منهاج السنة النبوية/44

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منهاج السنة النبوية
المؤلف: ابن تيمية



فصل

قال الرافضي البرهان العاشر قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن ابن عباس قال سئل النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن يتوب عليه فتاب عليه وهذه فضيلة لم يلحقه أحد من الصحابة فيها فيكون هو الإمام لمساواته النبي ﷺ في التوسل به إلى الله تعالى

والجواب من وجوه أحدها المطالبة بصحة هذا النقل فقد عرف أن مجرد رواية ابن المغازلي لا يسوغ الاحتجاج بها باتفاق أهل العلم

الثاني أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم وذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات عن طريق الدار قطني فان له كتبا في الأفراد والغرائب قال الدار قطني تفرد به عمرو بن ثابت عن أبيه عن أبي المقدام لم يروه عنه غير حسن الأشقر قال يحيى بن معين عمرو بن ثابت ليس ثقة ولا مأمونا وقال ابن حبان يروي الموضوعات عن الأثبات

الثالث إن الكلمات التي تلقاها آدم قد جاءت مفسرة في قوله تعالى ربنا ظلمنا أنفسنا وأن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وقد روي عن السلف هذا وما يشبهه وليس في شيء من النقل الثابت عنهم ما ذكره من القسم

الرابع انه معلوم بالاضطرار أن من هو دون آدم من الكفار والفساق إذا تاب أحدهم إلى الله تاب الله عليه وأن لم يقسم عليه بأحد فكيف يحتاج آدم في توبته إلى ما لا يحتاج إليه أحد من المذنبين لا مؤمن ولا كافر وطائفة قد رووا انه توسل بالنبي ﷺ حتى قبل توبته وهذا كذب وروي عن مالك في ذلك حكاية في خطابه للمنصور وهو كذب على مالك وإن كان ذكرها القاضي عياض في الشفا

الخامس أن النبي ﷺ لم يأمر أحدا بالتوبة بمثل هذا الدعاء بل ولا أمر أحدا بمثل هذا الدعاء في توبة ولا غيرها بل ولا شرع لامته أن يقسموا على الله بمخلوق ولو كان هذا الدعاء مشروعا لشرعه لامته

السادس أن الأقسام على الله بالملائكة والأنبياء أمر لم يرد به كتاب ولا سنة بل قد نص غير واحد من أهل العلم كأبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما على انه لا يجوز أن يقسم على الله بمخلوق وقد بسطنا الكلام على ذلك

السابع أن هذا لو كان مشروعا فآدم نبي كريم كيف يقسم على الله بمن هو اكرم عليه منه ولا ريب أن نبينا ﷺ أفضل من آدم لكن آدم أفضل من علي وفاطمة وحسن وحسين

الثامن أن يقال هذه ليست من خصائص الأئمة فأنها قد ثبتت لفاطمة وخصائص الأئمة لا تثبت للنساء وما لم يكن من خصائصهم لم يستلزم الإمأمةفان دليل الإمأمةلا بد أن يكون ملزوما لها يلزم من وجوده استحقاقها فلو كان هذا دليلا على الإمأمة لكان من يتصف به يستحقها والمرأة لا تكون إماما بالنص والإجماع

فصل

قال الرافضي البرهان الحادي عشر قوله تعالى إني جاعلك للناس إماما ومن ذريتي روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي عن ابن مسعود قال قال النبي ﷺ انتهت الدعوة إلى وإلى علي لم يسجد أحدنا لصنم قط فاتخذني نبيا واتخذ عليا وصيا وهذا نص في الباب

والجواب من وجوه أحدها المطالبة بصحة هذا كما تقدم

الثاني أن هذا الحديث كذب موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث

الثالث أن قوله انتهت الدعوة إلينا كلام لا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ فانه إن أريد أنها لم تصب من قبلنا كان ممتنعا لأن الأنبياء من ذرية إبراهيم دخلوا في الدعوة

قال تعالى ووهبنا له اسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقال تعالى وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل

وقال عن بني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون

وقال نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض فهذه عدة نصوص من القران في جعل الله أئمة من ذرية إبراهيم قبل امتنا

وإن أريد انتهت الدعوة إلينا انه لا إمام بعدنا لزم أن إلا يكون الحسن والحسين ولا غيرهما أئمة وهو باطل بالإجماع ثم التعليل بكونه لم يسجد لصنم هو علة موجودة في سائر المسلمين بعدهم

الوجه الرابع أن كون الشخص لم يسجد لصنم فضيلة يشاركه فيها جميع من ولد على الإسلام مع أن السابقين الأولين أفضل منه فكيف يجعل المفضول مستحقا لهذه المرتبة دون الفاضل

الخامس انه لو قيل انه لم يسجد لصنم لأنه اسلم قبل البلوغ فلم يسجد بعد إسلامه فهكذا كل مسام والصبي غير مكلف وإن قيل انه لم يسجد قبل إسلامه فهذا النفي غير معلوم ولا قائله ممن يوثق به ويقال ليس كل من لم يكفر أو من لم يأت بكبيرة أفضل ممن تاب عنها مطلقا بل قد يكون التائب من الكفر والفسوق أفضل ممن لم يكفر ولم يفسق كما دل على ذلك الكتاب العزيز فان الله فضل الذين أنفقوا من فبل الفتح وقاتلوا على الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وأولئك كلهم اسلموا بعد الكفر وهؤلاء فيهم من ولد على الإسلام وفضل السابقين الأولين على التابعين لهم بإحسان وأولئك آمنوا بعد الكفر وأكثر التابعين ولدوا على الإسلام

وقد ذكر الله في القران أن لوطا آمن لإبراهيم وبعثه الله نبيا وقال شعيب قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وقال تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا

وقد اخبر الله عن اخوة يوسف بما اخبر ثم نباهم بعد توبتهم وهم الأسباط الذين امرنا أن نؤمن بما أوتوا في سورة البقرة وآل عمران والنساء وإذا كان في هؤلاء من صار نبيا فمعلوم أن الأنبياء أفضل من غيرهم وهذا مما تنازع فيه الرافضة وغيرهم ويقولون من صدر منه ذنب لا يصير نبيا والنزاع فيمن اسلم أعظم لكن الاعتبار بما دل عليه الكتاب والسنة والذين منعوا من هذا عمدتهم أن التائب من الذنب يكون ناقصا مذموما لا يستحق النبوة ولو صار من أعظم الناس طاعة وهذا هو الأصل الذي نوزعوا فيه والكتاب والسنة والإجماع يدل على بطلان قولهم فيه

فصل

قال الرافضي البرهان الثاني عشر قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا روى الحافظ أبو نعيم الاصبهاني بإسناده إلى ابن عباس قال نزلت في علي والود محبة في القلوب المؤمنة وفي تفسير الثعلبي عن البراء بن عازب قال قال رسول الله ﷺ يا لعلي قل اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة فانزل الله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ولم يثبت لغيره ذلك فيكون هو الإمام

والجواب من وجوه أحدها انه لا بد من إقأمةالدليل على صحة المنقول إلا فالاستدلال بما لا تثبت مقدماته باطل بالاتفاق وهو من القول بلا علم ومن قفو الإنسان بما ليس له به علم ومن المحاجة بغير علم والعزو المذكور لا يفيد الثبوت باتفاق أهل السنة والشيعة

الوجه الثاني أن هذين الحديثين من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث

الثالث أن قوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات عام في جميع المؤمنين فلا يجوز تخصيصها بعلي بل هي متناولة لعلي وغيره والدليل عليه أن الحسن والحسين وغيرهما من المؤمنين الذين تعظمهم الشيعة داخلون في الآية فعلم بذلك الإجماع على عدم اختصاصها بعلي

وأما قوله ولم يثبت مثل ذلك لغيره من الصحابة فممنوع كما تقدم فانهم خير القرون فالذين آمنوا وعملوا الصالحات فيهم أفضل منهم في سائر القرون وهم بالنسبة إليهم أكثر منهم في كل قرن بالنسبة إليه

الرابع أن الله قد اخبر انه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودا وهذا وعد منه صادق ومعلوم أن الله قد جعل للصحابة مودة في قلب كل مسلم لا سيما الخلفاء رضي الله عنهم لا سيما أبو بكر وعمر فان عأمةالصحابة والتابعين كانوا يودونهما وكانوا خير القرون

ولم يكن كذلك علي فان كثيرا من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما قد ابغضهما وسبهما الرافضة والنصيرية والغالية والإسماعيلية لكن معلوم أن الذين احبوا دينك أفضل وأكثر وأن الذين ابغضوهما ابعد عن الإسلام واقل بخلاف علي فان الذين ابغضوه وقاتلوه هم خير من الذين ابغضوا أبا بكر وعمر بل شيعة عثمان الذين يحبونه ويبغضون عليا وان كانوا مبتدعين ظالمين فشيعة علي الذين يحبونه ويبغضون عثمان انقص منهم علما ودينا وأكثر جهلا وظلما

فعلم أن المودة التي جعلت للثلاثة أعظم

وإذا قيل علي قد ادعيت فيه الاهية والنبوة

قيل قد كفرته الخوارج كلها وأبغضته المر وانية وهؤلاء خير من الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فضلا عن الغالية

فصل

قال الرافضي البرهان الثالث عشر قوله تعالى إنما أنت منذر ولكل قوم هاد من كتاب الفردوس عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ أنا المنذر وعلي الهادي بك يا علي يهتدي المهتدون ونحوه رواه أبو نعيم وهو صريح في ثبوت الولاية والإمأمة

والجواب من وجوه وأحدها أن هذا لم يقم دليل على صحته فلا يجوز الاحتجاج به وكتاب الفردوس للديلمي فيه موضوعات كثيرة اجمع أهل العلم على أن مجرد كونه رواه لا يدل على صحة الحديث وكذلك رواية أبي نعيم لا تدل على الصحة

الثاني أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث فيجب تكذيبه ورده

الثالث أن هذا الكلام لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ فان قوله أنا المنذر وبك يا علي يهتدى المهتدون ظاهره انهم بك يهتدون دوني وهذا لا يقوله مسلم فان ظاهره أن النذارة والهداية مقسومة بينهما فهذا نذير لا يهتدي به وهذا هاد وهذا لا يقوله مسلم

الرابع أن الله تعالى قد جعل محمدا هاديا فقال وانك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله فكيف يجعل الهادي من لم يوصف بذلك دون من وصف به

الخامس أن قوله بك يهتدي المهتدون ظاهره أن كل من اهتدى من أمةمحمد فبه اهتدى وهذا كذب بين فانه قد آمن بالنبي ﷺ خلق كثير واهتدوا به ودخلوا الجنة ولم يسمعوا من علي كلمة واحدة وأكثر الذين آمنوا بالنبي ﷺ واهتدوا به لم يهتدوا بعلي في شيء وكذلك لما فتحت الأمصار وآمن واهتدى الناس بمن سكنها من الصحابة وغيرهم كان جماهير المؤمنين لم يسمعوا من علي شيئا فكيف يجوز أن يقال بك يهتدي المهتدون

السادس انه قد قيل معناه إنما أنت نذير ولكل قوم هاد وهو الله تعالى وهو قول ضعيف وكذلك قول من قال أنت نذير وهاد لكل قوم قول ضعيف والصحيح أن معناها إنما أنت نذير كما أرسل من قبلك نذير ولكل أمةنذير يهديهم أن يدعوهم كما في قوله وإن من أمةإلا خلا فيها نذير وهذا قول جماعة من المفسرين مثل قتادة وعكرمة وأبي الضحى وعبد الرحمن بن زيد قال ابن جرير الطبري حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة وحدثنا أبو كريب حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن السدي عن عكرمة ومنصور عن أبي الضحى إنما أنت منذر ولكل قوم هاد قالا محمد هو المنذر وهو الهادي

حدثنا يونس حدثنا ابن وهب قال قال ابن زيد لكل قوم نبي الهادي النبي والمنذر النبي أيضا وقرأ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وقرا نذير من النذر الأولى قال نبي من الأنبياء

حدثنا بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان عن ليث عن مجاهد قال المنذر محمد ولكل قوم هاد قال نبي

وقوله يوم ندعوا كل أناس بإمامهم إذ الإمام هو الذي يؤتم به أي يقتدي به وقد قيل أن المراد به هو الله الذي يهديهم والأول اصح

وأما تفسيره بعلي فانه باطل لأنه قال ولكل قوم هاد وهذا يقتضي أن يكون هادي هؤلاء غيرها دي هؤلاء فيتعدد الهداة فكيف يجعل علي هاديا لكل قوم من الأولين والآخرين

السابع أن الاهتداء بالشخص قد يكون بغير تاميره عليهم كما يهتدي بالعالم وكما جاء في الحديث الذي فيه أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم

فليس هذا صريحا في أن الإمامة كما زعمه هذا المفتري

الثامن أن قوله لكل قوم هاد نكرة في سياق الإثبات وهذا لا يدل على معين فدعوى دلالة القران على علي باطل والاحتجاج بالحديث ليس احتجاجا بالقرآن مع انه باطل

التاسع أن قوله كل قوم صيغة عموم ولو أريد أن هاديا واحدا للجميع لقيل لجميع الناس هاد لا يقال لكل قوم فان هؤلاء القوم غير هؤلاء القوم وهو لم يقل لجميع القوم ولا يقال ذلك بل أضاف كلا إلى نكرة لم يضفه إلى معرفة كما في قولك كل الناس يعلم أن هنا قوما وقوما متعددين وأن كل قوم لهم هاد ليس هو هادي الآخرين وهذا يبطل قول من يقول أن الهادي هو الله تعالى ودلالته على بطلان قول من يقول هو علي اظهر

فصل

قال الرافضي البرهان الرابع عشر قوله تعالى قفوهم انهم مسؤولون من طريق أبي نعيم عن الشعبي عن ابن عباس قال في قوله تعالى وقفوهم انهم مسئولون عن ولآية علي وكذا في كتاب الفردوس عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ وإذا سئلوا عن الولاية وجب ان تكون ثابتة له ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك فيكون هو الإمام

والجواب من وجوه أحدها المطالبة بصحة النقل والعزو إلى الفردوس وإلى أبي نعيم لا تقوم به حجة باتفاق أهل العلم

الثاني أن هذا كذب موضوع بالاتفاق

الثالث أن الله تعالى قال بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أإذا متنا وكنا ترأبا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل نعم وانتم دآخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم انهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون واقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن أليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فانهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين انهم كانوا إذا قيل لهم لا اله إلاالله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين

فهذا خطاب عن المشركين المكذبين بيوم الدين وهؤلاء يسألون عن توحيد الله والأيمان برسله واليوم الآخر وأي مدخل لحب علي في سؤال هؤلاء تراهم لو أحبوه مع هذا الكفر والشرك أكان ذلك ينفعهم أو تراهم لو ابغضوه أين كان بغضهم له في بغضهم لأنبياء الله ولكتابه ودينه

وما يفسر القران بهذا ويقول النبي ﷺ فسره بمثل هذا إلا زنديق ملحد متلاعب بالدين قادح في دين الإسلام أو مفرط في الجهل لا يدري ما يقول وأي فرق بين حب علي وطلحة والزبير وسعد وأبي بكر وعمر وعثمان

ولو قال قائل انهم مسئولون عن حب أبي بكر لم يكن قوله ابعد من قول من قال عن حب علي ولا في الآية ما يدل على أن ذلك القول ارجح بل دلالتها على ثبوتهما وانتفائهما سواء والأدلة الدالة على وجوب حب أبي بكر أقوى

الرابع أن قوله مسئولون لفظ مطلق لم يوصل به ضمير يخصه بشيء وليس في السياق ما يقتضي ذكر حب علي فدعوى المدعي دلالة اللفظ على سؤالهم عن حب علي من أعظم الكذب والبهتان

الخامس انه لو ادعى مدع انهم مسئولون عن حب أبي بكر وعمر لم يكن إبطال ذلك بوجه إلا وإبطال السؤال عن حب علي أقوى واظهر

فصل

قال الرافضي البرهان الخامس عشر قوله تعالى ولتعرفنهم في لحن القول روى أبو نعيم بإسناده عن أبي سعيد الخدري في قوله تعالى ولتعرفنهم في لحن القول قال ببغضهم عليا ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك فيكون أفضل منهم فيكون هو الإمام

والجواب المطالبة بصحة النقل أولا

والثاني أن هذا من الكذب على أبي سعيد عند أهل المعرفة بالحديث

الثالث أن يقال لو ثبت انه قاله فمجرد قول أبي سعيد قول واحد من الصحابة وقول الصاحب إذا خالفه صاحب آخر ليس بحجة باتفاق أهل العلم وقد علم قدح كثير من الصحابة في علي وإنما احتج عليهم بالكتاب والسنة لا بقول آخر من الصحابة

الرابع إنا نعلم بالاضطرار أن عأمةالمنافقين لم يكن ما يعرفون به من لحن القول هو بغض علي فتفسير القران بهذا فرية ظاهرة

الخامس أن عليا لم يكن أعظم معاداة للكفار والمنافقين من عمر بل ولا نعرف انهم كانوا يتأذون منه كما يتأذون من عمر بل ولا نعرف انهم كانوا يتأذون منه إلا وكان بغضهم لعمر اشد

السادس انه في الصحيح عن النبي ﷺ انه قال آية الأيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار

وقال: لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، فكان معرفة المنافقين في لحنهم ببغض الأنصار أولى

فان هذه الأحاديث اصح مما يروى عن علي انه قال انه لعهد النبي الأمي إلي انه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني لا منافق فان هذا من أفراد مسلم وهو من رواية عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي والبخاري عن هذا الحديث بخلاف أحاديث الأنصار فإنها مما اتفق عليه أهل الصحيح كلهم البخاري غيره وأهل العلم يعلمون يقينا أن النبي قاله وحديث علي قد شك فيه بعضهم

السابع أن علامات النفاق كثيرة كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ انه قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان

فهذه علامات ظاهرة فعلم أن علامات النفاق لا تختص بحب شخص أو طائفة ولا بغضهم إن كان ذلك من العلامات ولا ريب أن من حب عليا لله بما يستحقه من المحبة لله فذلك من الدليل على أيمانه وكذلك من احب الأنصار لأنهم نصروا الله ورسوله فذلك من علامات أيمانه ومن ابغض عليا والأنصار لما فيهم من الأيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله فهو منافق

وأما من احب الأنصار أو عليا أو غيرهم لأمر طبيعي مثل قرابة بينهما فهو كمحبة أبي طالب للنبي وذلك لا ينفعه عند الله ومن غلا في الأنصار أو في علي أو في المسيح أو في نبي فاحبه واعتقد فيه فوق مرتبته فانه لم يحبه في الحقيقة إنما احب مالا وجود له كحب النصارى للمسيح فان المسيح أفضل من علي

وهذه المحبة لا تنفعهم فإنه إنما ينفع الحب لله لا الحب مع الله

قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله

ومن قدر انه سمع عن بعض الأنصار أمرا يوجب بغضه فابغضه لذلك كان ضالا مخطئا ولم يكن منافقا بذلك وكذلك من اعتقد في بعض الصحابة اعتقادا غير مطابق وظن فيه انه كان كافرا أو فاسقا فابغضه لذلك كان جاهلا ظالما ولم يكن منافقا

وهذا مما يبين به كذب ما يروى عن بعض الصحابة كجابر انه قال ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي ﷺ إلا ببغضهم علي بن أبي طالب فان هذا النفي من اظهر الأمور كذبا لا يخفى بطلان هذا النفي على آحاد الناس فضلا عن أن يخفى مثل ذلك على جابر أو نحوه

فان الله قد ذكر في سورة التوبة وغيرها من علامات المنافقين وصفاتهم أمورا متعددة ليس في شيء منها بغض علي

كقوله ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني إلا في الفتنة سقطوا

وقوله ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون

وقوله ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله

وقوله ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين إلى قوله وبما كانوا يكذبون إلى أمثال ذلك من الصفات التي يصف بها المنافقين وذكر علاماتهم وذكر الأسباب الموجبة للنفاق

وكل ما كان موجبا للنفاق فهو دليل عليه وعلامة له فكيف يجوز لعاقل أن يقول لم يكن للمنافقين علامة يعرفون بها غير بغض علي وقد كان من علامتهم التخلف عن الجماعة كما في الصحيح عن ابن مسعود انه قال أيها الناس حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى وان الله شرع لنبيه سنن الهدى وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رايتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف

وعامة علا مات النفاق وأسبابه ليست في أحد من أصناف الأمة اظهر منها في الرافضة حتى يوجد فيهم من النفاق الغليظ الظاهر ما لا يوجد في غيرهم وشعار دينهم التقية التي هي أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه وهذا علامة النفاق

كما قال الله تعالى وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبأذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ اقرب منهم للأيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله اعلم بما يكتمون

وقال تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا

وقال تعالى في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وفيها قراءتان يكذبون ويكذبون

وفي الجملة فعلامات النفاق مثل الكذب والخيانة وإخلاف الوعد والغدر لا يوجد في طائفة أكثر منها في الرافضة وهذا من صفاتهم القديمة حتى انهم كانوا يغدرون بعلي والحسن والحسين

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ انه قال أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وهذا لبسطه موضوع آخر

والمقصود هنا أنه يمتنع أن يقال لا علامة للنفاق إلا بغض على ولا يقول هذا أحد من الصحابة لكن الذي قد يقال أن بغضه من علا مات النفاق كما في الحديث المرفوع لا يبغضني إلا منافق فهذا يمكن توجيهه فانه من علم ما قام به على رضى الله عنه من الأيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله ثم ابغضه على ذلك فهو منافق ونفاق من يبغض الأنصار اظهر فان الأنصار قبيلة عظيمة لهم مدينة وهم الذين تبؤاالدار الدار والأيمان من قبل المهاجرين وبالهجرة إلى دارهم عز الأيمان واستظهر أهله وكان لهم من نصر الله ورسوله ما لم يكن لأهل مدينة غيرهم ولا لقبيلة سواهم فلا يبغضهم إلا منافق ومع هذا فليسوا بأفضل من المهاجرين بل المهاجرون أفضل منهم فعلم انه لا يلزم من كون بغض الشخص من علامات النفاق أن يكون أفضل من غيره ولا يشك من عرف أحوال الصحابة أن عمر كان اشد عداوة للكفار والمنافقين من على وان تأثيره في نصر الإسلام وإعزازه وإذلال الكفار والمنافقين أعظم من تأثير على وان الكفار والمنافقين أعداء الرسول يبغضونه أعظم مما يبغضون علي ولهذا كان الذي قتل عمر كافرا يبغض دين الإسلام ويبغض الرسول وأمته فقتله بغضا للرسول ودينه وأمته والذي قتل عليا كان يصلى ويصوم ويقرأ القران وقتله معتقدا أن الله ورسوله يحب قتل على وفعل ذلك محبة لله ورسول في زعمه وان كان في ذلك مبتدعا ضالا والمقصود أن النفاق في بغض عمر اظهر منه في بغض علي ولهذا لما كان الرافضة من أعظم الطوائف نفاقا كانوا يسمون عمر فرعون الأمة وكانوا يوالون أبا لؤلؤة قاتله الله الذي هو من اكفر الخلق وأعظمهم عداوة لله ولرسوله فصل قال الرافضي البرهان السادس عشر قوله تعالى والسابقون السابقون أولئك المقربون روى أبو نعيم عن ابن عباس في هذه الآية سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله والسابقون السابقون قال سبق يوشع بن نون إلى موسى وسبق موسى إلى هارون وسبق صاحب يس إلى عيسى وسبق على إلى محمد ﷺ وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة فيكون هو الإمام والجواب من وجوه أحدها المطالبة بصحة النقل فان الكذب كثير فيما يرويه هذا وهذا

الثاني أن هذا باطل عن ابن عباس ولو صح عنه لم يكن حجة إذا خالفه من هو أقوى منه

الثالث أن الله يقول والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار

وقال تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله الآية

والسابقون الأولون هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا الذين هم أفضل ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل ودخل فيهم أهل بيعة الرضوان وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة فكيف يقال أن سابق هذه الأمة واحد الرابع قوله وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة ممنوع فان الناس متنازعون في أول من اسلم فقيل أبو بكر أول من اسلم فهو اسبق إسلاما من على وقيل أن عليا أسلم قبله لكن علي كان صغيرا وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وانفع فيكون هو أكمل سبقا بالاتفاق واسبق على الإطلاق على القول الآخر فكيف يقال على اسبق منه بلا حجة تدل على ذلك الخامس أن هذه الآية فضلت السابقين الأولين ولم تدل على أن كل من كان اسبق إلى الإسلام كان أفضل من غيره وإنما يدل على أن السابقين أفضل قوله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى

فالذين سبقوا إلى الإنفاق والقتال قبل الحديبية أفضل ممن بعدهم فان الفتح فسره النبي ﷺ بالحديبية

وإذا كان أولئك السابقون قد سبق بعضهم بعضا إلى الإسلام فليس في الآيتين ما يقتضي أن يكون أفضل مطلقا بل قد يسبق إلى الإسلام من سبقه غيره إلى الإنفاق والقتال

ولهذا كان عمر رضي الله عنه ممن اسلم بعد تسعة وثلاثين وهو أفضل من أكثرهم بالنصوص الصحيحة وبإجماع الصحابة والتابعين وما علمت أحدا قط قال أن الزبير ونحوه أفضل من عمر والزبير اسلم قبل عمر ولا قال من يعرف من أهل العلم إن عثمان أفضل من عمر وعثمان اسلم قبل عمر وان كان الفضل بالسبق إلى الإنفاق والقتال فمعلوم أن أبا بكر أخص بهذا فانه لم يجاهد قبله أحد لا بيده ولا بلسانه بل هو من حين آمن بالرسول ينفق ماله ويجاهد بحسب الإمكان فاشترى من المعذبين في الله غير واحد وكان يجاهد مع الرسول قبل الأمر بالقتال وبعد الأمر بالقتال كما قال تعالى وجاهدهم به جهادا كبيرا فكان أبو بكر اسبق الناس وأكملهم في أنواع الجهاد بالنفس والمال

ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح إن آمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر والصحبة بالنفس وذات اليد هو المال فاخبر النبي ﷺ انه آمن الناس عليه في النفس والمال

فصل

قال الرافضي البرهان السابع عشر قوله تعالى الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله روى رزين بن معاوية في الجمع بين الصحاح الستة أنها نزلت في علي لما افتخر طلحة بن شيبة والعباس وهذه لم ثبت لغيره من الصحابة فيكون أفضل فيكون هو الإمام

والجواب من وجوه أحدها المطالبة بصحة النقل ورزين قد ذكر في كتابه أشياء ليست في الصحاح

الثاني أن الذي في الصحيح ليس كما ذكره عن رزين بل الذي في الصحيح ما رواه النعمان بن بشير قال كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل لا أبالي أن لا اعمل عملا بعد الإسلام إلا أن اسقي الحاج وقال آخر لا أبالي أن لا اعمل عملا بعد الإسلام إلا أن اعمر المسجد الحرام وقال آخر الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فانزل الله تعالى أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله الآية إلى آخرها أخرجه مسلم وهذا الحديث يقتضي أن قول على الذي فضل به الجهاد على السدانة والسقامة اصح من قول من فضل السدانة والسقاية وان عليا كان اعلم بالحق في هذه المسالة ممن نازعه فيها وهذا صحيح وعمر قد وافق ربه في عدة أمور يقول شيئا وينزل القران بموافقته قال للنبي ﷺ لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقال إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن بالحجاب فنزلت آية الحجاب وقال عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات فنزلت كذلك وأمثال ذلك وهذا كله ثابت في الصحيح وهذا أعظم من تصويب علي في مسالة واحدة

وأما التفضيل بالأيمان والهجرة والجهاد فهذا ثابت لجميع الصحابة الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فليس هاهنا فضيلة اختص بها علي حتى يقال أن هذا لم يثبت لغيره

الثالث انه لو قدر انه اختص بمزية فهذه ليست من خصائص الإمامة ولا موجبة لأن يكون أفضل مطلقا فان الخضر لما علم ثلاث مسائل لم يعلمها موسى لم يكن أفضل من موسى مطلقا والهدهد لما قال لسليمان أحطت بما لم تحط به لم يكن اعلم من سليمان مطلقا

الرابع أن عليا كان يعلم هذه المسألة فمن أين يعلم أن غيره من الصحابة لم يعلمها فدعوى اختصاصه بعلمها باطل فبطل الاختصاص على التقديرين بل من المعلوم بالتواتر أن جهاد أبي بكر بماله أعظم من جهاد على فان أبا بكر كان موسرا قال فيه النبي ﷺ ما نفعني مال كمال أبي بكر وعلي كان فقيرا وأبو بكر أعظم جهادا بنفسه كما سنذكره إن شاء الله تعالى فصل قال الرافضي البرهان الثامن عشر قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقه من طريق الحافظ أبي نعيم إلى ابن عباس قال أن الله حرم كلام رسول الله ﷺ إلا بتقديم الصدقة وبخلوا أن يتصدقوا قبل كلامه وتصدق علي ولم يفعل ذلك أحد من المسلمين غيره ومن تفسير الثعلبي قال ابن عمر كان لعلي ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى وروى رزين بن معاوية في الجمع بين الصحاح الستة عن علي ما عمل بهذه الآية غيري وبي خفف الله عن هذه الأمة وهذا يدل على فضيلته عليهم فيكون هو أحق بالإمامة

والجواب أن يقال أما الذي ثبت فهو أن عليا رضي الله عنه تصدق وناجى ثم نسخت الآية قبل أن يعمل بها غيره لكن الآيه لم توجب الصدقة عليهم لكن أمرهم إذا ناجوا أن يتصدقوا فمن لم يناج لم يكن عليه أن يتصدق وإذا لم تكن المناجاة واجبة لم يكن أحد ملوما إذا ترك ما ليس بواجب ومن كان فيهم عاجزا عن الصدقة ولكن لو قدر لناجى فتصدق فله نيته واجره ومن لم يعرض له سبب يناجي لأجله لم يجعل ناقصا ولكن من عرض له سبب اقتضى المناجاة فتركه بخلا فهذا قد ترك المستحب ولا يمكن أن يشهد على الخلفاء أنهم كانوا من هذا الضرب ولا يعلم أنهم كانوا ثلاثتهم حاضرين عند نزول هذه الآية بل يمكن غيبة بعضهم ويمكن حاجة بعضهم ويمكن عدم الداعي إلى المناجاة

ولم يطل زمان عدم نسخ الآية حتى يعلم أن الزمان الطويل لا بد أن يعرض فيه حاجة إلى المناجاة

وبتقدير أن يكون أحدهم ترك المستحب فقد بينا غير مرة أن من فعل مستحبا لم يجب أن يكون أفضل من غيره مطلقا

وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لأصحابه من اصبح منكم اليوم صائما فقال أبو بكر أنا قال فمن تبع منكم جنازة قال أبو بكر أنا قال هل فيكم من عاد مريضا قال أبو بكر أنا قال هل فيكم من تصدق بصدقة فقال أبو بكر أنا قال ما اجتمع لعبد هذه الخصال إلا وهو من أهل الجنة

وهذه الأربعة لم ينقل مثلها لعلي ولا غيره في يوم

وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فإن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة وأن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد وأن كان من اهل الصدقة دعي من باب الصدقة فقال أبو بكر يا رسول الله فما على من دعى من تلك الأبواب كلها من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها قال: نعم وارجوا أن تكون منهم

ولم يذكر هذا لغير أبي بكر رضي الله عنه

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه وقالت إني لم اخلق لهذا ولكني أنما خلقت للحرث. فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال رسول الله ﷺ: فإني أؤمن به أنا وأبو بكر وعمر

وما هما ثم قال أبو هريرة وقال رسول الله ﷺ: بينما راع في غنمه عدا عليها الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه فالتفت إليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري فقال الناس سبحان الله فقال رسول الله ﷺ: فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر وهما ثم

وقد قال رسول الله ﷺ: ما نفعني مال كمال أبي بكر

وهذا صريح في اختصاصه بهذه الفضيلة لم يشركه فيها علي ولا غيره

وكذلك قوله في الصحيحين: أن آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا لكن اخوة الإسلام ومودته لا يبقين باب في المسجد إلا سد إلا بارك أبي بكر

وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: أما أنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي

وفي الترمذي وسنن أبي داود عن عمر رضي الله عنه قال امرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق منى مالا فقلت اليوم اسبق أبا بكر أن سبقته قال فجئت بنصف مالي فقال النبي ﷺ ما أبقيت لأهلك قلت مثله واتى أبو بكر بكل ما عنده فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله قلت لا أسابقه إلى شيء أبدا

وفي البخاري عن أبي الدرداء قال كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ اقبل أبو بكر أخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي الله عليه وسلم أما صاحبكم فقد غامر فسلم

وقال أنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ثم أن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر قالوا لا فأتى النبي ﷺ فسلم عليه فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه وقال: يا رسول الله والله أنا كنت اظلم مرتين فقال النبي ﷺ: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق وواسني بنفسه وماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي فهل أنتم تاركون لي صاحبي فما أوذي بعدها وفي لفظ آخر إني قلت أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت

وفي الترمذي مرفوعا: لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره

وتجهيز عثمان بألف بعير أعظم من صدقة علي بكثير كثير فإن الأنفاق في الجهاد كان فرضا بخلاف الصدقة إمام النجوى فإنه مشروط بمن يريد النجوى فمن لم يردها لم يكن عليه أن يتصدق

وقد أنزل الله في بعض الأنصار ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي لله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت والذي بعثك بالحق نبيا ما عندي إلا ماء ثم إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال من يضيفه هذه الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال أنا يا رسول الله وأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته هل عندك شيء فقالت لا قوت صبياننا فقال فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئ السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه قال فقعدوا فأكل الضيف فلما اصبح غدا على رسول الله ﷺ فقال: قد عجب الله صنعكما بضيفكما الليلة

وفي رواية فنزلت هذه الآية ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

وبالحملة فباب الإنفاق في سبيل الله وغيره لكثير من المهاجرين والأنصار فيه من الفضيلة ما ليس لعلي فإنه لم يكن له مال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

فصل

قال الرافضي البرهان التاسع عشر واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا قال ابن عبد البر وأخرجه أبو نعيم أيضا أن النبي الله عليه وسلم ليلة اسري به جمع الله بينه وبين الأنبياء ثم قال سلهم يا محمد علام بعثتم قالوا بعثنا على شهادة ا ن لا اله إلا الله وعلى الإقرار بنبوتك والولاية لعلي بن أبي طالب وهذا صريح بثبوت الإمامة لعلي والجواب من وجوه أحدها المطالبة في هذا وأمثاله بالصحة وقولنا في هذا الكذب القبيح وأمثاله المطالبة بالصحة ليس بشك منا في أن هذا وأمثاله من اسمج الكذب أقبحه لكن علي طريق التنزل في المناظرة وأن هذا لو لم يعلم أنه كذب ولم يجز أن يحتج به حتى يثبت صدقه فإن الاستدلال بما لا تعلم صحته لا يجوز بالاتفاق فإنه قول بلا علم وهو حرام بالكتاب بالسنة والإجماع

الوجه الثاني أن مثل هذا مما أتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع

الوجه الثالث أن هذا مما يعلم من له علم ودين أنه من الكذب الباطل الذي لا يصدق به من له عقل ودين وإنما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجراءة في الكذب فإن الرسل صلوات الله عليهم كيف يسألون عما لا يدخل في اصل الإيمان

وقد اجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي ﷺ وأطاعه ومات في حياته قبل أن يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعليا لم يضره ذلك شيئا ولم يمنعه ذلك من دخول الجنة فإذا كان هذا في أمة محمد ﷺ فكيف يقال أن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة

والله تعالى قد أخذ الميثاق عليهم لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه هكذا قال ابن عباس وغيره كما قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول إلى قوله تعالى أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين

فأما الإيمان بتفصيل ما بعث به محمد فلم يؤخذ عليهم فكيف يؤخذ عليهم موالاة واحد من الصحابة دون غيره من المؤمنين

الرابع أن لفظ الآية وسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ليس في هذا سؤال لهم بماذا بعثوا الخامس أن قول القائل أنهم بعثوا بهذه الثلاثة أن أراد أنهم لم يبعثوا إلا بها فهذا كذب على الرسل وأن أراد أنها أصول ما بعثوا به فهذا أيضا كذب فإن أصول الدين التي بعثوا بها من الإيمان بالله واليوم الآخر وأصول الشرائع أهم عندهم من ذكر الإيمان بواحد من أصحاب نبي غيرهم بل ومن الإقرار بنبوة محمد ﷺ فإن الإقرار بمحمد يجب عليهم مجملا كما يجب علينا نحن الإقرار بنبواتهم مجملا لكن من أدركه منهم وجب عليه الإيمان بشرعه على التفصيل كما يجب علينا وأما الإيمان بشرائع الأنبياء على التفصيل فهو واجب على أممهم فكيف يتركون ذكر ما هو واجب على أممهم ويذكرون ما ليس هو الأوجب الوجه السادس أن ليلة الإسراء كانت بمكة قبل الهجرة بمدة قيل أنها سنة ونصف وقيل أنها خمس سنين وقيل غير ذلك وكان على صغيرا ليلة المعراج لم يحصل له هجرة ولا جهاد ولا أمر يوجب أن يذكره به الأنبياء والأنبياء لم يكن يذكر على في كتبهم أصلا وهذه كتب الأنبياء الموجودة التي اخرج الناس ما فيها من ذكر النبي ﷺ ليس في شيء منها ذكر على بل ذكروا أن في التابوت الذي كان فيه عند المقوقس صور الأنبياء صورة أبي بكر وعمر مع صورة النبي ﷺ وأنه بها يقيم الله أمره وهؤلاء الذين أسلموا من أهل الكتاب لم يذكر أحد منهم أنه ذكر علي عندهم فكيف يجوز أن يقال أن كلا من الأنبياء بعثوا بالإقرار بولاية علي ولم يذكروا ذلك لأممهم ولا نقله أحد منهم

فصل

قال الرافضي البرهان العشرون قوله تعالى وتعيها أذن واعية في تفسير الثعلبي قال قال رسول الله ﷺ سالت الله عز وجل أن يجعلها أذنك يا علي ومن طريق أبي نعيم قال قال رسول الله ﷺ يا علي أن الله امرني أن أدنيك وأعلمك يا علي أن الله امرني أن أدنيك وأعلمك لتعي وأنزلت علي هذه الآية وتعيها أذن واعية فأنت أذن واعية وهذه الفضيلة لم تحصل لغيره فيكون هو الإمام

والجواب من وجوه أحدها بيان صحة الإسناد والثعلبي وأبو نعيم يرويان ما لا يحتج به بالإجماع

الثاني أن هذا موضوع باتفاق أهل العلم

الثالث أن قوله لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية لم يرد به أذن واحد من الناس فقط فإن هذا خطاب لبني آدم وحملهم في السفينة من أعظم الآيات قال تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وقال ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته أن في ذلك لآيات لكل صبار شكور فكيف يكون ذلك كله ليعي ذلك واحد من الناس

نعم أذن علي من الأذن الواعية كأذن أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم وحينئذ فلا اختصاص لعلي بذلك وهذا مما يعلم بالاضطرار أن الآذان الواعية ليست أذن علي وحدها أترى أذن رسول الله ﷺ ليست واعية ولا أذن الحسن والحسين وعمار وأبي ذر والمقداد وسلمان الفارسي وسهل بن حنيف وغيرهم ممن يوافقون على فضيلتهم وإيمانهم

وإذا كانت الأذن الواعية له ولغيره لم يجز أن يقال هذه الأفضلية لم تحصل لغيره

ولا ريب أن هذا الرافضي الجاهل الظالم يبني أمره على مقدمات باطلة فإنه لا يعلم في طوائف أهل البدع أوهى من حجج الرافضة بخلاف المعتزلة ونحوهم فإن لهم حججا وأدلة قد تشبه على كثير من أهل العلم والعقل أما الرافضة فليس لهم حجة قط تنفق إلا على جاهل أو ظالم صاحب هوى يقبل ما يوافق هواه سواء كان حقا أو باطلا

ولهذا يقال فيهم ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة

وقالت طائفة من العلماء لو علق حكما بأجهل الناس لتناول الرافضة مثل أن يحلف إني ابغض اجهل الناس ونحو ذلك وأما لو وصى لأجهل الناس فلا تصح الوصية لأنها لا تكون إلا قربة فإذا وصى لقوم يدخل فيهم الكافر جاز بخلاف ما لو جعل الكفر والجهل جهة وشرطا في الاستحقاق

ثم الرافضي يدعي في شيء أنه من فضائل علي وقد لا يكون كذلك ثم يدعي أن تلك الفضيلة ليست لغيره وقد تكون من الفضائل المشتركة فإن فضائل علي الثابتة عامتها مشتركة بينه وبين غيره بخلاف فضائل أبي بكر وعمر فإن عامتها خصائص لم يشاركا فيها ثم يدعي أن تلك الفضيلة توجب الإمامة ومعلوم أن الفضلية الجزئية في أمر من الأمور ليست مستلزمة للفضيلة المطلقة ولا للإمامة ولا مختصة بالإمام بل تثبت للإمام ولغيره وللفاضل المطلق ولغيره

فبنى هذا الرافضي أمره على هذه المقدمات الثلاث والثلاث باطلة ثم يردفها بالمقدمة الرابعة وتلك فيها نزاع لكن نحن لا ننازعه فيها بل نسلم أنه من كان أفضل كان أحق بالإمامة لكن الرافضي لا حجة معه على ذلك

فصل

قال الرافضي البرهان الحادي والعشرون سورة هل اتى في تفسير الثعلبي من طرق مختلفة قال مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما رسول الله ﷺ وعامة العرب فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك فنذر صوم ثلاثة أيام وكذا نذرت أمهما فاطمة وجاريتهم فضة فبرئا وليس عند آل محمد قليل ولا كثير فاستقرض علي ثلاثة آصع من شعير فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرصا وصلى علي مع النبي ﷺ المغرب ثم اتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فقال السلام عليكم أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه علي فأمر بإعطائه فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح

فلما كان اليوم الثاني قامت فاطمة فخبزت صاعا وصلى علي مع النبي ﷺ ثم اتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فاتاهم يتيم فوقف بالباب وقال السلام عليكم أهل بيت محمد ﷺ يتيم من أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه علي فأمر بإعطائه فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلا الماء القراح

فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة إلى الصاع الثالث فطحنته وخبزته وصلى علي مع النبي ﷺ ثم اتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ اتى أسير فقال أتأسروننا وتشردوننا ولا تطعموننا أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه علي فأمر بإعطائه فأعطوه الطعام، ومكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح

فلما كان اليوم الرابع وقد وفوا نذورهم أخذ علي الحسن بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى واقبل على رسول الله ﷺ وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع فلما بصرهما النبي ﷺ قال يا أبا الحسن ما اشد ما يسوؤني ما أرى بكم أنطلق بنا إلى منزل ابنتي فاطمة فانطلقوا أليها وهي في حجرتها قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها فلما رآها النبي ﷺ قال واغوثاه بالله أهل بيت محمد يموتون جوعا فهبط جبريل على محمد ﷺ فقال يا محمد خذ ما هنأك الله في أهل بيتك فقال ما أخذ يا جبريل فأقراه هل اتى على الإنسان حين

وهي تدل على فضائل جمة لم يسبقه إليها أحد ولا يلحقه أحد فيكون أفضل من غيره فيكون هو الإمام

والجواب من وجوه أحدها المطالبة بصحة النقل كما تقدم ومجرد رواية الثعلبي والواحدي وأمثالهما لا تدل على أنه صحيح باتفاق أهل السنة والشيعة ولو تنازع اثنان في مسالة من مسائل الأحكام والفضائل واحتج أحدهما بحديث لم يذكر ما يدل على صحته إلا رواية الواحد من هؤلاء له في تفسيره لم يكن ذلك دليلا على صحته ولا حجة على منازعه باتفاق العلماء

وهؤلاء من عادتهم يروون ما رواه غيرهم وكثير من ذلك لا يعرفون هل هو صحيح أم ضعيف ويروون من الأحاديث الإسرائيليات ما يعلم غيرهم أنه باطل في نفس الأمر لأن وصفهم النقل لما نقل أو حكاية أقوال الناس وأن كان كثير من هذا وهذا باطلا وربما تكلموا على صحة بعض المنقولات وضعفها ولكن لا يطردون هذا ولا يلتزمونه

الثاني أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث الذي هم أئمة هذا الشأن وحكامه وقول هؤلاء هو المنقول في هذا الباب ولهذا لم يرو هذا الحديث في شيء من الكتب التي يرجع أليها في النقل لا في الصحاح ولا في المساند ولا في الجوامع ولا السنن ولا رواه المصنفون في الفضائل وأن كانوا قد يتسامحون في رواية أحاديث ضعيفة كالنسائي فإنه صنف خصائص علي وذكر فيها عدة أحاديث ضعيفة ولم يرو هذا وأمثاله

وكذلك أبو نعيم في الخصائص وخيثمة بن سليمان والترمذي في جامعة روى أحاديث كثيرة في فضائل علي كثير منها ضعيف ولم يرو مثل هذا لظهور كذبه

وأصحاب السير كابن اسحق وغيره يذكرون من فضائله أشياء ضعيفة ولم يذكروا مثل هذا ولا رووا ما قلنا فيه أنه موضوع باتفاق أهل النقل من أئمة أهل التفسير الذين ينقلونها بالأسانيد المعروفة كتفسير ابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وأحمد وإسحاق وتفسير بقي بن مخلد وابن جرير الطبري ومحمد بن أسلم الطوسي وابن أبي حاتم وأبي بكر بن المنذر وغيرهم من العلماء الأكابر الذين لهم في الإسلام لسان صدق وتفاسيرهم متضمنة للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير

الوجه الثالث أن الدلائل على كذب هذا كثيرة منها أن عليا أنما تزوج فاطمة بالمدينة ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر كما ثبت ذلك في الصحيح والحسن والحسين ولدا بعد ذلك سنة ثلاث أو أربع والناس متفقون على أن عليا لم يتزوج فاطمة إلا بالمدينة لم يولد له ولد إلا بالمدينة وهذا من العم العام المتواتر الذي يعرفه كل من عنده طرف من العلم بمثل هذه الأمور

وسورة هل اتى مكية باتفاق أهل التفسير والنقل لم يقل أحد منهم أنها مدنية وهي على طريقة السور المكية في تقرير أصول الدين المشتركة بين الأنبياء كالإيمان بالله واليوم الآخر وذكر الخلق والبعث ولهذا قيل أنه كان النبي ﷺ يقرؤها مع ألم تنزيل في فجر يوم الجمعة لأن فيه خلق آدم وفيه دخل الجنة وفيه تقوم الساعة

وهاتان السورتان متضمنتان لابتداء خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان إلى أن يدخل فريق الجنة وفريق النار وإذا كانت السورة نزلت بمكة قبل أن يتزوج علي بفاطمة تبين أن نقل أنها نزلت بعد مرض الحسن والحسين من الكذب والبين

الوجه الرابع أن سياق هذا الحديث وألفاظه من وضع جهال الكذابين فمنه قوله فعادهما جدهما وعامة العرب فإن عامة العرب لم يكونوا بالمدينة والعرب الكفار ما كانوا يأتونهما يعودونهما

ومنه قوله فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك وعلي لا يأخذ الدين من أولئك العرب بل يأخذه من النبي ﷺ فإن كان هذا أمرا بطاعة فرسول الله ﷺ أحق أن يأمره به من أولئك العرب وأن لم يكن طاعة لم يكن علي يفعل ما يأمرون به ثم كيف يقبل منهم ذلك من غير مراجعة إلى النبي ﷺ في ذلك

الوجه الخامس أن في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال أنه لا يأتي بخير وأنما يستخرج به من البخيل

وفي طريق آخر أن النذر يرد ابن آدم إلى القدر فيعطى على النذر ما لا يعطى غيره

وإذا كان رسول الله ﷺ ينهى عن النذر ويقول أنه لا يأتي بخير وإنما يرد ابن آدم إلى القدر

فإن كان علي وفاطمة وسائر أهلهما لم يعلموا مثل هذا وعلمه عموم الأمة فهذا قدح في علمهم فأين المدعي للعصمة

وإن كانوا علموا بذلك وفعلوا ما لا طاعة فيه لله ولرسوله ولا فائدة لهما فيه بل قد نهيا عنه إما نهي تحريم وأما نهي تنزيل كان هذا قدحا أما في دينهم وأما في عقلهم وعلمهم

فهذا الذي يروي مثل هذا في فضائلهم جاهل يقدح فيهم من حيث يمدحهم ويخفضهم من حيث يرفعهم ويذمهم من حيث يحمدهم

ولهذا قال بعض أهل البيت للرافضة ما معناه أن محبتكم لنا صارت معرة علينا وفي المثل السائر عدو عاقل خير من صديق جاهل والله تعالى أنما مدح على الوفاء بالنذر لا على نفس عقد النذر والرجل ينهى عن الظهار وأن ظاهر وجبت عليه كفارة للظهار وإذا عاود مدح على فعل الواجب وهو التكفير لا على نفس الظهار المحرم وكذلك إذا طلق امرأته ففارقها بالمعروف مدح على فعل ما أوجبه الطلاق لا نفس الطلاق المكروه وكذلك من باع أو اشترى فأعطى ما عليه مدح على فعل ما أوجبه العقد لا على نفس العقد الموجب ونظائر هذا كثيرة

الوجه السادس أن عليا وفاطمة لم يكن لهما جارية اسمها فضة بل ولا لأحد من أقارب النبي ﷺ ولا نعرف أنه كان بالمدينة جارية اسمها فضة ولا ذكر ذلك أحد من أهل العلم الذين ذكروا أحوالهم دقها وجلها ولكن فضة هذه بمنزلة ابن عقب الذي يقال أنه كان معلم الحسن والحسين وأنه أعطى تفاحة كان فيها علم الحوادث المستقبلة ونحو ذلك من الأكاذيب التي تروج على الجهال وقد اجمع أهل العلم على أنهما لم يكن لهما معلم ولم يكن في الصحابة أحد يقال له أب عقب

وهذه الملاحم المنظومة المنسوبة إلى ابن عقب هي من نظم بعض متأخري الجهال الرافضة الذين كانوا زمن نور الدين وصلاح الدين لما كان كثير من الشام بأيدي النصارى ومصر بأيدي القرامطة الملاحدة بقايا بني عبيد فذكر من الملاحم ما يناسب تلك الأمور بنظم جاهل عامي

وهكذا هذه الجارية فضة وقد ثبت في الصحيحين عن علي أن فاطمة سالت النبي ﷺ خادما فعلمها أن تسبح عند المنام ثلاثا وثلاثين وتكبر ثلاثا وثلاثين وتحمد أربعا وثلاثين وقال هذا خير لك من خادم قال علي فما تركتهن منذ سمعتهن من النبي ﷺ قيل له ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين وهذا خبر صحيح باتفاق أهل العلم وهو يقتضي أنه لم يعطها خادما فإن كان بعد ذلك حصل خادم فهو ممكن لكن لم يكن اسم خادمها فضة بلا ريب

الوجه السابع أنه قد ثبت في الصحيح عن بعض الأنصار أنه آثر ضيفه بعشائهم ونوم الصبية وبات هو وامرأته طاويين فأنزل الله سبحانه وتعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

وهذا المدح أعظم من المدح بقوله ويطعمون الطعام على حبه مسكينا فإن هذا كقوله وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه سئل أي الصدقة أفضل قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخاف الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان

وقال تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فالتصدق بما يحبه الإنسان جنس تحته أنواع كثيرة وأما الإيثار مع الخصاصة فهو اكمل من مجرد التصدق مع المحبة فإنه ليس كل متصدق محبا مؤثرا ولا كل متصدق يكون به خصاصة بل قد يتصدق بما يحب مع اكتفائه ببعضه مع محبة لا تبلغ به الخصاصة

فإذا كان الله مدح الأنصار بإيثار الضيف ليلة بهذا المدح والإيثار المذكور في قصة أهل البيت هو أعظم من ذلك فكان ينبغي أن يكون المدح عليه اكثر أن كان هذا مما يمدح عليه وأن كان مما لا يمدح عليه فلا يدخل في المناقب

الثامن أن في هذه القصة ما لا ينبغي نسبته إلى علي وفاطمة رضي الله عنهما فإنه خلاف المأمور به المشروع وهو إبقاء الأطفال ثلاثة أيام جياعا ووصالهم ثلاثة أيام ومثل هذا الجوع قد يفسد العقل والبدن والدين

وليس هذا مثل قصة الأنصاري فإن ذلك بيتهم ليلة واحدة بلا عشاء وهذا قد يحتمله الصبيان بخلاف ثلاثة أيام بلياليها

التاسع أن في هذه القصة أن اليتيم قال استشهد والدي يوم العقبة وهذا من الكذب الظاهر فإن ليلة العقبة لم يكن فيها قتال ولكن النبي ﷺ بايع الأنصار ليلة العقبة قبل الهجرة وقبل أن يؤمر بالقتال

وهذا يدل على أن الحديث مع أنه كذب فهو من كذب اجهل الناس بأحوال النبي ﷺ ولو قال استشهد والدي يوم أحد لكان اقرب

العاشر أن يقال أن النبي ﷺ كان يكفي أولاد من قتل معه ولهذا قال لفاطمة لما سألته خادما: لا ادع يتامى بدر وأعطيك.

فقول القائل أنه كان من يتامى المجاهدين الشهداء من لا يكفيه النبي ﷺ كذب عليه وقدح فيه

الحادي عشر أنه لم يكن في المدينة قط أسير يسال الناس بل كان المسلمون يقومون بالأسير الذي يستاسرونه فدعوى المدعي أن أسراهم كانوا محتاجين إلى مسالة الناس كذب عليهم وقدح فيهم والإسراء الكثيرون أنما كانوا يوم بدر قبل أن يتزوج علي بفاطمة رضي الله عنها وبعد ذلك فالأسرى في غاية القلة

الثاني عشر أنه لو كانت هذه القصة صحيحة وهي من الفضائل لم تستلزم أن يكون صاحبها أفضل الناس ولا أن يكون هو الإمام دون غيره فقد كان جعفر اكثر إطعاما للمساكين من غيره حتى قال له النبي ﷺ: أشبهت خلقي وخلقي

وكان أبو هريرة يقول ما احتذى النعال بعد النبي ﷺ أحد أفضل من جعفر يعني في الأحسان إلى المساكين إلى غير ذلك من الفضائل فلم يكن بذلك أفضل من علي ولا غيره فضلا عن أن يكون مستحقا للإمامة

الثالث عشر أنه من المعلوم أن أنفاق الصديق أمواله أعظم وأحب إلى الله ورسوله فإن إطعام الجائع من جنس الصدقة المطلقة التي يمكن كل واحد فعلها إلى يوم القيامة بل وكل أمة يطعمون جياعهم من المسلمين وغيرهم وأن كانوا لا يتقربون إلى الله بذلك بخلاف المؤمنين فإنهم يفعلون ذلك لوجه الله بهذا تميزوا كما قال تعالى عنهم أنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا

وأما إنفاق الصديق ونحوه فإنه كان في أول الإسلام لتخليص من آمن والكفار يؤذونه أو يريدون قتله مثل اشترائه بماله سبعة كانوا يعذبون في الله منهم بلال حتى قال عمر أبو بكر سيدنا واعتق سيدنا يعني بلالا وأنفاقه على المحتاجين من أهل الإيمان وفي نصر الإسلام حيث كان أهل الأرض قاطبة أعداء الإسلام وتلك النفقة ما بقي يمكن مثلها ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ أحدهم ولا نصيفه

وهذا في النفقة التي اختصوا بها وأما جنس إطعام الجائع مطلقا فهذا مشترك يمكن فعله إلي يوم القيامة

فصل

قال الرافضي البرهان الثاني والعشرون قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون من طريق أبي نعيم عن مجاهد في قوله والذي جاء بالصدق محمد ﷺ وآله وصدق به قال علي بن أبي طالب ومن طريق الفقيه الشافعي عن مجاهد والذي جاء بالصدق وصدق به قال جاء به محمد ﷺ وصدق به علي وهذه فضيلة اختص بها فيكون هو الإمام

والجواب من وجوه أحدها أن هذا ليس منقولا عن النبي ﷺ وقول مجاهد وحده ليس بحجة يجب اتباعها على كل مسلم لو كان هذا النقل صحيحا عنه فكيف إذا لم يكن ثابتا عنه فإنه قد عرف بكثرة الكذب

والثابت عن مجاهد خلاف هذا وهو أن الصدق هو القرآن والذي صدق به هو المؤمن الذي عمل به فجعلها عامة رواه الطبري وغيره عن مجاهد قال هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة

فيقولون هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه ورواه أبو سعيد الأشج قال حدثنا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد فذكره وحدثنا المحاربي عن جويبر عن الضحاك وصدق به قال المؤمنون جميعا

قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو صالح حدثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وصدق به قال رسول الله ﷺ

الوجه الثاني أن هذا معارض بما هو اشهر منه عند أهل التفسير وهو أن الذي جاء بالصدق محمد والذي صدق به أبو بكر فإن هذا يقوله طائفة وذكره الطبري بإسناده إلى علي قال جاء به محمد وصدق به أبو بكر وفي هذا حكاية ذكرها بعضهم عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر غلام أبي بكر الخلال أن سائلا سأله عن هذه الآية فقال له هو أو بعض الحاضرين نزلت في أبي بكر فقال السائل بل في علي فقال أبو بكر ابن جعفر اقرأ ما بعدها أولئك هم المتقون إلى قوله ليكفر الله عنهم اسوأ الذي عملوا الآية فبهت السائل

الثالث أن يقال لفظ الآية عام مطلق لا يختص بابي بكر ولا بعلي بل كل من دخل في عمومها دخل في حكمها ولا ريب أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا أحق هذه الأمة بالدخول فيها لكنها لا تختص بهم وقد قال تعالى فمن اظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذا جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون الآية فقد ذم الله سبحانه وتعالى الكاذب على الله والمكذب بالصدق وهذا ذم عام

والرافضة أعظم أهل البدع دخولا في هذا الوصف المذموم فإنهم أعظم الطوائف افتراء للكذب على الله وأعظمهم تكذيبا بالصدق لما جاءهم وأبعد الطوائف عن المجيء بالصدق والتصديق به

وأهل السنة المحضة أولى الطوائف بهذا فإنهم يصدقون ويصدقون بالحق في كل ما جاء به وليس لهم هوى إلا مع الحق

والله تعالى مدح الصادق فيما يجئ به والمصدق بهذا الحق فهذا مدح للنبي ﷺ ولكل من آمن به وبما جاء به وهو سبحانه لم يقل والذي جاء بالصدق والذي صدق به فلم يجعلهما صنفين بل جعلهما صنفا واحدا لأن المراد مدح النوع الذي يجئ بالصدق ويصدق بالصدق فهو ممدوح على اجتماع الوصفين على أن لا يكون من شأنه إلا أن يجيء بالصدق ومن شأنه أن يصدق بالصدق

وقوله جاء بالصدق اسم جنس لكل صدق وأن كان القرآن أحق بالدخول في ذلك من غيره ولذلك صدق به أي بجنس الصدق وقد يكون الصدق الذي صدق به ليس هو عين الصدق الذي جاء به كما تقول فلان يسمع الحق ويقول الحق ويقبله ويأمر بالعدل ويعمل به أي هو موصوف بقول الحق لغيره وقبول الحق من غيره وأنه يجمع بين الأمر بالعدل والعمل به وإن كان كثير من العدل الذي يأمر به ليس هو عين العدل الذي يعمل به

فلما ذم الله سبحانه من اتصف بأحد الوصفين الكذب على الله والتكذيب بالحق إذ كل منهما يستحق به الذم مدح ضدهما الخالي عنهما بأن يكون يجيء بالصدق لا بالكذب وأن يكون مع ذلك مصدقا بالحق لا يكون ممن يقوله هو وإذا قاله غيره لم يصدقه فإن من الناس من يصدق ولا يكذب لكن يكره أن غيره يقوم مقامه في ذلك حسدا ومنافسة فيكذب غيره في غيره أو لا يصدقه بل يعرض عنه وفيهم من يصدق طائفة فيما قالت قبل أن يعلم ما قالوه اصدق هو أم كذب والطائفة الأخرى لا يصدقها فيما تقول وأن كان صادقا بل إما أن يصدقها وإما أن يعرض عنها

وهذا موجود في عامة أهل الأهواء تجد كثيرا منهم صادقا فيما ينقله لكن ما ينقله عن طائفته يعرض عنه فلا يدخل هذا في المدح بل في الذم لأنه لم يصدق بالحق الذي جاءه

والله قد ذم الكاذب والمكذب بالحق لقوله في غير آية ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه وقال ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته

ولهذا لما كان مما وصف الله به الأنبياء الذين هم أحق الناس بهذه الصفة أن كلا منهم يجيء بالصدق فلا يكذب فكل منهم صادق في نفسه مصدق لغيره

ولما كان قوله والذي صنفا من الأصناف لا يقصد به واحد بعينه أعاد الضمير بصيغة الجمع فقال والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون

وأنت تجد كثيرا من المنتسبين إلى علم ودين لا يكذبون فيما يقولونه بل لا يقولون إلا الصدق لكن لا يقبلون ما يخبر به غيرهم من الصدق بل يحملهم الهوى والجهل على تكذيب غيرهم وإن كان صادقا أما تكذيب نظيره وإما تكذيب من ليس من طائفته

ونفس تكذيب الصادق هو من الكذب ولهذا قرنه بالكاذب على الله فقال فمن اظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه فكلاهما كاذب هذا كاذب فيما يخبر به عن الله وهذا كاذب فيما يخبر به عن المخبر عن الله

والنصارى يكثر فيهم المفترون للكذب على الله واليهود يكثر فيهم المكذبون بالحق وهو سبحانه ذكر المكذب بالصدق نوعا ثانيا لأنه أولا لم يذكر جميع أنواع الكذب بل ذكر من كذب على الله وأنت إذا تدبرت هذا وعلمت أن كل واحد من الكذب على الله والتكذيب بالصدق مذموم وأن المدح لا يستحقه إلا من كان آتيا بالصدق مصدقا للصدق علمت أن هذا مما هدى الله به عباده إلى صراطه المستقيم

إذا تأملت هذا تبين لك أن كثيرا من الشر أو أكثره يقع من أحد هذين فتجد إحدى الطائفتين أو الرجلين من الناس لا يكذب فيما يخبر به من العلم لكن لا يقبل ما تأتي به الطائفة الأخرى فربما جمع بين الكذب على الله والتكذيب بالصدق

وهذا وإن كان يوجد في عامة الطوائف شيء منه فليس في الطوائف ادخل في ذلك من الرافضة فإنما أعظم الطوائف كذبا على الله وعلى رسوله وعلى الصحابة وعلى ذوي القربى وكذلك هم من أعظم الطوائف تكذيبا بالصدق فيكذبون بالصدق الثابت المعلوم من المنقول الصحيح والمعقول الصريح

فهذه الآية ولله الحمد ما فيها من مدح فهو يشتمل على الصحابة الذين افترت عليهم الرافضة وظلمتهم فإنهم جاءوا بالصدق وصدقوا به وهم من أعظم أهل الأرض دخولا في ذلك وعلي منهم وما فيها من ذم فالرافضة ادخل الناس فيه فهي حجة عليهم من الطرفين وليس فيها حجة على اختصاص علي دون الخلفاء الثلاثة بشيء فهي حجة عليهم من كل وجه ولا حجة لهم فيها بحال

فصل

قال الرافضي البرهان الثالث والعشرون قوله تعالى هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة قال مكتوب على العرش لا اله إلا الله وحده لا شريك له محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي بن أبي طالب وذلك قوله في كتابه هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين يعني بعلي وهذه من أعظم الفضائل التي لم تحصل لغيره من الصحابة فيكون هو الإمام

والجواب من وجوه أحدها المطالبة بصحة النقل وأما مجرد العزو إلى رواية أبي نعيم فليس حجة بالاتفاق وأبو نعيم له كتاب مشهور في فضائل الصحابة وقد ذكر قطعة من الفضائل في أول الحلية فإن كانوا يحتجون بما رواه فقد روى في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ما ينقض بنيانهم ويهدم أركانهم وإن كانوا لا يحتجون بما رواه فلا يعتمدون على نقله ونحن نرجع فيما رواه هو وغيره إلى أهل العلم بهذا الفن والطرق التي بها يعلم صدق الحديث وكذبه من النظر في إسناده ورجاله وهل هم ثقات سمع بعضهم من بعض أم لا وننظر إلى شواهد الحديث وما يدل عليه على أحد الأمرين لا فرق عندنا بين ما يروى في فضائل علي أو فضائل غيره فما ثبت أنه صدق صدقناه وما كان كذبا كذبناه

فنحن نجيء بالصدق ونصدق به ولا نكذب صادقا وهذا معروف عند أئمة السنة وأما من افترى على الله كذبا أو كذب بالحق فعلينا أن نكذبه في كذبه وتكذيبه للحق كأتباع مسيلمة الكذاب والمكذبين بالحق الذي جاء به الرسول واتبعه عليه المؤمنون به صديقه الأكبر وسائر المؤمنين

ولهذا نقول في الوجه الثاني إن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث وهذا الحديث وأمثاله مما جزمنا أنه كذب موضوع نشهد أنه كذب موضوع فنحن والله الذي لا اله إلا هو نعلم علما ضروريا في قلوبنا لا سبيل لنا إلى دفعه أن هذا الحديث كذب ما حدث به أبو هريرة وهكذا نظائره مما نقول فيه مثل ذلك

وكل من كان عارفا بعلم الحديث وبدين الإسلام يعرف وكل من لم يكن له بذلك علم لا يدخل معنا كما أن أهل الخبرة بالصرف يحلفون على ما يعلمون يعلمون أنه مغشوش وإن كان من لا خبرة له لا يميز بين المغشوش والصحيح

الثالث أن الله تعالى قال هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما الفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم وهذا نص في أن المؤمنين عدد مؤلف بين قلوبهم وعلي واحد منهم ليس له قلوب يؤلف بينها، والمؤمنون صيغة جمع فهذا نص صريح لا يحتمل أنه أراد به واحدا معينا وكيف يجوز أن يقال المراد بهذا علي وحده

الوجه الرابع أن يقال من المعلوم بالضرورة والتواتر أن النبي ﷺ ما كان قيام دينه بمجرد موافقة علي فإن عليا كان من أول من أسلم فكان الإسلام ضعيفا فلولا أن الله هدى من هداه إلى الأيمان والهجرة والنصرة لم يحصل بعلي وحده شيء من التأييد ولم يكن إيمان الناس وهجرتهم ولا نصرتهم على يد علي ولم يكن علي منتصبا لا بمكة ولا بالمدينة للدعوة إلى الإيمان كما كان أبو بكر منتصبا لذلك ولم ينقل أنه أسلم على يد علي أحد من السابقين الأولين لا من المهاجرين ولا من الأنصار بل لا نعرف أنه على يد علي أحد من الصحابة لكن لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قد يكون قد أسلم على يديه من أسلم إن كان وقع ذلك وليس أولئك من الصحابة وإنما أسلم أكابر الصحابة على يد أبي بكر ولا كان يدعو المشركين ويناظرهم كما كان أبو بكر يدعوهم ويناظرهم ولا كان المشركون يخافونه كما يخافون أبا بكر وعمر

بل قد ثبت في الصحاح والمساند والمغازي واتفق عليه الناس أنه لما كان يوم أحد وانهزم المسلمون صعد أبو سفيان على الجبل وقال أفي القوم محمد أفي القوم محمد فقال النبي ﷺ: لا تجيبوه. فقال أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن أبي قحافة فقال النبي ﷺ لا تجيبوه. فقال أفي القوم ابن الخطاب فقال النبي ﷺ لا تجيبوه فقال لأصحابه أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه أن قال كذبت يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء وقد بقي لك ما يسوؤك فقال يوم بيوم بدر فقال عمر لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ثم أخذ أبو سفيان يرتجز ويقول اعل هبل اعل هبل فقال النبي ﷺ ألا تجيبوه فقالوا وما نقول قال: قولوا الله أعلى وأجل فقال إن لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبي ﷺ ألا تجيبوه فقالوا وما نقول قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم فقال: ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني

فهذا جيش المشركين إذ ذاك لا يسال إلا على النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلو كان القوم خائفين من علي أو عثمان أو طلحة أو الزبير أو نحوهم أو كان للرسول تأييد بهؤلاء كتأييده بابي بكر وعمر لكان يسال عنهم كما يسال عن هؤلاء فإن المقتضى للسؤال قائم والمانع منتف ومع وجود القدرة والداعي وانتفاء الصارف يجب معه وجود الفعل

الوجه الخامس أنه لم يكن لعلي في الإسلام اثر حسن إلا ولغيره من الصحابة مثله ولبعضهم آثار أعظم من آثاره وهذا معلوم لمن عرف السيرة الصحيحة الثابتة بالنقل وأما من يأخذ بنقل الكذابين وأحاديث الطرقية فباب الكذب مفتوح وهذا الكذب يتعلق بالكذب على الله ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ومجموع المغازي التي كان فيها القتال مع النبي ﷺ تسع مغاز والمغازي كلها بضع وعشرون غزاة وأما السرايا فقد قيل إنها تبلغ سبعين

ومجموع من قتل من الكفار في غزوات الرسول ﷺ يبلغون ألفا أو اكثر أو اقل ولم يقتل علي منهم عشرهم ولا نصف عشرهم وأكثر السرايا لم يكن يخرج فيها وأما بعد النبي ﷺ فلم يشهد شيئا من الفتوحات لا هو ولا عثمان ولا طلحة ولا الزبير إلا أن يخرجوا مع عمر حين خرج إلى الشام وأما الزبير فقد شهد فتح مصر وسعد شهد فتح القادسية وأبو عبيدة فتح الشام

فكيف يكون تأييد الرسول بواحد من أصحابه دون سائرهم والحال هذه وأين تأييده بالمؤمنين كلهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين بايعوه تحت الشجرة والتابعين لهم بإحسان

وقد كان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وثلاث عشر ويوم أحد نحو سبعمائة ويوم الخندق اكثر من ألف أو قريبا من ذلك ويوم بيعة الرضوان ألفا وأربع مائة وهم الذين شهدوا فتح خيبر ويوم فتح مكة كانوا عشرة آلاف ويوم حنين كانوا اثني عشر ألفا تلك العشرة والطلقاء ألفان وأما تبوك فلا يحصى من شهدها بل كانوا اكثر من ثلاثين ألفا وأما حجة الوداع فلا يحصى من شهدها معه وكان قد أسلم على عهده أضعاف من رآه وكان من أصحابه وأيده الله بهم في حياته باليمن وغيرها وكل هؤلاء من المؤمنين الذين أيده الله بهم بل كل من آمن وجاهد إلى يوم القيامة دخل في هذا المعنى

منهاج السنة النبوية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57