما كانوا عليه من قوة اليقين

وجهاد الكافرين فالحمد لله الذي من على الإسلام وأهله بصديق الأمة الذي أيد الله به دينه في حياة رسوله وحفظه به بعد وفاته فالله يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء

فصل

قال الرافضي المنهج الرابع في الأدلة الدالة على إمامته المستنبطة من أحواله وهي اثنا عشر

ثم ذكر كان ازهد الناس واعبدهم وأعلمهم وأشجعهم وذكر أنواعا من خوارق العادات له واجتماع الفضائل على اوجه تقدم بها عليهم فقال

الأول انه كان ازهد الناس بعد رسول الله ﷺ

والجواب المنع فان أهل العلم بحالهما يقولون ازهد الناس بعد رسول الله ﷺ الزهد الشرعي أبو بكر وعمر وذلك أن أبا بكر كان له مال يكتسبه فأنفقه كله في سبيل الله وتولى الخلافة فذهب إلى السوق يبيع ويتكسب فلقيه عمر وعلى يده ابراد فقال له أين تذهب فقال أظننت إني تارك طلب المعيشة لعيالي فاخبر بذلك أبا عبيدة والمهاجرين ففرضوا له شيئا فاستحلف عمر وأبا عبيدة فحلفا له انه يباح له اخذ درهمين كل يوم ثم ترك ماله في بيت المال ثم لما حضرته الوفاة أمر عائشة أن ترد إلى بيت المال ما كان قد دخل في ماله من مال المسلمين فوجدت جرد قطيفة لا يساوي خمسة دراهم وحبشية ترضع ابنه أو عبدا حبشيا وبعيرا ناضحا فأرسلت بذلك إلى عمر فقال عبد الرحمن بن عوف له أتسلب هذا عيال أبي بكر فقال كلا ورب الكعبة لا يتأثم منه أبو بكر في حياته وأتحمله أنا بعد موته

وقال بعض العلماء علي كان زاهدا ولكن الصديق ازهد منه لان أبا بكر كان له المال الكثير في أول الإسلام والتجارة الواسعة فأنفقه في سبيل الله وكان حاله في الخلافة ما ذكر ثم رد ما تركه لبيت المال

قال ابن زنجويه وإما علي فانه كان في أول الإسلام فقيرا يعال ولا يعول ثم استفاد المال الرباع والمزارع والنخيل والأوقاف واستشهد وعنده تسع عشرة سرية وأربع نسوة وهذا كله مباح ولله الحمد ولم يأمر برد ما تركه لبيت المال وخطب الحسن الناس بعد وفاته فقال ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه

وروى الأسود بن عامر حدثنا شريك النخعي عن عاصم بن كليب عن محمد بن كعب القرظي قال قال علي لقد رأيتني على عهد رسول الله ﷺ اربط الحجر على بطني من شدة الجوع وأن صدقة مالي لتبلغ اليوم أربعين ألفا رواه احمد عن حجاج عن شريك ورواه إبراهيم بن سعيد الجوهري وفيه لتبلغ أربعة آلاف دينار

فأين هذا من زهد أبي بكر وأن كانا رضي الله عنهما زاهدين

وقال ابن حزم وقال قائلون علي كان أزهدهم قال وكذب هذا الجاهل وبرهان ذلك أن الزهد إنما هو عزوف النفس عن حب الصوت وعن المال وعن اللذات وعن الميل إلى الولد والحاشية ليس للزهد معنى يقع عليه اسم الزهد إلا هذا المعنى فأما عزوف النفس عن المال فقد علم كل من له أدنى بصر بشيء من الأخبار الخالية أن أبا بكر أسلم وله مال عظيم قيل أربعين ألفا أنفقها في سبيل الله كلها واعتق المستضعفين من العبيد المؤمنين المعذبين في ذات الله ولم يعتق عبيدا أجلادا يمنعونه لكن كل معذب ومعذبة في الله عز وجل حتى هاجر مع رسول الله ﷺ ولم يبق لأبي بكر من جميع ماله إلا ستة آلاف درهم حملها كلها مع رسول الله ﷺ ولم يبق لبنيه منها درهما ثم أنفقها كلها في سبيل الله حتى لم يبق له منها شيء وبقي في عباءة له قد خللها بعود إذا نزل فرشها وإذا ركب لبسها إذ تمول غيره من الصحابة واقتنى الرباع الواسعة والضياع العظيمة من حلها وحقها إلا أن من آثر بذلك الله في سبيل الله ازهد ممن انفق وامسك ثم ولي الخلافة فما اتخذ جارية ولا توسع في مال

وعد عند موته ما انفق على نفسه وولده من مال الله الذي لم يستوف منه إلا بعض حقه وأمر بصرفه إلى بيت المال من صلب ماله الذي حصل له من سهامه في المغازي والمقاسم مع رسول الله ﷺ

فهذا هو الزهد في اللذات والمال الذي لا يدانيه فيه أحد من الصحابة لا علي ولا غيره أن إلا يكون أبا ذر وأبا عبيدة من المهاجرين الأولين فانهما جريا على هذه الطريقة التي فارقا عليها رسول الله ﷺ

ولقد تلا أبا بكر عمر في هذا الزهد وكان فوق علي في ذلك يعني في إعراضه عن المال واللذات

وأما علي رضي الله عنه فتوسع في هذا المال من حله ومات عن أربع زوجات وتسع عشرة أم ولد سوى الخدم والعبيد وتوفي عن أربعة وعشرين ولدا من ذكر وأنثى وترك لهم من العقار والضياع ما كانوا به من أغنياء قومهم ومياسيرهم

هذا أمر مشهور لا يقدر على إنكاره من له اقل علم بالأخبار والآثار ومن جملة عقاره ينبع التي تصدق بها كانت تغل ألف وسق تمر زرعها فأين هذا من هذا

وإما حب الولد والميل إليهم وإلى الحاشية فالأمر في هذا أبين من أن يخفى على أحد له اقل علم بالأخبار فقد كان لأبي بكر رضي الله عنه من القرابة والولد مثل طلحة بن عبيد الله من المهاجرين الأولين والسابقين من ذوي الفضائل العظيمة في كل باب من أبواب الفضائل في الإسلام ومثل ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وله مع النبي ﷺ صحبة قديمة وهجرة سابقة وفضل ظاهر فما استعمل أبو بكر أحدا منهم على شيء من الجهات وهي بلاد اليمن كلها على سعتها وكثرة أعمالها وعمان وحضر موت والبحرين واليمامة والطائف ومكة وخيبر وسائر اعمل الحجاز ولو استعملهم لكانوا لذلك أهلا ولكن خشي المحاباة وتوقع أن يميله إليهم شيء من الهوى

ثم جرى عمر رضي الله عنه على مجراه في ذلك لم يستعمل من بني عدي بن كعب أحدا على سعة البلاد وكبرها وقد فتح الشام ومصر وجميع مملكة الفرس إلى خراسان إلا النعمان بن عدي وحده على ميسان ثم أسرع عزله

وفيهم من الهجرة ما ليس في شيء من أفخاذ قريش لان بني عدي لم يبق منهم أحد بمكة إلا هاجر وكان فيهم مثل سعيد بن زيد أحد المهاجرين الأولين ذي السوابق وأبي الجهم بن حذيفة وخارجة بن حذافة ومعمر بن عبد الله وابنه عبد الله بن عمر

ثم لم يستخلف أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو أحد الصحابة ولا استعمل عمر ابنه في حياته ولا بعد موته وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم وقد رضي بخلافته بعض الناس وكان أهلا لذلك ولو استخلفه لما اختلف عليه أحد فما فعل

ووجدنا عليا إذ ولي قد استعمل أقاربه ابن عباس على البصرة وعبيد الله بن عباس على اليمن وقثما ومعبدا ابني العباس على مكة والمدينة وجعدة بن هبيرة وهو ابن أخته أم هانئ بنت أبي طالب على خراسان ومحمد بن أبي بكر وهو ابن امرأته وأخو ولده على مصر

ورضي ببيعة الناس الحسن ابنه بالخلافة بعده ولسنا ننكر استحقاق الحسن للخلافة ولا استحقاق عبد الله بن عباس للخلافة فكيف بإمارة البصرة لكنا نقول أن من زهد في الخلافة لولد مثل عبد الله بن عمر أو عبد الرحمن بن أبي بكر والناس متفقون عليه وفي تأمير مثل طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد فلا شك انه أتم زهدا واعزف عن جميع معاني الدنيا نفسا ممن يأخذ ما أبيح له أخذه

فصح بالبرهان الضروري أن أبا بكر رضي الله عنه ازهد من جميع الصحابة ثم عمر رضي الله عنه

فصل

قال الرافضي علي قد طلق الدنيا ثلاثا وكان قوته جريش الشعير وكان يختمه لئلا يضع الإمامان فيه أدما وكان يلبس خشن الثياب وقصيرها ورقع مدرعته حتى استحى من رقعها وكان حمائل سيفه ليفا وكذا نعله

وروى اخطب خوارزم عن عمار قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يا علي أن الله زينك بزينة لم يزين العباد بزينة حب إلى الله منها زهدك في الدنيا وبغضها إليك وحبب إليك الفقراء فرضيت بهم اتباعا ورضوا بك إماما يا علي طربى لمن احبك وصدق عليك والويل لمن أبغضك وكذب عليك إما من احبك وصدق عليك فإخوانك في دينك وشركاؤك في جنتك وإما من أبغضك وكذب عليك فحقيق على الله أن يقيمهم مقام الكذابين

قال سويد بن غفلة دخلت علي علي العصر فوجدته جالسا بين يديه صفحة فيها لبن حار وأجد ريحه من شدة حموضته وفي يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه وهو يكسر بيده أحيانا فإذا غلبه كسره بركبته فطرحه فيه فقال ادن فاصب من طعامنا هذا فقلت إني صائم فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من منعه الصيام عن طعام يشتهيه كان حقا على الله أن يطعمه من طعام الجنة ويسقيه من شرابها قال قلت لجاريته وهي قائمة ويحك يا فضة إلا تتقين الله في هذا الشيخ إلا تنخلين طعامه مما أرى فيه من النخال فقالت لقد عهد إلينا أن لا ننخل له طعاما قال ما قلت لها فأخبرته قال بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ولم يشبع خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله عز وجل واشترى يوما ثوبين غليظين فخير قنبرا فيهما فاخذ واحدا ولبس هو الآخر ورأي في كمه طولا عن أصابعه فقطعه

قال ضرار بن ضمرة دخلت على معاوية بعد قتل أمير المؤمنين علي فقال صف لي عليا فقلت اعفني فقال لا بد من ذلك فقلت إما إذ لا بد فكأنه كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزينتها ويستأنس بالليل وحشته وكان والله غزير العبرة طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما قشب وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة له يعظم أهل الدين ويقرب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله فاشهد بالله لقد رأيته وهو يقول يا دنيا غري غيري إلي تعرضت أم إلي تشوفت هيهات قد بنتك ثلاثا لا رجعة فيك عمرك قصير وخطرك كثير وعيشك حقير آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق فبكى معاوية وقال رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فما حزنك عليه يا ضرار قال حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها

والجواب إما زهد علي رضي الله عنه في المال فلا ريب فيه لكن الشأن انه كان ازهد من أبي بكر وعمر وليس فيما ذكره ما يدل على ذلك بل ما كان فيه حقا فلا دليل فيه على ذلك والباقي إما كذب وإما ما لا مدح فيه

إما كونه طلق الدنيا ثلاثا فمن المشهور عنه انه قال يا صفراء يا بيضاء قد طلقتك ثلاثا غري غيري لا رجعة لي فيك لكن هذا لا يدل على انه ازهد منه ممن لم يقل هذا فان نبينا وعيسى ابن مريم وغيرهما كانوا ازهد منه ولم يقولوا هذا ولان الإنسان إذا زهد لم يجب أن يقول بلسانه قد زهدت وليس كل من قال زهدت يكون قد زهد فلا عدم هذا الكلام يدل على عدم الزهد ولا وجوده يدل على وجوده فلا دلالة فيه

وإما قوله انه كان دائما يقتات جريش الشعير بلا آدم

فلا دلالة في هذا لوجهين أحدهما انه كذب والثاني انه لا مدح فيه فرسول الله ﷺ إمام الزهد كان لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا بل أن حضر لحم دجاج أكله أو لحم غنم أكله أو حلواء أو عسل أو فاكهة أكله وأن لم يجد شيئا لم يتكلفه وكان إذا حضر طعاما فان اشتهاه أكله وإلا تركه ولا يتكلف ما لا يحضر

وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع وقد كان يقيم الشهر والشهرين لا يوقد في بيته نار

وقد ثبت في الصحيحين أن رجالا قال أحدهم أما أنا فأصوم ولا افطر وقال الآخر أما أنا فأقوم ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبي ﷺ: لكني أصوم وافطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني

فكيف يظن بعلي انه رغب عن سنة النبي ﷺ ويجعل ذلك من مناقبه وأي مدح لمن رغب عنها ثم كيف يقال أن عليا كان بالعراق ولا يقتات إلا شعيرا مجروشا لا آدم له ولا يأكل خبز بر ولا لحما والنقل المتواتر بخلاف ذلك وهل من الصحابة من فعل ذلك أو هل قال أحد منهم أن ذلك مستحب

وأما قوله كان حمائل سيفه ليفا ونعله ليفا، فهذا أيضا كذب ولا مدح فيه فقد روي أن نعل رسول الله ﷺ كان من الجلود وحمائل سيف النبي ﷺ كانت ذهبا وفضة والله قد يسر الرزق عليهم فأي مدح في أن يعدلوا عن الجلود مع تيسرها وإنما يمدح هذا عند العدم كما قال أبو أمامة الباهلي لقد فتح البلاد أقوام كانت خطم خيلهم ليفا وركبهم العلابي رواه البخاري

وحديث عمار من الموضوعات وكذلك حديث سويد بن غفلة ليس مرفوعا إلى النبي ﷺ

وأما حديث الثوب الذي اشتراه فهو معروف وحديث ضرار بن ضمرة قد روي وليس في واحد منهما ما يدل على انه ازهد من أبي بكر وعمر بل من عرف المنقول من سيرة عمر وعدله وزهده وصرفه الولايات عن أقاربه ونقصه لابنه في العطاء عن نظيره ولابنته في العطاء عن نظيرتها وأكله الخشن مع كونه هو الذي قسم كنوز كسرى وقيصر وإنما كان الذي يقسمه علي جزءا من فتوح عمر وانه مات وعليه ثمانون ألف درهم تبين له من وجوه كثيرة أن عمر كانت ازهد من علي ولا ريب أن أبا بكر ازهد من عمر

فصل

قال الرافضي وبالجملة زهده لم يلحقه أحد فيه ولا سبقه أحد إليه وإذا كان ازهد كان هو الإمام لامتناع تقدم المفضول عليه

والجواب أن كلتا القضيتين باطلة لم يكن ازهد من أبي بكر وعمر ولا كل من كان ازهد كان أحق بالإمامة وذلك أن عليا كان له من المال والسرارى ولأهله ما لم يكن لأبي بكر وعمر

وقد روي عبد الله بن احمد حدثنا علي بن حكيم حدثنا شريك عن عاصم بن كليب عن محمد بن كعب القرظي قال سمعت عليا قال كنت مع النبي ﷺ وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع وأن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفا

وهذا وأن كان ضعيفا فهو يقابل لمن قال انه كان لا يأكل في العراق إلا خبز الشعير مع أن ذلك النقل لا إسناد له

ولا ريب أن عليا كان له مال أعظم من مال أبي بكر وعمر ولو لم يكن إلا ما كان عمر يعطيه وأولاده وأهل بيته فانه كان يعطيهم من المال أعظم مما يعطي سائر قبائل قريش ولم يكن عمر يعطي أحدا من بني عدي ولا تيم ولا غيرهم من القبائل مثل ما كان يعطي اقارب رسول الله ﷺ فهذا وحده يوجب سعة أموالهم وعلي له وقف معروف فهل يوقف الوقوف من لم يكن له مال وعمر إنما وقف نصيبه من خيبر لم يكن له عقار غير ذلك وعلي كان له عقار بالينبع وغيرها

فصل

قال الرافضي الثاني انه كان اعبد الناس يصوم النهار ويقوم الليل ومنه تعلم الناس صلاة الليل ونوافل النهار واكثر العبادات والأدعية المأثورة عنه تستوعب الوقت وكان يصلي في ليله ونهاره ألف ركعة ولم يخل في صلاة الليل حتى في ليلة الهرير وقال ابن عباس رايته في حربه وهو يرقب الشمس فقلت يا أمير المؤمنين ماذا تصنع قال انظر إلى الزوال لأصلي فقلت في هذا الوقت فقال إنما نقاتلهم على الصلاة فلم يغفل عن فعل العبادات في أول وقتها في اصعب الأوقات

وكان إذا أريد إخراج الحديد من جسده يترك إلى أن يدخل في الصلاة فيبقى متوجها إلى الله غافلا عما سواه غير مدرك للآلام التي تفعل به

وجمع بين الصلاة والزكاة وتصدق وهو راكع فانزل الله تعالى فيه قرآنا يتلى وتصدق بقوته وقوت عياله ثلاثة أيام حتى انزل الله فيهم هل أتى على الإنسان وتصدق ليلا ونهارا سرا وعلانية وناجى الرسول فقدم بين يدي نجواه صدقة فانزل الله فيه قرآنا واعتق ألف عبد من كسب يده وكان يؤجر نفسه وينفق على رسول الله ﷺ في الشعب وإذا كان اعبد الناس كان افضل فيكون هو الإمام

والجواب أن يقال هذا الكلام فيه من الأكاذيب المختلفة ما لا يخفى إلا على اجهل الناس بأحوال القوم ومع انه كذب ولا مدح فيه ولا في عامة الأكاذيب فقوله انه كان يصوم النهار ويقوم الليل كذب عليه وقد تقدم قول النبي ﷺ: لكني أصوم وافطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال له: ألم أخبر انك تقول لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت؟ قال بلى قال: فلا تفعل. وفي رواية: ألم أخبر انك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ فقلت يا نبي الله لم أرد بذلك إلا الخير قال: فان حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام. فقلت يا نبي الله إني أطيق اكثر من ذلك قال: فان لزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا لجسدك عليك حقا. قال: فصم صوم داود نبي الله فانه كان اعبد الناس كان يصوم يوما ويفطر يوما واقرأ القرآن في كل شهر قلت إني أطيق اكثر من ذلك قال: اقرأه في عشرين. إلى أن قال: في سبع ولا تزد على ذلك وقال في الصوم إني أطيق افضل من ذلك.

وفي الصحيحين عن علي قال طرقني رسول الله ﷺ وفاطمة فقال: ألا تقومان فتصليان فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إذا شاء أن يبعثنا بعثنا قال: فولى وهو يضرب فخذه ويقول وكان الإنسان اكثر شيء جدلا. فهذا الحديث دليل على نومه في الليل مع إيقاظ النبي ﷺ ومجادلته حتى ولى وهو يقول وكان الإنسان اكثر شيء جدلا

وقول القائل ومنه تعلم الناس صلاة الليل ونوافل النهار إن أراد أن بذلك أن بعض المسلمين تعلم ذلك منه فهكذا كل من بالصحابة علم بعض الناس

إن أراد بذلك أن بعض المسلمين تعلموا ذلك منه فهذا من الكذب البارد فاكثر المسلمين ما رأوه وقد كانوا يقومون الليل ويتطوعون بالنهار فاكثر بلاد المسلمين التي فتحت في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما كالشام ومصر والمغرب وخراسان ما رأوه فكيف يتعلمون منه والصحابة كانوا كذلك في حياة النبي ﷺ ومنه تعلموا ذلك ولا يمكن أن يدعى ذلك إلا في أهل الكوفة

ومعلوم انهم كانوا تعلموا ذلك من ابن مسعود رضي الله عنه وغيره قبل أن يقدم إليهم وكانوا من اكمل الناس علما ودينا قبل قدوم علي رضي الله عنه إليهم والصحابة كانوا كذلك وأصحاب ابن مسعود كانوا كذلك قبل أن يقدم إليهم العراق

وأما قوله الأدعية المأثورة عنه تستوعب الوقت، فعامتها كذب عليه وهو كان اجل قدرا من أن يدعو بهذه الأدعية التي لا تليق بحاله وحال الصحابة وليس لشيء من هذه إسناده والأدعية الثابتة عن رسول الله ﷺ هي افضل ما دعا به أحد وبها يدعو خيار هذه الأمة من الأولين والآخرين

وكذلك قوله انه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، من الكذب الذي لا مدح فيه فان النبي ﷺ كان مجموع صلاته في اليوم والليلة أربعين ركعة فرضا ونفلا والزمان لا يتسع لألف ركعة لمن ولي أمر المسلمين مع سياسة الناس وأهله إلا أن تكون صلاته نقرا كنقر الغراب وهي صلاة المنافقين التي نزه الله عنها عليا

وأما ليالي صفين فالذي ثبت في الصحيح انه قال الذكر الذي علمه رسول الله ﷺ لفاطمة قال ما تركته منذ سمعته عن النبي ﷺ قيل ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين ذكرته من السحر فقلته

وما ذكر من إخراج الحديد من جسده فكذب فان عليا لم يعرف انه دخل فيه حديد وما ذكره من جمعه بين الصلاة والزكاة فهذا كذب كما تقدم ولا مدح فيه فان هذا لو كان مستحبا لشرع للمسلمين ولو كان يستحب للمسلمين أن يتصدقوا وهم في الصلاة لتصدقوا فلما لم يستحب هذا أحد من المسلمين علمنا انه ليس عبادة بل مكروه

وكذلك ما ذكره من أمر النذر والدراهم الأربعة قد تقدم أن هذا كله كذب وليس فيه كبير مدح

وقوله اعتق ألف عبد من كسب يده، من الكذب الذي لا يروج إلا على اجهل الناس فان عليا لم يعتق ألف عبد بل ولا مائة ولم يكن له كسب بيده يقوم بعشر هذا فانه لم تكن له صناعة يعملها وكان مشغولا إما بجهاد وإما بغيره

وكذلك قوله كان يؤجر نفسه وينفق على النبي ﷺ في الشعب، كذب بين من وجوه

أحدها انهم لم يكونوا يخرجون من الشعب ولم يكن في الشعب من يستأجره

والثاني أن أباه أبا طالب كان معهم في الشعب وكان ينفق عليه

والثالث أن خديجة كانت موسرة تنفق من مالها

والرابع أن عليا لم يؤجر نفسه بمكة قط وكان صغيرا حين كان في الشعب إما مراهقا وإما محتلما فكان علي في الشعب ممن ينفق عليه إما النبي ﷺ وإما أبوه لم يكن ممن يمكنه أن ينفق على نفسه فكيف ينفق على غيره

فان دخوله في الشعب كان في حياة أبي طالب بالنقل المتواتر وأبو طالب مات قبل ذهاب النبي ﷺ إلى الطائف باتفاق الناس وكان موته وموت خديجة متقاربين فدخوله في الشعب كان في أول الإسلام

فانه قد ثبت أن ابن عباس ولد وهم في الشعب ومات النبي ﷺ وابن عباس مراهق وعلي عاش بعد الهجرة أربعين سنة باتفاق الناس والمبعث قبل ذلك بثلاث عشرة وأقصى ما قيل في موته انه كان ابن ثلاث وستين فغايته أن يكون حين الإسلام كان له عشر سنين

فصل

قال الرافضي الثالث انه كان اعلم الناس بعد رسول الله ﷺ

والجواب أن اهل السنة يمنعون ذلك ويقولون ما اتفق عليه علماؤهم أن اعلم الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر وقد ذكر غير واحد الإجماع على أن أبا بكر اعلم الصحابة كلهم ودلائل ذلك مبسوطة في موضعها فانه لم يكن أحد يقضي ويخطب ويفتي بحضرة النبي ﷺ إلا أبو بكر رضي الله عنه ولم يشتبه على الناس شيء من أمر دينهم إلا فصله أبو بكر فانهم شكوا في موت النبي ﷺ فبينه أبو بكر ثم شكوا في مدفنه فبينه ثم شكوا في قتال مانعي الزكاة فبينه أبو بكر وبين لهم النص في قوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وبينت لهم أن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة ونحو ذلك وفسر الكلالة فلم يختلفوا عليه

وكان علي وغيره يروون عن أبي بكر كما في السنن عن علي قال كنت إذا سمعت من النبي ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه فإذا حدثني غيره تاستحلفه فإذا حلف لي صدقته حدثني أبو بكر أبو بكر قال قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين يستغفر الله تعالى إلا غفر له

ولم يحفظ لأبي بكر فتيا تخالف نصا وقد وجد لعمر وعلي وغيرهما فتاوى كثير ة تخالف النصوص حتى جمع الشافعي مجلدا في خلاف علي وابن مسعود وجمع محمد بن نصر المروزي كتابا كبيرا في ذلك وقد خالفوا الصديق في الجد والصواب في الجد قول الصديق كما قد بينا ذلك في مصنف مفرد وذكرنا فيه عشرة وجوه تدل على صحة قوله وجمهور الصحابة معه في الجد نحو بضعة عشر منهم والذين نقل عنهم خلافة كزيد وابن مسعود واضطربت أقوالهم اضطرابا يبين أن قوله هو الصواب دون قولهم

وقد نقل غير واحد الإجماع على أن أبا بكر اعلم من علي منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروزي أحد أئمة الشافعية وذكر في كتابه تقويم الأدلة الإجماع من علماء السنة أن أبا بكر اعلم من علي كيف وأبو بكر كان بحضرة النبي ﷺ يفتي ويأمر وينهى ويخطب كما كان يفعل ذلك إذا خرج النبي ﷺ هو وإياه يدعو الناس إلى الإسلام ولما هاجرا ويوم حنين وغير ذلك من المشاهد وهو ساكت يقره ولم تكن هذه المرتبة لغيره

وكان النبي ﷺ في مشاورته لأهل الفقه والرأي يقدم في الشورى أبا بكر وعمر فهما اللذان يتكلمان في العلم ويتقدمان بحضرته على سائر الصحابة مثل مشاورته في أسارى بدر وغير ذلك وقد روى في الحديث انه قال: إذا اتفقتما على أمر لم أخالفكما

وفي السنن عنه انه قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر

ولم يحصل هذا لغيرهما بل قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء

فأمر باتباع سنة الخلفاء الأربعة وخص أبا بكر وعمر بالاقتداء ومرتبة المقتدي به في أفعاله وفيما سنه للمسلمين فوق مرتبة المتبع فيما سنه فقط

وفي صحيح مسلم أن أصحاب محمد ﷺ كانوا معه في سفره فذكر الحديث وفيه: إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا

وثبت عن ابن عباس انه كان يفتي بكتاب الله فان لم يجد فبما في سنة رسول الله فان لم يجد أفتى بقول أبي بكر وعمر ولم يكن يفعل ذلك بعثمان ولا بعلي وابن عباس هو حبر الأمة واعلم الصحابة في زمانه وهو يفتي بقول أبي بكر وعمر مقدما لهما على قول غيرهما وقد ثبت عن النبي ﷺ انه قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل

وأبو بكر وعمر اكثر اختصاصا بالنبي ﷺ من سائر الصحابة وأبو بكر اكثر اختصاصا به فانه كان يسمر عنده عامة الليل يحدثه في العلم والدين ومصالح المسلمين كما روى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش حدثنا إبراهيم حدثنا علقمة عن عمر قال كان النبي ﷺ يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين وأنا معه

وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء وأن النبي ﷺ قال مرة من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس وسادس وأن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله ﷺ بعشرة وأن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ثم لبث حتى صليت العشاء ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله ﷺ فجاءنا بعد ما مضى من الليل ما شاء قالت امرأته ما حبسك عن أضيافك قال أو ما عشيتهم قالت أبو حتى تجيء عرضوا عليهم العشاء فغلبوهم وذكر الحديث

وفي رواية قال: كان أبي يتحدث إلى النبي ﷺ من الليل وفي سفر الهجرة لم يصحب غير أبي ويوم بدر لم يبق معه في العريش غيره

وقال: إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا

وهذا من أصح في الأحاديث الصحيحة المستفيضة في الصحاح من وجوه كثيرة

وفي الصحيحين عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ اقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى من ركبتيه فقال النبي ﷺ: أما صاحبكم فقد غامر فسلم. وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي وإني أتيتك فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر - ثلاثا ثم أن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فلم يجده فأتى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر وغضب حتى أشفق أبو بكر وقال أنا كنت اظلم يا رسول الله مرتين فقال النبي ﷺ: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل انتم تاركوا لي صاحبي فهل انتم تاركوا لي صاحبي فما أوذي بعدها قال البخاري سبق بالخير

وقد تقدم ما في الصحيحين أن أبا سفيان يوم أحد لم يسال إلا عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر لعلمه وعلم سائر الناس أن هؤلاء هم رؤوس الإسلام وأن قيامه بهم

ولهذا لما سال الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبي ﷺ فقال منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه في مماته فقال شفيتني يا مالك شفيتني يامالك

وكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم والدين تقتضي انهما أحق بذلك من غيرهما وهذا ظاهر بين لمن له خبرة بأحوال القوم

أما الصديق فانه مع قيامه بأمور من العلم والفقه عجز عنهما غيره حتى بينها لهم لم يحفظ له قول يخالف فيه نصا وهذا يدل على غاية البراعة والعلم وإما غيره فحفظت له أقوال كثيرة خالفت النصوص لكون النصوص لك تبلغه

والذي وجد لعمر من موافقته النصوص اكثر من موافقة علي يعرف هذا من عرف مسائل العلم وأقوال العلماء فيها والأدلة الشرعية ومراتبها وذلك مثل عدة المتوفي عنها زوجها فان قول عمر فيها هو الذي وافق النص دون القول الآخر وكذلك مسالة الحرام قول عمر وغيره فيها هو الأشبه بالنصوص من القول الآخر الذي هو قول علي وكذلك المخيرة التي خيرها زوجها والمفوضة للمهر ومسالة الخلية والبرية والبائن والبتة وكثير من مسائل الفقه

وفي الصحيحين عنه ﷺ انه قال: قد كان في الأمم قبلكم محدثون فان يكن في أمتي أحد فعمر

وفي الصحيحين عنه ﷺ انه قال: رأيت كأني أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج من أظافري ثم ناولت فضلي عمر. قالوا ما أولته يا رسول الله قال: العلم وفي الترمذي وغيره عنه عليه الصلاة والسلام انه قال: لو لم ابعث فيكم لبعث فيكم عمر

ولفظ الترمذي: لو كان بعدي نبي لكان عمر. قال الترمذي حديث حسن

وأيضا فان الصديق استخلفه النبي ﷺ على الصلاة التي هي عمود الإسلام وعلى إقامة المناسك قبل أن يحج النبي ﷺ فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وأردفه بعلي فقال أمير أم مأمور فقال بل مأمور فأمر أبا بكر على على فكان ممن أمره النبي ﷺ أن يسمع ويطيع لأبي بكر

وهذا بعد غزوة تبوك التي استخلف فيها عليا على المدينة

وكتاب أبي بكر في الصدقات اصح الكتب وآخرها ولهذا عمل به عامة الفقهاء وغيره في كتابه ما هو متقدم منسوخ فدل على انه اعلم بالسنة الناسخة

وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال كان أبو بكر أعلمنا بالنبي ﷺ

وأيضا فالصحابة لم يتنازعوا في زمن أبي بكر في مسالة إلا فصلها وارتفع النزاع فلا يعلم بينهم في زمانه مسالة تنازعوا فيها إلا ارتفع النزاع بينهم بسببه كتنازعهم في وفاة النبي ﷺ ودفنه وميراثه وتجهيزه جيش أسامة وقتال مانعي الزكاة وغير ذلك من المسائل الكبار

بل كان رضي الله عنه هو خليفة رسول الله ﷺ فيهم حقا يعلمهم ويقومهم ويشجعهم ويبين لهم من الأدلة ما تزول معه الشبهة فلم يكونوا معه يختلفون

وبعده فلم يبلغ علم أحد وكماله علم أبي بكر وكماله فصاروا يتنازعون في بعض المسائل كما تنازعوا في الجد والاخوة وفي الحرام والطلاق الثلاث وفي متعة الحج ونفقة المبتوتة وسكناها وغير ذلك من المسائل المعروفة مما لم يكونوا يتنازعون فيه على عهد أبي بكر

وكانوا يخالفون عمر وعثمان وعليا في كثير من أقوالهم ولم يعرف انهم خالفوا الصديق في شيء مما كان يفتي به ويقضي وهذا يدل على غاية العلم

وقام رضي الله عنه مقام رسول الله ﷺ وأقام الإسلام فلم يخل بشيء بل ادخل الناس من الباب الذي خرجوا منه مع كثرة المخالفين من المرتدين وغيرهم وكثرة الخاذلين فكمل به من علمهم ودينهم ما لا يقاومه فيه أحد

وكانوا يسمونه خليفة رسول الله ﷺ ثم انقطع هذا الاتصال اللفظي بموته قال أبو القاسم السهيلي ظهر سر قوله تعالى إذ يقول لصاحبه لا تحزن أن الله معنا في اللفظ والمعنى فانهم قالوا خليفة رسول الله ﷺ ثم انقطع هذا بموته

وأيضا فعلي تعلم من أبي بكر بعض السنة وأبو بكر لم يتعلم من علي شيئا ومما يبين هذا أن علماء الكوفة الذين صحبوا عمر وعليا كعلقمة والأسود وشريح وغيرهم كانوا يرجحون قول عمر على قول علي وإما تابعو المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم اظهر واشهر من أن يذكر وإنما ظهر علم علي وفقهه في الكوفة بحسب مقامه فيها عندهم مدة خلافته وكل شيعة علي الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر وعمر لا في فقه ولا علم ولا دين بل كل شيعته الذين قاتلوا معه كانوا مع سائر المسلمين متفقين على تقديم أبي بكر وعمر إلا من كان ينكر عليه ويذمه مع قلتهم وحقارتهم وحقارتهم وخمولهم

وهم ثلاث طوائف طائفة غلت فيه وادعت فيه الإلهية وهؤلاء حرقهم بالنار

وطائفة سبت أبا بكر رأسهم عبد الله بن سبأ فطلب علي قتله حتى هرب منه إلى المدائن

وطائفة كانت تفضله حتى قال لا يبلغني عن أحد انه فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري

وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجها انه قال على منبر الكوفة خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر

وفي صحيح البخاري وغيره من رواية رجال همدان خاصته التي يقول فيهم

ولو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام

انه قال وقد سأله ابنه محمد بن الحنفية يا أبت من خير الناس بعد رسول الله ﷺ قال أبو بكر قال ثم من قال ثم عمر قال ثم أنت قال إنما أبوك رجل من المسلمين

قال البخاري حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان الثوري حدثنا جامع بن شداد حدثنا أبو يعلى منذر الثوري عن محمد بن الحنفية قال قلت لأبي يا أبت من خير الناس بعد رسول الله ﷺ فقال يا بني أو ما تعرف فقلت لا فقال أبو بكر قلت ثم من قال ثم عمر

وهذا يقوله لابنه الذي لا يتقيه ولخاصته ويتقدم بعقوبة من يفضله عليهما ويراه مفتريا والمتواضع لا يجوز أن يتقدم بعقوبة من يفضله عليهما يقول الحق ولا يسميه مفتريا

وكل من كان افضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فانه اعلم ورأس الفضائل العلم قال تعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء كثير في ذلك

وأما قوله قال رسول الله ﷺ لاقضاكم علي والقضاء يستلزم العلم والدين، فهذا الحديث لم يثبت وليس له إسناد تقوم به الحجة

وقوله أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، أقوى إسنادا منه والعلم بالحلال والحرام ينتظم القضاء أعظم مما ينتظم للحلال والحرام وهذا الثاني قد رواه الترمذي واحمد والأول لم يروه أحد في السنن المشهورة ولا المساند المعروفة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف وإنما يروي من طريق من هو معروف بالكذب

وقول عمر علي أقضانا إنما هو في فصل الخصومات في الظاهر مع جواز أن يكون في الباطن بخلافه

كما في الصحيح عن النبي ﷺ انه قال: إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من النار

فقد أخبر سيد القضاة أن قضاءه لا يحل الحرام وعلم الحلال والحرام يتناول الظاهر والباطن فكان الأعلم به اعلم بالدين

وأيضا فالقضاء نوعان أحدهما الحكم عند تجاحد الخصمين مثل أن يدعي أحدهما أمرا ينكره الآخر فيحكم فيه بالبينة ونحوها

والثاني ما لا يتجاحدان فيه بل يتصادقان لكن لا يعلمان ما يستحق كل منهما كتنازعهما في قسمة فريضة أو فيما يجب لكل من الزوجين على الآخر أو فيما يستحقه كل من المتشاركين ونحو ذلك

فهذا الباب هو من باب الحلال والحرام فإذا أفتاهما من يرضيان بقوله كفاهما ولم يحتاجا إلى من يحكم بينهما وإنما يحتاجان إلى الحاكم عند التجاحد وذلك غالبا إنما يكون مع الفجور وقد يكون مع النسيان

فما لا يختص بالقضاء لا يحتاج إليه إلا قليل من الأبرار فأما الحلال والحرام فيحتاج إليه البر والفاجر ولهذا لما أمر أبو بكر عمر أن يقضي بين الناس مكث سنة لم يتحاكم إليه اثنان

ولو عد مجموع ما قضى به النبي ﷺ من هذا النوع لم يبلغ عشر حكومات فأين هذا من كلامه في الحلال والحرام الذي هو قوام دين الإسلام

وإذا كان قوله اعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل اصح إسنادا واظهر دلالة علم أن المحتج بذلك على أن عليا اعلم من معاذ جاهل فكيف من أبي بكر وعمر اللذين هما اعلم من معاذ مع أن الحديث الذي فيه ذكر معاذ وزيد بعضهم يضعفه وبعضهم يحسنه والذي فيه ذكر علي فضعيف أو باطل

وحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها اضعف وأوهى ولهذا إنما يعد في الموضوعات وأن رواه الترمذي وذكره ابن الجوزي وبين أن سائر طرقه موضوعة والكذب يعرف من نفس متنه فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم ولم يكن لها إلا باب واحد ولم يبلغ عنه العلم إلا واحد فسد أمر الإسلام ولهذا اتفق المسلمون على أنه لايجوز أن يكون المبلغ عنه العلم واحدا بل يجب أن يكون المبلغون أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب

وخبر الواحد لا يفيد العلم إلا بقرائن وتلك قد تكون منتفية أو خفية عن أكثر الناس فلا يحصل لهم العلم بالقران والسنن المتواترة وإذا قالوا ذلك الواحد المعصوم يحصل العلم بخبرة، قيل لهم فلا بد من العلم بعصمته أولا وعصمته لا تثبت بمجرد خبره قبل أن يعلم عصمته فانه دور ولا تثبت بالإجماع فانه لا إجماع فيها وعند الإمامية إنما يكون الإجماع حجة لان فيهم الإمام المعصوم فيعود الأمر إلى إثبات عصمته بمجرد دعواه فعلم أن عصمته لو كانت حقا لا بد أن تعلم بطريق آخر غير خبره

فلو لم يكن لمدينة العلم باب إلا هو لم يثبت لا عصمته ولا غير ذلك من أمور الدين فعلم أن هذا الحديث إنما افتراه زنديق جاهل ظنه مدحا وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام إذ لم يبلغه إلا واحد

ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر فان جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير علي أما أهل المدينة ومكة فالأمر فيهما ظاهر وكذلك الشام والبصرة فان هؤلاء لم يكونوا يروون عن علي إلا شيئا قليلا وإنما كان غالب علمه في الكوفة ومع هذا فأهل الكوفة كانوا يعلمون القران والسنة قبل أن يتولى عثمان فضلا عن علي

وفقهاء أهل المدينة تعلموا الدين في خلافة عمر وتعليم معاذ لأهل اليمن ومقامه فيهم اكثر من علي ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل اكثر مما رووا عن علي وشريح وغيره من أكابر التابعين إنما تفقهوا على معاذ بن جبل ولما قدم علي الكوفة كان شريح فيها قاضيا وهو وعبيدة السلماني نفقها على غيره فانتشر علم الإسلام في المدائن قبل أن يقدم علي الكوفة

وقال ابن حزم واحتج من احتج من الرافضة بان عليا كان أكثرهم علما قال وهذا كذب وإنما يعرف علم الصحابي بأحد وجهين لا ثالث لهما أحدهما كثرة روايته وفتاويه والثاني كثرة استعمال النبي ﷺ له فمن المحال الباطل أن يستعمل النبي ﷺ من لا علم له وهذا اكبر شهادة على العلم وسعته فنظرنا في ذلك فوجدنا النبي ﷺ قد ولى أبا بكر الصلاة بحضرته طول علته وجميع أكابر الصحابة حضور كعمر وعلي وابن مسعود وأبي وغيرهم وهذا بخلاف استخلاف علي إذا غزا لان ذلك على النساء وذوي الأعذار فقط فوجب ضرورة أن يكون أبو بكر اعلم الناس بالصلاة وشرائعها واعلم المذكورين بها وهي عمود الإسلام ووجدناه أيضا قد استعمله على الصدقات فوجب ضرورة أن يكون عنده من علم الصدقات كالذي عند غيره من علماء الصحابة لا اقل وربما كان اكثر إذ قد استعمل غيره وهو لا يستعمل إلا عالما بما استعمله فيه والزكاة ركن من أركان الدين بعد الصلاة

وبرهان ما قلناه من تمام علم أبي بكر بالصدقات أن الأخبار الواردة في الزكاة أصحها والذي يلزم العمل به ولا يجوز خلافه فهو حديث أبي بكر ثم الذي من طريق عمر وإما من طريق علي فمضطرب وفيه ما قد تركه الفقهاء جملة وهو أن في خمس وعشرين من الإبل خمسا من الشياه

وأيضا فوجدناه ﷺ استعمل أبا بكر على الحج فصح ضرورة انه اعلم من جميع الصحابة بالحج وهذه دعائم الإسلام

ثم وجدناه قد استعمله على البعوث فصح أن عنده من أحكام الجهاد مثل ما عند سائر من استعمله النبي ﷺ على البعوث إذ لا يستعمل إلا عالما بالعمل فعند أبي بكر من علم الجهاد كالذي عند علي وسائر أمراء البعوث لا اقل

وإذا صح التقدم لأبي بكر على علي وغيره في العلم بالصلاة والزكاة والحج وساواه في الجهاد فهذه عمدة للعلم

ثم وجدناه ﷺ قد الزم نفسه في جلوسه ومسامرته وظعنه وإقامته أبا بكر فشاهد أحكامه وفتاويه اكثر من مشاهدة علي لها فصح ضرورة انه اعلم بها فهل بقيت من العلم بقية إلا وأبو بكر المقدم فيها الذي لا يلحق أو المشارك الذي لا يسبق فبطلت دعواهم في العلم والحمد لله رب العالمين

وأما الرواية والفتيا فان أبا بكر رضي الله عنه لم يعش بعد رسول الله ﷺ إلا سنتين وستة اشهر ولم يفارق المدينة إلا حاجا أو معتمرا ولم يحتج الناس إلى ما عنده من الرواية عن رسول الله ﷺ لان كل من حواليه أدركوا النبي ﷺ وعلى ذلك كله فقد روى عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنين وأربعين حديثا مسندة ولم يرو عن علي إلا خمسمائة وستة وثمانون حديثا مسندة يصح منها نحو خمسين حديثا وقد عاش بعد رسول الله ﷺ أزيد من ثلاثين سنة فكثر لقاء الناس إياه وحاجتهم إلى ما عنده لذهاب جمهور الصحابة وكثر سماع أهل الافاق منه مرة بصفين وأعواما بالكوفة ومرة بالبصرة ومرة بالمدينة فإذا نسبنا مدة أبي بكر من حياته واضفنا تفري على البلاد بلدا بلدا وكثرة سماع الناس منه إلى لزوم أبي بكر موطنه وانه لم تكثر حاجة من حواليه إلى الرواية عنه ثم نسبنا عدد حديثه من عدد حديثه وفتاويه من فتاويه علم كل ذي حظ من علم أن الذي عند أبي بكر من العلم أضعاف ما كان عند علي منه

وبرهان ذلك أن من قبل عمر من الصحابة عغفمر قليلا قل النقل عنه ومن طال عمره كثر النقل عنه إلا اليسير ممن اكتفى بنيابة غيره عنه في تعليم الناس وقد عاش علي بعد عمر سبعة عشر عاما غير اشهر ومسند عمر خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثا يصح منها نحو خمسين كالذي عن علي سواء فكل ما زاد حديث علي على حديث عمر تسعة وأربعون حديثا في هذه المدة ولم يزد عليه في الصحيح إلا حديث أو حديثان

وفتاوى عمر موازية لفتاوي علي في أبواب الفقه فإذا نسبنا مدة من مدة وضربا في البلاد من ضرب فيها واضفنا حديثا إلى حديث وفتاوى إلى فتاوى علم كل ذي حس علما ضروريا أن الذي كان عند عمر من العلم أضعاف ما كان عند علي ووجدنا مسند عائشة ألفي مسند ومائتي مسند وعشرة مسانيد وحديث أبي هريرة خمسة آلاف مسند وثلاثمائة مسند وأربعة وسبعون مسندا ووجدنا مسند ابن عمر وانس قريبا من مسند عائشة لكل واحد منهما ووجدنا مسند جابر وابن عباس لكل واحد منهما أزيد من ألف وخمسمائة ووجدنا لابن مسعود ثمانمائة مسند ونيفا ولكل من ذكرنا حاشا أبي هريرة وانس من الفتاوى اكثر من فتاوى علي أو نحوها فبطل قول هذا الجاهل

إلى أن قال فان قالوا قد استعمل النبي ﷺ عليا على الأخماس علما والقضاء باليمن قلنا نعم لكن مشاهدة أبي بكر لأقضية النبي ﷺ أقوى في العلم واثبت مما عند علي وهو باليمن وقد استعمل رسول الله ﷺ أبا بكر على بعوث فيها الأخماس فقد ساوى علمه علم علي في حكمها بلا شك إذ لا يستعمل النبي إلا عالما بما يستعمله عليه وقد صح أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يفتيان على عهد رسول الله ﷺ وهو يعلم ذلك ومحال أن يبيح لهما ذلك إلا وهما اعلم من غيرهما وقد استعمل رسول الله ﷺ أيضا على القضاء باليمن مع علي معاذا وأبا موسى الاشعري فلعلي في هذا شركاء كثير منهم أبو بكر وعمر ثم انفرد أبو بكر بالجمهور والأغلب من العلم

فصل

قال الرافضي وفيه نزل قوله تعالى وتعيها أذن واعية

والجواب انه حديث موضوع باتفاق أهل العلم ومعلوم بالاضطرار أن الله تعالى لم يرد بذلك أن لا تعيها إلا أذن واعية واحدة من الأذان ولا أذن شخص معين لكن المقصود النوع فيدخل في ذلك كل أذن واعية

فصل

قال الرافضي وكان في غاية الذكاء شديد الحرص على التعلم ولازم رسول الله ﷺ الذي هو اكمل الناس ملازمة ليلا ونهارا من صغره إلى وفاة رسول الله ﷺ

والجواب أن يقال من أين علم انه أذكى من عمر ومن أبي بكر أو انه كان ارغب في العلم منهما أو أن استفادته من النبي ﷺ اكثر منهما

وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال انه كان في الأمم قبلكم محدثون فان يكن في أمتي أحد فعمر والمحدث الملهم يلهمه الله وهذا قدر زائد على تعليم البشر

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ انه قال رأيت كأني أتيت بلبن فشربت منه حتى رأيت الري يخرج من أظفاري ثم ناولت فضلي عمر قالوا فما أولته قال العلم ولم يرو مثل هذا لعلي

وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال قال النبي ﷺ رأيت الناس يعرضون علي وعلهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض علي عمر وعليه قميص يجره قالوا فما أولته يا رسول الله قال الدين

فهذان حديثان صحيحان يشهدان له بالعلم والدين ولم يرو مثل هذا لعلي

وقال ابن مسعود لما مات عمر أني لأحسب هذا قد ذهب بتسعة أعشار العلم وشارك الناس في العشر الباقي

ولا ريب أن أبا بكر كان ملازما للنبي صلى الله علي وسلم اكثر من علي ومن كل أحد واكن أبو بكر وعمر رضي الله عنهما اكثر اجتماعا بالنبي ﷺ من علي بكثير

كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال وضع عمر رضي الله عنه على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع فلم يرعني إلا رجل قد اخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي وترحم على على عمر وقال ما خلفت أحدا احب إلى أن ألقى الله عز وجل بمثل عمله منك وأيم الله أن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك أني كثيرا ما كنت اسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول

جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر

فان كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك

وكان النبي ﷺ وأبو بكر يسمران في أمر المسلمين بالليل

والمسائل التي تنازع فيها عمر وعلي في الغالب يكون فيها قول عمر ارجح كمسألة الحامل المتوفي عنها زوجها ومسالة الحرام كما تقدم

ولا ريب أن مذهب أهل المدينة ارجح من مذهب أهل العراق وهؤلاء يتبعون عمر وزيدا في الغالب وأولئك يتبعون عليا وابن مسعود

وكان ما يقوله عمر يشاور فيه عثمان وعليا وغيرهما وعلي مع هؤلاء أقوى من علي وحده

كما قال له قاضيه عبيدة السلماني رأيك مع عمر في الجماعة احب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة وقال ابن مسعود كان عمر إذا فتح لنا بابا دخلناه فوجدناه سهلا آتى في زوج وأبوين وامرأة وأبوين فقال للام ثلث الباقي ثم أن عثمان وعليا وابن مسعود وزيدا اتبعوه

وسعيد بن المسيب كان من اعلم التابعين باتفاق المسلمين وكان عمدة فقهه قضايا عمر وكان ابن عمر يسأله عنها وفي الترمذي عن النبي ﷺ انه قال: لو كان بعدي نبي لكان عمر. قال الترمذي حديث حسن

واعلم أن أهل الكوفة وأصحاب ابن مسعود كعلقمة والأسود وشريح والحارث بن قيس وعبيدة السلماني ومسروق وزر بن حبيش وأبي وائل وغيرهم هؤلاء كانوا يفضلون علم عمر وعلم ابن مسعود على علم علي ويقصدون في الغالب قول عمر وابن مسعود دون قول علي

فصل

قال الرافضي وقال ﷺ العلم في الصغر كالنقش في الحجر فتكون علومه اكثر من علوم غيره لحصول القابل الكامل والفاعل التام

والجواب أن هذا من عدم علم الرافضي بالحديث فان هذا مثل سائر ليس من كلام النبي ﷺ وأصحابه أيدهم الله تعالى فتعلموا الإيمان والقرآن والسنن ويسر الله ذلك عليهم وكذلك علي فان القرآن لم يكمل حتى صار لعلي نحوا من ثلاثين سنة فإنما حفظ اكثر ذلك في كبره لا في صغره وقد اختلف في حفظه لجميع القران على قولين

والأنبياء اعلم الخلق ولم يبعث الله نبيا إلا بعد الأربعين إلا عيسى ﷺ وتعليم النبي صلى الله علي وسلم كان مطلقا لم يكن يخص به أحدا ولكن بحسب استعداد الطالب ولهذا حفظ عنه أبو هريرة في ثلاث سنين وبعض أخرى ما لم يحفظه غيره وكان اجتماع أبي بكر به اكثر من سائر الصحابة

وأما قوله أن الناس منه استفادوا العلوم، فهذا باطل فان أهل الكوفة التي كانت داره كانوا قد تعلموا الإيمان والقران وتفسيره والفقه والسنة من ابن مسعود وغيره قبل أن يقدم علي الكوفة

وإذا قيل أن أبا عبد الرحمن قرأ عليه فمعناه عرض عليه وإلا فأبو عبد الرحمن كان قد حفظ القران قبل أن يقدم علي الكوفة وهو وغيره من علماء الكوفة مثل علقمة والأسود والحارث التيمي وزر ابن حبيش الذي قرأ عليه عاصم بن أبي النجود اخذوا القران عن ابن مسعود وكانوا يذهبون إلى المدينة فيأخذون عن عمر وعائشة ولم يأخذوا عن علي كما اخذوا عن عمر وعائشة، وشريح قاضيه إنما تفقه على معاذ بن جبل باليمن وكان يناظره في الفقه ولا يقلده وكذلك عبيدة السلماني كان لا يقلده بل يقول له رأيك مع عمر في الجماعة احب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة

وأما أهل المدينة ومكة فعلمهم أيضا ليس مأخوذا عنه وكذلك أهل الشام والبصرة فهذه الأمصار الخمسة الحجازان والعراقان والشام هي التي خرج منها علوم النبوة من العلوم الإيمانية والقرآنية والشريعة

وما اخذ هؤلاء عنه فان عمر رضي الله عنه كان قد أرسل إلى كل مصر من يعلمهم القران والسنة وأرسل إلى أهل الشام معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وغيرهما وأرسل إلى العراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وغيرهما

فصل

قال الرافضي وأما النحو فهو واضعه قال لأبي الأسود الكلام كله ثلاثة أشياء اسم وفعل وحرف وعلمه وجوه الأعراب

والجواب أن يقال أولا هذا ليس من علوم النبوة وإنما هو علم مستنبط وهو وسيلة في حفظ قوانين اللسان الذي نزل به القران ولم يكن في زمن الخلفاء الثلاثة لحن فلم يحتج إليه فلما سكن علي الكوفة وبها الأنباط روي انه قال لأبي الأسود الدؤلي الكلام اسم وفعل وحرف وقال انح هذا النحو ففعل هذا للحاجة كما أن من بعد علي أيضا استخرج للخط النقط والشكل وعلامة المد والشد ونحوه للحاجة ثم بعد ذلك بسط النحو نحاة الكوفة والبصرة والخليل استخرج علم العروض

فصل

قال الرافضي وفي الفقه الفقهاء يرجعون إليه

والجواب أن هذا كذب بين فليس في الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الفقهاء من يرجع إليه في فقهه أما مالك فان علمه عن أهل المدينة وأهل المدينة لا يكادون يأخذون بقول علي بل اخذوا فقههم عن الفقهاء السبعة عن زيد وعمر وابن عمر ونحوهم

أما الشافعي فانه تفقه أولا على المكيين أصحاب ابن جريج كسعيد بن سالم القداح ومسلم بن خالد الزنجي وابن جريج اخذ ذلك عن أصحاب ابن عباس كعطاء وغيره وابن عباس كان مجتهدا مستقلا وكان إذا أفتى بقول الصحابة أفتى بقول أبي بكر وعمر لا بقول علي وكان ينكر على علي أشياء

ثم إن الشافعي اخذ عن مالك ثم كتب كتب أهل العراق واخذ مذاهب أهل الحديث واختار لنفسه

وأما أبو حنيفة فشيخه الذي اختص به حماد بن أبي سليمان وحماد عن إبراهيم وإبراهيم عن علقمة وعلقمة عن ابن مسعود وقد اخذ أبو حنيفة عن عطاء وغيره

وأما الإمام احمد فكان على مذهب أهل الحديث اخذ عن ابن عيينة وابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس وابن عمر واخذ عن هشام بن بشير وهشام عن أصحاب الحسن وإبراهيم النخعي واخذ عن عبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح وأمثالهما وجالس الشافعي واخذ عن أبي يوسف واختار لنفسه قولا وكذلك إسحاق بن راهويه وابو عبيد ونحوهم

والأوزاعي والليث أكثر فقههما عن أهل المدينة وأمثالهم لا عن الكوفيين

فصل

قال الرافضي أما المالكية فاخذوا علمهم عنه وعن أولاده

والجواب أن هنا كذب ظاهر فهذا موطأ مالك ليس فيه عنه ولا عن أحد أولاده إلا قليل جدا وجمهور ما فيه عن غيرهم فيه عن جعفر تسعة أحاديث ولم يرو مالك عن أحد من ذريته إلا عن جعفر وكذلك الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمساند منها قليل عن ولده وجمهور ما فيها عن غيرهم

فصل

قال الرافضي وأما أبو حنيفة فقرأ على الصادق

والجواب أن هذا من الكذب الذي يعرفه من له أدنى علم فان أبا حنيفة من أقران جعفر الصادق توفي الصادق سنة ثمان وأربعين وتوفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة وكان أبو حنيفة يفتي في حياة أبي جعفر والد الصادق وما يعرف أن أبا حنيفة اخذ عن جعفر الصادق ولا عن أبيه مسألة واحدة بل اخذ عمن كان أسن منهما كعطاء بن أبي رباح وشيخه الأصلي حماد بن أبي سليمان وجعفر بن محمد كان بالمدينة

فصل

قال الرافضي وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن

والجواب أن هذا ليس كذلك بل جالسه وعلاف عرف طريقته وناظره وأول من اظهر الخلاف لمحمد بن الحسن والرد عليه هو الشافعي

فان محمد بن الحسن اظهر الرد على مالك وأهل المدينة وهو أول من عرف منه رد على مخالفيه فنظر الشافعي في كلامه وانتصر لما تبين له انه الحق من قول أهل المدينة وكان انتصاره في الغالب لمذهب أهل الحجاز وأهل الحديث

ثم أن عيسى بن إبان صنف كتابا تعرض فيه بالرد على الشافعي فصنف ابن سريج كتابا في الرد على عيسى بن إبان

وكذلك احمد بن حنبل لم يقرأ على الشافعي لكن جالسه كما جالس الشافعي محمد بن الحسن واستفاد كل منهما من صاحبه

وكان الشافعي واحمد يتفقان في أصولهما اكثر من اتفاق الشافعي ومحمد بن الحسن وكان الشافعي أسن من احمد ببضع عشرة سنة

وكان الشافعي قدم بغداد أولا سنة بضع وثمانين في حياة محمد بن الحسن بعد موت أبي يوسف ثم قدمها ثانية سنة بضع وتسعين وفي هذه القدمة اجتمع به احمد

وبالجملة فهؤلاء الأئمة الأربعة ليس فيهم من اخذ عن جعفر شيئا من قواعد الفقه لكن رووا عنه أحاديث كما رووا عن غيره وأحاديث غيره أضعاف أحاديثه وليس بين حديث الزهري وحديثه نسبة لا في القوة ولا في الكثرة

وقد استراب البخاري في بعض حديثه لما بلغه عن يحيى بن سعيد القطان فيه كلام فلم يخرج له ولم يكذب على أحد ما كذب على جعفر الصادق مع براءته كما كذب عليه فنسب إليه علم البطاقة والهفت والجدول واختلاج الأعضاء ومنافع القران والكلام على الحوادث وأنواع من الإشارات في تفسير القران وتفسير قراءة السورة في المنام وكل ذلك كذب عليه

وأيضا جعفر الصادق اخذ عن أبيه وعن غيره كما قدمنا وكذلك أبوه اخذ عن علي بن الحسين وغيره وكذلك علي بن الحسين اخذ العلم عن غير الحسين اكثر مما اخذ عن الحسين فان الحسين قتل سنة إحدى وستين وعلي صغير فلما رجع إلى المدينة اخذ عن علماء أهل المدينة فإن علي بن الحسين اخذ عن أمهات المؤمنين عائشة وأم سلمة وصفية واخذ عن ابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي رافع مولى النبي ﷺ ومروان بن الحكم وسعيد بن المسيب وغيرهم

وكذلك الحسن كان يأخذ عن أبيه وغيره حتى اخذ عن التابعين وهذا من علمه ودينه رضي الله عنه

وأما ثناء العلماء على علي بن الحسين ومناقبه فكثيرة وقال الزهري لم أدرك بالمدينة افضل من علي بن الحسين وقال يحيى بن سعيد الأنصاري هو افضل هاشمي رايته بالمدينة وقال حماد بن زيد سمعت عن علي بن الحسين وكان افضل هاشمي أدركته يقول: أيها الناس أحبونا حب الإسلام فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا ذكره محمد بن سعد في الطبقات أنبأنا عارم بن الفضل أنبأنا حماد

ثم قال بن سعد قالوا وكان علي بن الحسين ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا وروى عن شيبة بن نعامة قال كان علي بن الحسين يبخل فلما مات وجدوه يقوت أهل مائة بيت بالمدينة في السر

فصل

قال الرافضي ومالك قرا على ربيعة وربيعة على عكرمة وعكرمة على ابن عباس وابن عباس تلميذ علي

والجواب أن هذا من الكذب فان ربيعة لم يأخذ عن عكرمة شيئا، بل ولا ذكر مالك عن عكرمة في كتبه إلا أثرا أو اثرين ولا ذكر اسم عكرمة في كتبه أصلا لأنه بلغه عن ابن عمر وابن المسيب انهما تكلما فيه فتركه لذلك

وكذلك لم يخرج له مسلم ولكن ربيعة اخذ عن سعيد بن المسيب وأمثاله من فقهاء أهل المدينة وسعيد كان يرجع علمه إلى عمر وكان قد اخذ عن زيد بن ثابت وأبي هريرة وتتبع قضايا عمر من أصحابه وكان ابن عمر يسأله عنها

ولهذا يقال أن موطأ مالك أخذت أصوله عن ربيعة عن سعيد بن المسيب عن عمر وقال الرشيد لمالك قد أكثرت في موطئك عن ابن عمر وأقللت عن ابن عباس فقال كان أورع الرجلين يا أمير المؤمنين فهذا موطأ مالك يبين أن ما ذكره عن مالك من اظهر الكذب

وقول ابن عباس تلميذ علي كلام باطل فان رواية ابن عباس عن علي قليلة وغالب أخذه عن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة وكان يفتي بقول أبي بكر وعمر ونازع عليا في مسائل مثل ما اخرج البخاري في صحيحه قال أتى علي بقوم زنادقة فحرقهم فبلغ ذلك بن عباس فقال أما لو كنت لم احرقهم لنهى رسول الله ﷺ أن يعذب بعذاب الله ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ من بدل دينه فاقتلوه فبلغ ذلك عليا فقال ويح ابن عباس ما أسقطه على الهنات تم بحمد الله

منهاج السنة النبوية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57