منهاج السنة النبوية/54

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منهاج السنة النبوية
المؤلف: ابن تيمية


فصل

قال الرافضي التاسع أن رسول الله ﷺ قال جهزوا جيش أسامة وكرر الأمر بتنفيذه وكان فيهم أبو بكر وعمر وعثمان ولم ينفذ أمير المؤمنين لأنه أراد منعهم من التوثب على الخلافة بعده فلم يقبلوا منه

والجواب من وجوه أحدها المطالبة بصحة النقل فإن هذ لا يروي بإسناد معروف ولا صححه أحد من علماء النقل ومعلوم أن الاحتجاج بالمنقولات لا يسوغ إلا بعد قيام الحجة بثبوتها وإلا فيمكن أن يقول كل أحد ما شاء

الثاني أن هذا كذب بإجماع علماء النقل فلم يكن في جيش أسامة لا أبو بكر ولا عثمان وإنما قد قيل إنه كان فيه عمر وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه استخلف أبا بكر على الصلاة حتي مات وصلى أبو بكر رضي الله عنه الصبح يوم موته وقد كشف سجف الحجرة فرآهم صفوفا خلف أبي بكر فسر بذلك فكيف يكون مع هذا قد أمره أن يخرج في جيش أسامة

الثالث أن النبي ﷺ لو أراد تولية علي لكان هؤلاء أعجز أن يدفعوا أمر رسول الله ﷺ ولكان جمهور المسلمين أطوع لله ورسوله من أن يدعوا هؤلاء يخالفون أمره لا سيما وقد قاتل ثلث المسلمين أو أكثر مع علي لمعاوية وهم لا يعلمون أن معه نصا فلو كان معه نص لقاتل معه جمهور المسلمين

الرابع أنه أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ولم يأمر عليا فلو كان علي هو الخليفة لكان يأمره بالصلاة بالمسلمين فكيف ولم يؤمر عليا على أبي بكر قط

بل في الصحيحين أنه لما ذهب يصلح بين بني عمرو بن عوف قال لبلال إذا حضرت الصلاة فمر أبا بكر أن يصلي بالناس وكذلك في مرضه ولما أراد إقامة الحج أمر أبا بكر أن يحج وأردفه بعلي تابعا له وأبو بكر هو الإمام الذي يصلي بالناس بعلي وغيره ويأمر عليا وغيره فيطيعونه وقد أمر أبا بكر على علي في حجة سنة تسع وكان أبو بكر مؤمرا عليهم إماما لهم

فصل

قال الرافضي العاشر أنه لم يول أبا بكر شيئا من الأعمال وولي عليه

والجواب من وجوه أحدها أن هذا باطل بل الولاية التي ولاها أبا بكر لم يشركه فيها أحد وهي ولاية الحج وقد ولاه غير ذلك

الثاني أن النبي ﷺ قد ولى من هو بإجماع أهل السنة والشيعة من كان عنده دون أبي بكر مثل عمرو بن العاص والوليد ابن عقبة وخالد بن الوليد فعلم أنه لم يترك ولايته لكونه ناقصا عن هؤلاء

الثالث أن عدم ولايته لا يدل على نقصه بل قد يترك ولايته لأنه عنده أنفع له منه في تلك الولاية وحاجته إليه في المقام عنده وغنائه عن المسلمين أعظم من حاجته إليه في تلك الولاية فإنه هو وعمر كانا مثل الوزيرين له يقول كثيرا دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر وكان أبو بكر يسمر عنده عامة ليله

وعمر لم يكن يولى أهل الشورى كعثمان وطلحة والزبير وغيرهم وهم عنده أفضل ممن ولاه مثل عمرو بن العاص ومعاوية وغيرهما لأن أنتفاعه بهؤلاء في حضوره أكمل من انتفاعه بواحد منهم في ولاية يكفي فيها من دونهم

وأبو بكر كان يدخل مع النبي ﷺ ويليه عمر وقال لهما إذا اتفقتما على شيء لم أخالفكما وإذا قدم عليه الوفد شاورهما فقد يشير هذا بشيء ويشير هذا بشيء ولذلك شاروهما في أسرى بدر وكان مشاورته لأبي بكر أغلب واجتماعه به أكثر هذا أمر يعلمه من تدبر الأحاديث الصحيحة التي يطول ذكرها

فصل

قال الرافضي الحادي عشر أنه ﷺ أنفذه لأداء سورة براءة ثم أنفذ عليا وأمره برده وأن يتولى هو ذلك من لا يصلح لأداء سورة أو بعضها فكيف يصلح للإمامة العامة المتضمنة لأداء الأحكام إلى جميع الأمة

والجواب من وجوه أحدها أن هذا كذب باتفاق أهل العلم وبالتواتر العام فإن النبي ﷺ استعمل أبا بكر على الحج سنة تسع لم يرده ولا رجع بل هو الذي أقام للناس الحج ذلك العام وعلي من جملة رعيته يصلي خلفه ويدفع بدفعه ويأتمر بأمره كسائر من معه

وهذا من العلم المتواتر عند أهل العلم لم يختلف اثنان في أن أبا بكر هو الذي أقام الحج ذلك العام بأمر النبي ﷺ فكيف يقال إنه أمره برده؟ ولكن أردفه بعلي لينبذ إلى المشركين عهدهم لأن عادتهم كانت جارية أن لا يعقد العقود ولا يحلها إلا المطاع أو رجل من أهل بيته فلم يكونوا يقبلون ذلك من كل أحد

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وفي رواية ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي وأمره أن يؤذن ببراءة فأذن علي معنا في أهل منى يوم النحر ببراءة وبأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان قال فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع التي حج فيها رسول الله ﷺ مشرك

قال أبو محمد بن حزم وما حصل في حجة الصديق كان من أعظم فضائله لأنه هو الذي خطب بالناس في ذلك الموسم والجمع العظيم والناس منصتون لخطبته يصلون خلفه وعلي من جملتهم وفي السورة فضل بن أبي بكر وذكر الغار فقرأها علي على الناس فهذا مبالغة في فضل أبي بكر وحجة قاطعة

وتأميره لأبي بكر على علي هذا كان بعد قوله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ولا ريب أن هذا الرافضي ونحوه من شيوخ الرافضة من أجهل الناس بأحوال الرسول وسيرته وأموره ووقائعه يجهلون من ذلك ما هو متواتر معلوم لمن له أدنى معرفة بالسيرة ويجيئون إلى ما وقع فيقبلونه ويزيدون فيه وينقصون

وهذا القدر وإن كان الرافضي لم يفعله فهو فعل شيوخه وسلفه الذين قلدهم ولم يحقق ما قالوه ويراجع ما هو المعلوم عند أهل العلم المتواتر عندهم المعلوم لعامتهم وخاصتهم

الثاني قوله الإمامة العامة متضمنة لاداء جميع الأحكام إلى الأمة

قول باطل فالأحكام كلها قد تلقتها الأمة عن نبيها لا تحتاج فيها إلى الإمام إلا كما تحتاج إلى نظائره من العلماء وكانت عامة الشريعة التي يحتاج الناس إليها عند الصحابة معلومة ولم يتنازعوا زمن الصديق في شيء منها إلا واتفقوا بعد النزاع بالعلم الذي كان يظهره بعضهم لبعض وكان الصديق يعلم عامة الشريعة وإذا خفى عنه الشيء اليسير سأل عنه الصحابة ممن كان عنده علم ذلك كما سألهم عن ميراث الجدة فأخبره من أخبره منهم أن النبي ﷺ أعطاها السدس

ولم يعرف لأبي بكر فتيا ولا حكم خالف نصا وقد عرف لعمر وعثمان وعلي من ذلك أشياء والذي عرف لعلي أكثر مما عرف لهما، مثل قوله في الحامل المتوفى عنها زوجها إنها تعتد أبعد الأجلين وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لسبيعة الأسلمية لما وضعت بعد وفاة زوجها بثلاث ليلال حللت فانكحي من شئت ولما قالت له إن أبا السنابل قال ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك آخر الأجلين قال: كذب أبو السنابل

وقد جمع الشافعي في كتاب خلاف علي وعبدالله من أقوال علي التي تركها الناس لمخالفتها النص أو معنى النص جزءا كبيرا

وجمع بعده محمد بن نصر المروزي أكثر من ذلك فإنه كان إذا ناظره الكوفيون يحتج بالنصوص فيقولون نحن أخذنا بقول علي وابن مسعود يحتج بالنصوص فيقولون نحن أخذنا بقول علي وابن مسعود فجمع لهم أشياء كثيرة من قول علي وابن مسعود تركوه أو تركه الناس يقول إذا جاز لكم خلافهما في تلك المسائل لقيام الحجة على خلافهما فكذلك في سائر المسائل ولم يعرف لأبي بكر مثل هذا الثالث أن القرآن بلغه عن النبي ﷺ كل أحد من المسلمين فيمتنع أن يقال إن أبا بكر لم يكن يصلح لتبليغه

الرابع أنه لا يجوز أن يظن أن تبليغ القرآن يختص بعلي فإن القرآن لا يثبت بخبر الآحاد بل لا بد أن يكون منقولا بالتواتر

الخامس أن الموسم ذلك العام كان يحج فيه المسلمون والمشركون وكان النبي ﷺ أمر أبا بكر أن ينادي في الموسم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان كما ثبت في الصحيحين فأي حاجة كانت بالمشركين إلى أن يبلغوا القرآن

فصل

قال الرافضي الثاني عشر قول عمر إن محمدا لم يمت وهذا يدل على قلة علمه وأمر برجم حامل فنهاه علي فقال لولا علي لهلك عمر وغير ذلك من الأحكام التي غلط فيها وتلون فيها

والجواب أن يقال أولا ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: قد كان قبلكم في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر ومثل هذا لم يقله لعلي

وأنه قال: رأيت أني أتيت بقدح فيه لبن فشربت حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم ناولت فضلي عمر قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم

فعمر كان أعلم الصحابة بعد أبي بكر

وأما كونه ظن أن النبي ﷺ لم يمت فهذا كان ساعة ثم تبين له موته ومثل هذا يقع كثيرا قد يشك الإنسان في موت ميت ساعة وأكثر ثم يتبين له موته وعلي قد تبين له أمور بخلاف ما كان يعتقده فيها أضعاف ذلك بل ظن كثيرا من الأحكام على خلاف ما هي عليه ومات على ذلك ولم يقدح ذلك في إمامته كفتياه في المفوضة التي ماتت ولم يفرض لها وأمثال ذلك مما هو معروف عند أهل العلم

وأما الحامل فإن كان لم يعلم أنها حامل فهو من هذا الباب فإنه قد يكون أمر برجمها ولم يعلم أنها حامل فأخبره علي أنها حامل فقال لولا أن عليا أخبرني بها لرجمتها فقتلت الجنين فهذا هو الذي خاف منه

وإن قدر أنه كان يظن جواز رجم الحامل فهذا مما قد يخفى فإن الشرع قد جاء في موضع بقتل الصبي والحامل تبعا كما إذا حوصر الكفار فإن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف ونصب عليهم المنجنيق وقد يقتل النساءو الصبيان

وفي الصحيح أنه سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم فقال هم منهم

وقد ثبت عنه أنه نهى عن قتل النساء والصبيان، وقد اشتبه هذا على طائفة من أهل العلم فمنعوا من البيات خوفا من قتل النساء والصبيان

فكذلك قد يشتبه على من ظن جواز ذلك ويقول إن الرجم حد واجب على الفور فلا يجوز تأخيره

لكن السنة فرقت بين ما يمكن تأخيره كالحد وبين ما يحتاج إليه كالبيات والحصار

وعمر رضي الله عنه كان يراجعه آحاد الناس حتى في مسألة الصداق قالت امرأة له أمنك نسمع أم من كتاب الله فقال بل من كتاب الله فقالت إن الله يقول وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا سورة النساء 20 فقال امرأة أصابت ورجل أخطأ

وكذلك كان يرجع إلى عثمان وغيره وهو أعلم من هؤلاء كلهم

وصاحب العلم العظيم إذا رجع إلى من هو دونه في بعض الأمور لم يقدح هذا في كونه أعلم منه فقد تعلم موسى من الخضر ثلاث مسائل وتعلم سليمان من الهدهد خبر بلقيس

وكان الصحابة فيهم من يشير على النبي ﷺ في بعض الأمور وكان عمر أكثر الصحابة مراجعة للنبي ﷺ ونزل القرآن بموافقته في مواضع كالحجاب وأسارى بدر واتخاذ مقام إبراهيم مصلى وقوله عسى ربه إن طلقكن وغير ذلك

وهذه الموافقة والمراجعة لم تكن لا لعثمان ولا لعلي

وفي الترمذي: لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ولو كان بعدي نبي لكان عمر

فصل

قال الرافضي الثالث عشر أنه ابتدع التراويح مع أن النبي ﷺ قال: أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة جماعة بدعة وصلاة الضحى بدعة فإن قليلا في سنة خير من كثير في بدعة ألا وإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار وخرج عمر في شهر رمضان ليلا فرأى المصابيح في المساجد فقال ما هذا فقيل له إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع فقال بدعة ونعمت البدعة فاعترف بأنها بدعة

فيقال ما رؤى في طوائف أهل البدع والضلال أجرا من هذه الطائفة الرافضة على الكذب على رسول الله ﷺ وقولها عليه ما لم يقله والوقاحة المفرطة في الكذب وإن كان فيهم من لا يعرف أنها كذب فهو مفرط في الجهل كما قال ... فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

والجواب من وجوه أحدها المطالبة فيقال ما الدليل على صحة هذا الحديث وأين إسناده وفي أي كتاب من كتب المسلمين روى هذا ومن قال من أهل العلم بالحديث إن هذا صحيح

الثاني أن جميع أهل المعرفة بالحديث يعلمون علما ضروريا أن هذا من الكذب الموضوع على رسول الله ﷺ وأدنى من له معرفة بالحديث يعلم أنه كذب لم يروه أحد من المسلمين في شئ من كتبه لا كتب الصحيح ولا السنن ولا المساند ولا المعجمات ولا الأجزاء ولا يعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف بل هو كذب بين

الثالث أنه قد ثبت أن الناس كانوا يصلون بالليل في رمضان على عهد النبي ﷺ وثبت أنه صلى بالمسلمين جماعة ليلتين أو ثلاثا

ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلى وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ﷺ فصلى صلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فطفق رجال يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال

أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك وذلك في رمضان

وعن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقى سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل فلما كانت السادسة لم يقم بنا فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلت يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة قال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة فلما كانت الليلة الرابعة لم يقم بنا فلما كانت الليلة الثالثة جمع أهله ونساءه فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قلت وما الفلاح قال: السحور ثم لم يقم بنا بقية الشهر رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة ويقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر

وخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال خرجت مع عمر ليلة من رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلى الرجل لنفسه ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط فقال عمر إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعمت البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يريد بذلك آخر الليل وكان الناس يقومون أوله

وهذا الاجتماع العام لما لم يكن قد فعل سماه بدعة لأن ما فعل ابتداء يسمى بدعة في اللغة وليس ذلك بدعة شرعية فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة هي ما فعل بغير دليل شرعي كاستحباب ما لم يحبه الله وإيجاب ما لم يوجبه الله وتحريم ما لم يحرمه الله فلا بد مع الفعل من اعتقاد يخالف الشريعة وإلا فلو عمل الانسان فعلا محرم يعتقد تحريمه لم يقل إنه فعل بدعة

الرابع أن هذا لو كان قبيحا منهيا عنه لكان علي أبطله لما صار أمير المؤمنين وهو بالكوفة فلما كان جاريا في ذلك مجرى عمر دل على استحباب ذلك بل روى عن علي أنه قال نور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا

وعن أبي عبد الرحمن السلمي أن عليا دعا القراء في رمضان فأمر رجلا منهم يصلى بالناس عشرين ركعة قال وكان علي يوتر بهم

وعن عرفجة الثقفي قال كان علي يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماما وللنساء إماما قال عرفجة فكنت أنا إمام النساء رواهما البيهقي في سننه

وقد تنازع العلماء في قيام رمضان هل فعله في المسجد جماعة أفضل أم فعله في البيت أفضل على قولين مشهورين هما قولان للشافعي وأحمد وطائفة يرجحون فعلها في المسجد جماعة منهم الليث وأما مالك وطائفة فيرجحون فعلها في البيت ويحتجون بقول النبي ﷺ: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة أخرجاه في الصحيحين

وأحمد وغيره احتجوا بقوله في حديث أبي ذر: الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة

وأما قوله: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة فالمراد بذلك ما لم تشرع له الجماعة وأما ما شرعت له الجماعة كصلاة الكسوف ففعلها في المسجد أفضل بسنة رسول الله ﷺ المتواترة واتفاق العلماء

قالوا فقيام رمضان إنما لم يجمع النبي ﷺ الناس عليه خشية أن يفترض وهذا قد أمن بموته فصار هذا كجمع المصحف وغيره

وإذا كانت الجماعة مشروعة فيها ففعلها في الجماعة أفضل

وأما قول عمر رضي الله عنه والتي تنامون عنها أفضل يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله فهذا كلام صحيح فإن آخر الليل أفضل كما أن صلاة العشاء في أوله أفضل والوقت المفضول قد يختص العمل فيه بما يوجب أن يكون أفضل منه في غيره كما أن الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة أفضل من التفريق بسبب أوجب ذلك وإن كان الأصل أن الصلاة في وقتها الحاضر والإبراد بالصلاة في شدة الحر أفضل

وأما يوم الجمعة فالصلاة عقب الزوال أفضل ولا يستحب الإبراد بالجمعة لما فيه من المشقة على الناس وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أفضل إلا إذا اجتمع الناس وشق عليهم الانتظار فصلاتها قبل ذلك أفضل وكذلك الاجتماع في شهر رمضان في النصف الثاني إذا كان يشق على الناس

وفي السنن عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله

ولهذا كان الإمام أحمد في إحدى الروايتين يستحب إذا أسفر بالصبح أن يسفر بها لكثرة الجمع وإن كان التغليس أفضل

فقد ثبت بالنص والاجماع أن الوقت المفضول قد يختص بما يكون الفعل فيه أحيانا أفضل

وأما الضحى فليس لعمر فيها اختصاص بل قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام

وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء مثل حديث أبي هريرة

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهى عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى

فصل

قال الرافضي الرابع عشر أن عثمان فعل أمورا لا يجوز فعلها حتى أنكر عليه المسلمون كافة واجتمعوا على قتله أكثر من اجتماعهم على إمامته وإمامة صاحبيه

والجواب من وجوه أحدها أن هذا من أظهر الكذب فإن الناس كلهم بايعوا عثمان في المدينة وفي جميع الأمصار لم يختلف في إمامته اثنان ولا تخلف عنها أحد ولهذا قال الإمام أحمد وغيره إنها كانت أوكد من غير باتفاقهم عليها

وأما الذين قتلوه فنفر قليل قال ابن الزبير يعيب قتلة عثمان خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية فقتلهم الله كل قتلة ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب يعني هربوا ليلا

ومعلوم بالتواتر أن أهل الأمصار لم يشهدوا قتله فلم يقتله بقدر من بايعه وأكثر أهل المدينة لم يقتلوه ولا أحد من السابقين الأولين دخل في قتله كما دخلوا في بيعته بل الذين قتلوه أقل من عشر معشار من بايعه فكيف يقال إن اجتماعهم على قتله كان أكثر من اجتماعهم على بيعته لا يقول هذا إلا من هو من أجهل الناس بأحوالهم وأعظمهم تعمدا للكذب عليهم

الثاني أن يقال الذين أنكروا على علي وقاتلوه أكثر بكثير من الذين أنكروا على عثمان وقتلوه فإن عليا قاتله بقدر الذين قتلوا عثمان أضعافا مضاعفة وقطعه كثير من عسكره خرجوا عليه وكفروه وقالوا أنت ارتددت عن الإسلام لا نرجع إلى طاعتك حتى تعود إلى الاسلام

ثم إن واحدا من هؤلاء قتله قتل مستحل لقتله متقرب إلى الله بقتله معتقدا فيه أقبح مما اعتقده قتله عثمان فيه

فإن الذين خرجوا على عثمان لم يكونوا مظهرين لكفره وإنما كانوا يدعون الظلم وأما الخوارج فكانوا يجهرون بكفر علي وهم أكثر من السرية التي قدمت المدينة لحصار عثمان حتى قتل

فإن كان هذا حجة في القدح في عثمان كان ذلك حجة في القدح في علي بطريق الأولى والتحقيق أن كليهما حجة باطلة لكن القادح في عثمان بمن قتله أدحض حجة من القادح في علي بمن قاتله فإن المخالفين لعلي المقاتلين له كانوا أضعاف المقاتلين لعثمان بل الذين قاتلوا عليا كانوا أفضل باتفاق المسلمين من الذين حاصروا عثمان وقتلوه وكان في المقاتلين لعلي أهل زهد وعبادة ولم يكن قتله عثمان لا في الديانة ولا في إظهار تكفيره مثلهم ومع هذا فعلى خليفة راشد والذين استحلوا دمه ظالمون معتدون فعثمان أولى بذلك من علي

الثالث أن يقال قد علم بالتواتر أن المسلمين كلهم اتفقوا على مبايعة عثمان لم يتخلف عن بيعته أحد مع أن بيعة الصديق تخلف عنها سعد بن عبادة ومات ولم يبايعه ولا بايع عمر ومات في خلافة عمر ولم يكن تخلف سعد عنها قادحا فيها لأن سعدا لم يقدح في الصديق ولا في أنه أفضل المهاجرين بل كان هذا معلوما عندهم لكن طلب أن يكون من الأنصار أمير

وقد ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ أنه قال: الأئمة من قريش فكان ما ظنه سعد خطأ مخالفا للنص المعلوم فعلم أن تخلفه خطأ بالنص وإذا علم الخطأ بالنص لم يحتج فيه إلى الإجماع

وأما بيعة عثمان فلم يتخلف عنها أحد مع كثرة المسلمين وانتشرهم من إفريقية إلى خراسان ومن سواحل الشام إلى أقصى اليمن ومع كونهم كانوا ظاهرين على عدوهم من المشركين وأهل الكتاب يقاتلونهم وهي في زيادة فتح وانتصار ودوام دولة ودوام المسلمين على مبايعته والرضا عنه ست سنين نصف خلافته معظمين له مادحين له لا يظهر من أحد منهم التكلم فيه بسوء

ثم بعد هذا صار يتكلم فيه بعضهم وجمهورهم لا يتكلم فيه إلا بخير وكانت قد طالت عليهم إمارته فانه بقي اثنتي عشرة سنة لم تدم خلافة أحد من الأربعة ما دامت خلافته فإن خلافة الصديق كانت سنتين وبعض الثالثة وخلافة عمر عشر سنين وبعض الأخرى وخلافة على أربع سنين وبعض الخامسة ونشأ في خلافته من دخل في الإسلام كرها فكان منافقا مثل ابن سبأ وأمثاله وهم الذين سعوا في الفتنة بقتله

وفي المؤمنين من يسمع المنافقين كما قال تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم سورة التوبة 47 أي وفيكم من يسمع منهم فيستجيب لهم ويقبل منهم لأنهم يلبسون عليه

وهكذا فعل أولئك المنافقون لبسوا على بعض من كان عندهم يحب عثمان ويبغض من كان يبغضه حتى تقاعد بعض الناس عن نصره

وكان الذين اجتمعوا على قتله عامتهم من أوباش القبائل ممن لا يعرف له في الإسلام ذكر بخير ولولا الفتنة لما ذكروا

وأما علي فمن حين تولى تخلف عن بيعته قريب من نصف المسلمين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن قعد عنه فلم يقاتل معه ولا قاتله مثل أسامة بن زيد وابن عمر ومحمد بن مسلمة ومنهم من قاتله

ثم كثير من الذين بايعوه رجعوا عنه منهم من كفره واستحل دمه ومنهم من ذهب إلى معاوية كعقيل أخيه وأمثاله

ولم تزل شيعة عثمان القادحين في علي تحتج بهذا على أن عليا لم يكن خليفة راشدا وما كانت حجتهم أعظم من حجة الرافضة فإذا كانت حجتهم داحضة وعلي قتل مظلوم فعثمان أولى بذلك

باب

قال الرافضي الفصل السادس في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر احتجوا بوجوه الأول الإجماع والجواب منع الإجماع فإن جماعة من بني هاشم لم يوافقوا على ذلك وجماعة من أكابر الصحابة كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة وسعد بن عبادة وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد وخالد بن سعيد بن العاص وابن عباس حتى أن أباه أنكر ذلك وقال من استخلف على الناس فقالوا ابنك فقال وما فعل المستضعفان إشارة إلى علي والعباس قالوا اشتغلوا بتجهيز رسول الله ﷺ ورأوا أن ابنك أكبر الصحابة سنا فقال أنا أكبر منه

وبنو حنيفة كافة لم يحملوا الزكاة إليه حتى سماهم أهل الردة وقتلهم وسباهم فأنكر عمر عليه ورد السبايا أيام خلافته

والجواب بعد أن يقال الحمد لله الذي أظهر من أمر هؤلاء إخوان المرتدين ما تحقق به عند الخاص والعام أنهم إخوان المرتدين حقا وكشف أسرارهم وهتك أستارهم بألسنتهم فإن الله لا يزال يطلع على خائنة منهم تبين عداوتهم لله ورسوله ولخيار عباد الله وأوليائه المتقين ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا

فنقول من كان له أدنى علم بالسيرة وسمع مثل هذا الكلام جزم بأحد أمرين إما بأن قائله من أجهل الناس بأخبار الصحابة وإما أنه من أجرأ الناس على الكذب فظنى أن هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الرافضة ينقلون ما في كتب سلفهم من غير اعتبار منهم لذلك ولا نظر في أخبار الإسلام وفي الكتب المصنفة في ذلك حتى يعرف أحوال الإسلام فيبقى هذا وأمثاله في ظلمة الجهل بالمنقول والمعقول

ولا ريب أن المفترين للكذب من شيوخ الرافضة كثيرون جدا وغالب القوم ذوو هوى أو جهل فمن حدثهم بما يوافق هواهم صدقوه ولم يبحثوا عن صدقة وكذبه ومن حدثهم بما يخالف أهواءهم كذبوه ولم يبحثوا عن صدقه وكذبه ولهم نصيب وافر من قوله تعالى فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه سورة الزمر 32 كما أن أهل العلم والدين لهم نصيب وافر من قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون سورة الزمر 33

ومن أعظم ما في هذا الكلام من الجهل والضلال جعله بني حنيفة من أهل الإجماع فإنهم لما امتنعوا عن بيعته ولم يحملوا إليه الزكاة سماهم أهل الردة وقتلهم وسباهم وقد تقدم مثل هذا في كلامه

وبنو حنيفة قد علم الخاص والعام أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة باليمامة وادعى أنه شريك النبي ﷺ في الرسالة وادعى النبوة في آخر حياة النبي ﷺ فقتل هو والأسود العنسى بصنعاء اليمن وكان اسمه عبهلة واتبع الأسود أيضا خلق كثير ثم قتله الله بيد فيروز الديلمي ومن أعانه على ذلك وكان قتله في حياة النبي ﷺ وأخبر النبي ﷺ بقتله ليلة قتل وقال رجل صالح من أهل بيت صالحين

والأسود ادعى الاستقلال بالنبوة ولم يقتصر على المشاركة وغلب على اليمن وأخرج منها عمال النبي ﷺ حتى قتله الله ونصر عليه المسلمين بعد أن جرت أمور وقد نقل في ذلك ما هو معروف عند أئمة العلم

وأما مسيلمة فانه ادعى المشاركة في النبوة وعاش إلى خلافة أبي بكر

وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال رأيت في منامي كأن في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فقيل لي انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما الكذابين صاحب صنعاء وصاحب اليمامة وأمر مسيلمة وادعاؤه النبوة واتباع بني حنيفة له أشهر وأظهر من أن يخفي إلا على من هو من أبعد الناس عن المعرفة والعلم

وهذا أمر قد علمه من يعلمه من اليهود والنصارى فضلا عن المسلمين وقرآنه الذي قرأه قد حفظ الناس منه سورا إلى اليوم مثل قوله يا ضفدع بنت ضفدعين نقي كم تنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء وذنبك في الطين

ومثل قوله الفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا لقليل

ومثل قوله إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وهاجر ولاتطع كل ساحر وكافر

ومثل قوله والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا إهالة وسمنا إن الأرض بيننا وبين قريش نصفين ولكن قريشا قوم لا يعدلون وأمثال هذا الهذيان

ولهذا لما قدم وفد بني حنيفة على أبي بكر بعد قتل مسيلمة طلب منهم أبو بكر أن يسمعوه شيئا من قرآن مسيلمة فلما أسمعوه قال لهم ويحكم أين يذهب بعقولكم إن هذا كلام لم يخرج من إل أي من رب

وكان مسيلمة قد كتب إلى النبي ﷺ في حياته من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك فكتب إليه النبي ﷺ من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ولما جاء رسوله إلى النبي ﷺ قال له أتشهد أن مسيلمة رسول الله قال نعم قال لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك ثم بعد هذا أظهر أحد الرسولين الردة بالكوفة فقتله ابن مسعود وذكره بقول النبي ﷺ هذا

وكان مسيلمة قد قدم في وفد بني حنيفة إلى النبي ﷺ وأظهر الإسلام ثم لما رجع إلى بلده قال لقومه إن محمد قد أشركني في الأمر معه واستشهد برجلين أحدهما الرحال بن عنفوة فشهد له بذلك ويروي عن النبي ﷺ أنه قال لثلاثة أحدهم أبو هريرة والثاني الرحال هذا إن أحدكم ضرسه في النار أعظم من كذا وكذا فاستشهد الثالث في سبيل الله وبقي أبو هريرة خائفا حتى شهد هذا لمسيلمة بالنبوة واتبعه فعلم أنه هو كان المراد بخبر النبي ﷺ

وكان مؤذن مسيلمة يقول أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله

ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الإمة أولهم وآخرهم أنه قاتل المرتدين وأعظم الناس ردة كان بنو حنيفة ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذب وكانوا فيما يقال نحو مائة ألف

والحنيفة أم محمد بن الحنيفة سرية علي كانت من بني حنيفة وبهذا احتج من جوز سبي المرتدات إذا كان المرتدون محاربين فإذا كانوا مسلمين معصومين فكيف استجاز علي أن يسبي نساءهم ويطأ من ذلك السبي

وأما الذين قاتلهم على منع الزكاة فأولئك ناس آخرون ولم يكونوا يؤدونها وقالوا لا نؤديها إليك بل امتنعوا من أدائها بالكلية فقاتلهم على هذا لم يقاتلهم ليؤووها إليه وأتباع الصديق كأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهما يقولون إذا قالوا نحن نؤديها ولا ندفعها إلى الإمام لم يجز قتالهم لعلهم بأن الصديق إنما قاتل من امتنع عن أدائها جملة لا من قال أنا أؤديها بنفسي

ولو عد هذا المفترى الوافضي من المتخلفين عن بيعة أبي بكر المجوس واليهود والنصارى لكان ذلك من جنس عدة لبني حنيفة بل كفر بني حنيفة من بعض الوجوه كان أعظم من كفر اليهود والنصارى والمجوس فإن أولئك كفار مليون وهؤلاء مرتدون وأولئك يقرون بالجزية وهؤلاء لا يقرون بالجزية وإولئك لهم كتاب أو شبهة كتاب وهؤلاء اتبعوا مفتريا كذابا لكن كان مؤذنه يقول أشهد أن محمدا ومسيلمة رسولا الله وكانوا يجعلون محمدا ومسيلمة سواء

وأمر مسيلمة مشهور في جميع الكتب الذي يذكر فيها مثل ذلك من كتب الحديث والتفسير والمغازي والفتوح والفقه والأصول والكلام وهذا أمر قد خلص إلى العذاري في خدورهن بل قد أفرد الإخباريون لقتال أهل الردة كتبا سموها كتب الردة والفتوح مثل كتاب الردة لسيف بن عمر والواقدي وغيرهما يذكرون فيها من تفاصيل أخبار أهل الردة وقتالهم ما يذكرون كما قد أوردوا مثل ذلك في مغازي رسول الله ﷺ وفتوح الشام

فمن ذلك ما هو متواتر عند الخاصة والعامة ومنه ما نقله الثقات ومنه أشياء مقاطيع ومراسيل يحتمل أن تكون صدقا وكذبا ومنه ما يعلم أنه ضعيف وكذب

لكن تواتر ردة مسليمة وقتال الصديق وحربة له كتواترهرقل وكسرى وقيصر ونحوهم ممن قاتله الصديق وعمر وعثمان وتواتر كفر من قاتله النبي ﷺ من اليهود والمسركين مثل عتبة وأبي ابن خلف وحيى بن أخطب وتتواتر نفاق عبد الله بن أبي بن سلول وأمثال ذلك

بل تواتر ردة مسيلمة وقتال الصديق له أظهر عند الناس من قتال الجمل وصفين ومن كون طلحة والزبير قاتلا عليا ومن كون سعد وغيره تخلفوا عن بيعة علي

وفي الصحيحين عن ابن عباس قال قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ المدينة فجعل يقول إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته فقدمها في بشر كثير من قومه فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد النبي ﷺ قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: لو سألني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني لأراك الذي أريت فيك ما رأيت وهذا ثابت يجيبك عني ثم انصرف عنه قال ابن عباس فسألت عن قول النبي ﷺ: أريت فيك ما رأيت فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحى إلى في المنام أن أنفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان بعدي فكان أحدهما العنس صاحب صنعاء والآخر مسيلمة

وأما قول الرافضي إن عمر أنكر قتال أهل الردة، فمن أعظم الكذب والافتراء على عمر بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسليمة وأصحابه ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام وامتنعوا عن أداء الزكاة فهؤلاء حصل لعمر أولا شبهة في قتالهم حتى ناظره الصديق وبين له وجوب قتالهم فرجع إليه والقصة في ذلك مشهورة

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأقوالهم إلا بحقها وحسابهم على الله قال أبو بكر ألم يقل إلا بحقها فإن الزكاة من حقها والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق

وعمر احتج بما بلغه أو سمعه من النبي ﷺ فبين له الصديق أن قوله بحقها يتناول الزكاة فإنهما حق المال

وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها

فهذا اللفظ الثاني الذي قاله رسول الله ﷺ بين فقه أبي بكر وهو صريح في القتال عن أداء الزكاة وهو مطابق للقرآن

قال تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم سورة التوبة 5 فعلق تخلية السبيل على الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة

والأخبار المنقولة عن هؤلاء أن منهم من كان قد قبض الزكاة ثم أعادها إلى أصحابها لما بلغه موت النبي ﷺ ومنهم من كان يتربص ثم هؤلاء الذين قاتلهم الصديق عليها لما قاتلهم صارت العمال الذين كانوا على الصدقات زمن النبي ﷺ وغيرهم يقبضونها كما كانوا يقبضونها في زمنه ويصرفونها كما كانوا يصرفونها

وكتب الصديق لمن كان يستعمله كتابا للصدقة فقال بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ والتي أمر بها

وبهذا الكتاب ونظائره يأخذ علماء المسلمين كلهم فلم يأخذ لنفسه منها شيئا ولا ولى أحدا من أقاربه لا هو ولا عمر بخلاف عثمان وعلي فإنهما وليا أقاربهما

فإن جاز أن يطعن في الصديق والفاروق أنهما قاتلا لأخذ المال فالطعن في غيرهما أوجه فإذا وجب الذب عن عثمان وعلي فهو عن أبي بكر وعمر أوجب

وعلي يقاتل ليطاع ويتصرف في النفوس والأموال فكيف يجعل هذا قتالا على الدين وأبو بكر يقاتل من ارتد عن الإسلام ومن ترك ما فرض الله ليطيع الله ورسوله فقط ولا يكون هذا قتالا على الدين

وأما الذين عدهم هذا الرافضي أنهم تخلفوا عن بيعة الصديق من أكابر الصحابة فذلك كذب عليهم إلا على سعد بن عبادة فإن مبايعة هؤلاء لأبي بكر وعمر أشهر من أن تنكر وهذا مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث والسير والمنقولات وسائر أصناف أهل العلم خلفا عن سلف

وأسامة بن زيد ما خرج في السرية حتى بايعه ولهذا يقول له يا خليفة رسول الله

وكذلك جميع من ذكره بايعه لكن خالد بن سعيد كان نائبا للنبي ﷺ فلم مات النبي ﷺ قال لا أكون نائبا لغيره فترك الولاية وإلا فهو من المقرين بخلافة الصديق وقد علم بالتواتر أنه لم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة

وأما علي وبنو هاشم فكلهم بايعه باتفاق الناس لم يمت أحد منهم إلا وهو مبايع له

لكن قيل علي تأخرت بيعته ستة أشهر وقيل بل بايعه ثاني يوم وبكل حال فقد بايعوه من غير إكراه

ثم جميع الناس بايعوا عمر إلا سعدا لم يتخلف عن بيعة عمر أحد لابنو هاشم ولا غيرهم

وأما بيعة عثمان فاتفق الناس كلهم عليها وكان سعد قد مات في خلافة عمر فلم يدركها وتخلف سعد قد عرف سببه فإنه كان يطلب أن يصير أميرا ويجعل من المهاجرين أميرا ومن الأنصار أميرا وما طلبه سعد لم يكن سائغا بنص رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين

وإذا ظهر خطأ الواحد المخالف للإجماع ثبت أن الإجماع كان صوابا وأن ذلك الواحد الذي عرف خطؤه بالنص شاذ لا يعتد به بخلا ف الواحد الذي يظهر حجة شرعية من الكتاب والسنة فإن هذا يسوغ خلافة وقد يكون الحق معه ويرجع إليه غيره

كما كان الحق مع أبي بكر في تجهيز جيش أسامة وقتال مانعي الزكاة وغير ذلك حتى تبين صواب رأيه فيما بعد

وما ذكره عن أبي قحافة فمن الكذب المتفق عليه ولكن أبو قحافة كان بمكة وكان شيخا كبيرا أسلم عام الفتح أتى به أبو بكر إلى النبي ﷺ ورأسه ولحيته مثل الثغامة فقال النبي ﷺ: لو أقررت الشيخ مكانة لأتيناه إكراما لأبي بكر وليس في الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده وأدركوا النبي ﷺ وأدركه أيضا بنو أولاده إلا أبو بكر من جهة الرجال والنساء فمحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة هؤلاء الأربعة كانوا في زمن النبي ﷺ مؤمنين وعبد الله بن الزبير بن أسماء بنت أبي بكر كلهم أيضا آمنوا بالنبي ﷺ وصحبوه وأم أبي بكر أم الخير آمنت بالنبي ﷺ فهم أهل بيت إيمان ليس فيهم منافق ولا يعرف في الصحابة مثل هذا لغير بيت أبي بكر

وكان يقال للإيمان بيوت وللنفاق بيوت فبيت أبي بكر من بيوت الإيمان من المهاجرين وبنو النجار من بيوت الإيمان من الأنصار وقوله إنهم قالوا لأبي قحافة إن أبنك أكبر الصحابة سنا كذب ظاهر وفي الصحابة خلق كثير أسن من أبي بكر مثل العباس فإن العباس كان أسن من النبي ﷺ بثلاث سنين والنبي ﷺ كان أسن من أبي بكر

قال أبو عمر بن عبد البر لا يختلفون أنه يعني أبا بكر مات وسنه ثلاث وستون سنة وأنه استوفى سن النبي ﷺ إلا ما لا يصح لكن المأثور عن أبي قحافة أنه لما توفي النبي ﷺ ارتجت مكة فسمع ذلك أبو قحافة فقال ما هذا قالوا قبض رسول الله ﷺ قال أمر جليل فمن ولى بعده قالوا ابنك قال فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة قالوا نعم قال لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع

وحينئذ فالجواب عن منعه الإجماع من وجوه

أحدها أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يتخلف منهم إلا سعد بن عبادة وإلا فالبقية كلهم بايعوه باتفاق أهل النقل وطائفة من بني هاشم قد قيل إنها تخلفت عن مبايعته أولا ثم بايعته بعد ستة أشهر من غير رهبة ولا رغبة

والرسالة التي يذكر بعض الكتاب أنه أرسلها إلى علي كذب مختلق عند أهل العلم بل على أرسل أبي بكر أن ائتنا فذهب هو إليهم فاعتذر على إليه وبايعه

ففي الصحيحين عن عائشة قالت أرسلت فاطمة إلى أبي بكر رضي الله عنهما تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة وإنما يأكل آل محمد من هذا المال وإني والله لأغير شيئا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليه في عهده وإني لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله علي وسلم يعمل به إلا عملت به وإني اخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر فلما توفيت دفنها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها علي

وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة فلما ماتت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن أئتنا ولا يأتنا معك أحد كراهة محضر عمر فقال عمر لأبي بكر والله لا تدخل عليهم وحدك فقال أبو بكر ما عساهم أن يفعلوا بي والله لآتينهم فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي ثم قال إنا قد عرفنا فضيلتك يا أبا بكر وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك استبددت بالأمر علينا وكنا نرى أن لنا فيه حقا لقرابتنا من رسول الله ﷺ فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبا بكر فلما تكلم أبو بكر قال والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق ولم أترك أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته فقال علي لأبي بكر موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر وتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره الذي اعتذر به ثم استغفر وتشهد علي فعظم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكار للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى أن لنا في الأمر نصيبا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا أصبت وكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر بالمعروف

ولا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد والاثنين والطائفة القليلة فإنه لو اعتبر ذلك لم يكد ينعقد إجماع على إمامة فإن الإمامة أمر معين فقد يتخلف الرجل لهوى لا يعلم كتخلف سعد فإنه كان قد استشرف إلى أن يكون هو أميرا من جهة الأنصار فلم يحصل له ذلك فبقي في نفسه بقيه هوى

ومن ترك الشيء لهوى لم يؤثر تركه بخلاف الإجماع على الاحكام العامة كالإيجاب والتحريم والإباحة فإن هذا لو خالف فيه الواحد أو الاثنان فهل يعتد بخلافهما فيه قولان للعلماء وذكر عن أحمد في ذلك روايتان إحداهما لا يعتد بخلاف الواحد والاثنين وهو قول طائفة كمحمد بن جرير الطبري والثاني يعتد بخلاف الواحد والاثنين في الأحكام وهو قول الأكثرين والفرق بينه وبين الإمامة أن الحكم أمر عام يتناول هذا وهذا فإن القائل بوجوب الشيء يوجبه على نفسه وعلى غيره والقائل بتحريمه يحرمه على نفسه وعلى غيره فالمنازع فيه ليس متهما ولهذا تقبل رواية الرجل للحديث عن النبي ﷺ في القصة وإن كان خصما فيها لأن الحديث عام يتناولها ويتناول غيرها وإن كان المحدث اليوم محكوما له بالحديث فغدا يكون محكوما عليه بخلاف شهادته لنفسه فإنها لا تقبل لأنه خصم والخصم لا يكون شاهدا

فالإجماع على إمامة المعين ليس حكما على أمر عام كلي كالأحكام على أمر خاص معين

وأيضا فالواحد إذا خالف النص المعلوم كان خلافة شاذا كخلاف سعيد بن المسيب في أن المطلقة ثلاثا إذا نكحت زوجا غيره أبيحت للأول بمجرد العقد فإن هذا لما جاءت السنة الصصحيحة بخلافه لم يعتد به

وسعد كان مراده أن يولوا رجلا من الأنصار وقد دلت النصوص الكثيرة عن النبي ﷺ أن الإمام من قريش فلو كان المخالف قرشيا واستقر خلافة لكان شبهة بل علي كان من قريش وقد تواتر أنه بايع الصديق طائعا مختارا

الثاني أنه لو فرض خلاف هؤلاء الذين ذكرهم وبقدرهم مرتين لم يقدح ذلك في ثبوت الخلافة فإنه لا يشترط في الخلافة إلا اتفاق أهل الشوكة والجمهور الذين يقام بهم الأمر بحيث يمكن أن يقام بهم مقاصد الإمامة

ولهذا قال النبي ﷺ: عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة

وقال: إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد

وقال إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم والذئب إنما يأخذ القاصية

وقال: عليكم بالسواد الأعظم ومن شذ شذ في النار

الثالث أن يقال إجماع الأمة على خلافة أبي بكر كان أعظم من اجتماعهم على مبايعة علي فإن ثلث الأمة أو أقل أو أكثر لم يبايعوا عليا بل قاتلوه والثلث الآخر لم يقاتلوا معه وفيهم من لم يبايعه أيضا والذين لم يبايعوه منهم من قاتلهم ومنهم من لم يقاتلهم فإن جاز القدح في الإمامة بتخلف بعض الأمة عن البيعة كان القدح في إمامة علي أولى بكثير

وإن قيل جمهور الأمة لم تقاتله أو قيل بايعه أهل الشوكة والجمهور أو نحو ذلك كان هذا في حق أبي بكر أولى وأحرى

وإذا قالت الرافضة إمامة ثبتت بالنص فلا يحتاج إلى الإجماع والمبايعة

قيل النصوص إنما دلت على خلافة أبي بكر لا على خلافة علي كما تقدم التنبيه عليه وكما سنذكره إن شاء الله تعالى ونبين أن النصوص دلت على خلافة أبي بكر الصديق وعلى أن عليا لم يكن هو الخليفة في زمن الخلفاء الثلاثة فخلافة أبي بكر لا تحتاج إلى الإجماع بل النصوص دالة على صحتها وعلى انتفاء ما يناقضها

الرابع أن يقال الكلام في إمامة الصديق إما أن يكون في وجودها وإما أن يكون في استحقاقه لها أما الأول فهو معلوم بالتواتر واتفاق الناس بأنه تولى الأمر وقام مقام رسول الله ﷺ وخلفه في أمته وأقام الحدود واستوفى الحقوق وقاتل الكفار والمرتدين وولى الأعمال وقسم الأموال وفعل جميع ما يفعل الإمام بل هو أول من باشر الإمامة في الأمة

وأما إن أريد بإمامته كونه مستحقا لذلك فهذا عليه أدلة كثيرة غير الإجماع فلا طريق يثبت بها كون علي مستحقا للإمامة إلا وتلك الطريق يثبت بها أن أبا بكر مستحق للإمامة وأنه أحق للإمامة من علي وغيره وحينئذ فالإجماع لا يحتاج إليه في الأولى ولا في الثانية وإن كان الإجماع حاصلا

فصل

قال الرافضي وأيضا الإجماع ليس أصلا في الدلالة بل لا بد أن يستند المجمعون إلى دليل على الحكم حتى يجتمعوا عليه وإلا كان خطأ وذلك الدليل إما عقلي وليس في العقل دلالة على إمامته وإما نقلي وعندهم أن النبي ﷺ مات من غير وصية ولا نص على إمام والقرآن خال منه فلو كان الإجماع متحققا كان خطأ فتنتفى دلالته

والجواب من وجوه

أحدها أن قوله الإجماع ليس أصلا في الدلالة

إن أراد به أمر المجتمعين لا تجب طاعته لنفسه وإنما تجب لكونه دليلا على أمر الله ورسوله فهذا صحيح ولكن هذا لا يضر فإن أمر الرسول كذلك لم تجب طاعته لذاته بل لأن أطاع الرسول فقد أطاع الله ففي الحقيقة لا يطاع أحد لذاته إلا الله له الخلق والأمر وله الحكم وليس الحكم إلا لله وإنما وجبت طاعة الرسول لأن طاعته طاعه الله ووجبت طاعة المؤمنين المجتمعين لأن طاعتهم طاعة الله والرسول ووجب تحكيم الرسول لأن حكمة حكم الله وكذلك تحكيم الأمة لأن حكمها حكم الله

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني

وقد قامت الأدلة الكثيرة على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة بل ما أمرت به الأمة فقد أمر الله به ورسوله

والأمة أمرت بطاعة أبي بكر في إمامته فعلم أن الله ورسوله أمرا بذلك فمن عصاه كان عاصيا لله ورسوله

وإن أراد به أنه قد يكون موافقا للحق وقد يكون مخالفا له وهذا هو الذي أراده فهذا قدح في كون الإجماع حجة ودعوى أن الأمة قد تجتمع علي الضلالة والخطأ كما يقول ذلك من يقوله من الرافضة الموافقين للنظام

وحينئذ فيقال كون علي إماما ومعصوما وغير ذلك من الأصول الإمامية أثبتوه بالإجماع إذ عمدتهم في أصول دينهم على ما يذكرونه من من العقليات وعلى الإجماع وعلى ما ينقلونه فهم يقولون علم بالعقل لأنه لا بد للناس من إمام معصوم وإمام منصوص عليه وغير علي ليس معصوما ولا منصوصا عليه بالإجماع فيكون المعصوم هو عليا وغير ذلك من مقدمات حججهم

فيقال لهم إن لم يكن الإجماع حجة فقد بطلت تلك الحجج فبطل ما بنوه على الإجماع من أصولهم فبطل قولهم وإذا بطل ثبت مذهب أهل السنة

وإن كان الإجماع حقا فقد ثبت أيضا مذهب أهل السنة فقد تبين بطلان قولهم سواء قالوا الإجماع حجة أم لم يقولوا وإذا بطل قولهم ثبت مذهب أهل السنة وهو المطلوب

وإن قالوا نحن ندع الإجماع ولا نحتج به في شيء من أصولنا وإنما عمدتنا العقل والنقل عن الأئمة المعصومين

قيل لهم إذا لم تحتجوا بالإجماع لم يبق معكم حجة سمعية غير النقل المعلوم عن النبي ﷺ فإن ما ينقلونه عن علي وغيره من الأئمة لا يكون حجة حتى نعلم عصمة الواحد من هؤلاء

وعصمة الواحد من هؤلاء لا تثبت إلا بنقل عمن علم عصمته والمعلوم عصمتة هو الرسول فما لم يثبت نقل معلوم عن الرسول بما يقولونه لم يكن معهم حجة سمعية اصلا لا في اصول الدين ولا في فروعه وحينئذ فيرجع الأمر إلى دعوى خلافة علي بالنص فإن أثبتم النص بالإجماع فهو باطل لنفيكم كون الإجماع حجة وان لم تثبتوه إلا بالنقل الخاص الذي يذكره بعضكم فقد تبين تطلانه من وجوه وتبين أن ما ينقله الجمهور وأكثر الشيعة مما يناقض هذا القول يوجب علما يقينا بأن هذا كذب

وهذه الأمور من تدبرها تبين له أن الإمامية لا يرجعون في شيء مما ينفردون به عن الجمهور إلى الحجة أصلا لا عقلية ولا سمعية ولا نص ولا إجماع وإنما عمدتهم دعوى نقل مكذوب يعلم أنه كذب أو دعوى دلالة نص أو قياس يعلم أنه لا دلالة له

وهم وسائر أهل البدع كالخوارج والمعتزلة وإن كانوا عند التحقيق لا يرجعون إلى حجة صحيحة لا عقلية ولا سمعية وإنما لهم شبهات لكن حججهم اقوى من حجج الرافضة السمعية والعقلية أما السمعيات فإنهم لا يتعمدون الكذب كما تتعمده الرافضة ولهم في النصوص الصحيحة شبهة أقوى من شبه الرافضة

وأيضا فإن سائر أهل البدع أعلم بالحديث والآثار منهم والرافضة أجهل الطوائف بالأحاديث والآثار وأحوال النبي ﷺ ولهذا يوجد في كتبهم وكلامهم من الجهل والكذب في المنقولات ما لا يوجد في سائر الطوائف وكذلك لهم في العقليات مقاييس هي مع ضعفها وفسادها أجود من مقاييس الرافضة

وأيضا فنحن نشير إلى ما يدل على أن الإجماع حجة بالدلالة المبسوطة في غير هذا الموضع ولكل مقام مقال

ونحن لا نحتاج في تقرير إمامة الصديق رضي الله عنه ولا غيره إلى هذا الإجماع ولا نشترط في إمامة أحد هذا الإجماع لكن هو لما ذكر أن أهل السنة اعتمدوا على الإجماع تكلمنا على ذلك فنشير إلى بعض ما يدل على صحة الإجماع

فنقول أولا ما من حكم اجتمعت الأمة عليه إلا وقد دل عليه النص فالإجماع دليل على نص موجود معلوم عند الأئمة ليس مما درس علمه والناس قد اختلفوا في جواز الإجماع عن اجتهاد ونحن نجوز أن يكون بعض المجمعين قال عن اجتهاد لكن لا يكون النص خافيا على جميع المجتهدين وما من حكم يعلم أن فيه إجماعا إلا وفي الأمة من يعلم أن فيه نصا وحينئذ فالإجماع دليل على النص

ولهذا قال تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى سورة النساء 115 فعلق الوعيد بمشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين مع العلم بأن مجرد مشاقة الرسول توجد الوعيد ولكن هما متلازمان فلهذا علقه بهما كما كما يعلقه بمعصية الله ورسوله وهما متلازمان أيضا

وخلافة الصديق من هذا الباب فإن النصوص الكثيرة دلت على أنها حق وصواب وهذا مما لم يختلف العلماء فيه واختلفوا هل انعقدت بالنص الذي هو العهد كخلافة عمر أو بالإجماع والاختيار

وأما دلالة النصوص على أنها حق وصواب فما علمت أحدا نازع فيه من علماء السنة كلهم يحتج على صحتها بالنصوص إذا كنا نبين أن ما انعقد عليه الإجماع فهو منصوص عليه كان ذكر الإجماع لأنه دليل على النص لا يفارقه البتة

ومع هذا فنحن نذكر بعض ما يستدل به على الإجماع مطلقا ويستدل به على من يقول قد لا يكون معه نص

كقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر سورة آل عمران 110 فهذا يقتضي أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر ومن المعلوم أن إيجاب ما أوجبه الله وتحريم ما حرمه الله هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل هو نفسه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب أن يوجبوا كل ما أوجبه الله ورسوله ويحرموا كل ما حرمه الله ورسوله وحينئذ فيمتنع أن يوجبوا حراما ويحرموا واجبا بالضرورة فإنه لا يجوز عليهم السكوت عن الحق في ذلك فكيف نجوز السكوت عن الحق والتكلم بنقيضه من الباطل ولو فعلوا ذلك لكانوا قد أمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف وهو خلاف النصر

فلو كانت ولاية أبي بكر حراما وطاعته حراما منكرا لوجب أن ينهوا عن ذلك ولو كانت مبايعة علي واجبة لكان ذلك من أعظم المعروف الذي يجب أن يأمروا به فلما لم يكن كذلك أعلم أن مبايعة هذا إذ ذاك لم تكن معروفا ولا واجبا ولا مستحبا ومبايعة ذلك لم تكن منكرا وهو المطلوب

وأيضا فقوله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر سورة التوبة 71 والاستدلال به كما تقدم

وأيضا فقوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس سورة البقرة 143 وقوله هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس سورة الحج 87 ومن جعلهم الرب شهداء على الناس فلا بد أن يكونوا عالمين بما يشهدون به ذوي عدل في شهادتهم فلو كانوا يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويوجبون ما عفا الله عنه ويسقطون ما أوجبه الله لم يكونوا كذلك وكذلك إذا كانوا يجرحون الممدوح ويمدحون المجروح

فإذا شهدوا أن أبا بكر أحق بالإمامة وجب أن يكونوا صادقين في هذه الشهادة عالمين بما شهدوا به وكذلك إذا شهدوا أن هذا مطيع لله وهذا عاص لله وهذا فعل ما يستحق عليه الثواب وهذا فعل ما يستحق عليه العقاب وجب قبول شهادتهم فإن الشهادة على الناس تتناول الشهادة بما فعلوه من مذموم ومحمود والشهادة بأن هذا مطيع وهذا عاص هي تتضمن الشهادة بأفعالهم وأحكام أفعالهم وصفاتهم وهو المطلوب

وفي الصحيحين عن عمر أن النبي ﷺ مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال وجبت فقيل يا رسول الله ما قولك وجبت قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض

وأيضا فقوله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى الآية سورة النساء 115 فإنه توعد على المشاقة للرسول واتباع غير سبيل المؤمنين وذلك يقتضي أن كلا منهما مذموم فإن مشاقة الرسول وحدها مذمومة بالإجماع فلو لم يكن الآخر مذموما لكان قد رتب الوعيد على وصفين مذموم وغير مذموم وهذا لا يجوز

ونظير هذا قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا سورة الفرقان 68 69 فإنه يقتضي أن كل واحد من الخصال الثلاثة مذموم شرعا

وحينئذ فإذا كان المؤمنون قد أوجبوا أشياء وحرموا أشياء فخالفهم مخالف وقال إن ما أوجبوه ليس بواجب وما حرموه ليس بحرام فقد اتبع غير سبيلهم لأن المراد بسبيلهم اعتقاداتهم وأفعالهم وإذا كان كذلك كان مذموما ولو لم يكن سبيلهم صوابا وحقا لم يكن المخالف لهم مذموما

وأيضا فقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول سورة النساء 59 فجعل وجوب الرد إلى الله والرسول معلقا بالتنازع والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه فعلم أنه عند انتفاء التنازع لا يجب الرد إلى الله ورسوله فدل على أن إجماعهم إنما يكون على حق وصواب فإنه لو كان على باطل وخطأ لم يسقط عنهم وجوب الرد إلى الكتاب والسنة لأجل باطلهم وخطئهم ولأن أمر الله ورسوله حق حال إجماعهم ونزاعهم فإذا لم يجب الرد عليه عند الإجماع دل على أن الإجماع موافق له لا مخالف له فلما كان المستدل بالإجماع متبعا له في نفس الأمر لم يحتج إلى الرد إليه

وأيضا قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا سورة آل عمران 103 أمرهم بالاجتماع ونهاهم عن الافتراق فلو كان في حال الاجتماع قد يكونون مطيعين لله تارة وعاصين له أخرى لم يجز أن يأمر به إلا إذا كان اجتماعا على طاعة والله أمر به مطلقا ولأنه لو كان كذلك لم يكن فرق بين الإجتماع والإفتراق لأن الإفتراق إذا كان معه طاعة كان مأمورا به مثل أن يكون الناس نوعين نوع يطيع الله ورسوله ونوع يعصيه فإنه يجب أن يكون مع المطيعين وإن كان في ذلك فرقة فلما أمرهم بالاجتماع دل على أنه مستلزم لطاعة الله

وأيضا فإنه قال إنما وليكم الله ورسوله سورة المائدة 55 فجعل موالاتهم كموالاة الله ورسوله وموالاة الله ورسوله لا تتم إلا بطاعة أمره وكذلك المؤمنون لا تتم موالاتهم إلا بطاعة أمرهم وهذا لا يكون إلا إذا كان أمرهم أمرا متفقا فإن أمر بعضهم بشيء وأمر آخر بضده لم يكن موالاة هذا بأولى من موالاة هذا فكانت الموالاة في حال النزاع بالرد إلى الله والرسول وأيضا فقد ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة متعددة الأمر بالاعتصام بالجماعة والمدح لها وذم الشذوذ وأن الخير والهدى والرحمة مع الجماعة وأن الله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة وأنه لن يزال فيها طائفة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعة الله وأن خير هذه الأمة القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم

وقد روى الحاكم وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: لا يجمع الله أمتي على الضلالة أبدا ويد الله على الجماعة

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: من خالف جماعة المسلمين شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه

وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية

وعن الحارث الأشعري قال قال رسول الله ﷺ: آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلا أن يرجع

وعن معاوية قال قال رسول الله ﷺ: من فارق الجماعة شبرا دخل النار

وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ: يقول من فارق أمته أو عاد أعرابيا بعد هجرته فلا حجة له

وعن ربعي قال أتيت حذيفة ليالي سار الناس إلى عثمان فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من فارق الجماعة واستبدل الإمارة لقي الله ولا حجة له

وعن فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ: قال ثلاثة لا يسأل عنهم رجل فارق الجماعة وعصى إمامه فمات عاصيا فذكر الحديث

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: الصلاة المكتوبة إلى التي بعدها كفارة لما بينهما والجمعة إلى الجمعة والشهر إلى الشهر يعني رمضان كفارة لما بينهما قال بعد ذلك إلا من ثلاث فعرفت أن ذلك من أمر حدث فقال: إلا من الإشراك بالله ونكث الصفقة وترك السنة وأن تبايع رجلا بيمينك ثم تخالف تقاتله بسيفك وترك السنة الخروج من الجماعة

وعن النعمان بن بشير قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: نضر الله وجه امريء سمع مقالتي فحملها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة ألأمر ولزوم جماعة المسلمين روى هذه الأحاديث الحاكم في المستدرك وذكر أنها على شرط الصحيح

وذلك يقتضي أن اجتماع الأمة لا يكون إلا على حق وهدى وصواب وأن أحق الأمة بذلك هم أصحاب رسول الله ﷺ وذلك يقتضى أن ما فعلوه من خلافة الصديق كان حقا وهدى وصوابا

وأيضا فإن السلف كان يشتد إنكارهم على من يخالف الإجماع ويعدونه من أهل الزيغ والضلال فلو كان ذلك شائعا عندهم لم ينكروه وكانوا ينكرون عليه إنكارا هم قاطعون به لا يسوغون لأحد أن يدع الإنكار عليه فدل على أن الإجماع عندهم كان مقطوعا به والعقول المتباينة لا تتفق على القطع من غير تواطؤ ولا تشاعر إلا لما يوجب القطع وإلا فلو لم يكن هناك ما يوجب القطع بل لا يوجب الظن لم تكن الطوائف الكثيرة مع تباين هممهم وقرائحهم وعدم تواطئهم يقطعون في موضع لا قطع فيه

فعلم أنه كان عندهم أدلة قطعية توجب كون الإجماع حجة يجب اتباعها ويحرم خلافها

وأيضا فإن السنة والشيعة اتفقوا على أنه إذا كان علي معهم كان إجماعهم حجة ولا يجوز أن يكون ذلك لأجل عصمة علي لأن عصمته لم تثبت إلا بالإجماع فإن عمدتهم في ذلك الإجماع على انتفاء العصمة من غيره إذ ليس في النص ولا المعقول ما ينفى العصمة عن غيره

وهذا مما يبين تناقض الرافضة فإن أصل دينهم بنوه على الإجماع ثم قدحوا فيه والقدح فيه قدح في عصمة علي فلا يبقى لهم ما يعتمدون عليه وهذا شأنهم في عامة أقوالهم التي ينفردون بها

ولهذا قال فيهم الشعبي يأخذون بأعجاز لا صدور لها أي بفروع لا أصول لها

فإن كان الإجماع ليس بحجتهم لم تثبت عصمته وإن كان حجة لم يحتج إلى عصمته فثبت أنه على التقديرين لا يجوز أن يكون قولهم حجة لأجل علي فلزم أن يكون الإجماع حجة وإلا لزم بطلان قول السنة والشيعة

فصل

قال الرافضي وأيضا الإجماع إما أن يعتبر فيه قول كل الأمة ومعلوم أنه لم يحصل بل ولا أجماع أهل المدينة أو بعضهم وقد أجمع أكثر الناس على قتل عثمان

والجواب أن يقال أما الإجماع على إلإمامة فإن أريد به الإجماع الذي ينعقد به الإمامة فهذا يعتبر فيه موافقة أهل الشوكة بحيث يكون متمكنا بهم من تنفيذ مقاصد الإمامة حتى إذا كان رؤوس الشوكة عددا قليلا ومن سواهم موفق لهم حصلت الإمامة بمبايعتهم له هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة وهو مذهب الأئمة كأحمد وغيره

وأما أهل الكلام فقدرها كل منهم بعدد وهي تقديرات باطلة

وإن أريد به الإجماع على الإستحقاق والأولوية فهذا يعتبر فيه إما الجميع وإما المجهور وهذه الثلاثة حاصلة في خلافة أبي بكر

وأما عثمان فلم يتفق على قتله إلا طائفة قليلة لا يبلغون نصف عشر عشر عشر الأمة كيف وأكثر جيش علي والذين قاتلوه والذين قعدوا عن القتال لم يكونوا من قتلة عثمان وإنما كان قتلة عثمان فرقة يسيرة من عسكر علي

والأمة كانوا في خلافة عثمان مئى ألوف والذين اتفقوا على قتله الألف أو نحوهم وقد قال عبدا لله بن الزبير يعيب قتلة عثمان خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية وقتلهم الله كل قتلة ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب

فصل

قال الرافضي وأيضا كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ فأي عاصم لهم عن الكذب عند الإجماع

والجواب أن يقال من المعلوم إن الإجماع إذا حصل حصل له من الصفات ما ليس للآحاد لم يجز أن يجعل حكم الواحد الاجتماع فإن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط والكذب فإذا انتهى المخبرون إلى حد التواتر امتنع عليهم الكذب والغلط

وكل واحد من اللقم والجرع والأقداح لا يشبع ولا يروى ولا يسكر فإذا اجتمع من ذلك عدد كثير أشبع وأروى وأسكر وكل واحد من الناس لا يقدر على قتال العدو فإذا اجتمع طائفة كثيرة قدروا على القتال فالكثرة تؤثر في زيادة القوة وزيادة العلم وغيرهما ولهذا قد يخطىء الواحد والاثنان في مسائل الحساب فإذا كثر العدد امتنع ذلك فيما لم يكن يمتنع في حال الإنفراد ونحن نعلم بالاضطرار أن علم الإثنين أكثر من علم أحدهما إذا انفرد وقوتهما أكثر من قوته فلا يلزم من وقوع الخطأ حال الانفراد وقوعه حال الكثرة

قال تعالى إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى سورة البقرة 28والناس في الحساب قد يخطىء الواحد منهم ولا تخطىء الجماعة كالهلال فقد يظنه الواحد هلالا وليس كذلك فأما العدد الكثير فلا يتصور فيهم الغلط

وتعلم أن المسلمين إذا اجتمعوا وكثروا يكون داعيهم إلى الفواحش والظلم أقل من داعيهم إذا كانوا قليلا فإنهم في حال الإجتماع لا يجتمعون على مخالفة شرائع الإسلام كما يفعله الواحد والإثنان فإن الإجتماع والتمدن لا يمكن إلا مع قانون عدلي فلا يمكن أهل مدينة أن يجتمعوا على إباحة ظلم بعضهم بعضا مطلقا لأنه لا حياة لهم مع ذلك بل نجد الأمير إذا ظلم بعض الرعية فلا بد أن يكون بعض أصحابه لا يظلم حين يظلم الرعية وما استووا كلهم فيه فليس فيه ظلم من بعضهم لبعض ومعلوم أن المجموع قد خالف حكمه حكم الأفراد سواء كان اجتماع أعيان أو أعراض

ومن الأمثال التي يضربها المطاع لأصحابه أن السهم الواحد يمكن كسره وإذا اجتمعت السهام لم يمكن كسرها والإنسان قد يغلبه عدوه ويهزمه فإذا صاروا عددا كثيرا لم يمكن ذلك كما كان يمكنه حال الانفراد

وأيضا فإن كان الإجماع قد يكون خطأ لم يثبت أن عليا معصوم فإنه إنما علمت عصمته بالإجماع على أنه لا معصوم سواه فإذا جاز كون الإجماع أخطأ أمكن أن يكون في الأمة معصوم غيره وحينئذ فلا يعلم أنه هو المعصوم

فتبين أن قدحهم في الإجماع يبطل الأصل الذي اعتمدوا عليه في إمامة المعصوم وإذا بطل أنه معصوم بطل أصل مذهب الرافضة فتبين أنهم إن قدحوا في الإجماع بطل أصل مذهبهم وإن سلموا أنه حجة بطل مذهبهم فتبين بطلان مذهبهم على التقديرين

فصل

قال الرافضي وقد بينا ثبوت النص الدال على إمامة أمير المؤمين فلو أجمعوا على خلافه لكان خطأ لأن الإجماع الواقع على خلاف النص يكون عندهم خطأ

والجواب من وجوه أحدها أنه قد تقدم ببيان بطلان كل ما دل على أنه إمام قبل الثلاثة

الثاني أن النصوص إنما دلت على خلافة الثلاثة قبله

الثالث أن يقال الإجماع المعلوم حجة قطعية لا سمعية لا سيما مع النصوص الكثيرة الموافقة له فلو قدر ورود خبر يخالف الإجماع كان باطلا إما لكون الرسول لم يقله وإما لكونه لا دلالة فيه

الرابع أنه يمتنع تعارض النص المعلوم والإجماع المعلوم فإن كليهما حجة قطعية والقطعيات لا يجوز تعارضها لوجوب وجود مدلولاتها فلو تعارضت لزم الجمع بن النقيضين وكل من أدعى إجماعا يخالف نصا فأحد الأمرين لازم إما بطلان إجماعه وإما بطلان نصه وكل نص اجتمعت الأمة على خلافه فقد علم النص الناسخ له

وأما أن يبقى في الأمة نص معلوم والإجماع مخالف له فهذا غير واقع وقد دل الإجماع المعلوم والنص المعلوم على خلافة الصديق رضي الله عنه وبطلان غيرها ونص الرافضة مما نحن نعلم كذبه بالاضطرار وعلى كذبه أدلة كثيرة

منهاج السنة النبوية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57