منهاج السنة النبوية/36

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منهاج السنة النبوية
المؤلف: ابن تيمية



وأما قول الرافضي وهل هذا إلا مساو لقول الكافر يا ليتني كنت ترابا سورة النبأ 4فهذا جهل منه فإن الكافر يقول ذلك يوم القيامة حين لا تقبل توبة ولا تنفع حسنة وأما من يقول ذلك في الدنيا فهذا يقوله في دار العمل على وجه الخشية لله فيثاب على خوفه من الله

وقد قالت مريم يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا سورة مريم 23 ولم يكن هذا كتمني الموت يوم القيامة

ولا يجعل هذا كقول أهل النار كما أخبر الله عنهم بقوله ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك سورة الزخرف 7وكذلك قوله ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون سورة الزمر 47 فهذا إخبار عن حالهم يوم القيامة حين لا ينفع توبة ولا خشية

وأما في الدنيا فالعبد إذا خاف ربه كان خوفه مما يثيبه الله عليه فمن خاف الله في الدنيا أمنه يوم القيامة ومن جعل خوف المؤمن من ربه في الدنيا كخوف الكافر في الآخرة فهو كمن جعل الظلمات كالنور والظل كالحرور والأحياء كالأموات ومن تولى أمر المسلمين فعدل فيهم عدلا يشهد به عامتهم وهو في ذلك يخاف الله أن يكون ظلم فهو أفضل ممن يقول كثير من رعيته إنه ظلم وهو في نفسه آمن من العذاب مع أن كليهما من أهل الجنة

والخوارج الذين كفروا عليا واعتقدوا أنه ظالم مستحق للقتل مع كونهم ضلالا مخطئين هم راضون عن عمر معظمون لسيرته وعدله وبعدل عمر يضرب المثل حتى يقال سيرة العمرين سواء كانا عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز كما هو قول أهل العلم والحديث كأحمد وغيره أو كانا أبا بكر وعمر كما تقوله طائفة من أهل اللغة كأبي عبيد وغيره فإن عمر بن الخطاب داخل في ذلك على التقديرين

ومعلوم أن شهادة الرعية لراعيها أعظم من شهادته هو لنفسه وقد قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا سورة البقرة 143

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت وجبت ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال وجبت وجبت قالوا يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت قال هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت وجبت لها الجنة وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض

وفي المسند عن النبي ﷺ أنه قال يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار قالوا بم يا رسول الله قال بالثناء الحسن وبالثناء السىء

ومعلوم أن رعية عمر انتشرت شرقا وغربا وكانت رعية عمر خيرا من رعية علي وكانت رعية علي جزءا من رعية عمر ومع هذا فكلهم يصفون عدله وزهده وسياسته ويعظمونه والأمة قرنا بعد قرن تصف عدله وزهده وسياسته ولا يعرف أن أحدا طعن في ذلك

والرافضة لم تطعن في ذلك بل لما غلت في علي جعلت ذنب عمر كونه تولى وجعلوا يطلبون له ما يتبين به ظلمه فلم يمكنهم ذلك

وأما علي رضي الله عنه فإن أهل السنة يحبونه ويتولونه ويشهدون بأنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين لكن نصف رعيته يطعنون في عدله فالخوارج يكفرونه وغير الخوارج من أهل بيته وغير أهل بيته يقولون إنه لم ينصفهم وشيعة عثمان يقولون إنه ممن ظلم عثمان وبالجملة لم يظهر لعلي من العدل مع كثرة الرعية وانتشارها ما ظهر لعمر ولا قريب منه

وعمر لم يول أحدا من أقاربه وعلي ولى أقاربه كما ولى عثمان أقاربه وعمر مع هذا يخاف أن يكون ظلمهم فهو أعدل وأخوف من الله من علي فهذا مما يدل على أنه أفضل من علي

وعمر مع رضا رعيته عنه يخاف أن يكون ظلمهم وعلي يشكو من رعيته وتظلمهم ويدعو عليهم ويقول إني أبغضهم ويبغضوني وسئمتهم وسئموني اللهم فأبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني

فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون

فصل

قال الرافضي وروى أصحاب الصحاح الستة من مسند ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في مرض مرض موته أئتوني بدواة وبياض أكتب لكم كتابا لا تضلون به من بعدي فقال عمر إن الرجل ليهجر حسبنا كتاب الله فكثر اللغط فقال رسول الله ﷺ أخرجوا عني لا ينبغي التنازع لدي فقال ابن عباس الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله ﷺ وقال عمر لما مات رسول الله ﷺ ما مات محمد ولا يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم فلما نهاه أبو بكر وتلا عليه إنك ميت وإنهم ميتون سورة الزمر 30 وقوله أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم سورة آل عمران 144 قال كأني ما سمعت هذه الآية

والجواب أن يقال أما عمر فقد ثبت من علمه وفضله مالم يثبت لأحد غير أبي بكر ففي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يقول قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون

وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب وفي لفظ للبخاري لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر

وفي الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال بينا أنا نائم إذ رأيت قدحا أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلى عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم

وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا ما أولت ذلك يا رسول الله قال الدين

وفي الصحيحين عن ابن عمر قال قال عمر وافقت ربي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر وللبخاري عن أنس قال قال عمر وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى سورة البقرة 125

وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض أزواجه فدخلت عليهم فقلت إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن حتى أتت إحدى نسائه فقالت يا عمر أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت فأنزل الله عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن الآية سورة التحريم وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله ﷺ يريد أن يكتبه فقد جاء مبينا كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله ﷺ في مرضه ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر

وفي صحيح البخاري عن القاسم بن محمد قال قالت عائشة وارأساه فقال رسول الله ﷺ لو كان وأنا حي فاستغفر لك وأدعو لك قالت عائشة واثكلاه والله إني لأظنك تحب موتي فلو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك فقال رسول الله ﷺ بل أنا وارأساه لقد همت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ويدفع الله ويأبى المؤمنون

وفي صحيح مسلم عن ابن أبي مليكة قال سمعت عائشة وسئلت من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلف قالت أبو بكر فقيل لها ثم من بعد أبي بكر قالت عمر قيل لها ثم من بعد عمر قالت أبو عبيدة عامر بن الجراح ثم انتهت إلى هذا

وأما عمر فاشتبه عليه هل كان قول النبي ﷺ من شدة المرض أو كان من أقواله المعروفة والمرض جائز على الأنبياء ولهذا قال ماله أهجر فشك في ذلك ولم يجزم بأنه هجر والشك جائز على عمر فإنه لا معصوم إلا النبي ﷺ لا سيما وقد شك بشبهة فإن النبي ﷺ كان مريضا فلم يدر أكلامه كان من وهج المرض كما يعرض للمريض أو كان من كلامه المعروف الذي يجب قبوله وكذلك ظن أنه لم يمت حتى تبين أنه قد مات

والنبي ﷺ قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة فلما رأى أن الشك قد وقع علم أن الكتاب لا يرفع الشك فلم يبق فيه فائدة وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه كما قال ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر

وقول ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب الكتاب يقتضي أن هذا الحائل كان رزية وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق أو اشتبه عليه الأمر فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا الشك فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد

ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس من علماء السنة والشيعة أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه وأما الشيعة القائلون بأن عليا كان هو المستحق للإمامة فيقولون إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصا جليا ظاهرا معروفا وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب

وإن قيل إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور فلأن تكتم كتابا حضره طائفة قليلة أولى وأحرى

وأيضا فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته ولا يجوز له ترك الكتاب لشك من شك فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته لكان النبي ﷺ يبينه ويكتبه ولا يلتفت إلى قول أحد فإنه أطوع الخلق له فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجبا ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ إذ لو وجب لفعله ولو أن عمر رضي الله عنه اشتبه عليه أمر ثم تبين له أو شك في بعض الأمور فليس هو أعظم ممن يفتي ويقضي بأمور ويكون النبي ﷺ قد حكم بخلافها مجتهدا في ذلك ولا يكون قد علم حكم النبي ﷺ فإن الشك في الحق أخف من الجزم بنقيضه

وكل هذا إذا كان باجتهاد سائغ كان غايته أن يكون من الخطأ الذي رفع الله المؤاخذه به كما قضى على في الحامل المتوفى عنها زوجها أنها تعتد أبعد الأجلين مع ما ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه لما قيل له إن أبا السنابل بن بعكك أفتى بذلك لسبيعة الأسلمية فقال رسول الله ﷺ كذب أبو السنابل بل حللت فانكحى من شئت فقد كذب النبي ﷺ هذا الذي أفتى بهذا وأبو السنابل لم يكن من أهل الاجتهاد وما كان له أن يفتي بهذا مع حضور النبي ﷺ

وأما علي وابن عباس رضي الله عنهما وإن كانا أفتيا بذلك لكن كان ذلك عن اجتهاد وكان ذلك بعد موت النبي ﷺ ولم يكن بلغهما قصة سبيعة

وهكذا سائر أهل الاجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم إذا اجتهدوا فأفتوا وقضوا وحكموا بأمر والسنة بخلافه ولم تبلغهم السنة كانوا مثابين على اجتهادهم مطيعين لله ورسوله فيما فعلوه من الاجتهاد بحسب استطاعتهم ولهم أجر على ذلك ومن اجتهد منهم وأصاب فله أجران

والناس متنازعون هل يقال كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد وفصل الخطاب أنه إن أريد بالمصيب المطيع لله ورسوله فكل مجتهد أتقى الله ما استطاع فهو مطيع لله ورسوله فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وهذا عاجز عن معرفة الحق في نفس الأمر فسقط عنه

وان عنى بالمصيب العالم بحكم الله في نفس الأمر فالمصيب ليس إلا واحدا فإن الحق في نفس الأمر واحد

وهذا كالمجتهدين في القبلة إذا أفضى اجتهاد كل واحد منهم إلى جهة فكل منهم مطيع لله ورسوله والفرض ساقط عنه بصلاته إلى الجهة التي اعتقد أنها الكعبة ولكن العالم بالكعبة المصلى إليها في نفس الأمر واحد وهذا قد فضله الله بالعلم والقدرة على معرفة الصواب والعمل به فأجره أعظم كما أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ

وكذلك قضى علي رضي الله عنه في المفوضة بأن مهرها يسقط بالموت مع قضاء النبي ﷺ في بروع بنت واشق بأن لها مهر نسائها وكذلك طلبه نكاح بنت أبي جهل حتى غضب النبي ﷺ فرجع عن ذلك وقوله لما ندبه وفاطمة النبي ﷺ إلى الصلاة بالليل فاحتج بالقدر لما قال ألا تصليان فقال علي إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فولى النبي ﷺ وهو يضرب فخذه ويقول وكان الإنسان أكثر شيء جدلا

وأمثال هذا إذا لم يقدح في علي لكونه كان مجتهدا ثم رجع إلى ما تبين له من الحق فكذلك عمر لا يقدح فيه ما قاله باجتهاده مع رجوعه إلى ما تبين له من الحق

والأمور التي كان ينبغي لعلي أن يرجع عنها أعظم بكثير من الأمور التي كان ينبغي لعمر أن يرجع عنها مع أن عمر قد رجع عن عامة تلك الأمور وعلي عرف رجوعه عن بعضها فقط كرجوعه عن خطبة بنت أبي جهل وأما بعضها كفتياه بأن المتوفى عنها الحامل تعتد أبعد الأجلين وأن المفوضة لا مهر لها إذا مات الزوج وقوله إن المخيرة إذا اختارت زوجها فهي واحدة مع أن رسول الله ﷺ خير نساءه ولم يكن ذلك طلاقا

فهذه لم يعرف إلا بقاؤه عليها حتى مات وكذلك مسائل كثيرة ذكرها الشافعي في كتاب اختلاف علي وعبد الله وذكرها محمد بن نصر

المروزي في كتاب رفع اليدين في الصلاة وأكثرها موجودة في الكتب التي يذكر فيها أقوال الصحابة إما بإسناد وإما بغير إسناد مثل مصنف عبد الرزاق وسنن سعيد بن منصور ومصنف وكيع ومصنف أبي بكر ابن أبي شيبة وسنن الأثرم ومسائل حرب وعبد الله بن أحمد وصالح وأمثالهم مثل كتاب ابن المنذر وابن جرير الطبري والطحاوي ومحمد بن نصر وابن حزم وغير هؤلاء

فصل

قال الرافضي ولما وعظت فاطمة أبا بكر في فدك كتب لها كتابا بها وردها عليها فخرجت من عنده فلقيها عمر بن الخطاب فحرق الكتاب فدعت عليه بما فعله أبو لؤلؤه به وعطل حدود الله فلم يحد المغيرة بن شعبة وكان يعطى أزواج النبي ﷺ من بيت المال أكثر مما ينبغي وكان يعطى عائشة 3 وحفصة في كل سنة عشرة آلاف درهم وغير حكم الله في المنفيين وكان قليل المعرفة في الأحكام

والجواب أن هذا من الكذب الذي لا يستريب فيه عالم ولم يذكر هذا أحد من أهل العلم ولا يعرف له إسناد وأبو بكر لم يكتب فدكا قط لأحد لا لفاطمة ولا غيرها ولا دعت فاطمة على عمر

وما فعله أبو لؤلؤة كرامة في حق عمر رضي الله عنه وهو أعظم مما فعله ابن ملجم بعلي رضي الله عنه وما فعله قتلة الحسين رضي الله عنه به فإن أبا لؤلؤة كافر قتل عمر كما يقتل الكافر المؤمن وهذه الشهادة أعظم من شهادة من يقتله مسلم فإن قتيل الكافر أعظم درجة من قتيل المسلمين وقتل أبي لؤلؤة لعمر كان بعد موت فاطمة بمدة خلافة أبي بكر وعمر إلا ستة أشهر فمن أين يعرف أن قتله كان بسبب دعاء حصل في تلك المدة

والداعي إذا دعا على مسلم بأن يقتله كافر كان ذلك دعاء له لا عليه كما كان النبي ﷺ يدعو لأصحابه بنحو ذلك كقوله يغفر الله لفلان فيقولون لو أمتعتنا به وكان إذا دعا لأحد بذلك استشهد

ولو قال قائل إن عليا ظلم أهل صفين والخوارج حتى دعوا عليه بما فعله ابن ملجم لم يكن هذا أبعد عن المعقول من هذا وكذلك لو قال إن آل سفيان بن حرب دعوا على الحسين بما فعل به

وذلك أن عمر لم يكن له غرض في فدك لم يأخذها لنفسه ولا لأحد من أقاربه وأصدقائه ولا كان له غرض في حرمان أهل بيت النبي ﷺ بل كان يقدمهم في العطاء على جميع الناس ويفضلهم في العطاء على جميع الناس حتى انه لما وضع الديوان للعطاء وكتب اسماء الناس قالوا نبدأ بك قال لا ابدأوا بأقارب رسول الله ﷺ وضعوا عمر حيث وضعه الله فبدأ ببني هاشم وضم إليهم بني المطلب لأن النبي ﷺ قال إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام فقدم العباس وعليا والحسن والحسين وفرض لهم أكثر مما فرض لنظرائهم من سائر القبائل وفضل أسامة بن زيد على ابنه عبد الله في العطاء فغضب ابنه وقال تفضل علي أسامة قال فإنه كان أحب إلى رسول الله منك وكان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيكوهذا الذي ذكرناه من تقديمه بني هاشم وتفضيله لهم أمر مشهور عند جميع العلماء بالسير لم يختلف فيه اثنان فمن تكون هذه مراعاته لأقارب الرسول وعنزته أيظلم أقرب الناس إليه وسيدة نساء أهل الجنة وهي مصابة به في يسير من المال وهو يعطى أولادها أضعاف ذلك المال ويعطى من هو أبعد عن النبي ﷺ منها ويعطى عليا

ثم العادة الجارية بأن طلاب الملك والرياسة لا يتعرضون للنساء بل يكرمونهن لأنهن لا يصلحن للملك فكيف يجزل العطاء للرجال والمرأة يحرمها من حقها لا لغرض أصلا لا ديني ولا دنيوي

وأما قول الرافضي وعطل حدود الله فلم يحد المغيرة بن شعبة

فالجواب أن جماهير العلماء على ما فعله عمر في قصة المغيرة وأن البينة إذا لم تكمل حد الشهود ومن قال بالقول الآخر لم ينازع في أن هذه مسألة اجتهاد وقد تقدم أن ما يرد على علي بتعطيل إقامة القصاص والحدود على قتلة عثمان أعظم فإن كان القادح في علي مبطلا فالقادح في عمر أولى بالبطلان

والذي فعله بالمغيرة كان بحضرة الصحابة رضي الله عنهم وأقروه على ذلك وعلي منهم والدليل على إقرار علي له أنه لما جلد الثلاثة الحد أعاد أبو بكرة القذف وقال والله لقد زنى فهم عمر بجلده ثانيا فقال له علي إن كنت جالده فارجم المغيرة يعني أن هذا القول إن كان هو الأول فقد حد عليه وإن جعلته بمنزلة قول ثان فقد تم النصاب أربعة فيجب رجمة فلم يحده عمر وهذا دليل على رضا علي بحدهم أولا دون الحد الثاني وإلا كان أنكر حدهم أولا كما أنكر الثاني

وكان من هو دون علي يراجع عمر ويحتج عليه بالكتاب والسنة فيرجع عمر إلى قوله فإن عمر كان وقافا عند كتاب الله تعالى

روى البخاري عن ابن عباس قال قدم عيينة بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر وكان القراء أصحاب مجالس عمر كهولا كانوا أو شبانا فقال عيينة لابن أخيه يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه فقال سأستأذن لك عليه قال ابن عباس فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر فلما دخل عليه قال هيه يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر حتى هم أن يوقع به فقال له الحر يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين سورة الأعراف 19وإن هذا من الجاهلين فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان عمر وقافا عند كتاب الله

وعمر رضي الله عنه من المتواتر عنه أنه كان لا تأخذ في الله لومة لائم حتى أنه أقام على ابنه الحد لما شرب بمصر بعد أن كان عمرو ابن العاص ضربه الحد لكن كان ضربه سرا في البيت وكان الناس يضربون علانية فبعث عمرو إلى عمر يزجره ويتهدده لكونه حابي ابنه ثم طلبه فضربه مرة ثانية فقال له عبد الرحمن ما لك هذا فزجر عبد الرحمن وما روى أنه ضربه بعد الموت فكذب على عمر وضرب الميت لا يجوز

وأخبار عمر المتواترة في إقامة الحدود وأنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم أكثر من أن تذكر هنا

وأي غرض كان لعمر في المغيرة بن شعبة وكان عمر عند المسلمين كالميزان العادل الذي لا يميل إلى ذا الجانب ولا ذا الجانب

وقوله وكان يعطى أزواج النبي ﷺ من بيت المال أكثر مما ينبغي وكان يعطى عائشة وحفصة من المال في كل سنة عشرة آلاف درهم

فالجواب أما حفصة فكان ينقصها من العطاء لكونها ابنته كما نقص عبد الله بن عمر وهذا من كمال احتياطه في العدل وخوفه مقام ربه ونهيه نفسه عن الهوى وهو كان يرى التفضيل في العطاء بالفضل فيعطى أزواج النبي ﷺ أعظم مما يعطى غيرهن من النساء كما كان يعطى بني هاشم من آل أبي طالب وأل العباس أكثر مما يعطى أعدادهم من سائر القبائل فإذا فضل شخصا كان لأجل اتصاله برسول الله ﷺ أو لسابقته واستحقاقه وكان يقول ليس أحد أحق بهذا المال من أحد وإنما هو الرجل وغناؤه والرجل وبلاؤه والرجل وسابقته والرجل وحاجته فما كان يعطى من يتهم على إعطائه بمحاباة في صداقة أو قرابة بل كان ينقص ابنه وابنته ونحوهما عن نظرائهم في العطاء وإنما كان يفضل بالأسباب الدينية المحضة ويفضل أهل بيت النبي ﷺ على جميع البيوتات ويقدمهم

وهذه السيرة لم يسرها بعده مثله لا عثمان ولا علي ولا غيرهما فإن قدح فيه بتفضيل أزواج النبي ﷺ فليقدح فيه بتفضيل رجال أهل بيت رسول الله ﷺ بل وتقديمهم على غيرهم

فصل

وأما قوله وغير حكم الله في المنفيين

فالجواب أن التغيير لحكم الله بما يناقض حكم الله مثل إسقاط ما أوجبه الله وتحريم ما أحله الله والنفي في الخمر كان من باب التعزير الذي يسوغ فيه الاجتهاد وذلك أن الخمر لم يقدر النبي ﷺ حدها لا قدره ولا صفته بل جوز فيها الضرب بالجريد والنعال وأطراف الثياب وعثكول النخل والضرب في حد القذف والزنا إنما يكون بالسوط وأما العدد في الخمر فقد ضرب الصحابة أربعين وضربوا ثمانين وقد ثبت في الصحيح عن علي رضي الله عنه أنه قال وكل سنة والفقهاء لهم في ذلك قولان قيل الزيادة على أربعين حد واجب كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وقيل هو تعزير للإمام أن يفعله وأن يتركه بحسب المصلحة وهذا قول الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى وهو أظهر وكان عمر رضي الله عنه يحلق في شرب الخمر وينفى أيضا وكان هذا من جنس التعزير العارض فيها

وقد روى عن النبي ﷺ أنه أمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما

وقد تنازع العلماء هل هو منسوخ أو محكم أو هو من باب التعزير الذي يفعله الإمام إن احتاج إليه ولا يجب على ثلاثة أقوال وعلي رضي الله عنه كان يضرب في الحد فوق الأربعين وقال ما أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي إلا شارب الخمر فإنه لو مات لوديته فإن شيء فعلناه برأينا رواه الشافعي وغيره واستدل الشافعي بهذا على أن الزيادة من باب التعزير الذي يفعل بالاجتهاد ثم هذا مبنى على مسألة أخرى وهو أن أقيم عليه حد أو تعزير أو قصاص فمات من ذلك هل يضمن اتفق العلماء على أن الواجب المقدر كالحد لا تضمن سرايته لأنه واجب عليه واختلفوا في المباح كالقصاص وفي غير المقدر كالتعزير وضرب الرجل امرأته وضرب الرائض للدابة والمؤدب للصبي على ثلاثة أقوال فقيل لا يضمن في الجميع لأنه مباح وهو قول أحمد بن حنبل ومالك فيما أظن وقيل يضمن في المباح دون الواجب الذي ليس بمقدر لأن له تركه وهو قول أبي حنيفة وقيل يضمن غير المقدر وهو قول الشافعي لأن غير المقدر يتبين أنه أخطأ إذا تلف به

فصل

قال الرافضي وكان قليل المعرفة بالأحكام أمر برجم حامل فقال له علي إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها فأمسك وقال لولا علي لهلك عمر

والجواب أن هذه القصة إن كانت صحيحة فلا تخلو من أن يكون عمر لم يعلم أنها حامل فأخبره علي بحملها ولا ريب أن الأصل عدم العلم والإمام إذا لم يعلم أن المستحقة للقتل أو الرجم حامل فعرفه بعض الناس بحالها كان هذا من جملة إخباره بأحوال الناس المغيبات ومن جنس ما يشهد به عنده الشهود وهذا أمر لا بد منه مع كل أحد من الأنبياء والأئمة وغيرهم وليس هذا من الأحكام الكلية الشرعية

وإما أن يكون عمر قد غاب عنه كون الحامل لا ترجم فلما ذكره علي ذكر ذلك ولهذا أمسك ولو كان رأيه أن الحامل ترجم لرجمها ولم يرجع إلي رأي غيره وقد مضت سنة النبي ﷺ في الغامدية لما قالت إني حبلى من الزنا فقال لها النبي ﷺ اذهبي حتى تضعيه ولو قدر أنه خفى عليه علم هذه المسألة حتى عرفه لم يقدح ذلك فيه لأن عمر ساس المسلمين وأهل الذمة يعطى الحقوق ويقيم الحدود ويحكم بين الناس كلهم وفي زمنه انتشر الإسلام وظهر ظهورا لم يكن قبله مثله وهو دائما يقضى ويفتى ولولا كثرة علمه لم يطق ذلك فإذا خفيت عليه قضية من مائة ألف قضية ثم عرفها أو كان نسيها فذكرها فأى عيب في ذلك

وعلي رضي الله عنه قد خفى عليه من سنة رسول الله ﷺ أضعاف ذلك ومنها ما مات ولم يعرفه

ثم يقال عمر رضي الله عنه قد بلغ من علمه وعدله ورحمته بالذرية أنه كان لا يفرض للصغير حتى يفطم ويقول يكفيه اللبن فسمع امرأة تكره ابنها على الفطام ليفرض له فأصبح فنادى في الناس أن أمير المؤمنين يفرض للفطيم والرضيع وتضرر الرضيع كان بإكراه أمه لا بفعله هو لكن رأى أن يفرض للرضعاء ليمتنع الناس عن إيذائهم فهذا إحسانه إلى ذرية المسلمين

ولا ريب أن العقوبة إذا أمكن أن لا يتعدى بها الجاني كان ذلك هو الواجب ومع هذا فإذا كان الفساد في ترك عقوبة الجاني أعظم من الفساد في عقوبة من لم يجن دفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما رمى النبي ﷺ أهل الطائف بالمنجنيق مع أن المنجنيق قد يصيب النساء والصبيان

وفي الصحيحين أن الصعب بن جثامة سأل النبي ﷺ عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم فقال هم منهم

ولو صالت المرأة الحامل على النفوس والأموال المعصومة فلم يندفع صيالها إلا بقتلها قتلت وإن قتل جنينها

فإذا قدر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ظن أن إقامة الحدود من هذا الباب حتى تبين له أنه ليس من هذا الباب لم يكن هذا بأعظم من القتال يوم الجمل وصفين الذي أفضى إلى أنواع من الفساد أعظم من هذا وعلي رضي الله عنه كان مع نظره واجتهاده لا يظن أن الأمر يبلغ إلى ما بلغ ولو علم ذلك لما فعل ما فعل كما أخبر عن نفسه

فصل

قال الرافضي وأمر برجم مجنونة فقال له علي رضي الله عنه إن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق فأمسك وقال لولا على لهلك عمر

والجواب أن هذه الزيادة ليست معروفة في هذا الحديث ورجم المجنونة لا يخلو إما أن يكون لم يعلم بجنونها فلا يقدح ذلك في علمه بالأحكام أو كان ذاهلا عن ذلك فذكر بذلك أو يظن الظان أن العقوبات لدفع الضرر في الدنيا والمجنون قد يعاقب لدفع عدوانه على غيره من العقلاء والمجانين والزنا هو من العدوان فيعاقب على ذلك حتى يتبين له أن هذا من باب حدود الله تعالى التي لا تقام إلا على المكلف

والشريعة قد جاءت بعقوبة الصبيان على ترك الصلاة كما قال ﷺ مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع

والمجنون إذا صال ولم يندفع صياله إلا بقتله قتل بل البهيمة إذا صالت ولم يندفع صيالها إلا بقتلها قتلت وإن كانت مملوكة لم يكن على قاتلها ضمان للمالك عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم وأبو حنيفة يقول إنه يضمنها للمالك لأنه قتلها لمصلحته فهو كما لو قتلها في المخمصة والجمهور يقولون هناك قتلها بسبب منه لا بسبب عدوانها وهنا قتلها بسبب عدوانها

ففي الجملة قتل غير المكلف كالصبي والمجنون والبهيمة لدفع عدوانهم جائز بالنص والاتفاق إلا في بعض المواضع كقتلهم في الإغارة والبيات وبالمنجنيق وقتلهم لدفع صيالهم

وحديث رفع القلم عن ثلاثة إنما يدل على رفع الإثم لا يدل على منع الحد إلا بمقدمة أخرى وهو أن يقال من لا قلم عليه لا حد عليه وهذه المقدمة فيها خفاء فإن من لا قلم عليه قد يعاقب أحيانا ولا يعاقب أحيانا والفصل بينهما يحتاج إلى علم خفي ولو استكره المجنون امرأة على نفسها ولم يندفع إلا بقتله فلها قتله بل عليها ذلك بالسنة واتفاق أهل العلم

فلو اعتقد بعض المجتهدين أن الزنا عدوان كما سماه الله تعالى عدوانا بقوله فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون سورة المؤمنون 7 فيقتل به المجنون حتى يتبين له أن هذا حد الله فلا يقام إلا بعد العلم بالتحريم والمجنون لم يعلم التحريم لم يشنع عليه في هذا إلا من شنع بأعظم منه على غيره

فلو قال قائل قتال المسلمين هو عقوبة لهم فلا يعاقبون حتى يعلموا الإيجاب والتحريم وأصحاب معاوية الذين قاتلهم علي لم يكونوا يعلمون أن لهم ذنبا فلم يجز لعلي قتالهم على ما لا يعلمون أنه ذنب وإن كانوا مذنبين فإن غاية ما يقال إنهم تركوا الطاعة الواجبة لكن كثير منهم أو أكثرهم لم يكونوا يعلمون أنه يجب عليهم طاعة علي ومتابعته بل كان لهم من الشبهات والتأويلات ما يمنع علمهم بالوجوب فكيف جاز قتال من لم يعلم أنه ترك واجبا أو فعل محرما مع كونه كان معصوما لم يكن مثل هذا قدحا في إمامة علي فكيف يكون ذلك قدحا في إمامة عمر

لا سيما والقتال على ترك الواجب إنما يشرع إذا كانت مفسدة القتال أقل من مفسدة ترك ذلك الواجب والمصلحة بالقتال أعظم من المصلحة بتركه

ولم يكن الأمر كذلك فإن القتال لم يحصل الطاعة المطلوبة بل زاد بذلك عصيان الناس لعلي حتى عصاه وخرج عليه خوارج من عسكره وقاتله كثير من أمراء جيشه وأكثرهم لم يكونوا مطيعين له مطلقا وكانوا قبل القتال أطوع له منهم بعد القتال

فإن قيل علي كان مجتهدا في ذلك معتقدا أنه بالقتال يحصل الطاعة

قيل فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفورا مع أنه أفضى إلى قتل ألوف من المسلمين بحيث حصل الفساد ولم يحصل المطلوب من الصلاح أفلا يكون الاجتهاد في قتل واحد لو قتل لحصل به نوع المصلحة من الزجر عن الفواحش اجتهادا مغفورا مع أن ذلك لم يقتله بل هم به وتركه

وولي الأمر إلى معرفة الأحكام في السياسة العامة الكلية أحوج منه إلى معرفة الأحكام في الحدود الجزئية وعمر رضي الله عنه لم يكن يخفى عليه أن المجنون ليس بمكلف لكن المشكل أن من ليس بمكلف هل يعاقب لدفع الفساد هذا موضع مشتبه فإن الشرع قد جاء بعقوبة غير المكلفين في دفع الفساد في غير موضع والعقل يقتضي ذلك لحصول مصلحة الناس والغلام الذي قتله الخضر قد قيل إنه كان لم يبلغ الحلم وقتله لدفع صوله على أبويه بأن يرهقهما طغيانا وكفرا

وقول النبي ﷺ رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ إنما يقتضي رفع المأثم لا رفع الضمان باتفاق المسلمين فلو أتلفوا نفسا أو مالا ضمنوه وأما رفع العقوبة إذا سرق أحدهما أو زنى أو قطع الطريق فهذا علم بدليل منفصل بمجرد هذا الحديث

ولهذا اتفق العلماء على أن المجنون والصغير الذي ليس بمميز ليس عليه عبادة بدنية كالصلاة والصيام والحج واتفقوا على وجوب الحقوق في أموالهم كالنفقات والأثمان واختلفوا في الزكاة فقالت طائفة كأبي حنيفة أنها لا تجب إلا على مكلف كالصلاة وقال الجمهور كمالك والشافعي وأحمد بل الزكاة من الحقوق المالية كالعشر وصدقة الفطر وهذا قول جمهور الصحابة

فإذا كان غير المكلف قد تشتبه بعض الواجبات هل تجب في ماله أم لا فكذلك بعض العقوبات قد تشتبه هل يعاقب بها أم لا لأن من الواجبات ما يجب في ذمته بالاتفاق ومنها مالا يجب في ذمته بالاتفاق وبعضها يشتبه هل هو من هذا أو هذا

وكذلك العقوبات منها مالا يعاقب به بالاتفاق كالقتل على الإسلام فإن المجنون لا يقتل على الإسلام فإن المجنون لا يقتل على الإسلام ومنها ما يعاقب به كدفع صياله ومنها ما قد يشتبه

ولا نزاع بين العلماء أن غير المكلف كالصبي المميز يعاقب على الفاحشة تعزيرا بليغا وكذلك المجنون يضرب على ما فعله لينزجر لكن العقوبة التي فيها قتل أو قطع هي التي تسقط عن غير المكلف

وهذا إنما علم بالشرع وليس هو من الأمور الظاهرة حتى يعاب من خفيت عليه حتى يعلمها

وأيضا فكثير من المجانين أو أكثرهم يكون له حال إفاقة وعقل فلعل عمر ظن أنها زنت في حال عقلها وإفاقتها ولفظ المجنون يقال على من به الجنون المطبق والجنون الخانق ولهذا يقسم الفقهاء المجنون إلى هذين النوعين والجنون المطبق قليل والغالب هو الخانق

وبالجملة فما ذكره من المطاعن في عمر وغيره يرجع إلى شيئين إما نقص العلم وإما نقص الدين ونحن الآن في ذكره فما ذكره من منع فاطمة ومحاباته في القسم ودرء الحد ونحو ذلك يرجع إلى أنه لم يكن عادلا بل كان ظالما ومن المعلوم للخاص والعام أن عدل عمر رضي الله عنه ملأ الأفاق وصار يضرب به المثل كما قيل سيرة العمرين وأحدهما عمر بن الخطاب والآخر قيل إنه عمر بن عبد العزيز وهو قول أحمد بن حنبل وغيره من أهل العلم والحديث وقيل هو أبو بكر وعمر وهو قول أبي عبيدة وطائفة من أهل اللغة والنحو

ويكفي الإنسان أن الخوارج الذين هم أشد الناس تعنتا راضون عن أبي بكر وعمر في سيرتهما وكذلك الشيعة الأولى أصحاب علي كان يقدمون عليه أبا بكر وعمر وروى ابن بطة ما ذكره الحسن بن عرفة حدثني كثير بن مروان الفلسطيني عن أنس بن سفيان عن غالب بن عبد الله العقيلي قال لما طعن عمر دخل عليه رجال منهم ابن عباس وعمر يجود بنفسه وهو يبكي فقال له ابن عباس ما يبكيك يا أميرالمؤمنين فقال له عمر أما والله ما أبكي جزعا على الدنيا ولا شوقا إليها ولكن أخاف هول المطلع قال فقال له ابن عباس فلا تبك يا أمير المؤمنين فوالله لقد أسلمت فكان إسلامك فتحا ولقد أمرت فكانت إمارتك فتحا ولقد ملأت الأرض عدلا وما من رجلين من المسلمين يكون بينهما ما يكون بين المسلمين فتذكر عندهما إلا رضيا بقولك وقنعا به قال فقال عمر أجلسوني فلما جلس قال عمر أعد على كلامك يا ابن عباس قال نعم فأعاده فقال عمر أتشهد لي بهذا عند الله يوم القيامة يا ابن عباس قال نعم يا أمير المؤمنين أنا أشهد لك بهذا عند الله وهذا علي يشهد لك وعلي بن أبي طالب جالس فقال علي بن أبي طالب نعم يا أمير المؤمنين

وهؤلاء أهل العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم وليس لهم غرض مع أحد بل يرجحون قول هذا الصاحب تارة وقول هذا الصاحب تارة بحسب ما يرونه من أدلة الشرع كسعيد بن المسيب وفقهاء المدينة مثل عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وعلي بن الحسين وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد وسالم بن عبد الله بن عمر وغير هؤلاء

ومن بعدهم كابن شهاب الزهري ويحيى بن سعيد وأبي الزناد وربيعة ومالك بن أنس وابن أبي ذئب وعبد العزيز الماجشون وغيرهم

ومثل طاووس اليماني ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وعبيد بن عمير وعكرمة مولى ابن عباس

ومن بعدهم مثل عمرو بن دينار وابن جريج وابن عيينة وغيرهم من أهل مكة

ومثل الحسن البصري ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد أبي الشعثاء ومطرف بن عبد الله بن الشخير ثم أيوب السختياني وعبد الله ابن عون وسليمان التيمي وقتادة وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأمثالهم مثل علقمة والأسود وشريح القاضي وأمثالهم ثم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي والحكم بن عتيبة ومنصور بن المعتمر إلى سفيان الثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك إلى وكيع بن الجراح وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأمثالهم

ثم الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبو عبيد القاسم بن سلام والحميدي عبد الله بن الزبير وأبو ثور ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن جرير الطبري وأبو بكر بن المنذر ومن لا يحصى عددهم إلا الله من أصناف علماء المسلمين كلهم خاضعون لعدل عمر وعلمه

وقد أفرد العلماء مناقب عمر فإنه لا يعرف في سير الناس كسيرته كذلك قال أبو المعالي الجويني قال ما دار الفلك على شكله قالت عائشة رضي الله عنها كان عمر أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها وكانت تقول زينوا مجالسكم بذكر عمر وقال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة ابنة صاحب مدين إذ قالت يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين سورة القصص 26 وخديجة في النبي ﷺ وأبو بكر حين استخلف عمر

وكل هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم يعلمون أن عدل عمر كان أتم من عدل من ولي بعده وعلمه كان أتم من علم من ولى بعده

وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده فأمر قد عرفته العامة والخاصة فإنها أعمال ظاهرة وسيرة بينة يظهر لعمر فيها من حسن النية وقصد العدل وعدم الغرض وقمع الهوى مالا يظهر من غيره

ولهذا قال له النبي ﷺ ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك لأن الشيطان إنما يستطيل على الإنسان بهواه وعمر قمع هواه

وقال النبي ﷺ لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر

وقال إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه

ووافق ربه في غير واحدة نزل فيها القرآن بمثل ما قال

وقال ابن عمر كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر

وهذا لكمال نفسه بالعلم والعدل قال الله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا سورة الأنعام 115 فالله تعالى بعث الرسل بالعلم والعدل فكل من كان أتم علما وعدلا كان أقرب إلى ما جاءت به الرسل

وهذا كان في عمر أظهر منه في غيره وهذا في العمل والعدل ظاهر لكل أحد وأما العلم فيعرف برأيه وخبرته بمصالح المسلمين وما ينفعهم وما يضرهم في دينهم ودنياهم ويعرف بمسائل النزاع التي له فيها قول ولغيره فيها قول فإن صواب عمر في مسائل النزاع وموافقته للنصوص أكثر من صواب عثمان وعلي

ولهذا كان أهل المدينة إلى قوله أميل ومذهبهم أرجح مذاهب أهل الأمصار فإنه لم يكن في مدائن الإسلام في القرون الثلاثة أهل مدينة أعلم بسنة رسول الله ﷺ منهم وهم متفقون على تقديم قول عمر على قول علي

وأما الكوفيون فالطبقة الأولى منهم أصحاب ابن مسعود يقدمون قول عمر على قول علي وأولئك أفضل الكوفيين حتى قضاته شريح وعبيدة السلماني وأمثالهما كانوا يرجحون قول عمر وعلي على قوله وحده

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما رأيت عمر قط إلا وأنا يخيل لي أن بين عينيه ملكا يسدده وروى الشعبي عن علي قال ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر وقال حذيفة بن اليمان كان الإسلام في زمن عمر كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا فلما قتل كان كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا وقال ابن مسعود ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر وقال أيضا إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر كا ن إسلامه نصرا وإمارته فتحا

وقال أيضا كان عمر أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله وأعرفنا بالله والله لهو أبين من طريق الساعين يعنى أن هذا أمر بين يعرفه الناس

وقال أيضا عبد الله بن مسعود لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح عليهم وقال أيضا لما مات عمر إني لأحسب هذا قد ذهب بتسعة أعشار العلم وإني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب مع عمر يوم أصيب

وقال مجاهد إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا برأيه

وقال أبو عثمان النهدي إنما كان عمر ميزانا لا يقول كذا ولا يقول كذا

وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب ليس من أحاديث الكذابين والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جدا

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد حدثنا قيس بن أبي حازم قال قال عبد الله بن مسعود ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر وقد روى عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه قال اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب قال فغدا عمر على رسول الله ﷺ فأسلم يومئذ وفي لفظ أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك

وروى النضر عن عكرمة عن ابن عباس قال لما أسلم عمر قال المشركون قد انتصف القوم منا

وروى أحمد بن منيع حدثنا ابن عليه حدثنا أيوب عن أبي معشر عن إبراهيم قال قال ابن مسعود كان عمر حائطا حصينا على الإسلام يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه فلما قتل عمر انثلم الحائط فالناس اليوم يخرجون منه

وروى ابن بطة بالإسناد المعروف عن الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أم أيمن قالت وهي الإسلام يوم مات عمر

والثوري عن منصور عن ربعي عن حذيفة قال كان الإسلام في زمن عمر كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا فلما قتل كان كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا

ومن طريق الماجشون قال أخبرني عبد الواحد بن أبي عون عن القاسم بن محمد كانت عائشة رضي الله عنها تقول من رأى عمر بن الخطاب علم أنه خلق غناء للإسلام كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها

وقال محمد بن إسحاق في السيرة أسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره فامتنع به أصحاب رسول الله ﷺ حتى عزوا وكان عبد الله بن مسعود يقول ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر بن الخطاب فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه

وكذلك رواه مسندا محمد بن عبيد الطنافسى قال حدثنا إسماعيل عن قيس بن أبي حازم قال قال عبد الله بن مسعود ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر والله لو رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر فقاتلهم حتى تركونا فصلينا

وقد روى من وجوه ثابتة عن مكحول عن غضيف عن أبي ذر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به وفي لفظ جعل الحق على لسان عمر وقلبه أو قلبه ولسانه وهذا مروى من حديث ابن عمر وأبي هريرة

وقد ثبت من غير وجه عن الشعبي عن علي قال ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر ثبت هذا عن الشعبي عن علي وهو قد رأى عليا وهو من أخبر الناس بأصحابه وحديثه

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر بن الخطاب

وثبت عن طارق بن شهاب قال إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذب الكذبة فيقول احبس هذه ثم يحدثه الحديث فيقول احبس هذه فيقول كل ما حدثتك به حق إلا ما أمرتني أن أحبسه

وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب بعث جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى سارية قال فبينا عمر يخطب في الناس فجعل يصيح على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل قال فقدم رسول الجيش فسأله فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا فإذا بصائح يا سارية الجبل يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله فقيل لعمر بن الخطاب إنك كنت تصيح بذلك على المنبر

وفي الصحيحين عن عمر أنه قال وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى سورة البقرة 125 وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن قال فنزلت آية الحجاب واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك

وفي الصحيحين أنه لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعى له رسول الله ﷺ ليصلى عليه قال عمر فلما قام دنوت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي عليه وهو منافق فأنزل الله ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره سورة التوبة 84 وأنزل الله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم سورة التوبة 8وثبت عن قيس عن طارق بن شهاب قال كنا نتحدث أن عمر يتحدث على لسانه ملك

وعن مجاهد قال كان عمر إذا رأى الرأي نزل به القرآن

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال رأيت كأن الناس عرضوا علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما هو دون ذلك وعرض على عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا فما أولته يا رسول الله قال الدين

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال بينا أنا نائم رأيتني أتيت بقدح فشربت منه حتى أني لا أرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا ما أولت ذلك يا رسول الله قال العلم

وفي الصحيحين عنه قال رأيت كأني أنزع على قليب بدلو فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعة ضعف والله يغفر له ثم أخذ عمر بن الخطاب فاستحالت في يده غربا فلم أر عبقريا من الناس يفرى فريه حتى ضرب الناس بعطن

وقال عبد الله بن أحمد حدثنا الحسن بن حماد حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود قال لو أن علم عمر وضع في كفه ميزان ووضع علم خيار أهل الأرض في كفه لرجح عليهم بعلمه قال الأعمش فأنكرت ذلك وذكرته لإبراهيم فقال ما أنكرت من ذلك قد قال ما هو أفضل من ذلك قال إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب مع عمر بن الخطاب

وروى ابن بطة بالإسناد الثابت عن ابن عيينة وحماد بن سلمة وهذا لفظه عن عبد الله بن عمير عن زيد بن وهب أن رجلا أقرأه معقل بن مقرن أبو عميرة آية وأقرأها عمر بن الخطاب آخر فسألا ابن مسعود عنها فقال لأحدهما من أقرأكها قال أبو عميرة بن معقل بن مقرن

وقال للآخر من أقرأكها قال عمر بن الخطاب فبكى ابن مسعود حتى كثرت دموعه ثم قال اقرأها كما أقرأكها عمر فإنه كان أقرأنا لكتاب الله وأعلمنا بدين الله ثم قال كان عمر حصنا حصينا على الإسلام يدخل في الإسلام ولا يخرج منه فلما ذهب عمر انثلم الحصن ثلمة لا يسدها أحد بعده وكان إذا سلك طريقا اتبعناه ووجدناه سهلا فإذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر فحيهلا بعمر فحيهلا بعمر وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا هشيم حدثنا العوام عن مجاهد قال إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به

وروى ابن مهدي عن حماد بن زيد قال سمعت خالدا الحذاء يقول نرى أن الناسخ من قول رسول الله ﷺ ما كان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وروى ابن بطة من حديث أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا عبيد بن جناد حدثنا عطاء بن مسلم عن صالح المرادي عن عبد خير قال رأيت عليا صلى العصر فصف له أهل نجران صفين فلما صلى أومأ رجل منهم إلى رجل فأخرج كتابا فناوله اياه فلما قرآه دمعت عيناه ثم رفع رأسه إليهم فقال يا أهل نجران أو يا أصحابي هذا والله خطى بيدي وإملاء عمر علي فقالوا يا أمير المؤمنين اعطنا ما فيه فدنوت منه فقلت إن كان رادا على عمر يوما فاليوم يرد عليه فقال لست رادا على عمر شيئا صنعه إن عمر كان رشيد الأمر وإن عمر أعطاكم خيرا مما أخذ منكم وأخذ منكم خيرا مما أعطى ولم يجر لعمر نفع مع أخذ لنفسه إنما أخذه لجماعة المسلمين

وقد روى أحمد والترمذي وغيرهما قال أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن المقري حدثنا حيوة بن شريح حدثنا بكر بن عمرو المعافري عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر الجهني قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب

ورواه ابن وهب وغيره عن ابن لهيعة عن مشرح فهو ثابت عنه

وروى ابن بطة من حديث عقبة بن مالك الخطمى قال قال رسول الله ﷺ لو كان غيري نبي لكان عمر بن الخطاب وفي لفظ لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر وهذا اللفظ في الترمذي

وقال عبدالله بن أحمد حدثنا شجاع بن مخلد حدثنا يحيى بن يمان حدثنا سفيان عن عمرو بن محمد عن سالم بن عبد الله عن أبى موسى الأشعري أنه أبطأ عليه خبر عمر فكلم امرأة في بطنها شيطان فقالت حتى يجيء شيطاني فأسأله فقال رأيت عمر متزرا بكساء يهنأ إبل الصدقة وذلك لا يراه الشيطان إلا خر لمنخرية للملك الذي بين عينيه روح القدس ينطق على لسانه

ومثل هذا في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن فلما استأذن عمر قمن فابتدرن الحجاب فأذن له رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يضحك فقال عمر أضحك الله سنك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب فقال عمر قلت يا رسول الله أنت أحق أن يهبن ثم قال عمر أي عدوات أنفسهن تهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ قلن نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ قال رسول الله والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك

وفي حديث آخر أن الشيطان يفر من حس عمر

وقال أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن واصل عن مجاهد قال كنا نتحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر فلما قتل عمر وثبت

وهذا باب طويل قد صنف الناس فيه مجلدات في مناقب عمر مثل كتاب أبي الفرج بن الجوزي وعمر بن شبه وغيرهما غير ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة العلم مثل ما صنفه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة والدارقطني والبيهقي وغيرهم

ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبى موسى الأشعري تداولها الفقهاء وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه ومن طرقها ما رواه أبو عبيد وابن بطة وغيرهما بالإسناد الثابت عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك ووجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من أدعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ومن ادعى حقا غائبا فامدد له أمدا ينتهي إليه فإن جاء ببينة فأعطه حقه وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعمى. ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم وليس يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور أو مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان. ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك وفيما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك ثم اعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق. وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالخصوم فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذخر فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله عز وجل فإن الله عز وجل لا يقبل من العبد إلا ما كان له خالصا فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته.

وروى ابن بطة من حديث أبي يعلى الناجي حدثنا العتبي عن أبيه قال خطب عمر بن الخطاب يوم عرفة يوم بويع له فقال الحمد لله الذي ابتلاني بكم وابتلاكم بي وأبقاني فيكم من بعد صاحبيَّ. من كان منكم شاهدا باشرناه ومن كان غائبا ولينا أمره أهل القوة عندنا فإن أحسن زدناه وإن أساء لم نناظره أيتها الرعية إن للولاة عليكم حقا وإن لكم عليهم حقا واعلموا أنه ليس حلم أحب إلى الله وأعظم نفعا من حلم إمام وعدله وليس جهل أبغض إلى الله تعالى من جهل وال وخرقِه وأنه من يأخذ العافية ممن تحت يده يعطه الله العافية ممن هو فوقه

قلت وهو معروف من حديث الأحنف عن عمر قال الوالي إذا طلب العافية ممن هو دونه أعطاه الله العافية ممن هو فوقه

وروى من حديث وكيع عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال قال عمر رضي الله عنه لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بالله لولا أن أسير في سبيلي الله أو أضع جبهتي في التراب ساجدا أو أجالس قوما يلتقطون طيب الكلام كما يلتقط طيب الثمر

وكلام عمر رضي الله عنه من أجمع الكلام وأكمله فإنه ملهم محدث كل كلمة من كلامه تجمع علما كثيرا مثل هؤلاء الثلاث التي ذكرهن فإنه ذكر الصلاة والجهاد والعلم وهذه الثلاث هي أفضل الأعمال بإجماع الأمة قال أحمد بن حنبل أفضل ما تطوع به الإنسان الجهاد وقال الشافعي أفضل ما تطوع به الصلاة وقال أبو حنيفة ومالك العلم

والتحقيق أن كلا من الثلاثة لا بد له من الآخرين وقد يكون هذا أفضل في حال وهذا أفضل في حال كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يفعلون هذا وهذا وهذا كل في موضعه بحسب الحاجة والمصلحة وعمر جمع الثلاث

ومن حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال قال لي عمر إنه والله يا ابن عباس ما يصلح لهذا الأمر إلا القوي في غير عنف اللين في غير ضعف الجواد في غير سرف الممسك في غير بخل قال يقول ابن عباس فوالله ما أعرفه غير عمر

وعن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان إذا ذكر عمر قال لله در عمر لقل ما سمعته يقول يحرك شفتيه بشيء قط يتخوفه إلا كان حقا

فصل

قال الرافضي وقال في خطبة له من غالى في مهر أمرأة جعلته في بيت المال فقالت له امرأة كيف تمنعنا ما أعطانا الله في كتابه حين قال وأتيتم إحداهن قنطارا سورة النساء 20 فقال كل أحد أفقه من عمر حتى المخدرات

والجواب أن هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه ورجوعه إلى الحق إذا تبين له وأنه يقبل الحق حتى من امرأة ويتواضع له وأنه معترف بفضل الواحد عليه ولو في أدنى مسألة وليس من شرط الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمر من الأمور فقد قال الهدهد لسليمان أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين سورة النمل 22 وقد قال موسى للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا سورة الكهف 66 والفرق بين موسى والخضر أعطم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريبا من موسى فضلا عن أن يكون مثله بل الأنبياء المتبعون لموسى كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم أفضل من الخضر

وما كان عمر قد رآه فهو مما يقع مثله للمجتهد الفاضل فإن الصداق فيه حق لله تعالى ليس من جنس الثمن والأجرة فإن المال والمنفعة يستباح بالإباحة ويجوز بذله بلا عوض وأما البضع فلا يستباح بالإباحة ولا يجوز النكاح بغير صداق لغير النبي ﷺ باتفاق المسلمين واستحلال البضع بنكاح لا صداق فيه من خصائص النبي ﷺ لكن يجوز عقده بدون التسمية ويجب مهر المثل فلو مات قبل أن يفرض لها ففيها قولان للصحابة والفقهاء أحدهما لا يجب شيء وهو مذهب علي ومن اتبعه كمالك والشافعي في أحد قوليه والثاني يجب مهر المثل وهو مذهب عبد الله بن مسعود ومذهب أبي حنيفة وأحمد والشافعي في قوله الآخر

والنبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق بمثل ذلك فكان هذا قضاء رسول الله ﷺ فعمر لم يستقر قوله على خلاف النص فكان حاله أكمل من حال من استقر قوله على خلاف النص وإذا كان الصداق فيه حق لله أمكن أن يكون مقدرا بالشرع كالزكاة وفدية الأذى وغير ذلك ولهذا ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن أقله مقدر بنصاب السرقة وإذا جاز تقدير أقله جاز تقدير أكثره

وإذا كان مقدرا اعتبر بالسنة فلم يتجاوز به ما فعله رسول الله ﷺ في نسائه وبناته

وإذا قدر أن هذا لا يسوغ كانت قد بذلت لمن لا يستحقها فلا يعطاها الباذل لحصول مقصوده ولا الآخذ لكونه لا يستحقها فتوضع في بيت المال كما تقوله طائفه من الفقهاء إن المتجر جمال غيره يتصدق بالربح وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات وكما يقوله محققو الفقهاء فيمن باع سلاحا في الفتنة أو عصيرا أو عنبا للخمر إنه يتصدق بالثمن

ففي الجملة عمر لو نفذ اجتهاده لم يكن أضعف من كثير من اجتهاد غيره الذي أنفذه وكيف لم ينفذه

وقوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا سورة النساء 20 يتأول كثير من الناس ما هو أصرح منها بأن يقولوا هذا قيل للمبالغة كما قالوا في قول رسول الله ﷺ التمس ولو خاتما من حديد أنه قاله على سبيل المبالغة فإذا كان المقدرون لأدناه يتأولون مثل هذا جاز أن يكون المقدر لأعلاه يتأول مثل هذا

وإذا كان في هذا منع للمرأة المستحقة فكذلك منع المفوضة المهر الذي استحقته بسنة رسول الله ﷺ لا سيما والمزوجة بلا تسمية لم تغال في الصداق وعمر مع هذا لم يصر على ذلك بل رجع إلى الحق

فعلم أن تأييد الله له وهدايته إياه أعظم من تأييده لغيره وهدايته إياه وأن أقواله الضعيفة التي رجع عنها ولم يصر عليها خير من أقوال غيره الضعيفة التي لم يرجع عنها

والله تعالى قد غفر لهذه الأمة الخطأ وإن لم يرجعوا عنه فكيف بمن رجع عنه

وقد ثبت في موضع غير هذا أن اجتهادات السلف من الصحابة والتابعين كانت أكمل من اجتهادات المتأخرين وأن صوابهم أكمل من صواب المتأخرين وخطأهم أخف من خطأ المتأخرين فالذين قالوا من الصحابة والتابعين بصحة نكاح المتعة خطؤهم أيسر من خطأ من قال من المتأخرين بصحة نكاح المحلل من أكثر من عشرين وجها قد ذكرناها في مصنف مفرد والذين قالوا من الصحابة والتابعين بجواز الدرهم بدرهمين خطؤهم أخف من خطأ من جوز الحيل الربوية من المتأخرين وأن الذين أنكروا ما قاله الصحابة عمر وغيره في مسألة المفقود من أن زوجها إذا أتى خير بين أمرأته ومهرها قولهم ضعيف وقول الصحابة هو الصواب الموافق لأصول الشرع والذين عدوا هذا خلاف القياس وقالوا لا ينفذ حكم الحاكم إذا حكم به قالوا ذلك لعدم معرفتهم بمآخذ الصحابة ودقة فهمهم فإن هذا مبني على وقف العقود عند الحاجة وهو أصل شريف من أصول الشرع

وكذلك ما فعله عمر من جعل أرض العنوة فيئا هو فيه على الصواب دون من لم يفهم ذلك من المتأخرين وأن الذي أشار به علي بن أبي طالب في قتال أهل القبلة كان علي رضي الله عنه فيه على الصواب دون من أنكره عليه من الخوارج وغيرهم

وما أفتى به ابن عباس وغيره من الصحابة في مسائل الأيمان والنذور والطلاق والخلع قولهم فيها هو الصواب دون قول من خالفهم من المتأخرين

وبالجملة فهذا باب يطول وصفه فالصحابة أعلم الأمة وأفقهها وأدينها ولهذا أحسن الشافعي رحمه الله في قوله هم فوقنا في كل علم وفقة ودين وهدى وفي كل سبب ينال به علم وهدى ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا أو كلاما هذا معناه

وقال أحمد بن حنبل أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ

وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال أيها الناس من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم

وقال حذيفة رضي الله عنه يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا

فصل

قال الرافضي ولم يحد قدامة في الخمر لأنه تلا عليه ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا سورة المائدة 93 الآية فقال له علي ليس قدامة من أهل هذه الآية فلم يدركم يحده فقال له أمير المؤمنين حده ثمانين إن شارب الخمر إذا شربها سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى

والجواب أن هذا من الكذب البين الظاهر على عمر رضي الله عنه فإن علم بن الخطاب بالحكم في مثل هذه القضية أبين من أن يحتاج إلى دليل فإنه قد جلد في الخمر غير مرة هو وأبو بكر قبله وكانوا يضربون فيها تارة أربعين وتارة ثمانين وكان عمر أحيانا يعزر فيها بحلق الرأس والنفي وكانوا يضربون فيها تارة بالجريد وتارة بالنعال والأيدي وأطراف الثياب وقد تنازع علماء المسلمين في الزائد عن الأربعين إلى الثمانين هل هو حد يجب إقامته أو تعزير يختلف باختلاف الأحوال على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد أحدهما أنه حد لأن أقل الحدود ثمانون وهو حد القذف وأدعى أصحاب هذا القول أن الصحابة أجمعت على ذلك وأن ما نقل من الضرب أربعين كان بسوط له طرفان فكانت الأربعون قائمة مقام الثمانين وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما واختاره الخرقي والقاضي أبو يعلي وغيرهما

والثاني أن الزائد على الأربعين جائز فليس بحد واجب وهو قول الشافعي واختاره أبو بكر وأبو محمد وغيرهما وهذا القول أقوى لأنه قد ثبت في الصحيح عن علي رضي الله عنه أنه جلد الوليد أربعين وقال جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي

وفي الصحيحين عن أنس قال أتى رسول الله ﷺ برجل قد شرب الخمر فضربه بالنعال نحوا من أربعين ثم أتى به أبو بكر ففعل به مثل ذلك ثم أتى به عمر فاستشار الناس في الحدود

فقال ابن عوف أخف الحدود ثمانون فضربه عمر

ولأنه يجوز الضرب فيه بغير السوط كالجريد والنعال والأيدي وأطراف الثياب فلما لم تكن صفة الضرب مقدرة بل يرجع فيها إلى الاجتهاد فكذلك مقدار الضرب وهذا لأن أحوال الشاربين تختلف ولهذا أمر أولا بقتل الشارب في المرة الرابعة وقد قيل إن هذا منسوخ وقيل بل هو محكم وقيل بل هو تعزير جائز يفعل عند الحاجة إليه وهذا لأن الضرب بالثوب ليس أمرا محدودا بل يختلف باختلاف قلته وكثرته وخفته وغلظته والنفوس قد لا تنتهي فيه عنه مقدار فردت أكثر العقوبة فيه إلى الاجتهاد وإن كان أقلها مقدرا كما أن من التعزيرات ما يقدر أكثره ولا يقدر أقله

وأما قصة قدامة فقد روى أبو إسحاق الجوزجاني وغيره حديثه عن ابن عباس أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فقال له عمر ما يحملك على ذلك فقال إن الله يقول ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات الآية سورة المائدة 93 وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر وأحد، فقال عمر أجيبوا الرجل فسكتوا عنه فقال لابن عباس أجبه فقال إنما أنزلها الله عذرا للماضين لمن شربها قبل أن تحرم وأنزل إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه سورة المائدة 90 حجة على الناس ثم سأل عمر عن الحد فيها فقال علي بن أبي طالب إذا شرب هذى وإذا هذى افترى فاجلده ثمانين جلدة فجلد عمر ثمانين ففيه أن عليا أشار بالثمانين وفيه نظر

فإن الذي ثبت في الصحيح أن عليا جلد أربعين عند عثمان بن عفان لما جلد الوليد بن عقبة وأنه أضاف الثمانين إلى عمر وثبت في الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف أشار بالثمانين فلم يكن جلد الثمانين مما استفاده عمر من علي وعلي قد نقل عنه أنه جلد في خلافته ثمانين فدل على انه كان يجلد تارة أربعين وتارة ثمانين وروى عن علي أنه قال ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لو مات لوديته لأن النبي ﷺ لم يسنه لنا

وهذا لم يقل به أحد من الصحابة والفقهاء في الأربعين فما دونها ولا ينبغي أن يحمل كلام علي على ما يخالف الإجماع وإنما تنازع الفقهاء فيما إذا زاد على الأربعين فتلف هل يضمن على قولين فقال جمهورهم لا يضمن أيضا وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم وقال الشافعي يضمنه إما بنصف الدية في أحد القولين جعلا له قد تلف بفعل مضمن وغير مضمن وإما أن تقسط الدية على عدد الضربات كلها فيجب من الدية بقدر الزيادة على الأربعين في القول الأخر

والشافعي بني هذا على أن الزيادة تعزير غير مقدر ومن أصله أن من مات بعقوبة غير مقدرة ضمن لأنه بالتلف يتبين عدوان المعزر كما إذا ضرب الرجل امرأته والمؤدب الصبي والرائض الدابة

وأما الجمهور فمنهم من يخالفه في الأصلين ومنهم من يخالفه في أحدهما فأبو حنيفة ومالك يقولان الثمانون حد واجب وهو قول أحمد في إحدى الروايتين وفي الأخرى يقول كل من تلف بعقوبة جائزة فالحق قتله سواء كانت واجبة أو مباحة وسواء كانت مقدرة أو غير مقدرة إذا لم يتعد وعلى هذا لا يضمن عنده سراية القود في الطرف وإن لم يكن واجبا وقد اتفق الأئمة على أنه إذا تلف في عقوبة مقدرة واجبة لا يضمن كالجلد في الزنا والقطع في السرقة وتنازعوا في غير ذلك فمنهم من يقول يضمن في الجائز ولا يضمن في الواجب كقول أبي حنيفة فإنه يقول يضمن سراية القود ولا يضمن سراية التعزير لحق الله تعالى ومنهم من يقول يضمن غير المقدر ولا يضمن في المقدر سواء كان واجبا أو جائزا كقول الشافعي ومنهم من يقول لا يضمن لا في هذا ولا في هذا كقول مالك وأحمد وغيرهما

فصل

قال الرافضي وأرسل إلى حامل يستدعيها فأسقطت خوفا فقال له الصحابة نراك مؤدبا ولا شيء عليك ثم سأل أمير المؤمنين فأوجب الدية على عاقلته

والجواب أن هذه مسألة اجتهاد تنازع فيها العلماء وكان عمر بن الخطاب يشاور الصحابة رضي الله عنهم في الحوادث يشاور عثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم حتى كان يشاور ابن عباس وهذا كان من كمال فضله وعقله ودينه ولهذا كان من أسد الناس رأيا وكان يرجع تارة إلى رأي هذا وتارة إلى رأى هذا

وقد أتى بامرأة قد أقرت بالزنا فاتفقوا على رجمها وعثمان ساكت فقال مالك لا تتكلم فقال أراها تستهل به استهلال من لا يعلم أن الزنا محرم فرجع فاسقط الحد عنها لما ذكر له عثمان ومعنى كلامه أنها تجهر به وتبوح به كما يجهر الإنسان ويبوح بالشيء الذي لا يراه قبيحا مثل الأكل والشرب والتزوج والتسري

والاستهلال رفع الصوت ومنه استهلال الصبي وهو رفعه صوته عند الولادة وإذا كانت لا تعلمه قبيحا كانت جاهلة بتحريمه والحد لا يجب إلا على من بلغه التحريم فإن الله تعالى يقول وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا سورة الإسراء 15 وقال تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل سورة النساء 165 ولهذا لا يجوز قتال الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة حتى يدعوا إلى الإسلام

ولهذا من أتى شيئا من المحرمات التي لم يعلم تحريمها لقرب عهده بالإسلام أو لكونه نشأ بمكان جهل لم يقم عليه الحد ولهذا لم يعاقب النبي ﷺ من أكل من أصحابه حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود لأنهم أخطأوا في التأويل

ولم يعاقب أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله لأنه ظن جواز قتله لما اعتقد أنه قالها تعوذا

وكذلك السرية التي قتلت الرجل الذي قال إنه مسلم وأخذت ماله لم يعاقبها لأنها كانت متأولة

وكذلك خالد بن الوليد لما قتل بني جذيمة لما قالوا صبأنا لم يعاقبه لتأويله

وكذلك الصديق لم يعاقب خالدا على قتل مالك بن نويرة لأنه كان متأولا

وكذلك الصحابة لما قال هذا لهذا أنت منافق لم يعاقبه النبي ﷺ لأنه كان متأولا

ولهذا قال الفقهاء الشبهة التي يسقط بها الحد شبهة اعتقاد أو شبهة ملك فمن تزوج نكاحا اعتقد أنه جائز ووطىء فيه لم يحد وإن كان حراما في الباطن وأما إذا علم التحريم ولم يعلم العقوبة فإنه يحد كما حد النبي ﷺ ماعز بن مالك إذ كان قد علم تحريم الزنا ولكنه لم يكن يعلم أن الزاني المحصن يرجم فرجمه النبي ﷺ لعلمه بتحريم الفعل وإن لم يعلم أنه يعاقب بالرجم

والمقصود هنا أن عمر رضي الله عنه كان يشاورهم وأنه من ذكر ما هو حق قبله وذلك من وجهين أحدهما أن يتبين في القصة المعينة مناط الحكم الذي يعرفونه كقول عثمان إنها جاهلة بالتحريم فإن عثمان لم يفدهم معرفة الحكم العام بل أفادهم إن هذا المعين هو من أهله وكذلك قول علي إن هذه مجنونة قد يكون من هذا فأخبره بجنونها أو بحملها أو نحو ذلك

والثاني أن يتبين نصا أو معنى نص يدل على الحكم العام كتنبيه المرأة له على قوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا سورة النساء 20 وكإلحاق عبد الرحمن حد الشارب بحد القاذف ونحو ذلك

فصل

قال الرافضي وتنازعت امرأتان في طفل ولم يعلم الحكم وفزع فيه إلى أمير المؤمنين علي فاستدعى أمير المؤمنين المرأتين ووعظهما فلم ترجعا فقال ائتوني بمنشار فقالت المرأتان ما تصنع به فقال أقده بينكما نصفين فتأخذ كل واحدة نصفا فرضيت واحدة وقالت الأخرى الله الله يا أبا الحسن إن كان ولا بد من ذلك فقد سمحت لها به فقال علي الله أكبر هو ابنك دونها ولو كان ابنها لرقت عليه فاعترفت الأخرى أن الحق مع صاحبتها ففرح عمر ودعا لأمير المؤمنين

والجواب أن هذه قصة لم يذكر لها إسنادا ولا يعرف صحتها ولا أعلم أحدا من أهل العلم ذكرها ولو كان لها حقيقة لذكروها ولا تعرف عن عمر وعلي ولكن هي معروفة عن سليمان بن داود عليهما السلام وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت هذه لصاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال أئتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى قال أبو هريرة والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ ما كنا نقول إلا المدية

فإن كان بعض الصحابة علي أو غيره سمعوها من النبي ﷺ كما سمعها أبو هريرة أو سمعوها من أبي هريرة فهذا غير مستبعد وهذه القصة فيها أن الله تعالى فهم سليمان من الحكم ما لم يفهمه لداود كما فهمه الحكم إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكان سليمان قد سأل ربه حكما يوافق حكمه ومع هذا فلا يحكم بمجرد ذلك بأن سليمان أفضل من داود عليهما السلام

فصل

قال الرافضي وأمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر فقال له علي إن خاصمتك بكتاب الله تعالى خصمتك إن الله يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهرا سورة الأحقاف 15 وقال تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة سورة البقرة 233

والجواب أن عمر كان يستشير الصحابة فتارة يشير عليه عثمان بما يراه صوابا وتارة يشير عليه علي وتارة يشير عليه عبد الرحمن بن عوف وتارة يشير عليه غيرهم وبهذا مدح الله المؤمنين بقوله تعالى وأمرهم شورى بينهم سورة الشورى 38 والناس متنازعون في المرأة إذا ظهر بها حمل ولم يكن لها زوج ولا سيد ولا ادعت شبهة هل ترجم فمذهب مالك وغيره من أهل المدينة والسلف أنها ترجم وهو قول أحمد في إحدى الروايتين ومذهب أبي حنيفة والشافعي لا ترجم وهي الرواية الثانية عن أحمد قالوا لأنها قد تكون مستكرهة على الوطء أو موطوءة بشبهة أو حملت بغير وطء

والقول الأول هو الثابت عن الخلفاء الراشدين وقد ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب خطب الناس في آخر عمره وقال الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الأعتراف فجعل الحبل دليلا على ثبوت الزنا كالشهود وهكذا هذه القضية وكذلك اختلفوا في الشارب هل يحد إذا تقيأ أو وجدت منه الرائحة على قولين والمعروف عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أنهم كانوا يحدون بالرائحة وبالقيء وكان الشاهد إذا شهد أنه تقيأها كان كشهادته بأنه شربها والاحتمالات البعيدة هي مثل احتمال غلط الشهود أو كذبهم وغلطه في الإقرار أو كذبه بل هذه الدلائل الظاهرة يحصل بها من العلم مالا يحصل بكثير من الشهادات والإقرارات

والشهادة على الزنا لا يكاد يقام بها حد وما أعرف حدا أقيم بها وإنما تقام الحدود إما باعتراف وإما بحبل ولكن يقام بها ما دون الحد كما إذا رئيا متجردين في لحاف ونحو ذلك فلما كان معروفا عند الصحابة أن الحد يقام بالحبل فلو ولدت المرأة لدون ستة أشهر أقيم عليها الحد

والولادة لستة أشهر نادرة إلى الغاية والأمور النادرة قد لا تخطر بالبال فأجرى عمر ذلك على الأمر المعتاد المعروف في النساء كما في أقصى الحمل فإن المعروف من النساء أن المرأة تلد لتسعة أشهر وقد يوجد قليلا من تلد لسنتين ووجد نادرا من ولدت لأربع سنين ووجد من ولدت لسبع سنين فإذا ولدت امرأة بعد إبانة زوجها لهذه المدة فهل يلحقه النسب فيه نزاع معروف وهذه من مسائل الاجتهاد فكثير من العلماء يحد لأقصى الحمل المدة النادرة هذا يحد سنتين وهذا يحد أربعا وهذا يحد سبعا ومنهم من يقول هذا أمر نادر لا يلتفت إليه وإذا أبانها وجاءت بالولد على خلاف المعتاد مع ظهور كونه من غيره لم يجب إلحاقه به


منهاج السنة النبوية
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57