منهاج السنة النبوية/11

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منهاج السنة النبوية
المؤلف: ابن تيمية



فصل

والمقصود هنا أن يقال لهذا الإمامي وأمثاله ناظروا إخوانكم هؤلاء الرافضة في التوحيد وأقيموا الحجة على صحة قولكم ثم ادعوا إلى ذلك ودعوا أهل السنة والتعرض لهم فإن هؤلاء يقولون إن قولهم في التوحيد هو الحق وهم كانوا في عصر جعفر الصادق وأمثاله فهم يدعون أنهم أعلم منكم بأقوال الأئمة لا سيما وقد استفاض عن جعفر الصادق أنه سئل عن القرآن أخالق هو أم مخلوق فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله وهذا مما اقتدى به الإمام أحمد في المحنة فإن جعفر بن محمد من أئمة الدين باتفاق أهل السنة وهذا قول السلف قاطبة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ولكنهم لم يقولوا ما قاله ابن كلاب ومن اتبعه من أنه قديم لازم لذات الله وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل هذا قول محدث أحدثه ابن كلاب واتبعه عليه طوائف

وأما السلف فقولهم إنه لم يزل متكلما وإنه يتكلم بمشيئته وقدرته

وكذلك قالوا بلزوم الفاعلية ونقلوا عن جعفر الصادق بن محمد أنه قال بدوام الفاعلية المتعدية وأنه لم يزل محسنا بما لم يزل فيما لم يزل إلى ما لم يزل كما نقل ذلك الثعلبي عنه بإسناده في تفسير قوله أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا سورة المؤمنون 115 مع قول جعفر وسائر المسلمين وأهل الملل وجماهير العقلاء من غير أهل الملل أن الله تعالى خالق كل شيء وأن ما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن ليس مع الله شيء من العالم قديم بقدم الله

وأما هشام بن الحكم وهشام بن سالم وغيرهما من شيوخ الإمامية فكانوا يقولون إن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله كما قاله جعفر بن محمد وسائر أئمة السنة ولكن لا أعرف هل يقولون بدوام كونه متكلما بمشيئته كما يقوله أئمة أهل السنة أم يقولون تكلم بعد أن لم يكن متكلما كما تقوله الكرامية وغيرهم

قال الأشعري

واختلفت الروافض في القرآن وهم فرقتان فالفرقة الأولى منهم هشام بن الحكم وأصحابه يزعمون أن القرآن لا خالق ولا مخلوق وزاد بعض من يخبر عن المقالات في الحكاية عن هشام فزعم أنه كان يقول لا خالق ولا مخلوق ولا يقال أيضا غير مخلوق لأنه صفة والصفة لا توصف

قال

وحكى زرقان عن هشام بن الحكم أنه قال القرآن على ضربين إن كنت تريد المسموع فقد خلق الله الصوت المقطع وهو رسم القرآن فأما القرآن فهو فعل الله مثل العلم والحركة لا هو هو ولا غيره

والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه مخلوق محدث لم يكن ثم كان كما تزعم المعتزلة والخوارج

قال

وهؤلاء قوم من المتأخرين منهم

قلت

ومعلوم أن قول جعفر بن محمد الصادق وهؤلاء الذين قالوا من السلف ليس بمخلوق لم يريدوا أنه ليس بمكذوب بل أرادوا أنه لم يخلقه كما قالت المعتزلة وهذا قول متأخري الرافضة

فإن طائفة من متأخري الإمامية كأبي القاسم الموسوي المعروف بالمرتضى وغيره لما وافقوا المعتزلة على أنه محدث منفصل عن الله وأنه لم يكن يمكنه أن يتكلم ثم صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما وليس له كلام يقوم به بل كلامه من جملة مصنوعاته المنفصلة عنه ثم سمعوا عن السلف من أهل البيت مثل جعفر بن محمد وغيره أنهم قالوا إنه غير مخلوق قالوا لا نقول إنه مخلوق متابعة لهؤلاء بل نقول إنه محدث مجعول موافقة لما ظنوه من لفظ القرآن في قوله إنا جعلناه قرآنا عربيا سورة الزخرف 3 وقوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث سورة الأنبياء وكثير من الناس غير الشيعة يقولون غير مخلوق ويقصدون في هذا المعنى أنه غير مكذوب مفترى فإنه يقال خلق هذا الحديث واختلقه إذا افتراه قال تعالى عن إبراهيم إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا سورة العنكبوت 17 وقال عن قوم هود قالوا إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين سورة الشعراء 137

فيقال لهؤلاء

كل من تدبر الآثار المنقولة عن السلف وما وقع من النزاع بين الأمة في أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق علم أنه لم يكن نزاعهم في أنه مفترى أو غير مفترى فإن من يقر بأن محمدا رسول الله لا يقول إن القرآن مفترى بل إنما يقول إنه مفترى من قال إن محمدا كاذب افترى القرآن كما قال تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله سورة يونس 38 وقال أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات سورة هود 13 وقال تعالى وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا سورة الفرقان 4 وقال أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى أجرامي وأنا برئ مما تجرمون سورة هود 3والذين تنازعوا في القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق كانوا مقرين بأن محمدا رسول الله وأنه مبلغ للقرآن عن الله تعالى لم يفتره هو ولكن الجهمية والمعتزلة لما كان أصلهم أن الرب لا تقوم به الصفات والأفعال والكلام لزمهم أن يقولوا كلامه بائن عنه مخلوق من مخلوقاته وكان أول من ظهر عنه هذا الجعد بن درهم ثم الجهم ابن صفوان ثم صار هذا في المعتزلة

ولما ظهر هذا سألوا أئمة الإسلام مثل جعفر الصادق وأمثاله فقالوا لجعفر الصادق القرآن خالق أم مخلوق فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله ومعلوم أن قوله ليس بخالق ولا مخلوق لم يرد به أنه ليس بكاذب ولا مكذوب لكن أراد أنه ليس هو الخالق للمخلوقات ولا هو من المخلوقات ولكنه كلام الخالق

وكذلك ما نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قيل له حكمت مخلوقا قال لم أحكم مخلوقا وإنما حكمت القرآن

وما رواه ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية قال كتب إلى حرب الكرماني ثنا محمد بن المصفى ثنا عبدالله بن محمد عن عمرو بن جميع عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال لما حكم علي الحكمين قالت الخوارج حكمت رجلين قال ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن

حدثنا الأشج ثنا يحيى بن يمان ثنا حسن بن صالح عن عبدالله ابن الحسن قال قال علي للحكمين احكما بالقرآن كله فإنه كله لي

وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا الصهيبي ابن عم علي بن عاصم وعلي بن صالح عن عمران بن حدير عن عكرمة قال كان ابن عباس في جنازة فسمع رجلا يقول يا رب القرآن ارحمه فقال ابن عباس مه القرآن منه القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود

حدثنا محمد بن عمار بن الحارث ثنا أبو مروان الطبري بمكة يعنى الحكم بن محمد ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمعت مشيختنا منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق وفي رواية منه بدأ وإليه يعود وهذا رواه غير واحد عن سفيان بن عيينة عن عمرو ورواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد

وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا العباس بن عبدالعظيم ثنا رويم بن يزيد المقري ثنا عبد الله بن عباس عن يونس بن بكير عن جعفر بن محمد عن أبيه قال سئل على بن الحسين عن القرآن فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الخالق ورواه أو زرعة عن يحيى بن منصور عن رويم فذكره

وحدثنا جعفر بن محمد بن هارون ثنا عبدالرحمن بن مصعب ثنا موسى بن داود الكوفى عن رجل عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه سأله إن قوما يقولون القرآن مخلوق فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله حدثنا موسى بن سهل الرملي ثنا موسى بن داود ثنا معبد أبو عبدالرحمن عن معاوية بن عمار الذهبي قال قلت لجعفر بن محمد إنهم يسألوني عن القرآن مخلوق أو خالق فقال إنه ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله

وحدثنا أبو زرعة ثنا سويد بن سعيد عن معاوية فذكره

وحدثنا أبي قال حدثنا الحسن بن الصباح ثنا معبد بمثله

حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي قال قال أبي وحدثت عن موسى بن داود بهذا الحديث عن معبد قال رأيت معبدا هذا ولم يكن به بأس وأثنى عليه ثم قال كان يفتى برأي ابن أبي ليلى

حدثنا عبدالله مولى المهلب بن أبي صفرة ثنا علي بن أحمد بن علي ابن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن أخيه موسى بن جعفر قال سئل أبي جعفر بن محمد عن القرآن خالق أو مخلوق قال لو كان خالقا لعبد ولو كان مخلوقا لنفد

ومثل هذه الآثار كثيرة عن الصحابة والتابعين والأئمة من أهل البيت وغيرهم فعلي رضي الله عنه لم يرد بقوله ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرآن أي ما حكمت كلاما مفترى فإن الخوارج إنما قالوا له حكمت مخلوقا من الناس وهما أبو موسى وعمرو بن العاص فقال لم أحكم مخلوقا وإنما حكمت القرآن وهو كلام الله

فالحكم لله وهو سبحانه يصف كلامه بأنه يحكم ويقص ويفتى كقوله ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء سورة النساء 127 أي وما يتلى عليكم يفتيكم فيهن

وقوله وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه سورة البقرة 213

وإذا أضيف الحكم والقصص والإفتاء إلى القرآن الذي هو كلام الله فالله هو الذي حكم به وأفتى به وقص به كما أضاف ذلك إلى نفسه في غير موضع فهذا هو مراد علي بن أبي طالب وجعفر بن محمد وغيرهما من أهل البيت رضوان الله عليهم وسائر سلف الأمة بلا ريب فتبين أن هؤلاء الرافضة مخالفون لأئمة أهل البيت وسائر السلف في مسألة القرآن كما خالفوهم في غيرها

وأما قولهم إنه مجعول فالله لم يصفه بأنه مجعول معدى إلى مفعول واحد بل قال إنا جعلناه قرآنا عربيا سورة الزخرف 3 فإذا قالوا هو مجعول قرآنا عربيا فهذا حق وأما قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث سورة الأنبياء 2 فهذه الآية تدل على أن الذكر نوعان محدث وغير محدث كما تقول ما جاءني من رجل عدل إلا قبلت شهادته وصفة النكرة للتخصيص وعندهم كل ذلك محدث والمحدث في القرآن ليس هو المحدث في كلامهم فلم يوافقوا القرآن

ثم إذا قيل هو محدث لم يلزم من ذلك أن يكون مخلوقا بائنا عن الله بل إذا تكلم الله به بمشيئته وقدرته وهو قائم به جاز أن يقال هو محدث وهو مع ذلك كلامه القائم بذاته وليس بمخلوق

وهذا قول كثير من أئمة السنة والحديث وقد احتج البخاري وغيره على ذلك بقول النبي ﷺ إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة ومعلوم أن الذي أحدثه هو أمره أن لا يتكلموا في الصلاة لا عدم تكلمهم في الصلاة فإن ذلك يكون بإختيارهم ومنهم من تكلم بعد النهى لكن نهوا عن ذلك ولهذا قال يحدث من أمره ما يشاء

والمقصود هنا أنه يقال لهذا الإمامي إخوانك هؤلاء يقولون إن قولهم هو الحق دون قولك وأنت لم تحتج لقولك إلا بمجرد قولك إنه ليس بجسم وهؤلاء إخوانك يقولون إنه جسم فناظرهم فإنهم إخوانك في الإمامة وخصومك في التوحيد

وهكذا ينبغي لك أن تناظر الخوارج الذين هم خصومك وأما أهل السنة فهم وسط بينك وبين خصومك وأنت لا تقدر على قطع خصومك لا هؤلاء ولا هؤلاء

فإن قلت

حجتي على هؤلاء أن كل جسم محدث

قال لك إخوانك

بل الجسم عندنا ينقسم إلى قسمين قديم ومحدث كما أن القائم بنفسه والموجود والحي والعالم والقادر ينقسم إلى قديم ومحدث

فإن قال النافي

الجسم لا يخلو عن الحوادث وما لم يخل عن الحوادث فهو حادث

قال له إخوانه

لا نسلم أنه لا يخلو عن الحوادث وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن ما لم يخل عن الحوادث فهو حادث

فإن قال

الدليل على أنه لا يخلو من الحوادث أنه لا يخلو من الأعراض والأعراض حادثة فإن العرض لا يبقى زمانين

وعلى هذا اعتمد كثير من الكلابية في حدوث العالم وعليه أيضا اعتمد الآمدي وطعن في كل دليل غيره وذكر أن هذه طريقة الأشعرية

وضعف ذلك من تعقب كلامه وقال هذا يقتضى بناء هذا الأصل العظيم على هذه المقدمة الضعيفة وقد رأيت كلام الأشعري نفسه فرأيته اعتمد على أن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق بناء على أن الإجسام مركبة من الجواهر المنفردة فاحتج باستلزامها لهذا النوع من الأعراض وهذا النوع حادث لأنه من الأكوان لكنه مبنى على الجوهر الفرد وجمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم على نفيه

والمقصود هنا ذكر ما يبين أصول الطوائف وأن قول هؤلاء الرافضة المعتزلة من أفسد أقوال طوائف الأمة فإنه ليس معهم حجة شرعية ولا عقلية يمكنهم الإنتصاف بها من إخوانهم أهل البدع وإن كان أولئك ضالين مبتدعين أيضا وهم مناقضون لهم غاية المناقضة فكيف تكون لهم حجة على أهل السنة الذين هم وسط في الإسلام كما إن الإسلام وسط في الملل

فإذا قال النافي

الدليل على حدوثها استلزامها للأعراض

قالوا له

ليس هذا قولك وقول أئمتك المعتزلة وإنما هو قول الأشعرية وأما المعتزلة فعندهم أنه قد يخلو عن كثير من الأعراض وإنما يقولون ذلك في الأكوان أو في الألوان

وقالوا

لا نسلم أن الأعراض حادثة وأنها لا تبقى زمانين وهذا القول معلوم البطلان بالضرورة عند جمهور العقلاء مع أنه ليس قولك وقول شيوخك المعتزلة والرافضة

فإن قال الإمامي النافي

الدليل على أن الجسم لا يخلو من الحوادث أنه لا يخلو من الأكوان والأكوان حادثة إذ لا يخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان

قالوا له

لا نسلم أن الأكوان كلها حادثة ولا نسلم أن السكون حادث بل يجوز أن يكون لنا جسم قديم أزلي ساكن ثم تحرك بعد أن لم يكن متحركا لأن السكون إن كان عدميا جاز أن يحدث أمر وجودي وإن كن وجوديا جاز أن يزول بحادث

قال النافي

القديم لا يزول

قال إخوانه

القديم إن كان معنى عدميا جاز زواله باتفاق العقلاء فإنه ما من حادث إلا وعدمه قديم والسكون عند كثير من الناس عدمي ونحن نختار أنه عدمي فيجوز زواله وإن كان وجوديا فلا نسلم أنه لا يجوز زواله

فإن قال النافي

السكون وجودي وإذا كان وجوديا قديما فالمقتضى لقدمه قديم من لوازم الواجب فيكون واجبا بوجوب سببه

قال إخوانه المجسمة

هذا الموضع يرد على جميع الطوائف المنازعين لنا من الشيعة والمعتزلة والأشعرية وغيرهم فإنهم وافقونا على أن البارئ فعل بعد أن لم يكن فاعلا فعلم جواز حدوث الحوادث كلها بلا سبب حادث وهم يصرحون بأنه يجوز بل يجب حدوث الحوادث كلها بغير سبب حادث لامتناع حوادث لا أول لها عندهم وإذا جاز ذلك اخترنا أن يكون السكون عدميا والحادث هو الحركة التي هي وجودية فإذا جاز إحداث جرم بلا سبب حادث فإحداث حركة بلا سبب حادث أولى

ولو قيل إن السكون وجودي فإذا جاز وجود أعيان بعد أن لم تكن وذلك تحول من أن لا يفعل إلى أن يفعل سواء سمى مثل هذا تغيرا وانتقالا أو لم يسم جاز أن يتحرك الساكن وينتقل من السكون إلى الحركة وإن كانا وجوديين

وقول القائل

المقتضي لقدمه من لوازم الوجوب

جوابه أن يقال قد يكون بقاؤه مشروطا بعدم تعلق الإرادة بزواله أو بغير ذلك كما يقولونه في سبب الحوادث فإن الواجب انتقل من أن لا يفعل إلى أن يفعل فما كان جوابهم عن ذلك كان جوابا عن هذا وإن قالوا بدوام الفاعلية بطل قولهم وقولنا

وبالجملة هل يجوز أن يحدث عن القديم أمر بلا سبب حادث وترجيح أحد طرفي الممكن بمجرد القدرة وحينئذ فيجوز أن يحدث القادر ما به يزيل السكون الماضي من الحركة سواء كان ذلك السكون وجوديا أو عدميا

قال النافي هذا يلزم منه أن يكون البارئ محلا للحركة وللحوادث أو للأعراض وهذا باطل2)

قال إخوانه الإمامية

قد صادرتنا على المطلوب فهذا صريح قولنا فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض فما الدليل على بطلان قولنا

قال النافي

لأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث

قال إخوانه قولك ما قامت به الحوادث لم يخل منها فهذا ليس قول الإمامية ولا قول المعتزلة وإنما هو قول الأشعرية وقد اعترف الرازي والآمدي وغيرهما بضعفه وأنه لا دليل عليه وهم وأنتم تسلمون لنا أنه أحدث الأشياء بعد أن لم يكن هناك حادث بلا سبب حادث فإذا حدثت الحوادث من غير أن يكون لها أسباب حادثة جاز أن تقوم به بعد أن لم تكن قائمة به

فهذا القول الذي يقوله هؤلاء الإمامية ويقوله من يقوله من الكرامية وغيرهم من إثبات أنه جسم قديم وأنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا أو تحرك بعد أن لم يكن متحركا لا يمكن هؤلاء الإمامية وموافقيهم من المعتزلة والكلابية إبطاله فإن أصل قولهم بامتناع الحوادث به وهؤلاء قد جوزوا ذلك ثم الكلابية لا تنفى قيام الحوادث به لانتفاء الصفات فإنهم يقولون بقيام أعيان الصفات القديمة به وإنما ينفون قدم النوع لتجدد أعيانه فإنها حوادث

وعمدتهم في نفى ذلك أن ما قبل الحوادث لم يخل منها وهذه مقدمة باطلة عند العقلاء وقد اعترف بذلك غير واحد من حذاقهم كالرازي والآمدي وغيرهما وأما أبو المعالي وأمثاله فلم يقيموا حجة عقلية على هذا المطلوب وإنما اعتمدوا على تناقض أقوال من نازعهم من الكرامية والفلاسفة وغيرهما

وتناقض أقوال هذه الطوائف يدل على فساد قولها بمجموع الأمرين لا يدل على صحة أحدهما بعينه وحينئذ فإذا كان هناك قول ثالث يمكن القول به مع فساد أحدهما أو كليهما لم يلزم صحة قول الكلابية وجميع الطوائف المختلفين المخالفين للكتاب والسنة وإنما عندهم إفساد بعضهم قول الآخرين وبيان تناقضه ليس عندهم قول صحيح يقال به

ولهذا كانت الفائدة المستفادة من كلامهم نقض بعضهم كلام بعض فلا يعتقد شيء منها ثم إن عرف الحق الذي جاء به الرسول فهو الصواب الموافق لصريح المعقول وإلا استفيد من ذلك السلامة من تلك الاعتقادات الباطلة وإن لم يعرف الحق فالجهل البسيط خير من الجهل المركب وعدم اعتقاد الأقوال الباطلة خير من اعتقاد شيء منها

وأما المعتزلة فتنفى قيام الحوادث به لأنها أعراض فلا تقوم به وهؤلاء يقولون بل تقوم به الأعراض

وعمدة المعتزلة أنه لو قامت به لكان جسما وهؤلاء التزموا أنه جسم وعمدة هؤلاء في نفي كونه جسما أن الجسم لا يخلو من الحوادث وهؤلاء قد نازعوهم في هذا وقالوا بل يخلو عن الحوادث وقالوا إن البارئ جسم قديم كما تقولون أنتم إنه ذات قديمة وإنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا وتجعلون مفعوله هو فعله لكن هؤلاء يقولون له فعل قائم به ومنفصل عنه وهؤلاء يقولون له مفعول منفصل عنه ولا يقوم به فعل

وعمدة هؤلاء أنه في الأزل إن كان ساكنا لم تجز عليه الحركة لأن السكون معنى وجودي أزلي فلا يزول وإن كان متحركا لزم حوادث لا تتناهى وهؤلاء يقولون بل كان ساكنا في الأزل ويقولون إن السكون عدم الحركة أو عدم الحركة عما يمكن تحريكه أو عدمه عما من شأنه أن يتحرك فلا يسلمون أن السكون أمر وجودي كما يقولون مثل ذلك في العمى والصمم والجهل البسيط

والقول بأن هذه الأمور عدمية ليس هو قول من يقوله من الفلاسفة وحدهم كما يظنه بعض المصنفين في الكلام بل هو قول كثير من النظار المتكلمين أهل القبلة والصلاة وتنازعهم في هذا كتنازعهم في نظائره مثل بقاء الأعراض وتماثل الأجسام وغير ذلك

وإن قالوا إنه وجودي فلا يسلمون أن كل أزلي لايزول بل يقولون في تبدل السكون بالحركة ما يقوله مناظروهم في تبدل الإمتناع بالإمكان فإن الطائفتين اتفقتا على أن الفعل كان ممتنعا في الأزل فصار ممكنا فهكذا يقوله هؤلاء في السكون الوجودي إن كان تبدله بالحركة في الأزل ممتنعا وهو فيما لا يزال ممكن فتبدل حيث أمكن التبدل كما يقولون جميعا إنه حدث الفعل حيث كان الحدوث ممكنا فهذا بحث هؤلاء الإمامية والكرامية مع هؤلاء الإمامية ومن وافقهم من المعتزلة والكلابية وأتباعهم في هذه الأمور التي يعتمدون فيها على العقل وقد أجابهم طائفة من المعتزلة والشيعة ومن وافقهم بأن الدليل الدال على حدوث العالم هو هذا الدليل الدال على حدوث الأجسام فإن لم يكن هذا صحيحا انسد طريق معرفة حدوث العالم وإثبات الصانع

فقال المخالف لهؤلاء لا نسلم أن هذا هو الطريق إلى معرفة حدوث العالم ولا إلى إثبات الصانع بل هذا طريق محدث في الإسلام لم يكن أحد من الصحابة ولا القرابة ولا التابعين يسلك هذه الطريق وإنما سلكها الجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف ومن وافقهما ولو كان العلم بإثبات الصانع وحدوث العالم لا يتم إلا بهذه الطريق لكان بيانها من الدين ولم يحصل الإيمان إلا بها

ونحن نعلم بالاضطرار أن النبي ﷺ لم يذكر هذه الطريق لأمته ولا دعاهم بها لا إليها ولا أحد من الصحابة فالقول بأن الإيمان موقوف علهيا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام وكل أحد يعلم أنها طريق محدثة لم يسلكها السلف والناس متنازعون في صحتها فكيف يقولون إن العلم بالصانع والعلم بحدوث العالم موقوف عليها

وقالوا بل هذه الطريقة تنافى العلم بإثبات الصانع وكونه خالقا للعالم آمرا بالشرائع مرسلا للرسل فالذين ابتدعوها من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم قالوا إنها صحيحة في العقل وإن العلم بالنبوة وصحة دين الإسلام لايتم إلا بها

وقولهم إن العلم بذلك لا يتم إلا بها مما أنكره عليهم جماهير الأمة من الأولين والآخرين لا سيما السلف والأئمة وكلامهم في تبديع أهل هذا الكلام وذمه وذم أهله ونسبتهم إلى الجهل وعدم العلم من الأمور المتواترة عن السلف

وكذلك القول بصحتها من جهة العقل هو مما أنكره جمهور أئمة الأمة لكن سلم ذلك طوائف من الكرامية والكلابية وغيرهم ونازعوهم في موجب هذه الطريق ونازعوهم أيضا في توقف صحة دين الإسلام عليها كما ذكر ذلك غير واحد مثل ما ذكره أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب وذكره الخطابي وأبو عمر الطلمنكي الأندلسي والقاضي أبو يعلى وغير واحد

وأما أئمة السنة وطوائف من أهل الكلام فبينوا أن هذه طريقة باطلة في العقل أيضا وأنها تنافى صحة دين الإسلام فضلا عن أن تكون شرطا في العلم به وأين اللازم لدين الإسلام من المنافي له

وبينوا أن تقدير ذات لم تزل غير فاعلة ولا متكلمة بمشيئتها وقدرتها ثم حدوث ما يحدث من مفعولات مثل كلام مؤلف منظوم وأعيان وغير ذلك بدون سبب حادث مما يعلم بطلانه بصريح المعقول وهو مناقض لكونه سبحانه خلق السماوات والأرض ولكون القرآن كلام الله وغير ذلك مما أخبر به الرسل بل حقيقته أن الرب لم يفعل شيئا ولم يتكلم بشيء لامتناع ما ذكروه من أن يكون فعالا أو مقالا له كما قد بسط في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا التنبيه على مجامع الطرق والمقالات

قالت النفاة فإذا كانت طرقنا في إثبات العلم بالصانع وحدوث السماوات والأرض وإثبات العلم بالنبوة طرقا باطلة فما الطريق إلى ذلك

قالوا أولا لا يجب علينا في هذا المقام بيان ذلك بل المقصود ههنا أن هذه طريق محدثة مبتدعة يعلم أنها ليست هي الطريق التي جاء بها الرسول ﷺ فيمتنع أن تكون واجبة أو يكون العلم الواجب أو الإيمان بصدقة موقوفا عليها

وقالوا كل من العلم بالصانع وحدوث العالم له طرق كثيرة متعددة

أما إثبات الصانع فطرقه لا تحصى بل الذي عليه جمهور العلماء أن الإقرار بالصانع فطري ضروري مغروز في الجبلة ولهذا كانت دعوة عامة الرسل إلى عبادة الله وحده لا شريك له وكان عامة الأمة مقرين بالصانع مع إشراكهم به بعبادة ما دونه والذين أظهروا إنكار الصانع كفرعون خاطبتهم الرسل خطاب من يعرف أنه حق كقول موسى لفرعون لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر سورة الإسراء 102 ولما قال فرعون وما رب العالمين سورة الشعراء 23 قال له موسى رب السموات والأرض إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون سورة الشعراء 24 227

ولما قال فرعون فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى سورة طه 49 50 فكان جواب موسى له جوابا للمتجاهل الذي يظهر أنه لا يعرف الحق وهو معروف عنده فإن سؤال فرعون بقوله وما رب العالمين استفهام إنكار لوجوده ليس هو استفهام طلب لتعريف ما هيته كما ظن ذلك بعض المتأخرين وقالوا إن فرعون طالبه ببيان الماهية فعدل عن ذلك لامتناع الجواب بذكرها فإن هذا غلط منهم فإن فرعون لم يكن مفرا بالصانع ألبته بل كان جاحدا له وكان استفهامه استفهام إنكار لوجوده ولهذا قال ما علمت لكم من إله غيري سورة القصص 38 وقال أنا ربكم الأعلى سورة النازعات 24 ولو كان مقرا بوجوده طالبا لمعرفة ما هيته لم يقل هذا ولكان موسى ما أجابه إجابة لم تذكر فيها ماهيته

ومع أن القول بأن الماهية هي ما يقوله المنطقيون من ذكر الذاتي المشترك والذاتي المميز وهما الجنس والفصل كلام باطل قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع وبين أن الماهية المغايرة للوجود الخارجي إنما هي ما يتصور في الذهن فإن ما في الأذهان من الصور الذهنية ليس هو نفس الموجودات الخارجية

وأما دعوى أهل المنطق اليوناني أن في الخارج ماهية ووجودا غير الماهية وأن الصفات اللازمة تنقسم إلى لازمة مقومة داخلة في الماهية ومفارقة عرضية لها غير مقومة وإلى لازمة لوجودها الخارجي دون ماهيتها الخارجية فكلام باطل من وجوه متعددة كما قد بسط هذا في موضعه وبين أن الصفات تنقسم إلى لازمة للموصوف وعارضة له فقط كما عليه نظار المسلمين من جميع الطوائف وبين كلام نظار المسلمين في الحد والبرهان وأن كلامهم في صريح المعقول أصح من كلام المتفلسفة اليونان ومن اتبعهم من المتسبين إلى الملل

وأيضا فنفس حدوث الإنسان يعلم به صانعه وكذلك حدوث كل ما يشاهد حدوثه وهذه الطريقة مذكورة في القرآن

وأيضا فالوجود يستلزم إثبات موجد قديم واجب بنفسه ونحن نعلم أن من الموجودات ما هو حادث فقد علم بالضرورة انقسام الموجود إلى قديم بنفسه وإلى محدث

وأما حدوث العالم فيمكن علمه بالسمع وبالعقل فإنه يمكن العلم بالصانع إما بالضرورة والفطرة وإما بمشاهدة حدوث المحدثات وإما بغير ذلك ثم يعلم صدق الرسول بالطرق الدالة على ذلك وهي كثيرة ودلالة المعجزات طريق من الطرق وطريق التصديق لا تنحصر في المعجزات ثم يعلم بخبر الرسول حدوث العالم

وأما بالعقل فيعلم أن العالم لو كان قديما لكان إما واجبا بنفسه وهذا باطل كما تقدم التنبيه عليه من أن كل جزء من أجزاء العالم مفتقر إلى غيره والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه وإما واجبا بغيره فيكون المقتضى له موجبا بذاته بمعنى أنه مستلزم لمقتضاه سواء كان شاعرا مريدا أم لم يكن فإن القديم الأزلي إذا قدر انه معلول مفعول فلا بد من أن تكون علة تامة مقتضية له في الأزل وهذا هو الموجب بذاته ولو كان مبدعة موجبا بذاته علة تامة لم يتأخر عنه شيء من معلوله ومقتضاه والحوادث مشهودة في العالم فعلم أن فاعله ليس علة تامة وإذا لم يكن علة تامة لم يكن قديما

وهذه الحوادث التي في العالم إن قيل إنها من لوازمه امتنع أن تكون العلة الأزلية التامة علة للملزوم دون لازمه وامتنع أيضا أن يكون علة للازمه لأن العلة التامة الأزلية لا تقتضي حدوث شيء وإن لم تكن الحوادث من لوازمه كانت حادثة بعد أن لم تكن فإن لم يكن لها محدث لزم حدوث الحوادث بلا محدث وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة وإن كان لها محدث غير الواجب بنفسه كان القول في حدوث إحداثه إياها كالقول في ذلك المحدث وإن كان الواجب بنفسه هو المحدث فقد حدثت عنه الحوادث بعد أن لم تكن حادثة وحينئذ فيكون قد تغير وصار محلا للحوادث بعد أن لم يكن والعلة التامة الأزلية لا يجوز عليها التغير والإنتقال من حال إلى حال وذلك لأن تغيرها لا بد أن يكون بسبب حادث والعلة التامة الأزلية لا يجوز أن يحدث فيها حادث فإنه إن حدث بها مع أنه لم يتجدد شيء لزم الحدوث بلا سبب وإن لم يحدث بها لزم حدوث الحوادث بلا فاعل فبطل أن تكون علة تامة أزلية وإن جوز مجوز عليها الإنتقال من حال إلى حال جاز أن يحدث العالم بعد أن لم يكن فبطل حجة من يقول بقدم العالم وأيضا فإنه على هذا التقدير لا يكون المنتقل من حال إلى حال إلا فاعلا بالإختيار لا موجبا بالذات وإيضاح هذا أن الحوادث إما أن يجوز دوامها لا إلى أول وإما أن يجب أن يكون لها أول فإن وجب أن يكون أول بطل مذهب القائلين بقدم العالم القائلين بأن حركات الأفلاك أزلية

وأيضا فإذا وجب أن يكون لها أول لزم حدوث العالم لأنه متضمن للحوادث فإنه إما أن يكون مستلزما للحوادث أو تكون عارضة له فإن كان مستلزما لها ثبت أنه لا يخلوا عنها فإذا كان لها ابتداء كان له ابتداء لازما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها ولا يتقدم عليها فإذا قدر أن الحوادث كلها كائنة بعد أن لم يكن حادث أصلا كان المقرون بها الذي لم يتقدمها كائنا بعد أن لم يكن قطعا وإن كانت الحوادث عارضة للعالم ثبت حدوث الحوادث بلا سبب وإذا جاز حدوث الحوادث كلها بلا سبب حادث جاز حدوث العالم بلا سبب حادث فبطلت كل حجة توجب قدمه وكان القائل بقدمه قائلا بلا حجة أصلا وإذا قيل يجوز أن يكون العالم قديما عن علته بلا حادث فيه ثم حدثت فيه الحوادث كان هذا باطلا لأنه إذا جاز أن يحدثنا بعد أن لم يكن محدثا لم يكن موجبا بل فاعلا باختياره ومشيئته والفاعل باختياره ومشيئته لا يقارنه مفعوله كما قد بسط في موضعه

ولأنه على هذا يجب أن يقارنه القديم من مفعولاته ويجب أن يبقى معطلا عن الفعل إلى أن يحدث الحوادث فإيجاب تعطيله وإيجاب فعله جمع بين الضدين وتخصيص بلا مخصص فإنه بذاته إما أن يجب أن يكون فاعلا في الأزل وإما أن يمتنع كونه فاعلا في الأزل وإما أن يجوز الأمران

فإن وجب كونه فاعلا في الأزل جاز حدوث الحوادث في الأزل ووجب أن لا يكون لها ابتداء والتقدير أن لها ابتداء وإن امتنع كونه فاعلا في الأزل امتنع أن يكون شيء قديم في الأزل غيره فلا يجوز قدم العالم خاليا عن الحوادث ولا مع الحوادث وإن جاز أن يكون فاعلا في الأزل وجاز أن لا يكون لم يمتنع أن يكون فاعلا في الأزل فجاز حدوث الحوادث في الأزل

وإن قيل بل يكون فاعلا لغير الحوادث ثم يحدث الحوادث فيما لا يزال كما يقوله من يقول بقدم العقول والنفوس وأن الأجسام حدثت عن بعض ما حدث للنفس من التصورات والإرادات وكما يقوله من يقول بقدم القدماء الخمسة كان هذا من أفسد الأقوال لأنه يستلزم حدوث الحوادث بلا سبب حادث أوجب حدوثها إذلم يكن هناك ما يقتضى تجدد إحداث الحوادث مع أن قول القائل بقدم النفس يقتضى دوام حدوث الحوادث فإن ما يحدث من تصورات النفس وإراداتها حوادث دائمة عندهم وإذا كان القول بحدوث الحوادث بلا سبب حادث لم يكن هناك سبب يدل على قدم شيء من العالم والذين قالوا بدوام معلول معين عنه التزموا دوام الفاعلية فرارا من هذا المحذور فإذا كان هذا لازما لهم على التقديرين لم يكن لهم حاجة إلى ذلك الممتنع عند جماهير العقلاء ففي الجملة جواز كونه فاعلا في الأزل يستلزم جواز حدوث الحوادث في الأزل ولهذا لم يعرف من قال بكونه فاعلا في الأزل مع امتناع دوام الحوادث فإن القائلين بحدوث الأجسام عن تصور من تصورات النفس يقولون بدوام الحوادث في النفس والقائلين بالقدماء الخمسة لا يقولون إنه فاعل لها في الأزل بل يقولون إنها واجبة بنفسها هذا هو المحكي عنهم وقد يقولون إنها معلولة له لا مفعولة له

فإذا قدر أنه فاعل للعالم في الأزل وقدر امتناع الحدوث في الأزل جمع بين وجوب كونه فاعلا وامتناع كونه فاعلا

وإذا قيل يفعل ما هو قديم ولا يفعل ما هو حادث

قيل فعلى هذا التقدير يجوز تغيير القديم لأن التقدير ان المعلول القديم حدثت فيه الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب حادث والمعلول القديم لا يجوز تغييره فإنه يقتضي تغيير علته التامة الأزلية الموجبة له ثم على هذا التقدير المتضمن إثبات قديم معلول لله أو إثبات قدماء معلولة عن الله مع حدوث الحوادث الدائمة في ذلك القديم أو مع تجدد حدوث الحوادث فيها هو قول بحدوث هذا العالم كما يذكر ذلك عن ديمقراطيس ومحمد بن زكريا الرازي وغيرهما وهذا مبسوط في موضعه وكما هو قول من يقول بحدوث الأجسام كلها والرازي قد يجعل القولين قولا واحدا كما أشار إلى ذلك في محصله وغير محصله وذلك أن المعروف عن الحرنانيين هو القول بالقدماء الخمسة ثم بنوا عليه تصور النفس وقد حدث لها عشق تعلقت بسببه بالهيولي ليكون للأجسام سبب اقتضى حدوثها لكنه مع هذا باطل فإن حدوث الحوادث بلا سبب إن كان ممتنعا بطل هذا القول لأنه يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب وإذا كانت أحوال الفاعل واحدة وهو لا يقوم به شيء من الأمور الإختيارية امتنع أن يختص بعض الأحوال بسبب يقتضى حدوث الأجسام وإن كان ممكنا أمكن حدوث كل ما سوى الله بعد أن لم يكن وكانت هذه القدماء مما يجوز حدوثه

وأيضا فعلى هذا القول يكون موجبا بذاته لمعلولاته ثم يصير فاعلا بالإختيار لغيرها والقول بأحد القولين يناقض الآخر

وإن قيل إن الحوادث يجوز دوامها امتنع أن تكون علة أزلية لشيء منها والعالم لا يخلو منها على هذا التقدير بل هو مستلزم لها فيمتنع أن يكون علة تامة لها في الأزل ويمتنع أن يكون علة للملزوم دون لازمه

وأيضا فإن كل ما سوى الواجب يمكن وجوده وعدمه وكل ما كان كذلك فإنه لا يكون إلا موجودا بعد عدمه

وأيضا فإن القول بأن المفعول المعين يقارن فاعله أزلا وأبدا مما يعلم بطلانه بضرورة العقل ولهذا كان هذا مما اتفق عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين حتى أرسطو وأصحابه القدماء ومن اتبعه من المتأخرين فإنهم متفقون على أن كل ما أمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا مسبوقا بالعدم وإنما أثبت ممكنا قديما ابن سينا ومن وافقه وقد أنكر ذلك عليه إخوانه الفلاسفة وبينوا أنه خالف في ذلك قول سلفه كما ذكر ذلك ابن رشد وغيره وكذلك عامة العقلاء من جميع الطوائف متفقون على أن كل ما يقال إنه مفعول أو مبدع أو مصنوع لا يكون إلا محدثا

ولهذا كان جماهير العقلاء إذا تصوروا أنه خلق السماوات والأرض تصوروا أنه أحدثها لا يتصور في عقولهم أن تكون مخلوقة قديمة وإن عبر عن ذلك بعبارات أخر مثل أن يقال هي مبدعة قديمة أو مفعولة قديمة ونحو ذلك بل هذا وهذا جمع بين الضدين عند عامة العقلاء وما يذكره من يثبت مقارنة المفعول لفاعله من قولهم حركت يدي فتحرك الخاتم ونحوه تمثيل غير مطابق لأنه ليس في شيء مما يذكرونه علة فاعلة تقدمت على المعلول المفعول وإنما الذي تقدم في اللفظ شرط أو سبب كالشرط ومثل ذلك يجوز أن يقارن المشروط هذا إذا سلم مقارنة الثاني للأول وإلا ففي كثير مما يذكرونه يكون متأخرا عنه مع اتصاله به كأجزاء الزمان بعضها مع بعض هو متصل بعضها ببعض مع التأخر

وأما ما ذكره الرازي في محصله وغير محصله حيث قال اتفق المتكلمون على أن القديم يمتنع استناده إلى الفاعل واتفقت الفلاسفة على أنه غير ممتنع زمانا فإن العالم قديم عندهم زمانا مع أنه فعل الله تعالى

فيقال

أما نقله عن المتكلمين فصحيح وهو قول جماهير العقلاء من جميع الطوائف وأما نقله عن الفلاسفة فهو قول طائفة منهم كابن سينا وليس هو قول جمهورهم لا القائلين بقدم العالم كأرسطو وأتباعه ولا القائلين بحدوث صورته وهم جمهور الفلاسفة فإن القائلين بقدمه لم يكونوا يثبتون له فاعلا مبدعا كما يقوله ابن سينا بل منهم من لا يثبت له علة فاعله وأرسطو يثبت له علة غائية يتشبه بها الفلك لم يثبت علة فاعله كما يقوله ابن سينا وأمثاله وأما من قبل أرسطو فكانوا يقولون بحدوث السماوات كما يقوله أهل الملل

ثم قال الرازي

وعندي أن الخلاف في هذا المقام لفظي لأن المتكلمين يمتنعون من إسناد القديم إلى المؤثر الموجب بالذات وكذلك زعم مثبتو الحال بناء على أن عالمية الله وعلمه قديمان مع أن العالمية والقادرية معللة بالعلم والقدرة وزعم أبو هاشم أن العالمية والقادرية والحيية والموجودية معللة بحال خامسة مع أن الكل قديم وزعم أبو الحسين أن العالمية حال معللة بالذات وهؤلاء وإن كانوا يمتنعون عن إطلاق لفظ القديم على هذه الأحوال ولكنهم يغطون المعنى في الحقيقة

فيقال

ليس في المتكلمين من يقول بأن المفعول قد يكون قديما سواء كان الفاعل يفعل بمشيئته أو قدر أنه يفعل بذاته بلا مشيئة والصفات اللازمة للموصوف

فإن قيل

إنها قديمة فليست مفعولة عند أحد من العقلاء بل هي لازمة للذات بخلاف المفعولات الممكنة المباينة للفاعل فإن هذا هو المفعول الذي أنكر جمهور العقلاء على من قال بقدمه والمتكلمون وسائر جمهور العقلاء متفقون على أن المفعول لا يكون قديما وإن قدر أنه فاعل بالطبع كما تفعل الأجسام الطبيعية فما ذكره عن المتكلمين فليس بلازم لهم

ثم قال وأما الفلاسفة فإنهم إنما جوزوا إسناد العالم القديم إلى البارئ لكونه عندهم موجبا بالذات حتى لو اعتقدو فيه كونه فاعلا بالإختيار لما جوزوا كونه موجبا للعالم القديم قال فظهر من هذا اتفاق الكل على جواز إسناد القديم إلى الموجب القديم وامتناع إسناده إلى المختار

فيقال بل الفلاسفة في كونه يفعل بمشيئته على قولين معروفين لهم وأبو البركات وغيره يقولون بأنه فاعل بمشيئته مع قولهم بقدم العالم فتبين أن ما ذكره عن المتكلمين باطل وما ذكره عن الفلاسفة باطل

أما الفلاسفة فعلى قولين وأما المتكلمون فمتفقون على بطلان ما حكاه عنهم أو ألزمهم به بل هم وجمهور العقلاء يقولون يعلم بالضرورة أن كل مفعول فهو محدث ثم كونه مفعولا بالمشيئة أو بالطبع مقام ثان

وليس العلم بكون المفعول محدثا مبنيا على كون الفاعل مريدا فإن الفعل عندهم لا يكون ابتداؤه إلا من قادر مريد لكن هذه قضية قائمة بنفسها وهذه قضية قائمة بنفسها وكل منهما دليل على حدوث كل ما سوى الله وهما أيضا قضيتان متلازمتان

وهذه الأمور لبسطها موضع آخر ولكن المقصود هنا أن المبطلين لأصول الجهمية والمعتزلة من أهل السنة والشيعة وغيرهم يقولون بهذه الطرق فهذه الطرق وغيرها مما يبين به حدوث كل ما سوى الله تعالى سواء قيل بأن كل حادث مسبوق بحادث أو لم يقل

وأيضا فما يقوله قدماء الشيعة والكرامية ونحوهم لهؤلاء أن يقولوا نحن علمنا أن العالم مخلوق بما فيه من آثار الحاجة كما قد تبين قبل هذا أن كل جزء من العالم محتاج فلا يكون واجبا بنفسه فيكون مفتقرا إلى الصانع فثبت الصانع بهذا الطريق

ثم يقولوا ويمتنع وجود حوادث لا أول لها فثبت حدوثه بهذا الطريق

ولهذا كان محمد بن الهيصم ومن وافقه كالقاضي أبي خازم بن القاضي أبي يعلى في كتابه المسمى بالتلخيص لا يسلكون في إثبات الصانع الطريق التي يسلكها أولئك المعتزلة ومن وافقهم حيث يثبتون أولا حدوث العالم بحدوث الأجسام ويجعلون ذلك هو الطريق إلى إثبات الصانع بل يبتدئون بإثبات الصانع ثم يثبتون حدوث العالم بتناهي الحوادث ولا يحتاجون أن يقولوا كل جسم محدث

وبالجملة فالتقديرات أربعة فإن الحوادث إما أن يجوز دوامها وإما أن يمتنع دوامها ويجب أن يكون لها ابتداء وعلى التقديرين فإما أن يكون كل جسم محدثا وإما أن لا يكون وقد قال بكل قول طائفة من أهل القبلة وغيرهم

وكل هؤلاء يقولون بحدوث الأفلاك وأن الله أحدثها بعد عدمها ليس فيهم من يقول بقدمها فإن ذلك قول الدهرية سواء قالوا مع ذلك بإثبات عالم معقول كالعلة الأولى كما يقوله الإلهيون منهم أو لم يقولوا بذلك كما يقوله الطبيعيون منهم وسواء قالوا إن تلك العلة الأولى هي علة غائية بمعنى أن الفلك يتحرك للتشبه بها كما هو قول أرسطو وأتباعه أو قالوا إنها علة مبدعة للعالم كما يقوله ابن سينا وأمثاله أو قيل بالقدماء الخمسة كما يقوله الحرنانيون ونحوهم أو قيل بعدم صانع لها سواء قيل بوجوب ثبوت وجودها أو حدوثها لا بنفسها أو وجوب وجود المادة وحدوث الصورة بلا محدث كما يذكر عن الدهرية المحضة منهم

مع أن كثيرا من الناس يقولون إن هذه الأقوال من جنس أقوال السوفسطائية التي لا تعرف عن قوم معينين وإنما هي شيء يخطر لبعض الناس في بعض الأحوال وإذا كان كذلك فقد تبين أنه ليس لهذا الإمامي وأمثاله من متأخري الإمامية والمعتزلة وموافقيهم حجة عقلية على بطلان قول إخوانهم من متقدمي الإمامية وموافقيهم الذين نازعوهم في مسائل الصفات والقرآن وما يتبع ذلك فكيف يكون حالهم مع أهل السنة الذين هم أصح عقلا ونقلا

فصل

وأما قوله عن الإمامية

إنهم يقولون إنه قادر على جميع المقدرات

فهذا ملبس لا فائدة فيه فإن قول القائل إنه قادر على جميع المقدورات يراد به شيئان

أحدهما أنه قادر على كل ممكن فإن كل ممكن هو مقدور بمعنى أنه يقدر القادر على فعله والثاني أن يراد به أنه قادر على كل ما هو مقدور له لا يقدر على ما ليس بمقدور له

والمعنى الأول هو مراد أهل السنة المثبتين للقدر إذا قالوا هو قادر على كل مقدور فإنهم يقولون إن الله قادر على كل ما يمكن أن يكون مقدورا لأي قادر كان فما من أمر ممكن في نفسه إلا والله قادر عليه لا يتصور عندهم أن يقدر العباد على ما لم يقدر الله عليه وهذا معنى قوله تعالى إنه على كل شيء قدير سورة فصلت 3فأما الممتنع لنفسه فإنه ليس بشيء عند عامة العقلاء وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن هل هو شيء أم لا

فأما الممتنع فلم يقل أحد إنه شيء ثابت في الخارج فإن الممتنع هو ما لا يمكن وجوده في الخارج مثل كون الشيء موجودا معدوما فإن هذا ممتنع لذاته لا يعقل ثبوته في الخارج وكذلك كون الشيء أسود كله أبيض كله وكون الجسم الواحد بعينه في الوقت الواحد في مكانين

والممتنع يقال على الممتنع لنفسه مثل هذه الأمور وعلى الممتنع لغيره مثل ما علم الله تعالى أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون وكتب أنه لا يكون فهذا لا يكون

وقد يقال إنه يمتنع أن يكون لأنه لو كان للزم أن يكون علم الله بخلاف معلومه وخبره بخلاف مخبره لكن هذا هو ممكن في نفسه والله قادر عليه كما قال بلى قادرين على أن نسوي بنانه سورة القيامة 4 وقال تعالى وإنا على ذهاب به لقادرون سورة المؤمنون 18 وقال تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو بلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض سورة الأنعام 6وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لما نزل قوله تعالى قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال أعوذ بوجهك أو من تحت أرجلكم قال أعوذ بوجهك أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال هاتان أهون

ومن ذلك قوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها سورة السجدة 13 ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة سورة هو 118 ولو شاء الله ما اقتتلوا سورة البقرة 253 إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء سورة سبأ 9 وأمثال ذلك مما أخبر الله تعالى أنه لو شاء لفعله فإه هذه الأمور التي أخبر الله أنه لو شاء لفعلها تستلزم أنها ممكنة مقدورة له

وقد تنازع الناس في خلاف المعلوم هل هو ممكن مقدور كإيمان الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن والذين زعموا أن الله يكلف العبد ما هو ممتنع احتجوا بتكليفه وزعموا أن إيمانه ممتنع لاستلزامه انقلاب علم الله جهلا

وجوابهم أن لفظ الممتنع مجمل يراد به الممتنع لنفسه ويراد به ما يمتنع لوجود غيره فهذا الثاني يوصف بأنه ممكن مقدور بخلاف الأول وإيمان من علم الله أنه لا يؤمن مقدور له لكنه لا يقع وقد علم الله أنه لا يؤمن مع كونه مستطيع الإيمان كمن علم أنه لا يحج مع استطاعته الحج

ومن الناس من يدعى أن الممتنع لذاته مقدور ومنهم من يدعى إمكان أمور يعلم بالعقل امتناعها وغالب هؤلاء لا يتصور ما يقوله حق التصور أو لا يفهم ما يريده الناس بتلك العبارة فيقع الاشتراك والإشتباه في اللفظ أو في المعنى

وحقيقة الأمر ما أخبر الله به في غير موضع من كتابه أنه على كل شيء قدير كما تقدم بيانه وهذا مذهب أهل السنة المثبتين للقدر

وأما القدرية من الإمامية والمعتزلة وغيرهم فإذا قالوا إنه قادر على كل المقدورات لم يريدوا بذلك ما يريده أهل الإثبات وإنما يريدون بذلك أنه قادر على كل ما هو مقدور له وأما نفس أفعال العباد من الملائكة والجن والإنس فإن الله لا يقدر عليها عند القدرية وإنما تنازعوا هل يقدر على مثلها

وإذا كان كذلك كان قولهم إنه قادر على كل مقدور إنما يتضمن أنه قادر على كل ما هو مقدور له وغيره أيضا هو قادر على كل مقدور له لكن غاية ما يقولون إنه قادر على مثل مقدور العباد والعبد لا يقدر على مثل مقدور قادر آخر

وبكل حال فإذا كان المراد أنه قادر على ما هو مقدور له كان هذا بمنزلة أن يقال هو عالم بكل ما يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها مثل أن يقول القائل إنه فاعل لجميع المفعولات ومثل أن يقال زيد عالم بكل ما يعلمه وقادر على كل ما يقدر عليه وفاعل لكل ما يفعله

فإن الشأن في بيان المقدورات هل هو على كل شيء قدير فمذهب هؤلاء الإمامية وشيوخهم القدرية أنه ليس على كل شيء قديرا وأن العباد يقدرون على ما لا يقدر عليه ولا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقيم قاعدا باختياره ولا يقعد قائما باختياره ولا يجعل أحدا مسلما مصليا ولا صائما ولا حاجا ولا معتمرا ولا يجعل الإنسان لا مؤمنا ولا كافرا ولا برا ولا فاجرا ولا يخلقه هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا فهذه الأمور كلها ممكنة ليس فيها ما هو ممتنع لذاته وعندهم أن الله لا يقدر على شيء منها فظهر تمويههم بقولهم إن الله قادر على جميع المقدورات

وأما أهل السنة فعندهم أن الله تعالى على كل شيء قدير وكل ممكن فهو مندرج في هذا

وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء ومن هذا الباب خلق مثل نفسه وأمثال ذلك وأما قوله إنه عدل حكيم لا يظلم أحدا ولا يفعل القبيح وإلا لزم الجهل أو الحاجة تعالى الله عنهما

فيقال له

هذا متفق عليه بين المسلمين من حيث الجملة أن الله لا يفعل قبيحا ولا يظلم أحدا ولكن النزاع في تفسير ذلك فهو إذا كان خالقا لأفعال العباد هل يقال إنه فعل ما هو قبيح منه وظلم أم لا

فأهل السنة المثبتون للقدر يقولون ليس هو بذلك ظالما ولا فاعلا قبيحا والقدرية يقولون لو كان خالقا لأفعال العباد كان ظالما فاعلا لما هو قبيح منه

وأما كون الفعل قبيحا من فاعله فلا يقتضى أن يكون قبيحا من خالقه كما أن كونه أكلا وشربا لفاعله لا يقتضى أن يكون كذلك لخالقه لأن الخالق خلقه في غيره لم يقم بذاته فالمتصف به من قام به الفعل لا من خلقه في غيره كما أنه إذا خلق لغيره لونا وريحا وحركة وقدرة وعلما كان ذلك الغير هو المتصف بذلك اللون والريح والحركة والقدرة والعلم فهو المتحرك بتلك الحركة والمتلون بذلك اللون والعالم بذلك العلم والقادر بتلك القدرة فكذلك إذا خلق في غيره كلاما أو صلاة أو صياما أو طوافا كان ذلك الغير هو المتكلم بذلك الكلام وهو المصلي وهو الصائم وهو الطائف

وكذلك إذا خلق في غيره رائحة خبيثة منتنة كان هو الخبيث المنتن ولم يكن الرب تعالى موصوفا بما خلقه في غيره وإذا خلق الإنسان هلوعا جزوعا كما أخبر تعالى بقوله إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا سورة المعارج 19 21 لم يكن هو سبحانه لا هلوعا ولا جزوعا ولا منوعا كما تزعم القدرية أنه إذا جعل الإنسان ظالما كاذبا كان هو ظالما كاذبا تعالى عن ذلك

وهذا يدل على قول جماهير المثبتين للقدر القائلين بأنه خالق أفعال العباد فإنهم يقولون إن الله تعالى خالق العبد وجميع ما يقوم به من إرادته وقدرته وحركاته وغير ذلك

وذهبت طائفة منهم من الكرامية وغيرهم كالقاضي أبي خازم بن القاضي أبي يعلى إلى أن معنى كونه خالقا لأفعال العباد أنه خالق للأسباب التي عندها يكون العبد فاعلا ويمتنع ألا يكون فاعلا فما علم الله أن العبد يفعله خلق الأسباب التي يصير بها فاعلا ويقولون إن أفعال العباد وجدت من جهته لا من جهة الله ويقولون إن الله تعالى موجدها كما قالوا إن الله خالقها ويقولون إنه لم يكونها ولم يجعلها ويقولون إن العبد تحدث له إرادة مكتسبة لكن قد يقولون إنها بإرادة ضرورية يخلقها الله كما ذكر ذلك القاضي أبو خازم وغيره وقد يقولون بل العبد يحدث إرادته مطلقا كما قالته القدرية لكن هؤلاء يقولون إن الرب يسر خلق الأسباب التي تبعث داعية على إيقاع ما يعلم أنه يوقعه

ولكن على قول الجمهور من قال إن الفعل هو المفعول كما يقوله الجهم بن صفوان ومن وافقه كالأشعري وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد يقول إن أفعال العباد هي فعل الله

فإن قال أيضا وهي فعل لهم لزمه أن يكون الفعل الواحد لفاعلين كما يحكى عن أبي إسحاق الإسفراييني وإن لم يقل هي فعل لهم لزمه أن تكون أفعال العباد فعلا لله لا لعباده كما يقوله جهم بن صفوان والأشعري ومن وافقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم الذين يقولون إن الخلق هو المخلوق وإن أفعال العباد خلق لله عز وجل فتكون هي فعل الله وهي مفعول الله كما أنها خلقه وهي مخلوقة

وهؤلاء لا يقولون إن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة ولكن هم مكتسبون لها وإذا طولبوا بالفرق بين الفعل والكسب لم يذكروا فرقا معقولا ولهذا كان يقال عجائب الكلام ثلاثة أحوال أبي هاشم وطفرة النظام وكسب الأشعري وهذا الذي ينكره الأئمة وجمهور العقلاء ويقولون إنه مكابرة للحس ومخالفة للشرع والعقل

وأما جمهور أهل السنة المتبعون للسلف والأئمة فيقولون إن فعل العبد فعل له حقيقة ولكنه مخلوق لله ومفعول لله لا يقولون هو نفس فعل الله ويفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول

وهذا الفرق الذي حكاه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد عن العلماء قاطبة وهو الذي ذكره غير واحد من السلف والأئمة وهو قول الحنفية وجمهور المالكية والشافعية والحنبلية وحكاه البغوي عن أهل السنة قاطبة وحكاه الكلاباذي صاحب التعرف لمذهب التصوف عن جميع الصوفية وهو قول أكثر طوائف أهل الكلام من الهشامية وكثير من المعتزلة والكرامية وهو قول الكلابية أيضا أئمة الأشعرية فيما ذكره أبو علي الثقفي وغيره على قول الكرامية وأثبتوا لله فعلا قائما بذاته غير المفعول كما أثبتوا له إرادة قديمة قائمة بذاته وذكر سائر الاعتقاد الذي صنفوه لما جرى بينهم وبين ابن خزيمة نزاع في مسألة القرآن لكن ما أدري هل ذلك قول ابن كلاب نفسه أو قالوه هم بناء على هذا الأصل المستقر عندهم

ثم القدر فيه نزاع بين الإمامية كما بينهم النزاع في الصفات

قال أبو الحسن الأشعري في المقالات واختلفت الرافضة في أعمال العباد هل هي مخلوقة وهي ثلاث فرق

فالفرقة الأولى منهم وهم هشام بن الحكم يزعمون أن أعمال العباد مخلوقة لله

قال

وحكى جعفر بن حرب عن هشام بن الحكم أنه كان يقول إن أفعال الإنسان اختيار له من وجه اضطرار له من وجه اختيار له من وجه أنه أرادها واكتسبها واضطرار من جهة أنها لا تكون منه إلا عند حدوث السبب المهيج عليه

قال

والفرقة الثانية منهم يزعمون أن لا جبر كما قال الجهمي ولا تفويض كما قالت المعتزلة لأن الرواية عن الأئمة زعموا جاءت بذلك ولم يتكلفوا أن يقولوا في أفعال العباد هل هي مخلوقة أم لا شيئا

والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن أعمال العباد غير مخلوقة لله وهذا قول قوم يقولون بالاعتزال والإمامة

فإذن كانت الإمامية على ثلاثة أقوال منهم من يوافق المثبتة ومنهم من يوافق المعتزلة ومنهم من يقف

والواقفة معنى قولهم هو معنى قول أهل السنة ولكن توقفوا في إطلاق اللفظ فإن أهل السنة لا يقولون بالتفويض كما تقول القدرية ولا بالجبر كما تقول الجهمية بل أئمة السنة كالأوزاعي والثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم متفقون على إنكار قول الجبرية المأثور عن جهم بن صفوان وأتباعه وإن كان الأشعري يقول بأكثره وينفى الأسباب والحكم فالسلف مثبتون للأسباب والحكمة

والمقصود أن الإمامية إذا كان لهم قولان كانوا متنازعين في ذلك كتنازع سائر الناس لكنهم فرع على غيرهم في هذا وغيره فإن مثبتيهم تبع للمثبتة ونفاتهم تبع للنفاة إلا ما اختصوا به من افتراء الرافضة فإن الكذب والجهل والتكذيب بالحق الذي اختصوا به لم يشركهم فيه أحد من طوائف الأمة وأما ما يتكلمون به في سائر مسائل العلم أصوله وفروعه فهم فيه تبع لغيرهم من الطوائف يستعيرون كلام الناس فيتكلمون به وما فيه من حق فهو من أهل السنة لا ينفردون عنهم بمسألة واحدة صحيحة لا في الأصول ولا في الفروع إذ كان مبدأ بدعة القوم من قوم منافقين لا مؤمنين

وحينئذ فهذا النافي يناظر أصحابه في ذلك وهو لم يذكر حجة وقد تقدم تفصيل مذاهب أهل السنة في ذلك وقد ذكر أصحابه عن الأئمة ما يخالف قوله في ذلك

وأما قوله

إن الله يثيب المطيع ويعفو عن العاصي أو يعذبه

فهذا مذهب أهل السنة الخاصة وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة كالكلابية والكرامية والأشعرية والسالمية وسائر فرق الأمة من المرجئة وغيرهم والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة فإنهم يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار

وأما الشيعة فالزيدية منهم أو أكثر الزيدية تقول بقول المعتزلة في ذلك والإمامية على قولين

قال الأشعري

وأجمعت الزيدية أن أصحاب الكبائر كلهم معذبون في النار خالدون فيها مخلدون أبدا لا يخرجون منها ولا يغيبون عنها

قال

واختلفت الروافض في الوعيد وهم فرقتان

فالفرقة الأولى منهم يثبتون الوعيد على مخالفيهم ويقولون إنهم يعذبون ولا يقولون بإثبات الوعيد فيمن قال بقولهم ويزعمون أن الله يدخلهم الجنة وإن أدخلهم النار أخرجهم منها ورووا في ذلك عن أئمتهم أن ما كان بين الله وبين الشيعة من المعاصي سألوا الله فيهم فصفح عنهم وما كان بين الشيعة وبين الأئمة تجاوزوا عنه وما كان بين الشيعة وبين الناس من المظالم شفعوا لهم أئمتهم حتى يصفحوا عنهم

قال

والفرقة الثانية منهم يذهبون إلى إثبات الوعيد وأن الله عز وجل يعذب كل مرتكب للكبائر من أهل مقالتهم كان أو من غير أهل مقالتهم ويخلدهم في النار

وهذا قول أئمة هذا الإمامي من المعتزلة ونحوهم

وأما قوله

ويثيب المطيع لئلا يكون ظالما فقد قدمنا أن للمثبتين للقدر في تفسير الظلم الذي يجب تنزيه الله عنه قولين

أحدهما أن الظلم هو الممتنع لذاته وهو المحال لذاته وإن كان ما يمكن أن يكون فالرب قادر عليه وكل ما كان قادرا عليه لا يكون ظالما وهذا قول الجهم والأشعري وموافقيهما وقول كثير من السلف والخلف أهل السنة والحديث

ويروى عن إياس بن معاوية قال ما ناظرت بعقلي كله إلا القدرية قلت لهم أخبروني عن الظلم ماهو قالوا التصرف في ملك غيره قلت فلله كل شيء

وهذا قول كثير من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم فعلى هذا القول لا يقال يثيب الطائع لئلا يكون ظلما

فإن الممتنع لذاته الذي لا يكون مقدورا لا يتصور وقوعه فأي شيء كان مقدورا وفعل لم يكن ظلما عند هؤلاء وهؤلاء يجوزون أن يعذب الله العبد في الدنيا والآخرة بلا ذنب كما يجوزون تعذيب أطفال الكفار ومجانينهم بلا ذنب ثم من هؤلاء من يقطع بدخول أطفال الكفار النار ومنهم من يجوزه ويتوقف فيه وطائفة من أصحاب أحمد يقطعون بذلك وينقلونه عن أحمد وهو خطاء على أحمد بل نصوص أحمد المتواترة عنه وعن غيره من الأئمة مطابقة للأحاديث الصحيحة في ذلك

وهؤلاء إنما اشتبه عليهم الأمر لأن أحمد سئل عنهم في بعض أجوبته فأجاب بالحديث الصحيح الله أعلم بما كانوا عاملين فظن هؤلاء أن أحمد أجاب بحديث روى عن خديجة أنها سألت النبي ﷺ عن أطفال المشركين فقال إنهم في النار فقالت بلا عمل فقال الله أعلم بما كانوا عاملين وهذا الحديث كذب موضوع عند أهل الحديث ومن هو دون أحمد من أئمة الحديث يعرف هذا فضلا عن مثل أحمد

وأحمد لم يجب بهذا وإنما أجاب بالحديث الذي في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبي هريرة اقرؤا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها سورة الروم 30 قالوا يا رسول الله أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير فقال الله أعلم بما كانوا عاملين وفي صحيح البخاري أيضا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سئل عن أطفال المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين وقد بسط الكلام على هذا الأحاديث وأقوال الناس في هذه المسألة ونحوها في غير هذا الموضع مثل كتاب رد تعارض العقل والنقل وغير ذلك

والقول الثاني

أن الظلم ممكن مقدور وأنه منزه عنه لا يفعله لعلمه وعدله فهو لا يحمل على أحد ذنب غيره قال تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى سورة الإسراء 15 ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما سورة طه 11وعلى هذا فعقوبة الإنسان بذنب غيره ظلم ينزه الله عنه وأما إثابة المطيع ففضل منه وإحسان وإن كان حقا واجبا بحكم وعده باتفاق المسلمين وبما كتبه على نفسه من الحرمة وبموجب أسمائه وصفاته

فليس هو من جنس ظلم الأجير الذي استؤجر ولم يوف أجره فإن هذا معاوضة والمستأجر استوفى منفعته فإن لم يوفه أجره ظلمه

والله تعالى هو المحسن إلى العباد بأمره ونهيه وبإقداره لهم على الطاعة وبإعانتهم على طاعته وهم كما قال تعالى في الحديث الصحيح الإلهي يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ياعبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم مانقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرى فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه

فبين أن الخير الموجود من الثواب مما يحمد الله عليه لأنه المحسن به وبأسبابه وأما العقوبة فإنه عادل فيها فلا يلومن العبد إلا نفسه كما قيل كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل

وأصحاب هذا القول يقولون الكتاب والسنة إنما تدل على هذا القول والله قد نزه نفسه في غير موضع عن الظلم الممكن المقدور مثل نقص الإنسان من حسناته وحمل سيئات غيره عليه

وأما خلق أفعال العباد واختصاصه أهل الإيمان بإعانتهم على الطاعة فليس هذا من الظلم في شيء باتفاق أهل السنة والجماعة وسائر المثبتين للقدر من جميع الطوائف ولكن القدرية تزعم أن ذلك ظلم وتتكلم في التعديل والتجوير بكلام متناقض فاسد كما قد بين في موضعه

وأما قوله

أو يعذبه بجرمه من غير ظلم له فهذا متفق عليه بين المسلمين أن الله تعالى ليس ظالما بتعذيب العصاة

وهم على ما تقدم من التنازع في مسمى الظلم هذا يقول لأن الظلم منه ممتنع وهذا يقول إنه وضع العقوبة موضعنا والظلم وضع الشيء في غير موضعه كما تقول العرب من أشبه أباه فما ظلم ومعلوم أن الواحد من العباد إذا عذب الظالم على ظلمه بالعدل لم يكن ظالما له وإن اعتقد أن الله خلق فعله وأنه تحت القضاء والقدر فإذا لم يكن المخلوق ظالما للمخلوق إذا عاقبه بظلمه وإن كان يعلم أن ذلك مقدر عليه فالخالق أولى أن لا يكون ظالما له وإن كان ما فعله مقدرا هذا مع ما أنه يحسن منه سبحانه بحكمته ما لا يحسن من الناس فإن الواحد من الناس لو رأى مماليكه يزنى بعضهم ببعض ويظلم بعضهم بعضا وهو قادر على منعهم ولم يمنعهم لكان مذموما بذلك مستحقا للوم والعقاب والبارئ تعالى يرى ما يفعله بعض مماليكه من ظلم وفاحشة وهو قادر على منعهم فلا يمنعهم وهو سبحانه حميد مجيد منزه عن استحقاق الذم فضلا عن عقاب إما لما له في ذلك من الحكمة على قول الأكثرين وإما لمحض المشيئة والإرادة على قول نفاة التعليل والإرادة من المثبتين للقدر فإذا كان يحسن منه من الأفعال ما لا يحسن من البشر بطل قياسه على خلقه وكان ما يحسن منا من عقوبة الظالم لا يقبح منه بطريق الأولى والأحرى فإن ما ينزه عنه من النقائص فهو أولى بتنزيهه وله من الحمد ما لا يستحقه غيره

وأما قوله

وأن أفعاله محكمة واقعة لغرض ومصلحة وإلا لكان عابثا

فقد تقدم أن لأهل السنة الذين ليسوا بإمامية قولين في تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه وأن الأكثرين على التعليل والحكمة هل هي منفصلة عن الرب لا تقوم به أو قائمة به مع ثبوت الحكم المنفصلة أيضا فيه قولان لهم وهل تتسلسل الحكم أو لا تتسلسل أو تتسلسل في المستقبل دون الماضي هذا فيه أقوال لهم

وأما لفظ الغرض فتطلقه طائفة من أهل الكلام كالقدرية وطائفة من المثبتين للقدر أيضا يقولون إنه يفعل لغرض كما ذكر ذلك من يذكره من مثبتة القدر أهل التفسير والفقه وغيرهم ولكن الغالب على الفقهاء وغيرهم من المثبتين للقدر أنهم لا يطلقون لفظ الغرض وإن أطلقوا لفظ الحكمة لما فيه من إيهام الظلم والحاجة فإن الناس إذا قالوا فلان فعل هذا لغرض وفلان له غرض مع فلان كثيرا ما يعنون بذلك المراد المذموم من ظلم وفاحشة أو غيرهما والله تعالى منزه عن أن يريد ما يكون مذموما بإرادته

وأما قوله

إنه أرسل الرسل لإرشاد العالم

فهكذا يقول جماهير أهل السنة أن الله تعالى أرسل محمدا صلىالله عليه وسلم رحمة للعالمين والذين يمتنعون من التعليل يقولون أرسله وجعل إرساله رحمة في حق من آمن به أو في حقه وحق غيره

ويقولون هذه الرحمة جعلت عند ذلك كما يقولون في سائر الأمور

التي حصل عندها آثار فإن الجمهور المثبتين للحكمة يقولون فعل كذا لأجل ذلك وفعل كذا بكذا وأولئك يقولون فعل عنده لا به ولا له

وأما قوله

وأنه تعالى غير مرئي ولا مدرك بشيء من الحواس لقوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار سورة الأنعام 103 ولأنه ليس في جهة

فيقال له

أولا النزاع في هذه المسألة بين طوائف الإمامية كما النزاع فيها بين غيرهم فالجهمية والمعتزلة والخوارج وطائفة من غير الإمامية تنكرها والإمامية لهم فيها قولان فجمهور قدمائهم يثبت الرؤية وجمهور متأخيريهم ينفونها وقد تقدم أن أكثر قدمائهم يقولون بالتجسيم

قال الأشعري

وكل المجسمة إلا نفرا قليلا يقول بإثبات الرؤية وقد يثبت الرؤية من لا يقول بالتجسيم

قلت وأما الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي حنيفة وأبي يوسف وأمثال هؤلاء وسائر أهل السنة والحديث والطوائف المنتسبين إلى السنة والجماعة كالكلابية والأشعرية والسالمية وغيرهم فهؤلاء كلهم متفقون على إثبات الرؤية لله تعالى والأحاديث بها متواترة عن النبي ﷺ عند أهل العلم بحديثه

وكذلك الآثار بها متواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وقد ذكر الإمام أحمد وغيره من الأئمة العالمين بأقوال السلف أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان متفقون على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار ومتفقون على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا ﷺ خاصة منهم من نفى رؤيته بالعين في الدنيا ومنهم من أثبتها وقد بسطت هذه الأقوال والأدلة من الجانبين في غير هذا الموضع والمقصود هنا نقل إجماع السلف على أثبات الرؤية بالعين في الآخرة ونفيها في الدنيا إلا الخلاف في النبي ﷺ خاصة

وأما احتجاجه واحتجاج النفاة أيضا بقوله تعالى لا تدركه الأبصار سورة الأنعام 103 فالآية حجة عليهم لا لهم لأن الإدراك إما أن يراد به مطلق الرؤية أو الرؤية أو الرؤية المقيدة بالإحاطة والأول باطل لأنه ليس كل من رأى شيئا يقال إنه أدركه كما لا يقال أحاط به كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال ألست ترى السماء قال بلى قال أكلها ترى قال لا

ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال إنه أدركها وإنما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك وإنما ذكرنا هذا بيانا لسند المنع بل المستدل بالآية عليه أن يبين أن الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية وأن كل من رأى شيئا يقال في لغتهم إنه أدركه وهذا لا سبيل إليه كيف وبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص أو اشتراك لفظي فقد تقع رؤية بلا إدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية فإن الإدراك يستعمل في إدراك العلم وإدراك القدرة فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد كالأعمى الذي طلب رجلا هاربا منه فأدركه ولم يره وقد قال تعالى فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين سورة الشعراء 61 62 فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي فعلم أنه قد يكون رؤية بلا أدراك والإدراك هنا هو إدراك القدرة أي ملحوقون محاط بنا وإذا انتفى هذا الإدراك فقد تنتفى إحاطة البصر أيضا

ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكره هذه الآية يمدح بها نفسه سبحانه وتعالى ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس صفة مدح لأن النفى المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا ولأن المعدوم أيضا لا يرى والمعدوم لا يمدح فعلم أن مجرد نفى الرؤية لا مدح فيه

وهذا أصل مستمر وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتا لا مدح فيه ولا كمال فلا يمدح الرب نفسه به بل ولا يصف نفسه به وإنما يصفها بالنفي المتضمن معنى ثبوت كقوله لا تأخذه سنة ولا نوم وقوله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وقوله ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وقوله ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم سورة البقرة 255 وقوله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض سورة سبأ 3 وقوله وما مسنا من لغوب سورة ق 38 ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصف الرب تعالى بها نفسه وأنها تتضمن اتصافه بصفات الكمال الثبوتية مثل كمال حياته وقيوميته وملكه وقدرته وعلمه وهدايته وانفراده بالربوبية والإلهية ونحو ذلك وكل ما يوصف به العدم المحض فلا يكون إلا عدما محضا ومعلوم أن العدم المحض يقال فيه إنه لايرى فعلم أن نفى الرؤية عدم محض ولا يقال في العدم المحض لا يدرك وإنما يقال هذا فيما لا يدرك لعظمته لا لعدمه

وإذا كان المنفى هو الإدراك فهو سبحانه وتعالى لا يحاط به رؤية كما لا يحاط به علما ولا يلزم من نفى إحاطة العلم والرؤية نفى العلم والرؤية بل يكون ذلك دليلا على أنه يرى ويحاط به كما يعلم ولا يحاط به فإن تخصيص الإحاطة بالنفي يقتضي أن مطلق الرؤية ليس بمنفى وهذا الجواب قول أكثر العلماء من السلف وغيرهم وقد روى معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره وقد روى في ذلك حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ولا تحتاج الآية إلى تخصيص ولا خروج عن ظاهر الآية فلا نحتاج أن نقول لا نراه في الدنيا أو نقول لا تدركه الأبصار بل المبصرون أو لا تدركه كلها بل بعضها ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تكلف

ثم نحن في هذا المقام يكفينا أن نقول الآية تحتمل ذلك فلا يكون فيها دلالة على نفي الرؤية فبطل استدلال من استدل بها على الرؤية وإذا أردنا أن نثبت دلالة الآية على الرؤية مع نفيها للإدراك الذي هو الإحاطة أقمنا الدلالة على أن الإدراك في اللغة ليس هو مرادفا للرؤية بل هو أخص منها وأثبتنا ذلك باللغة وأقوال المفسرين من السلف وبأدلة أخرى سمعية وعقلية

منهاج السنة النبوية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57