منهاج السنة النبوية/37

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منهاج السنة النبوية
المؤلف: ابن تيمية


فصل

قال الرافضي وكان يضطرب في الأحكام فقضى في الجد بمائة قضية

والجواب أن عمر رضي الله عنه أسعد الصحابة المختلفين في الجد بالحق فإن الصحابة في الجد مع الإخوة على قولين أنه يسقط الإخوة وهذا قول أبي بكر وأكثر الصحابة كأبي بن كعب وأبي موسى وابن عباس وابن الزبير ويذكر عن أربعة عشر منهم وهو مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد كابن سريج من أصحاب الشافعي وأبي حفص البرمكي من أصحاب أحمد ويذكر هذا رواية عن أحمد

وهذا القول هو الصحيح فإن نسبة بني الإخوة من الأب إلى الجد كنسبة الأعمام بني الجد إلى الجد أبي الأب وقد اتفق المسلمون على أن الجد أبا الأب أولى من الأعمام فيجب أن يكون الجد أبو الأب أولى من الإخوة

وأيضا فإن الإخوة لو كانوا لكونهم يدلون ببنوة الأب بمنزلة الجد لكان أبناؤهم وهم بنو الإخوة كذلك كان أولادهم ليسوا بمنزلتهم علم أنهم لا يتقدمون ببنوة الأب ألا ترى أن الابن لما كان أولى من الجد كان ابنه ابن الابن بمنزلته

وأيضا فإن الجدة كالأم فيجب أن يكون الجد كالأب ولأن الجد يسمى أبا وهذا القول هو إحدى الروايتين عن عمر

والقول الثاني أن الجد يقاسم الإخوة وهذا قول علي وزيد وابن مسعود وروى عن عثمان القولان ولكنهم مختلفون في التفصيل اختلافا متباينا

وجمهور أهل هذا القول على مذهب زيد كمالك والشافعي وأحمد وأما قول علي في الجد فلم يذهب إليه أحد من أئمة الفقهاء وإنما يذكر عن ابن أبي ليلى أنه كان يقضى به ويذكر عن علي فيه أقوال مختلفة فإن كان القول الأول هو الصواب فهو قول لعمر وإن كان الثاني فهو قول لعمر

وإنما نفذ قول زيد في الناس لأنه كان قاضي عمر وكان عمر ينفذ قضاءه في الجد لورعه لأنه كان يرى أن الجد كالأب مثل قول أبي بكر فلما صار جدا تورع وفوض الأمر في ذلك لزيد

وقول القائل إنه قضى في الجد بمائة قضية، إن صح هذا لم يرد به أنه قضى في مسألة واحدة بمائة قول فإن هذا غير ممكن وليس في مسائل الجد نزاع أكثر مما في مسألة الخرقاء أم وأخت وجد والأقوال فيها ستة فعلم أن المراد به إن كان صحيحا أنه قضى في مائة حادثة من حوادث الجد وهذا مع أنه ممكن لكن لم يخرج قوله عن قولين أو ثلاثة وقول علي مختلف أيضا

وأهل الفرائض يعلمون هذا وهذا مع أن الأشبه أن هذا كذب فإن وجود جد وإخوة في الفريضة قليل جدا في الناس وعمر إنما تولى عشر سنين وكان قد أمسك عن الكلام في الجد

وثبت عنه في الصحيح أنه قال ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان بينهن لنا الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا ومن كان متوقفا لم يحكم فيها بشيء

ومما يبين هذا أن الناس إنما نقلوا عن عمر في فريضة واحدة قضاءين قضى في المشركة فروى عنه بالإسناد المذكور في كتب أهل العلم أنه قضى فيها مرة بعدم التشريك وهذا قول علي وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في المشهور عنه

وقضى في نظيرها في العام الثاني بالتشريك وقال ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضى وهذا قول زيد وهو قول مالك والشافعي فإنهما وغيرهما مقلدان لزيد في الفرائض وهي رواية حرب عن أحمد ابن حنبل

وهذا مما استدل به الفقهاء على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد

وعلي رضي الله عنه يوافق على ذلك فإنه قد ثبت عنه أنه قال كان رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن ثم قد رأيت أن يبعن فقال له قاضيه عبيدة السلماني رأيك مع عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة فعلي له في المسألة قولان ومعلوم أن ما قضى به في عتقهن ومنع بيعهن هو وعمر لم يكن ينقضه وإنما كان يرى أن يستأنف فيما بعد أن يجوز بيعهن

والمسائل التي لعلي فيها قولان وأكثر كثيرة ونفس الجد مع الإخوة قد نقل عنه فيها اختلاف كثير

ونقل عنه أنه كان إذا أرسل إليه بعض نوابه يسأله عن قضية في ذلك يأمره فيها باجتهاده ويقول قطع الكتاب فإنه رضي الله عنه رأى أنه إنما يتكلم فيها بالاجتهاد للضرورة وهو مضطر إلى الاجتهاد في هذه المعينة وكره أن يقلده غيره من غير اجتهاد منه فأمره بتقطيع الكتاب لذلك

بخلاف ما إذا كان معه فيها نص فإنه كان يبلغه ويأمره بتبليغه ولا يأمر بقطع كتابه

والعلماء مختلفون في بيع الكتب التي فيها العلم بالرأي هل يجوز بيعه وغير ذلك من الأحكام فيه على قولين

فصل

قال الرافضي وكان يفضل في الغنيمة والعطاء وأوجب الله تعالى التسوية

والجواب أما الغنيمة فلم يكن يقسمها هو بنفسه وإنما يقسمها الجيش الغانمون بعد الخمس وكان الخمس يرسل إليه كما يرسل إلى غيره فيقسمه بين أهله ولم يقل عمر ولا غيره إن الغنيمة يجب فيها التفضيل ولكن تنازع العلماء هل للإمام أن يفضل بعض الغانمين على بعض إذا تبين له زيادة نفع فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد إحداهما أن ذلك جائز وهو مذهب أبي حنيفة لأن النبي ﷺ نفل في بدايته الربع بعد الخمس وفي رجعته الثلث بعد الخمس رواه أبو داود وغيره

وهذا تفضيل لبعض الغانمين من أربعة الأخماس ولأن في الصحيح صحيح مسلم أن النبي ﷺ أعطى سلمة بن الأكوع سهم راجل وفارس في غزوة الغابة وكان راجلا لأن أتى من القتل والغنيمة وإرهاب العدو بما لم يأت به غيره

والقول الثاني لا يجوز ذلك وهو مذهب مالك والشافعي ومالك يقول لا يكون النفل إلا من الخمس والشافعي يقول لا يكون إلا من خمس الخمس

وقد ثبت في الصحيح عن ابن عمر قال غزونا مع النبي ﷺ قبل نجد فبلغت سهماننا اثنى عشر بعيرا ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرا بعيرا وهذا النفل لا يقوم به خمس الخمس

وفي الجملة فهذه مسألة اجتهاد فإذا كان عمر يسوغ التفضيل للمصلحة فهو الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه

وأما التفضيل في العطاء فلا ريب أن عمر كان يفضل فيه ويجعل الناس فيه على مراتب وروى عنه أنه قال لئن عشت إلى قابل لأجعلن الناس بابا واحدا أي نوعا واحدا

وكان أبو بكر يسوى في العطاء وكان علي يسوي أيضا وكان عثمان يفضل وهي مسألة اجتهاد فهل للإمام التفضيل فيه للمصلحة على قولين هما روايتان عن أحمد والتسوية في العطاء اختيار أبي حنيفة والشافعي والتفضيل قول مالك

وأما قول القائل إن الله أوجب التسوية فيه

فهو لم يذكر على ذلك دليلا ولو ذكر دليلا لتكلمنا عليه كما نتكلم في مسائل الاجتهاد والذين أمروا بالتسوية من العلماء احتجوا بأن الله قسم المواريث بين الجنس الواحد بالسواء ولم يفضل أحدا بصفة وأجاب المفضلون بأن تلك تستحق بسبب لا بعمل واحتجوا بأن النبي ﷺ سوى في المغانم بين الجنس الواحد فأعطى الراجل سهما واحدا وأعطى الفارس ثلاثة أسهم كما ثبت في الصحيحين وهو قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد وقيل أعطاه سهمين وهو قول أبي حنيفة وقد روى في ذلك أحاديث ضعيفة والثابت في الصحيحين أنه عام خبير أعطى الفارس ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه وكانت الخيل مائتي فرس وكانوا أربعة عشر مائة فقسم خيبر على ثمانية عشر سهما كل مائة في سهم فأعطى أهل الخيل ستمائة سهم وكانوا مائتين وأعطى ألفا ومائتين لألف ومائتي رجل وكان أكثرهم ركبانا على الإبل فلم يسهم للإبل عام خيبر

والمجوزون للتفضيل قالوا بل الأصل التسوية وكان أحيانا يفضل فدل على جواز التفضيل وهذا القول أصح أن الأصل التسوية وأن التفضيل لمصلحة راجحة جائز

وعمر لم يفضل لهوى ولا حابي بل قسم المال على الفضائل الدينية فقدم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ثم من بعدهم من الصحابة ثم من بعدهم وكان ينقص نفسه وأقاربه عن نظرائهم فنقص ابنه وابنته عمن كانا أفضل منه وإنما يطعن في تفضيل من فضل لهوى أما من كان قصده وجه الله تعالى وطاعة رسوله وتعظيم من عظمه الله ورسوله وتقديم من قدمه الله ورسوله فهذا يمدح ولا يذم

ولهذا كان يعطى عليا والحسن والحسين ما لا يعطى لنظرائهم وكذلك سائر أقارب النبي ﷺ ولو سوى لم يحصل لهم إلا بعض ذلك

وأما الخمس فقد اختلف اجتهاد العلماء فيه فقالت طائفة سقط بموت النبي ﷺ ولا يستحق أحد من بني هاشم شيئا بالخمس إلا أن يكون فيهم يتيم أو مسكين فيعطى لكونه يتيما أو مسكينا وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره

وقالت طائفة بل هو لذي قربى ولي الأمر بعده فكل ولي أمر يعطى أقاربه وهذا قول طائفة منهم الحسن وأبو ثور فيما أظن وقد نقل هذا القول عن عثمان

وقالت طائفة بل الخمس يقسم خمسة أقسام التسوية وهذا قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه

وقالت طائفة بل الخمس إلى اجتهاد الإمام يقسمه بنفسه في طاعة الله ورسوله كما يقسم الفيء وهذا قول أكثر السلف وهو قول عمر بن عبدالعزيز ومذهب أهل المدينة مالك وغيره وهو الرواية الأخرى عن أحمد وهو أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة كما قد بسطناه في موضعه

فمصرف الفيء والخمس واحد فكان ديوان العطاء الذي لعمر يقسم فيه الخمس والعطاء جميعا

وأما ما يقوله من أن خمس مكاسب المسلمين يوخذ منهم ويصرف إلى من يرونه هو نائب الإمام المعصوم أو إلى غيره فهذا قول لم يقله قط أحد من الصحابة لا علي ولا غيره ولا أحد من التابعين لهم بإحسان ولا أحد من القرابة لا بني هاشم ولا غيرهم

وكل من نقل هذا عن علي أو علماء أهل بيته كالحسن والحسين وعلي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وجعفر بن محمد فقد كذب عليهم فإن هذا خلاف المتواتر من سيرة علي رضي الله عنه فإنه قد تولى الخلافة أربع سنين وبعض أخرى ولم يأخذ من المسلمين من أموالهم شيئا بل لم يكن في ولايته قط خمس مقسوم أما المسلمون فما خمس لا هو ولا غيره أموالهم وأما الكفار فإذا غنمت منهم الأموال خمست بالكتاب والسنة لكن في عهده لم يتفرغ المسلمون لقتال الكفار بسبب ما وقع من الفتنة والاختلاف

وكذلك من المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يخمس أموال المسلمين ولا طالب أحدا قط من المسلمين بخمس ماله بل إنما كان يأخذ منهم الصدقات ليس لآل محمد منها شيء وكان يأمرهم بالجهاد بأموالهم وأنفسهم وكان هو ﷺ يقسم ما أفاء الله على المسلمين يقسم الغنائم بين أهلها ويقسم الخمس والفيء

وهذه هي الأموال المشتركة السلطانية التي كان النبي ﷺ وخلفاؤه يتولون قسمتها وقد صنف العلماء لها كتبا مفردة وجمعوا بينها في مواضع يذكرون قسم الغنائم والفيء والصدقة

والذي تنازع فيه أهل العلم لهم فيه مأخذ فتنازعوا في الخمس لأن الله تعالى قال في القرآن واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير سورة الأنفال 4وقال في الفيء ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم سورة الحشر وقد قال قبل ذلك وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء سورة الحشر وأصل الفيء الرجوع والله خلق الخلق لعبادته وأعطاهم الأموال يستعينون بها على عبادته فالكفار لما كفروا بالله وعبدوا غيره لم يبقوا مستحقين للأموال فأباح الله لعباده قتلهم وأخذ أموالهم فصارت فيئا أعاده الله على عباده المؤمنين لأنهم هم المستحقون له وكل مال أخذ من الكفار قد يسمى فيئا حتى الغنيمة

كما قال النبي ﷺ في غنائم حنين ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم

لكن لما قال تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب سورة الحشر 6 وقال ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى سورة الحشر 7 صار اسم الفيء عند الإطلاق لما أخذ من الكفار بغير قتال

وجمهور العلماء على أن الفيء لا يخمس كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد وهذا قول السلف قاطبة وقال الشافعي والخرقي ومن وافقه من أصحاب أحمد يخمس والصواب قول الجمهور فإن السنن الثابتة عن النبي ﷺ وخلفائه تقتضي أنهم لم يخمسوا فيئا قط بل أموال بني النضيركانت أول الفيء ولم يخمسها النبي ﷺ بل خمس غنيمة بدر وخمس خيبر وغنائم حنين

وكذلك الخلفاء بعده لم يكونوا يخمسون الجزية والخراج

ومنشأ الخلاف أنه لما كان لفظ آية الخمس وآية الفيء واحدا اختلف فهم الناس للقرآن فرأت طائفة أن آية الخمس تقتضي أن يقسم الخمس بين الخمسة بالسوية وهذا قول الشافعي وأحمد وداود الظاهري لأنهم ظنوا أن هذا ظاهر القرآن ثم إن آية الفيء لفظها كلفظ آية الخمس فرأى بعضهم أن الفيء كله يصرف أيضا مصرف الخمس إلى هؤلاء الخمسة وهذا قول داود بن علي وأتباعه وما علمت أحدا من المسلمين قال هذا القول قبله

وهو قول يقتضي فساد الإسلام إذا دفع الفيء كله إلى هذه الأصناف وهؤلاء يتكلمون أحيانا بما يظنونه ظاهر اللفظ ولا يتدبرون عواقب قولهم ورأى بعضهم أن قوله في آية الفيء فلله وللرسول ولذي القربى سورة الحشر 7 المراد بذلك خمس الفيء فرأوا أن الفيء يخمس وهذا قول الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد

وقال الجمهور هذا ضعيف جدا لأنه قال فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل سورة الحشر 7 لم يقل خمسه لهؤلاء ثم قال للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم سورة الحشر 8 والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم سورة الحشر 9 والذين جاءوا من بعدهم سورة الحشر 10 وهؤلاء هم المستحقون للفيء كله فكيف يقول المراد خمسه

وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما قرأ هذه الآية قال هذه عمت المسلمين كلهم

وأما أبو حنيفة ومن وافقه فوافقوا هؤلاء على أن الخمس يستحقه هؤلاء لكن قالوا إن سهم الرسول كان يستحقه في حياته وذوو قرباه كانوا يستحقونه لنصرهم له وهذا قد سقط بموته فسقط سهمهم كما سقط سهمه

والشافعي وأحمد قالا بل يقسم سهمه بعد موته في مصرف الفيء إما في الكراع والسلاح وإما في المصالح مطلقا واختلف هؤلاء هل كان الفيء ملكا للنبي ﷺ في حياته على قولين أحدهما نعم كما قاله الشافعي وبعض أصحاب أحمد لأنه أضيف إليه والثاني لم يكن ملكا له لأنه لم يكن يتصرف فيه تصرف المالك

وقالت طائفة ذوو القربى هم ذوو قربى القاسم المتولى وهو الرسول في حياته ومن يتولى الأمر بعده

واحتجوا بما روى عنه ﷺ أنه قال ما أطعم الله نبيا طعمه إلا كانت لمن يتولى الأمر بعده

والقول الخامس قول مالك وأهل المدينة وأكثر السلف أن مصرف الخمس والفيء واحد وأن الجميع لله والرسول بمعنى أنه يصرف فيما أمر الله به والرسول هو المبلغ عن الله فما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا سورة الحشر 7

وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال إني والله لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت فدل على أنه يعطى المال لمن أمره الله به لا لمن يريد هو ودل على أنه أضافه إليه لكونه رسول الله لا لكونه مالكا له

وهذا بخلاف نصيبه من المغنم وما وصى له به فإنه كان ملكه ولهذا سمى الفيء مال الله بمعنى أنه المال الذي يجب صرفه فيما أمر الله به ورسوله أي في طاعة الله أي لا يصرفه أحد فيما يريد وإن كان مباحا بخلاف الأموال المملوكة

وهذا بخلاف قوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم سورة النور 33 فإنه لم يضفه إلى الرسول بل جعله مما آتاهم الله قالوا وقوله تعالى ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل سورة الحشر 7 تخصيص هؤلاء بالذكر للاعتناء بهم لا لاختصاصهم بالمال ولهذا قال كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم سورة الحشر 7 أي لا تتداولونه وتحرمون الفقراء ولو كان مختصا بالفقراء لم يكن للأغنياء فضلا عن أن يكون دولة

وقد قال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا سورة الحشر 7 فدل على أن الرسول هو القاسم للفيء والمغانم ولو كانت مقسومة محدودة كالفرائض لم يكن للرسول أمر فيها ولا نهي

وأيضا فالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وخلفائه تدل على هذا القول فإن النبي ﷺ لم يخمس قط خمسا خمسة أجزاء ولا خلفاؤه ولا كانوا يعطون اليتامى مثل ما يعطون المساكين بل يعطون أهل الحاجة من هؤلاء وهؤلاء وقد يكون المساكين أكثر من اليتامى الأغنياء وقد كان بالمدينة يتامى أغنياء فلم يكونوا يسوون بينهم وبين الفقراء بل ولا عرف أنهم أعطوهم بخلاف ذوي الحاجة والأحاديث في هذا كثيرة ليس هذا موضع ذكرها

فصل

قال الرافضي وقال بالرأي والحدس والظن

والجواب أن القول بالرأي لم يختص به عمر رضي الله عنه بل علي كان من أقولهم بالرأي وكذلك أبو بكر وعثمان وزيد وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون بالرأي وكان رأي علي في دماء أهل القبلة ونحوه من الأمور العظائم

كما في سنن أبي داود وغيره عن الحسن عن قيس بن عباد قال قلت لعلي أخبرنا عن مسيرك هذا أعهد عهده إليك رسول الله ﷺ أم رأى رأيته قال ما عهد النبي ﷺ إلى شيئا ولكنه رأى رأيته وهذا أمر ثابت ولهذا لم يرو على رضي الله عنه في قتال الجمل وصفين شيئا كما رواه في قتال الخوارج بل روى الأحاديث الصحيحة هو وغيره من الصحابة في قتال الخوارج المارقين وأما قتال الجمل وصفين فلم يرو أحد منهم فيه نصا إلا القاعدون فإنهم رووا الأحاديث في ترك القتال في الفتنة

وأما الحديث الذي يروى أنه أمر بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين فهو حديث موضوع على النبي ﷺ

ومعلوم أن الرأي إن لم يكن مذموما فلا لوم على من قال به وإن كان مذموما فلا رأى أعظم ذما من رأي أريق به دم ألوف مؤلفة من المسلمين ولم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم بل نقص الخير عما كان وزاد الشر على ما كان

فإذا كان مثل هذا الرأي لا يعاب به فرأى عمر وغيره في مسائل الفرائض والطلاق أولى أن لا يعاب مع أن عليا شركهم في هذا الرأي وامتاز برأيه في الدماء

وقد كان ابنه الحسن وأكثر السابقين الأولين لا يرون القتال مصلحة وكان هذا الرأي أصلح من رأي القتال بالدلائل الكثيرة

ومن المعلوم أن قول علي في الجد وغيره من المسائل كان بالرأي وقد قال اجتمع رأيي ورأى عمر على المنع من بيع أمهات الأولاد والآن فقد رأيت أن يبعن فقال له قاضيه عبيده السلماني رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة

وفي صحيح البخاري عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي قال اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي قال وكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى عن علي كذب

وقد جمع الشافعي ومحمد بن نصر المروزي المسائل التي تركت من قول علي وابن مسعود فبلغت شيئا كثيرا وكثير منها قد جاءت السنة بخلافه كالمتوفى عنها الحامل فإن مذهب علي رضي الله عنه أنها تعتد أبعد الأجلين وبذلك أفتى أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي ﷺ فلما جاءته سبيعة الأسلمية وذكرت ذلك له قال كذب أبو السنابل بل حللت فانكحي من شئت وكان زوجها قد توفي عنها بمكة في حجة الوداع

فإن كان القول بالرأي ذنبا فذنب غير عمر كعلي وغيره أعظم فإن ذنب من استحل دماء المسلمين برأي هو ذنب أعظم من ذنب من حكم في قضية جزئية برأيه وإن كان منه ما هو صواب ومنه ما هو خطأ فعمر رضي الله عنه أسعد بالصواب من غيره فإن الصواب في رأيه أكثر منه في رأي غيره والخطأ في رأي غيره أكثر منه في رأيه وإن كان الرأي كله صوابا فالصواب الذي مصلحته أعظم هو خير وأعظم من الصواب الذي مصلحته دون ذلك وآراء عمر رضي الله عنه كانت مصالحها أعظم للمسلمين

فعلى كل تقدير عمر فوق القائلين بالرأي من الصحابة فيما يحمد وهو أخف منهم فيما يذم ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر

ومعلوم أن رأي المحدث الملهم أفضل من رأي من ليس كذلك وليس فوقه إلا النص الذي هو حال الصديق المتلقى من الرسول ونحن نسلم أن الصديق أفضل من عمر لكن عمر أفضل من سائرهم

وفي المسند وغيره أن الله تعالى ضرب الحق على لسان عمر وقلبه وقال عبد الله بن عمر ما سمعت عمر يقول لشيء إني لأراه كذا وكذا إلا كان كما يقول

فالنصوص والإجماع والاعتبار يدل على أن رأي عمر أولى بالصواب من رأي عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ولهذا كانت آثار رأيه محمودة فيها صلاح الدين والدنيا فهو الذي فتح بلاد فارس والروم وأعز الله به الإسلام وأذل به الكفر والنفاق وهو الذي وضع الديوان وفرض العطاء وألزم أهل الذمة بالصغار والغيار وقمع الفجار وقوم العمال وكان الإسلام في زمنه أعز ما كان

وما يتمارى في كمال سيرة عمر وعلمه وعدله وفضله من له أدنى مسكة من عقل وإنصاف ولا يطعن على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أحد رجلين إما رجل منافق زنديق ملحد عدو للإسلام يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام وهذا حال المعلم الأول للرافضة أول من ابتدع الرفض وحال أئمه الباطنية وإما جاهل مفرط في الجهل والهوى وهو الغالب على عامة الشيعة إذا كانوا مسلمين في الباطن

وإذا قال الرافضي علي كان معصوما لا يقول برأيه بل كل ما قاله فهو مثل نص الرسول وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته من جهة الرسول

قيل له نظيرك في البدعة الخوارج كلهم يكفرون عليا مع أنهم أعلم واصدق وأدين من الرافضة لا يسترتب في هذا كل من عرف حال هؤلاء وهؤلاء

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال فيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم

وقد قاتلوه في حياته وقتله واحد منهم ولهم جيوش وعلماء ومدائن وأهل السنة ولله الحمد متفقون على أنهم مبتدعة ضالون وأنه يجب قتالهم بالنصوص الصحيحة وأن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه كان من أفضل أعماله قتاله الخوارج

وقد اتفقت الصحابة على قتالهم ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون مع أئمة العدل مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكن هل يقاتلون مع أئمة الجور فنقل عن مالك أنهم لا يقاتلون وكذلك قال فيمن نقض العهد من أهل الذمة لا يقاتلون مع أئمة الجور ونقل عنه أنه قال ذلك في الكفار وهذا منقول عن مالك وبعض أصحابه ونقل عنه خلاف ذلك وهو قول الجمهور وأكثر أصحابه خالفوه في ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وقالوا يغزى مع كل أمير برا كان أو فاجرا إذا كان الغزو الذي يفعله جائزا فإذا قاتل الكفار أو المرتدين أو ناقضي العهد أو الخوارج قتالا مشروعا قوتل معه وإن قاتل قتالا وإن قاتل قتالا غير جائز لم يقاتل معه فيعاون على البر والتقوى ولا يعاون على الإثم والعدوان كما أن الرجل يسافر مع من يحج ويعتمر وإن كان في القافلة من هو ظالم

فالظالم لا يجوز أن يعاون على الظلم لأن الله تعالى يقول وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان سورة المائدة وقال موسى رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين سورة القصص 1وقال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار سورة هود 113

وقال تعالى ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها سورة النساء 8والشفيع المعين فكل من أعان شخصا على أمر فقد شفعه فيه فلا يجوز أن يعان أحد لا ولي أمر ولا غيره على ما حرمه الله ورسوله وأما إذا كان للرجل ذنوب وقد فعل برا فهذا إذا أعين على البر لم يكن هذا محرما كما لو أراد مذنب أن يؤدى زكاته أو يحج أو يقضى ديونه أو يرد بعض ما عنده من المظالم أو يوصى على بناته فهذا إذا أعين عليه فهو إعانة على بر وتقوى ليس إعانة على إثم وعدوان فكيف الأمور العامة

والجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور فإن لم يغز معهم لزم أن أهل الخير الأبرار لا يجاهدون فتفتر عزمات أهل الدين عن الجهاد فإما أن يتعطل وإما أن ينفرد به الفجار فيلزم من ذلك استيلاء الكفار أو ظهور الفجار لأن الدين لمن قاتل عليه

وهذا الرأي من أفسد الآراء وهو رأي أهل البدع من الرافضة والمعتزلة وغيرهم حتى قيل لبعض شيوخ الرافضة إذا جاء الكفار إلى بلادنا فقتلوا النفوس وسبوا الحريم وأخذوا الأموال هل نقاتلهم فقال لا المذهب أنا لا نغزو إلا مع المعصوم فقال ذلك المستفتى مع عاميته والله إن هذا لمذهب نجس فإن هذا المذهب يفضي إلى فساد الدين والدنيا

وصاحب هذا القول تورع فيما يظنه ظلما فوقع في أضعاف ما تورع عنه بهذا الورع الفاسد وأين ظلم بعض ولاة الأمور من استيلاء الكفار بل من استيلاء من هو أظلم منه فالأقل ظلما ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلما فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين

ومعلوم أن شر الكفار والمرتدين والخوارج أعظم من شر الظالم وأما اذا لم يكونوا يظلمون المسلمين والمقاتل لهم يريد أن يظلمهم فهذا عدوان منه فلا يعاون على العدوان

فصل

قال الرافضي وجعل الأمر شورى بعده وخالف فيه من تقدمه فإنه لم يفوض الأمر فيه إلى اختيار الناس ولا نص على إمام بعده بل تأسف على سالم مولى أبي حذيفة وقال لو كان حيا لم يختلجني فيه شك وأمير المؤمنين علي حاضر

وجمع فيمن يختار بين الفاضل والمفضول ومن حق الفاضل التقدم على المفضول ثم طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى وأظهر أنه يكره أن يتقلد أمر المسلمين ميتا كما تقلده حيا ثم تقلده ميتا بأن جعل الإمامة في ستة ثم ناقص فجعلها في أربعة ثم في ثلاثة ثم في واحد فجعل إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار بعد أن وصفه بالضعف والقصور ثم قال إن اجتمع أمير المؤمنين وعثمان فالقول ما قالاه وإن صاروا ثلاثة فالقول قول الذي صار فيهم عبد الرحمن بن عوف لعلمه أن عليا وعثمان لا يجتمعان على أمر واحد وأن عبد الرحمن لا يعدل الأمر عن أخيه وهو عثمان وابن عمه ثم أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة ثلاثة أيام مع أنهم عندهم من العشرة المبشرة بالجنة وأمر بقتل من خالف الأربعة منهم وأمر بقتل من خالف الثلاثة الذين بينهم عبد الرحمن وكل ذلك مخالف للدين

وقال لعلي وإن وليتها وليسوا فاعلين لتركبنهم على المحجة البيضاء وفيه إشارة إلى أنهم لا يولونه إياها قال لعثمان إن وليتها لتركبن آل أبي معيط على رقاب الناس وإن فعلت لتقتلن وفيه إشارة إلى الأمر بقتله


والجواب أن هذا الكلام كله لا يخرج عن قسمين إما كذب في النقل وإما قدح في الحق فإن منه ما هو كذب معلوم الكذب أو غير معلوم الصدق وما علم أنه صدق فليس فيه ما يوجب الطعن على عمر رضي الله عنه بل ذلك معدود من فضائله ومحاسنه التي ختم الله بها عمله

ولكن هؤلاء القوم لفرط جهلهم وهواهم يقلبون الحقائق في المنقول والمعقول فيأتون إلى الأمور التي وقعت وعلم أنها وقعت فيقولون ما وقعت وإلى أمور ما كانت ويعلم أنها ما كانت فيقولون كانت ويأتون إلى الأمور التي هي خير وصلاح فيقولون هي فساد وإلى الأمور التي هي فساد فيقولون هي خير وصلاح فليس لهم لا عقل ولا نقل بل لهم نصيب من قوله وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير سورة الملك 1وأما قول الرافضي وجعل الأمر شورى بعده وخالف فيه من تقدمه

فالجواب أن الخلاف نوعان خلاف تضاد وخلاف تنوع فالأول مثل أن يوجب هذا شيئا ويحرمه الآخر والنوع الثاني مثل القراءات التي يجوز كل منها وإن كان هذا يختار قراءة وهذا يختار قراءة كما ثبت في الصحاح بل استفاض عن النبي ﷺ أنه قال إن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف

وثبت أن عمر وهشام بن حكيم بن حزام اختلفا في سورة الفرقان فقرأها هذا على وجه وهذا على وجه آخر فقال لكليهما هكذا أنزلت

ومن هذا الباب أنواع التشهدات كتشهد ابن مسعود الذي أخرجاه في الصحيحين وتشهد أبي موسى الذي رواه مسلم وألفاظهما متقاربة وتشهد ابن عباس الذي رواه مسلم وتشهد عمر الذي علمه الناس على منبر النبي ﷺ وتشهد ابن عمر وعائشة وجابر اللواتي رواها أهل السنن عنهم عن النبي ﷺ

فكل ما ثبت عن النبي ﷺ من ذلك فهو سائغ وجائز وإن اختار كل من الناس بعض التشهدات إما لكونه هو الذي علمه ولاعتياده إياه وإما لاعتقاده رجحانه من بعض الوجوه

وكذلك الترجيع في الآذان وترك الترجيع فإن الأول قد ثبت في الصحيح في أذان أبي محذورة وروى في أوله التكبير مرتين كما رواه مسلم وروى أربعا كما رواه أبو داود وترك الترجيح هو الذي رواه أهل السنن في أذان بلال

وكذلك وتر الإقامة هو الذي ثبت في أذان بلال وشفع الإقامة ثبت في الصحيح في أذان أبي محذورة فأحمد وغيره من فقهاء الحديث أخذوا بأذان بلال وإقامته والشافعي أخذ بأذان أبي محذورة وإقامة بلال وأبو حنيفة أخذ بأذان بلال وإقامة أبي محذورة

وكل هذه الأمور جائزة بسنة رسول الله ﷺ وإن كان من الفقهاء من يكره بعض ذلك لاعتقاده أنه لم يثبت كونه سن في الأذان فذلك لا يقدح في علم من علم أنه سنة

وكذلك أنواع صلاة الخوف فإنه ثبت عن النبي ﷺ فيها أنواع متعددة كصلاة ذات الرقاع وصلاة عسفان وصلاة نجد فإنه صلى بهم بعسفان جماعة صلاة واحدة لكن جعلهم صفين فالصف الواحد ركعوا معه جميعا وسجد معه الصف الأول وتخلف الصف الآخر عن المتابعة ليحرسوا ثم أتموا لأنفسهم وفي الركعة الثانية بالعكس فكان في ذلك من خلاف الصلاة المعتادة تخلف أحد الصفين عن السجود معه لأجل الحرس وهذه مشروعة إذا كان العدو وجاه القبلة

وصار هذا اصلا للفقهاء في تخلف المأموم لعذر فيما دون الركعة كالزحمة والنوم والخوف وغير ذلك أنه لا يبطل الصلاة وأنه يفعل ما تخلف عنه

وأكثر الصلوات كان يجعلهم طائفتين وهذا يتعين إذا كان العدو في غير جهة الكعبة فتارة يصلي بطائفة ركعة ثم يفارقونه ويتمون لأنفسهم ثم يصلى بالطائفة الثانية الركعة الثانية ويتمون لأنفسهم قبل سلامه فيسلم بهم فيكون الأولون أحرموا معه والآخرون سلموا معه كما صلى بهم في ذات الرقاع وهذه أشهر الأنواع وأكثر الفقهاء يختارونها لكن منهم من يختار أن تسلم الثانية بعده كالمسبوق كما يروى عن مالك والأكثرون يختارون ما ثبت به النقل عن النبي ﷺ ولأن المسبوق قد صلى غيره مع الإمام الصلاة كلها فيسلم بهم بخلاف هذا فإن الطائفة الأولى لم تتم معه الصلاة فلا يسلم إلا بهم ليكون تسليمه بالمأمومين فإن في السنن عنه ﷺ أنه قال مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم فهذا مروى عن علي وغيره

ومنها صلاة نجد صلى بطائفة ركعة ثم ذهبت إلى وجاه العدو وجاءت الطائفة الثانية فصلى بهم الثانية ثم ذهبوا إلى وجاه العدو ورجع الأولون فأتموا بركعة ثم رجع هؤلاء فأتموا بركعة

وهذه يختارها أبو حنيفة لأنها على وفق القياس عنده إذ ليس فيها إلا العمل الكثير واستدبار القبلة لعذر وهو يجوز ذلك لمن سبقه الحدث ومنها صلوات أخرى

والصحيح الذي لا يجوز أن يقال بغيره أن كل ما ثبت عن النبي ﷺ من ذلك فهو جائز وإن كان المختار يختار بعض ذلك فهذا من اختلاف التنوع

ومن ذلك أنواع الاستفتاحات في الصلاة كاستفتاح أبي هريرة الذي رواه عن النبي ﷺ وهو في الصحيحين واستفتاح علي بن أبي طالب الذي رواه مسلم واستفتاح عمر الذي كان يجهر به في محراب النبي ﷺ يعلمه الناس متفق عليه وهو في السنن مرفوع إلى النبي ﷺ وغير ذلك من الاستفتاحات

ومن ذلك صفات الاستعاذة وأنواع الأدعية في آخر الصلاة وأنواع الأذكار التي تقال في الركوع والسجود مع التسبيح المأمور به

ومن ذلك صلاة التطوع يخير فيها بين القيام والقعود ويخير بين الجهر بالليل والمخافتة إلىأمثال ذلك

ومن ذلك تخيير الحاج بين التعجيل في يومين من أيام منى وبين التأخر إلى اليوم الثالث

وهذا الاختلاف قسمان أحدهما يكون الإنسان مخيرا فيه بين النوعين بدون اجتهاد في أصلحهما والثاني يكون تخييره بحسب ما يراه من المصلحة

وتخيير المتصرف لغيره هو من هذا الباب كولي اليتيم وناظر الوقف والوكيل والمضارب والشريك وأمثال ذلك ممن تصرف لغيره فإنه إذا كان مخيرا بين هذا النقد وهذا أو بين النقد والنسيئة أو بين ابتياع هذا الصنف وهذا الصنف أو البيع في هذا السوق وهذا السوق فهو تخيير مصلحة واجتهاد فليس له أن يعدل عما يراه أصلح لمن أئتمنه إذا لم يكن عليه في ذلك مشقة تسوغ له تركه

ومن هذا الباب تصرف ولي الأمر للمسلمين كالأسير الذي يخير فيه بين القتل والاسترقاق وكذلك بين المن والفداء عند أكثر العلماء

ولهذا استشار النبي ﷺ أصحابه فيهم يوم بدر فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه بأخذ الفداء وشبهة النبي ﷺ بإبراهيم وعيسى وأشار عليه عمر رضي الله عنه بالقتل وشبهه النبي ﷺ بنوح وموسى ولم يعب واحدا منهما بما أشار عليه به بل مدحه وشبهه بالأنبياء ولو كان مأمورا بأحد الأمرين حتما لما استشارهم فيما يفعل

وكذلك اجتهاد ولى الأمر فيمن يولى فعليه أن يختار أصلح من يراه ثم إن الاجتهاد يختلف ويكون جميعه صوابا كما أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان رأيه أن يولى خالد بن الوليد في حروبه وكان عمر يشير عليه بأن يعزله فلا يعزله ويقول إنه سيف سله الله على المشركين ثم إن عمر لما تولى عزله وولى أبا عبيدة بن الجراح وما فعله كل منهما كان أصلح في وقته فإن أبا بكر كان فيه لين وعمر كان فيه شدة وكانا على عهد النبي ﷺ يستشيرهما النبي ﷺ

وروى عنه أنه قال إذا اتفقتما على شيء لم أخالفكما وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال في بعض مغازيه إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا

وفي رواية في الصحيح كيف ترون القوم صنعوا حين فقدوا نبيهم وأرهقتهم صلاتهم قلنا الله ورسوله أعلم قال أليس فيهم أبو بكر وعمر إن يطيعوهما فقد رشدوا ورشدت أمتهم وإن يعصوهما فقد غووا وغوت أمتهم قالها ثلاثا

وقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس عن عمر قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه وهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين سورة الأنفال 9 فأمده الله بالملائكة قال أبو زميل فحدثني ابن عباس قال بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصارى فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين فقال أبو زميل قال ابن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأساري فقال أبو بكر يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على المشركين فعسى الله أن يهديهم للإسلام فقال رسول الله ﷺ ما ترى يا ابن الخطاب قلت لا والله يا رسول ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكني من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت يا رسول الله ما يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله ﷺ أبكى للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الآية سورة الأنفال 67 قال فأحل الله لهم الغنيمة

ورواه عبد الله بن مسعود وقال فيه فقال رسول الله ﷺ إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم سورة إبراهيم 36 أو كمثل عيسى قال إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم سورة المائدة 118 وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا سورة نوح 26 وقال يا عمر كمثل موسى قال وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم سورة يونس 813

وقد روى هذ المعنى من حديث أم سلمة وابن عباس وغيرهما

وقد روى أحمد في المسند من حديث أبي معاوية ورواه ابن بطة ورويناه في جزء ابن عرفة عن أبي معاوية وهي لفظه قال لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ ما تقولون في هؤلاء الأساري فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله يتوب عليهم وقال عمر يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قربهم واضرب أعناقهم فذكر الحديث قال فدخل رسول الله ﷺ ولم يرد عليهم شيئا قال فخرج رسول الله ﷺ فقال إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم سورة إبراهيم 36 وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم سورة المائدة 118 وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا سورة نوح 26 وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم سورة يونس 8وروى ابن بطة بالإسناد الثابت من حديث الزنجي بن خالد عن إسماعيل بن أمية قال قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر لولا أنكما تختلفان على ما خالفتكما

وكان السلف متفقين على تقديمهما حتى شيعة علي رضي الله عنه

وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق حدثنا محمد بن حميد حدثنا جرير عن سفيان عن عبد الله بن زياد عن حدير قال قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة قال لنا شمر بن عطية قوموا إليه فجلسنا إليه فتحدثوا فقال أبو إسحاق خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون ولا والله ما أدرى ما يقولون

وقال حدثنا النيسابوري حدثنا أبو أسامة الحلبي حدثنا أبي حدثنا ضمرة عن سعيد بن حسن قال سمعت ليث بن أبي سليم يقول أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا

وقال أحمد بن حنبل حدثنا ابن عيينة عن خالد بن سلمة عن الشعبي عن مسروق قال حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة ومسروق من أجل تابعي الكوفة وكذلك قال طاووس حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة وقد روى ذلك عن ابن مسعود

وكيف لا تقدم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر وقد تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وقد روى هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقا

وقد رواه البخاري عنه في صحيحه من حديث الهمدانيين الذين هم أخص الناس بعلي حتى كان يقول

ولو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان أدخلي بسلام

وقد رواه البخاري من حديث سفيان الثوري وهو همداني عن منذر وهو همداني عن محمد بن الحنفية قال قلت لأبي يا أبت من خير الناس بعد رسول الله ﷺ فقال يا بني أو ما تعرف فقلت لا قال أبو بكر فقلت ثم من قال عمر وهذا يقوله لابنه بينه وبينه ليس هو مما يجوز أن يقوله تقية ويرويه عن أبيه خاصة وقال على المنبر

وعنه أنه كان يقول لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري

وفي السنن عنه ﷺ أنه قال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر

ولهذا كان أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد أن قولهما إذا اتفقا حجة لا يجوز العدول عنها وهذا أظهر القولين كما أن الأظهر أن اتفاق الخلفاء الأربعة أيضا حجة لا يجوز خلافها لأمر النبي ﷺ باتباع سنتهم

وكان نبينا ﷺ مبعوثا بأعدل الأمور وأكملها فهو الضحوك القتال وهو نبي الرحمة ونبي الملحمة بل أمته موصوفون بذلك في مثل قوله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم سورة الفتح 29 وقوله تعالى أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين سورة المائدة 54 فكان النبي ﷺ يجمع بين شدة هذا ولين هذا فيأمر بما هو العدل وهما يطيعانه فتكون أفعالهما على كمال الاستقامة فلما قبض الله نبيه وصار كل منهما خليفة على المسلمين خلافة نبوة كان من كمال أبي بكر رضي الله عنه أن يولى الشديد ويستعين به ليعتدل أمره ويخلط الشدة باللين فإن مجرد اللين يفسد ومجرد الشدة تفسد ويكون قد قام مقام النبي ﷺ فكان يستعين باستشارة عمر وباستنابة خالد ونحو ذلك

وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله ﷺ ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برز بها على عمر وغيره حتى روى أن عمر قال له يا خليفة رسول الله ﷺ تألف الناس فقال علام أتألفهم أعلى حديث مفترى أم على شعر مفتعل

وقال أنس خطبنا أبو بكر عقيب وفاة النبي ﷺ وإنا لكالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود

وأما عمر رضي الله عنه فكان شديدا في نفسه فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح وسعد ابن أبي وقاص وأبي عبيد الثقفي والنعمان بن مقرن وسعيد بن عامر وأمثال هؤلاء من أهل الصلاح والزهد الذين هم أعظم زهدا وعبادة من مثل خالد بن الوليد وأمثاله

ومن هذا الباب أمر الشورى فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان كثير المشاورة للصحابة فيما لم يتبين فيه أمر الله ورسوله فإن الشارع نصوصه كلمات جوامع وقضايا كلية وقواعد عامة يمتنع أن ينص على كل فرد من جزئيات العالم إلى يوم القيامة فلا بد من الاجتهاد في المعينات هل تدخل في كلماته الجامعة أم لا

وهذا الاجتهاد يسمى تحقيق المناط وهو مما اتفق عليه الناس كلهم نفاة القياس ومثبتته فإن الله إذا أمر أن يستشهد ذوا عدل فكون الشخص المعين من ذوي العدل لا يعلم بالنص بل باجتهاد خاص وكذلك إذا أمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها وأن يولى الأمور من يصلح لها فكون هذا الشخص المعين صالحا لذلك أو راجحا على غيره لا يمكن أن تدل عليه النصوص بل لا يعلم إلا باجتهاد خاص

والرافضي إن زعم أن الإمام يكون منصوصا عليه وهو معصوم فليس هو أعظم من الرسول ونوابه وعماله ليسوا معصومين ولا يمكن أن ينص الشارع على كل معينة ولا يمكن النبي ولا الإمام أن يعلم الباطن في كل معينة بل قد كان النبي ﷺ يولى الوليد بن عقبة ثم ينزل الله فيه إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة سورة الحجرات وقد كان يظن أن الحق في قضيته مع بني أبيرق ثم ينزل الله

إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما سورة النساء 105 الآيات

وأما علي رضي الله عنه فظهور الأمر له في الجزئيات بخلاف ما ظنه كثير جدا فعلم أنه لا بد من الاجتهاد في ا لجزئيات من المعصومين وغير المعصومين

وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض وإنما أقضى بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار

فحكمه في القضية المعينة إنما هو باجتهاده ولهذا نهى المحكوم له أن يأخذ ما حكم له به إذا كان الباطن بخلاف ما ظهر للحاكم

وعمر رضي الله عنه إمام وعليه أن يستخلف الأصلح للمسلمين فاجتهد في ذلك ورأى أن هؤلاء الستة أحق من غيرهم وهو كما رأى فإنه لم يقل أحد أن غيرهم أحق منهم وجعل التعيين إليهم خوفا أن يعين واحدا منهم ويكون غيره أصلح لهم فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين وقال الأمر في التعيين إلى الستة يعينون واحدا منهم

وهذا أحسن اجتهاد إمام عالم عادل ناصح لا هوى له رضي الله عنه

وأيضا فقد قال تعالى وأمرهم شورى بينهم سورة الشورى 38 وقال وشاورهم في الأمر سورة آل عمران 159 فكان ما فعله من الشورى مصلحة وكان ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من تعيين عمر هو المصلحة أيضا فإن أبا بكر تبين له من كمال عمر وفضله واستحقاقه للأمر مالم يحتج معه إلى الشورى وظهر أثر هذا الرأي المبارك الميمون على المسلمين فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو عليا أو طلحة أو الزبير أو سعدا أو عبد الرحمن بن عوف لا يقوم مقام عمر فكان تعيين عمر في الاستحقاق كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له

ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أفرس الناس ثلاثة بنت صاحب مدين حيث قالت يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين سورة القصص 26 وامرأة العزيز حيث قالت عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا سورة القصص 9 وأبو بكر حيث استخلف عمر وقالت عائشة رضي الله عنها في خطبتها أبي وما أبيه والله لا تعطوه الأيدي ذاك طود منيف وفرع مديد هيهات كذبت الظنون أنجح إذ أكديتم وسبق إذا ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد فتى قريش ناشئا وكهفها كهلا يفك عانيها ويريش مملقها ويرأب شعبها حتى حليته قلوبها ثم استشرى في الله فما برحت شكيمته في ذات الله تعالى تشتد حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون وكان رحمه الله غزير الدمعة وقيذ الجوانح شجى النشيج فتتقصف عليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون سورة البقرة 15 فأكبرت ذلك رجالات قريش فحنت له قسيها وفوقت له سهامها وانتبلوه غرضا فما فلوا له صفاة ولا قصفوا له قناة ومر على سيسائه حتى إذا ضرب الدين بجرانه وألقى بركه ورست أوتاده ودخل الناس فيه أفواجا ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا اختار الله نبيه ﷺ ما عنده فلما قبض الله نبيه نصب الشيطان رواقة ومد طنبه ونصب حبائله فظن رجال أن قد تحققت أطماعهم ولات حين الذي يرجون وأني والصديق بين أظهرهم فقام حاسرا مشمرا فجمع حاشيته ورفع قطريه فرد نشر الإسلام على غره ولم شعثه بطبه وأقام أوده بثقافة فدق النفاق بوطأته وانتاش الدين فمنعه فلما أراح الحق على أهله وقرر الرؤوس على كواهلها وحقن الدماء في أهبها أتته منيته فسد ثلمه بنظيره في الرحمة وشقيقه في السيرة والمعدلة ذاك ابن الخطاب لله ثم حملت به ودرت عليه لقد أوحدت به ففنخ الكفرة وديخها وشرد الشرك شذر مذر وبعج الأرض وبخعها فقاءت أكلها ولفظت خبيئها ترأمه ويصدف عنها وتصدى له ويأباها ثم ورع فيها وودعها كما صحبها فأروني ما تريبون وأي يوم تنقمون أيوم إقامته إذ عدل فيكم أم يوم ظعنه وقد نظر لكم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وروى هذه الخطبة جعفر ابن عون عن أبيه عن عائشة وهؤلاء رواة الصحيحين وقد رواها أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه وبعضهم رواها عن هشام ولم يذكر فيه عروة

وأما عمر رضي الله عنه فرأى الأمر في الستة متقاربا فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض فلذلك المفضول مزيه أخرى ليست للآخر ورأى أنه إذا عين واحدا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل فيكون منسوبا إليه فترك التعيين خوفا من الله تعالى وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم فجمع بين المصلحتين بين تعيينهم إذ لا أحق منهم وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير

والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة وإذا كان من الأمور أمور لا يمكن دفعها فتلك لا تدخل في التكليف وكان كما رآه فعلم أنه أن ولى واحدا من الستة فلا بد أن يحصل نوع من التأخر عن سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأن يحصل بسبب ذلك مشاجرة كما جبل الله على ذلك طباع بني آدم وإن كانوا من أولياء الله المتقين وذكر في كل واحد من الستة الأمر الذي منعه من تعيينه وتقديمه على غيره

ثم إن الصحابة اجتمعوا على عثمان رضي الله عنه لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره والواجب أن يقدم أكثر الأمرين مصلحة وأقلهما مفسدة

وعمر رضي الله عنه خاف أن يتقلد أمرا يكون فيه ما ذكر ورأى أنهم إذا بايعوا واحدا منهم باختيارهم حصلت المصلحة بحسب الإمكان وكان الفرق بين حال المحيا وحال الممات أي في الحياة يتولى أمر المسلمين فيجب عليه أن يولى عليهم أصلح من يمكنه وأما بعد الموت فلا يجب عليه أن يستخلف معينا إذا كانوا يجتمعون على أمثلهم كما أن النبي ﷺ لما علم أنهم يجتمعون على أبي بكر استغنى بذلك عن كتابه الكتاب الذي كان قد عزم على أن يكتبه لأبي بكر

وأيضا فلا دليل على أنه يجب على الخليفة أن يستخلف بعده فلم يترك عمر واجبا ولهذا روجع في استخلاف المعين وقيل له أرأيت لو أنك استرعيت فقال إن الله تعالى لم يكن يضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه ﷺ فإن عجل بى أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض

ومما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من الصلاح لا لرفع الفساد بالكلية فإن هذا ممتنع في الطبيعة الإنسانية إذ لا بد فيها من فساد

ولهذا قال تعالى إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك الآية سورة البقرة 30 ولهذا لم تكن أمة من الأمم إلا وفيها شر وفساد وأمثل الأمم قبلنا بنو إسرائيل وكان فيهم من الفساد والشر ما قد علم بعضه

وأمتنا خير أمم وأكرمها على الله وخيرها القرون الثلاثة وأفضلهم الصحابة وفي أمتنا شر كثير لكنه أقل من شر بني إسرائيل وشر بني إسرائيل أقل من شر الكفار الذين لم يتبعوا نبيا كفرعون وقومه وكل خير في بني إسرائيل ففي أمتنا خير منه وكذلك أول هذه الأمة وآخرها فكل خير من المتأخرين ففي المتقدمين ما هو خير منه وكل شر في المتقدمين ففي المتأخرين ما هو شر منه وقد قال تعالى فاتقوا الله ما استطعتم سورة التغابن 1ولا ريب أن الستة الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض الذي عينهم عمر لا يوجد أفضل منهم وإن كان في كل منهم ما كرهه فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم ولهذا لم يتول بعد عثمان خير منه ولا أحسن سيرة ولا تولى بعد علي خير منه ولا تولى ملك من ملوك المسلمين أحسن سيرة من معاوية رضي الله عنه كما ذكر الناس سيرته وفضائله

وإذا كان الواحد من هؤلاء له ذنوب فغيرهم أعظم ذنوبا وأقل حسنات فهذا من الأمور التي ينبغي أن تعرف فإن الجاهل بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا على العقير ولا يقع على الصحيح والعاقل يزن الأمور جميعا هذا وهذا

وهؤلاء الرافضة من أجهل الناس يعيبون على من يذمونه ما يعاب أعظم منه على من يمدحونه فإذا سلك معهم ميزان العدل تبين أن الذي ذموه أولى بالتفضيل ممن مدحوه

وأما ما يروى من ذكره لسالم مولى أبي حذيفة فقد علم أن عمر وغيره من الصحابة كانوا يعلمون أن الإمامة في قريش كما استفاضت بذلك السنن عن النبي ﷺ ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان وفي لفظ ما بقي منهم اثنان

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ الناس تبع لقريش في هذا الشأن مؤمنهم تبع لمؤمنهم وكافرهم تبع لكافرهم رواه مسلم

وفي حديث جابر قال الناس تبع لقريش في الخير والشر

وخرج البخاري عن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين

وهذا مما احتجوا به على الأنصار يوم السقيفة فكيف يظن بعمر أنه كان يولى رجلا من غير قريش بل من الممكن أنه كان يوليه ولاية جزئية أو يستشيره فيمن يولى ونحو ذلك من الأمور التي يصلح لها سالم مولى أبي حذيفة فإن سالما كان من خيار الصحابة وهو الذي كان يؤمهم على عهد رسول الله ﷺ لما قدم المهاجرون

وأما قول الرافضي وجمع بين الفاضل والمفضول ومن حق الفاضل التقدم على المفضول

فيقال له أولا هؤلاء كانوا متقاربين في الفضيلة ولم يكن تقدم بعضهم على بعض ظاهرا كتقدم أبي بكر وعمر على الباقين ولهذا كان في الشورى تارة يؤخذ برأي عثمان وتارة يؤخذ برأي علي وتارة برأي عبد الرحمن وكل منهم له فضائل لم يشركه فيها الآخر

ثم يقال له ثانيا وإذا كان فيهم فاضل ومفضول فلم قلت إن عليا هو الفاضل وعثمان وغيره هم المفضولون وهذا القول خلاف ما أجمع عليه المهاجرون والأنصار كما قال غير واحد من الأئمة منهم أيوب السختياني وغيره من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار

وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وفي لفظ ثم ندع أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم

فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي ﷺ من تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان وقد روى أن ذلك كان يبلغ النبي ﷺ فلا ينكره

وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص وإلا فيكون ثابتا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي ﷺ من غير نكير وبما ظهر لما توفي عمر فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم

قال الإمام أحمد لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان وسئل عن خلافة النبوة فقال كل بيعة كانت بالمدينة وهو كما قال فإنهم كانوا في آخر ولاية عمر أعز ما كانوا وأظهر ما كانوا قبل ذلك

وكلهم بايع عثمان بلا رغبة بذلها لهم ولا رهبة فإنه لم يعط أحدا على ولايته لا مالا ولا لاية وعبد الرحمن الذي بايعه لم يوله ولم يعطه مالا وكان عبد الرحمن من أبعد الناس عن الأغراض مع أن عبد الرحمن شاور جميع الناس ولم يكن لبني أمية شوكة ولا كان في الشورى منهم أحد غير عثمان

مع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا كما وصفهم الله عز وجل يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم سورة المائدة 5وقد بايعوا النبي ﷺ أن يقولوا الحق حيثما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم ولم ينكر أحد منهم ولاية عثمان بل كان في الذين بايعوه عمار بن ياسر وصهيب وأبو ذر وخباب والمقداد بن الأسود وابن مسعود وقال ابن مسعود ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل

وفيهم العباس بن عبد المطلب وفيهم من النقباء مثل عبادة بن الصامت وأمثاله وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري وأمثاله

وكل من هؤلاء وغيرهم لو تكلم بالحق لم يكن هناك عذر يسقطه عنه فقد كان يتكلم من يتكلم منهم على عهد رسول الله ﷺ في ولاية من يولى وهو مستحق للولاية ولا يحصل لهم ضرر وتكلم طلحة وغيره في ولاية عمر لما استخلفه أبو بكر وتكلم أسيد بن حضير في ولاية أسامة بن زيد على عهد النبي ﷺ وقد كانوا يكلمون عمر فيمن يوليه ويعزله

وعثمان بعد ولايته وقوة شوكته وكثرة أنصاره وظهور بني أمية كانوا يكلمونه فيمن يوليه ويعطيه منهم ومن غيرهم ثم في آخر الأمر لما اشتكوا من بعضهم عزله ولما اشتكوا من بعض من يأخذ بعض المال منعه فأجابهم إلى ما طلبوه من عزل ومنع من المال وهم أطراف من الناس وهو في عزة ولايته فكيف لا يسمع كلام الصحابة أئمتهم وكبرائهم مع عزهم وقوتهم لو تكلموا في ولاية عثمان وقد تكلموا مع الصديق في ولاية عمر وقالوا ماذا تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا فقال أبالله تخوفوني أقول وليت عليهم خير أهلك فلم يحابوا الصديق في عهده لعمر مع شدته

ومن شأن الناس أن يراعوا من يرشح للولاية فيحابونه خوفا منه أن ينتقم منهم إذا ولى ورجاء له وهذا موجود فهؤلاء لم يحابوا عمر ولا أبا بكر مع ولايتهما فكيف يحابون عثمان وهو بعد لم يتول ولا شوكة له

فلولا علم القوم بأن عثمان أحقهم بالولاية لما ولوه وهذا أمر كلما تدبره الخبير ازداد به خبرة وعلما ولا يشك فيه إلا من لم يتدبره من أهل العلم بالاستدلال أو من هو جاهل بالواقع أو بطريق النظر والاستدلال

والجهل بالأدلة أو بالنظر فيها يورث الجهل وأما من كان عالما بما وقع وبالأدلة وعالما بطريقة النظر والاستدلال فإنه يقطع قطعا لا يتمارى فيه أن عثمان كان أحقهم بالخلافة وأفضل من بقي بعده فاتفاقهم على بيعة عثمان بغير نكير دليل على أنهم لم يكن عندهم أصلح منها وإن كان في ذلك كراهية في الباطن من بعضهم لاجتهاد أو هوى فهذا لا يقدح فيها كما لا يقدح في غيرها من الولايات كولاية أسامةبن زيد وولاية أبي بكر وعمر

وأيضا فإن ولاية عثمان كان فيها من المصالح والخيرات مالا يعلمها إلا الله وما حصل فيها من الأمور التي كرهوها كتأمير بعض بني أمية وإعطائهم بعض المال ونحو ذلك فقد حصل من ولاية من بعده ما هو أعظم من ذلك من الفساد ولم يحصل فيها من الصلاح ما حصل في إمارة عثمان

وأين إيثار بعض الناس بولاية أو مال من كون الأمة يسفك بعضها دماء بعض وتشتغل بذلك عن مصلحة دينها ودنياها حتى يطمع الكفار في بلاد المسلمين وأين اجتماع المسلمين وفتح بلاد الأعداء من الفرقة والفتنة بين المسلمين وعجزهم عن الأعداء حتى يأخذوا بعض بلادهم أو بعض أموالهم قهرا أو صلحا

وأما قول الرافضي إنه طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى وأظهر أنه يكره أن يتقلد أمر المسلمين ميتا كما تقلده حيا ثم تقلده بأن جعل الإمامة في ستة

فالجواب أن عمر لم يطعن فيهم طعن من يجعل غيرهم أحق بالإمامة منهم بل لم يكن عنده أحق بالإمامة منهم كما نص على ذلك بين عذره المانع له من تعيين واحد منهم وكره أن يتقلد ولاية معين ولم يكره أن يتقلد تعيين الستة لأنه قد علم أنه لا أحد أحق بالأمر منهم فالذي علمه وعلم أن الله يثيبه عليه ولا تبعة عليه فيه إن تقلده هو اختيار الستة والذي خاف أن يكون عليه فيه تبعة وهو تعيين واحد منهم تركه

وهذا من كمال عقله ودينه رضي الله عنه وليس كراهته لتقلده ميتا كما تقلده حيا لطعنه في تقلده حيا فإنه إنما تقلد الأمر حيا باختياره وبأن تقلده كان خيرا له وللأمة وإن كان خائفا من تبعة الحساب

فقد قال تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون سورة المؤمنون 60 قالت عائشة يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعاقب قال لا يا بنت الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه

فخوفه من التقصير في الطاعة من كمال الطاعة والفرق بين تقلده حيا وميتا أنه في حياته كان رقيبا على نوابه متعقبا لأفعالهم يأمرهم بالحج كل عام ليحكم بينهم وبين الرعية فكان ما يفعلونه مما يكرهه يمكنه منعهم منه وتلافيه بخلاف ما بعد الموت فإنه لا يمكنه لا منعهم مما يكرهه ولا تلافي ذلك فلهذا كره تقلد الأمر ميتا

وأما تعيين الستة فهو عنده واضح بين لعلمه أنهم أحق الناس بهذا الأمر

وأما قوله ثم ناقص فجعلها في أربعة ثم في ثلاثة ثم في واحد فجعل إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار بعد أن وصفه بالضعف والقصور

فالجواب أولا أنه ينبغي لمن احتج بالمنقول أن يثبته أولا وإذا قال القائل هذا غير معلوم الصحة لم يكن عليه حجة والنقل الثابت في صحيح البخاري وغيره ليس فيه شيء من هذا بل هو يدل على نقيض هذا وأن الستة هم الذين جعلوا الأمر في ثلاثة ثم الثلاثة جعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف واحد منهم ليس لعمر في ذلك أمر

وفي الحديث الثابت عن عمرو بن ميمون أن عمر بن الخطاب لما طعن قال إن الناس يقولون استخلف وإن الأمر إلى هؤلاء الستة الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك ويشهدهم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء فإن أصابت الخلافة سعدا ولا فليستعن به من ولي فإني لم اعزله عن عجز ولا خيانة ثم قال أوصى الخليفة من بعدي بتقوى الله تعالى وأوصيه بالمهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وأوصيه بأهل الامصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وغيظ العدو وجباة الأموال لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضا منهم وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ منهم من حواشي أموالهم فترد على فقرائهم وأوصيه بذمه الله ورسوله أن يوفى لهم بعدهم ويقاتل من وراءهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم

فقد وصى الخليفة من بعده بجميع أجناس الرعية السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وأوصاه بسكان الأمصار من المسلمين

وأوصاه بأهل البوادي وبأهل الذمة قال عمرو بن ميمون فلما قيب انطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر وقال يستأذن عمر بن الخطاب قالت أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم قال الزبير قد جعلت أمري إلى علي وقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمرى إلى عبد الرحمن بن عوف وقال عبد الرحمن أيكم يبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضل من في نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكما قالا نعم فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت والله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه

وفي الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة قال أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا وقال لهم عبد الرحمن لست بالذي أنافسكم في هذا الأمر ولكن إن شئتم اخترت لكم منكم فجعلوا ذلك لعبد الرحمن بن عوف فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم مال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط الذين ولاهم عمر ولا يطأ عقبه قال ومال الناس إلى عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها قال المسور طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت فقال أراك نائما والله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم انطلق فادع لي الزبير وسعدا فدعوتهما فشاورهما ثم دعاني فقال ادع لي عليا فدعوته فناجاه حتى آبهار الليل ثم قام على من عنده وهو على طمع وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا ثم قال ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح فلما صلى الناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر أرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا فقال أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون

وأما قوله ثم قال إن اجتمع علي وعثمان فالقول ما قالاه وإن صاروا ثلاثة فالقول قول الذين صار فيهم عبد الرحمن لعلمه أن عليا وعثمان لا يجتمعان على أمر وأن عبد الرحمن لا يعدل بالأمر عن أخيه وعثمان وابن عمه

فيقال له من الذي قال إن عمر قال ذلك وإن كان قد قال ذلك فلا يجوز أن يظن به أنه كان غرضه ولاية عثمان محاباة له ومنع علي معاداة له فإنه لو كان قصده هذا لولى عثمان ابتداء ولم ينتطح فيها عنزان كيف والذين عاشوا بعده قدموا عثمان بدون تعيين عمر له فلو كان عمر عينه لكانوا أعظم متابعة له وطاعة سواء كانوا كما يقوله المؤمنون أهل دين وخير وعدل أو كانوا كما يقوله المنافقون الطاعنون فيهم إن مقصودهم الظلم والشر لا سيما عمر كان في حال الحياة لا يخاف أحدا والرافضة تسميه فرعون هذه الأمة فإذا كان في حياته لم يخف من تقديم أبي بكر والأمر في أوله والنفوس لم تتوطن على طاعة أحد معين بعد النبي ﷺ ولا صار لعمر أمر فكيف يخاف من تقديم عثمان عند موته والناس كلهم مطيعوه وقد تمرنوا على طاعته

فعلم أنه لو كان له غرض في تقديم عثمان لقدمه ولم يحتج إلى هذه الدورة البعيدة

ثم أي غرض يكون لعمر رضي الله عنه في عثمان دون علي وليس بينه وبين عثمان من أسباب الصلة أكثر مما بينه وبين علي لا من جهة القبيلة ولا من غير جهة القبيلة، وعمر قد أخرج من الأمر ابنه ولم يدخل في الأمر ابن عمه سعيد بن زيد وهو أحد العشرة المشهود لأعيانهم بالجنة في حديث واحد وهم من قبيلة بني عدي ولا كان يولى من بني عدي أحدا بل ولى رجلا منهم ثم عزله

وكان باتفاق الناس لا تأخذه في الله لومة لائم فأي داع يدعوه إلى محاباة زيد دون عمر وبلا غرض يحصله من الدنيا

فمن أقصى عشيرته وأمر بأن الدين الذي عليه لا يوفى إلا من مال أقاربه ثم من مال بني عدي ثم من مال قريش ولا يؤخذ من بيت المال شيء ولا من سائر الناس فأي حاجة له إلى عثمان أو علي أو غيرهما حتى يقدمه وهو لا يحتاج إليه لا في أهله الذين يخلفهم ولا في دينه الذي عليه

والإنسان إنما يحابي من يتولى بعده لحاجته إليه في نحو ذلك فمن لا يكون له حاجة لا إلى هذا ولا إلى هذا فأي داع يدعوه إلى ذلك لا سيما عند الموت وهو وقت يسلم فيه الكافر ويتوب فيه الفاجر فلو علم أن لعلي حقا دون غيره أو أنه أحق بالأمر من غيره لكان الواجب أن يقدمه حينئذ إما توبة إلى الله وإما تخفيفا للذنب فإنه إذا لم يكن له مانع دنيوي لم يبق إلا الدين فلو كان الدين يقتضي ذلك لفعله وإلا فليس في العادة أن الرجل يفعل ما يعلم أنه يعاقب عليه ولا ينتفع به لا في دين ولا دنيا بل لا يفعل ما لا غرض له فيه أصلا ويترك ما يحتاج إليه في دينه عند الموت مع صحة العقل وحضوره وطول الوقت

ولو قدر والعياذ بالله أنه كان عدوا مبغضا للنبي ﷺ غاية البغضة فلا ريب أنه نال بسبب النبي ﷺ ما ناله من السعادة ولم يكن عمر ممن يخفى عليه أن رسول الله ﷺ صادق مصدق فإنه كان من أذكى الناس ودلائل النبوة من أظهر الأمور فهو يعلم أنه أن استمر على معاداته يعذب في الآخرة وليس له وقت الموت غرض في ولاية عثمان ونحوه فكيف يصرف الأمر عن مستحقه لغير غرض

وإن قيل إنه كان يخاف أن يقال إنه رجع وتاب كما خاف أبو طالب من الإسلام وقت الموت

فيقال قد كان يمكنه ولاية على بلا إظهار توبة فإنه لو ولى عليا أو غيره لسمع الناس وأطاعوا ولم ينتطح في ذلك عنزان والإنسان قد يكون عليه مظالم فيؤديها على وجه لا يعرف أنه كان ظالما فيوصي وقت الموت لفلان بكذا ولفلان بكذا ويجعلها وصية ويكون إما معتقدا وإما خائفا أن يكون حقا واجبا عليه

وليس لعمر من يخاف عليه بعد موته فإن أقاربه صرف الأمر عنهم وهو يعلم أن عليا أعدل وأتقى من أن يظلمهم ولو قدر أن عليا كان ينتقم من الذين لم يبايعوه أولا فبنو عدى كانوا أبعد الناس عن ذلك فإنه لم يكن لهم شوكة ولا كانوا كثيرين وهم كلهم محبون لعلي معظمون له ليس فيهم من يبغض عليا أو يبغضه علي ولا قتل على منهم أحدا لا في جاهليه ولا إسلام وكذلك بنو تيم كلهم يحبون عليا وعلي يحبهم ولم يقتل علي منهم أحدا في جاهلية ولا إسلام

ويقال ثانيا عمر ما زال إذا روجع رجع وما زال يعترف غير مرة أنه يتبين له الحق فيرجع إليه فإن هذا توبة ويقول رجل أخطأ وامرأة أصابت ويجدد التوبة لما يعلم أنه يتاب منه فهذا كان يفعله في حال الحياة وهو ذو سلطان على الأرض فكيف لا يفعله وقت الموت وقد كان يمكنه أن يحتال لعلي بحيلة يتولى بها ولا يظهر ما به يذم كما أنه احتال لعثمان ولو علم أن الحق كان لعلي دون غيره لكان له طرق كثيرة في تعيينه تخفى على أكثر الناس

وكذلك قول القائل إنه علم أن عليا وعثمان لا يجتمعان على أمر كذب على عمر رضي الله عنه ولم يكن بين عثمان وعلي نزاع في حياة عمر أصلا بل كان أحدهما أقرب إلى صاحبه من سائر الأربعة إليهما كلاهما من بني عبد مناف وما زال بنو عبد مناف يدا واحدة حتى أن أبا سفيان بن حرب أتى عليا عقب وفاة النبي ﷺ وطلب منه أن يتولى الأمر لكون على كان ابن عم أبي سفيان وأبو سفيان كان فيه بقايا من جاهلي العرب يكره أن يتولى علي الناس رجل من غير قبيلته وأحب أن تكون الولاية في بني عبد مناف

وكذلك خالد بن سعيد كان غائبا فلما قدم تكلم مع عثمان وعلي وقال أرضيتم أن يخرج الأمر عن بني عبد مناف

وكل من يعرف الأمور العادية ويعرف ما تقدم من سيرة القوم يعلم أن بني هاشم وبني أمية كانوا في غاية الاتفاق في أيام النبي ﷺ وأبي بكر وعمر حتى أن أبا سفيان لما خرج من مكة عام الفتح يكشف الخبر ورآه العباس أخذه وأركبه خلفه وأتى به النبي ﷺ وطلب من النبي أن يشرفه بشيء لما قال له إن أبا سفيان رجل يحب الشرف وكل هذا من محبة العباس لأبي سفيان وبني أمية لأنهم كلهم بنو عبد مناف

وحتى أنه كان بين علي وبين رجل آخر من المسلمين منازعة في حد فخرج عثمان في موكب فيهم معاوية ليقفوا على الحد فابتدر معاوية وسأل عن معلم من معالم الحد هل كان هذا على عهد عمر فقالوا نعم فقال لو كان هذا ظلما لغيره عمر فانتصر معاوية لعلي في تلك الحكومة ولم يكن علي حاضرا بل كان قد وكل ابن جعفر وكان علي يقول إن للخصومات قحما وإن الشيطان يحضرها وكان قد وكل عبد الله بن جعفر عنه في المحاكمة

وبهذا احتج الشافعي وغير واحد من الفقهاء على جواز التوكيل في الخصومة بدون اختيار الخصم كما هو مذهب الشافعي وأصحاب أحمد وأحد القولين في مذهب أبي حنيفة

فلما رجعوا ذكروا ذلك لعلي فقال أتدري لم فعل ذلك معاوية فعل لأجل المنافية أي لأجل أنا جميعا من بني عبد مناف

وكانت قد وقعت حكومة شاورنى فيها بعض قضاة القضاة وأحضر لي كتابا فيه هذه الحكومة ولم يعرفوا هذه اللفظة لفظة المنافية فبينتها لهم وفسرت لهم معناها

والمقصود أن بني عبد مناف كانوا متفقين في أول الأمر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وإنما وقعت الفرقة بينهم وبعد ذلك لما تفرقوا في الإمارة كما أن بني هاشم كانوا متفقين على عهد الخلفاء الأربعة وعهد بني أمية وإنما حصلت الفرقة لما ولي بنو العباس وصار بينهم وبين بعض بني أبي طالب فرقة واختلاف

وهكذا عادة الناس يكون القوم متفقين إذا لم يكن بينهم ما يتنازعون عليه من جاه أو مال أو غير ذلك وإن كان لهم خصم كانوا جميعا إلبا واحدا عليه فإذا صار الأمر إليهم تنازعوا واختلفوا

فكان بنو هاشم من آل علي والعباس وغيرهم في الخلافة الأموية متفقين لا نزاع بينهم ولما خرج من يدعو إليهم صار يدعو إلى الرضا من آل محمد ولا يعينه وكانت العلوية تطمع أن تكون فيهم وكان جعفر ابن محمد وغيره قد علموا أن هذا الأمر لا يكون إلا في بني العباس فلما أزالوا الدولة الأموية وصارت الدولة هاشمية وبنى السفاح مدينة سماها الهاشمية ثم تولى المنصور وقع نزاع بين الهاشميين فخرج محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن على المنصور وسير المنصور إليهما من يقاتلهما وكانت فتنة عظيمة قتل فيها خلق كثير ثم إن العباسيين وقع بينهم نزاع كما وقع بين الأمين والمأمون أمور أخر فهذه الأمور ونحوها من الأمور التي جرت بها العادة

ثم إن عثمان وعليا جميعا اتفقا على تفويض الأمر إلى عبد الرحمن بن عوف من غير أن يكره أحدهما الآخر

وقوله إن عمر علم أن عبد الرحمن لا يعدل الأمر عن أخيه وابن عمه

فهذا كذب بين على وعمر وعلى أنسابهم فإن عبد الرحمن ليس أخا لعثمان ولا ابن عمه ولا من قبيلته أصلا بل هذا من بني زهرة وهذا من بني أمية وبنو زهرة إلى بني هاشم أكثر ميلا منهم إلى بني أميه فإن بني زهرة أخوال النبي ﷺ ومنهم عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص الذي قال له النبي ﷺ هذا خالي فليرني امرؤ خاله

ولم يكن أيضا بين عثمان وعبد الرحمن مؤاخاة ولا مخالطة فإن النبي ﷺ لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري ولا بين أنصاري وأنصاري وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري وحديثه مشهور ثابت في الصحاح وغيرها يعرفه أهل العلم بذلك ولم يؤاخ قط بين عثمان وعبد الرحمن


منهاج السنة النبوية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57