مجموع الفتاوى/المجلد الثامن عشر/فصل في قوله وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في قوله وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا
ابن تيمية

فصل في قوله وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا[عدل]

قوله: «وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا» ينبغي أن يعرف أن هذا الحديث شريف القدر، عظيم المنزلة؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: هو أشرف حديث لأهل الشام، وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به جَثَا على ركبتيه. وراويه أبو ذر الذي ما أَظَلَّتِ الخضراء ولا أَقَلَّتِ الغبراء أصدق لهجة منه، وهو من الأحاديث الإلهية التي رواها الرسول ﷺ عن ربه، وأخبر أنها من كلام الله تعالى وإن لم تكن قرآنًا.

وقد جمع في هذا الباب زاهر الشحامي وعبد الغني المقدسي وأبو عبد الله المقدسي وغيرهم.

وهذا الحديث قد تضمن من قواعد الدين العظيمة في العلوم والأعمال والأصول والفروع؛ فإن تلك الجملة الأولي وهي قوله: «حرمت الظلم على نفسي» يتضمن جل مسائل الصفات والقدر إذا أعطيت حقها من التفسير، وإنما ذكرنا فيها ما لابد من التنبيه عليه من أوائل النكت الجامعة.

وأما هذه الجملة الثانية وهي قوله: «وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا» فإنها تجمع الدين كله؛ فإن ما نهي الله عنه راجع إلى الظلم، وكل ما أمر به راجع إلى العدل؛ ولهذا قال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } [1] فأخبر أنه أرسل الرسل، وأنزل الكتاب والميزان؛ لأجل قيام الناس بالقسط. وذكر أنه أنزل الحديد الذي به ينصر هذا الحق، فالكتاب يهدي والسيف ينصر، وكفي بربك هاديا ونصيرًا.

ولهذا كان قوام الناس بأهل الكتاب وأهل الحديد، كما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء والعلماء. وقالوا في قوله تعالى: { أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [2]، أقوالا تجمع العلماء والأمراء؛ ولهذا نص الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية؛ إذ كل منهما تجب طاعته فيما يقوم به من طاعة الله، وكان نواب رسول الله ﷺ في حياته؛ كعلي، ومعاذ، وأبي موسي، وعتاب بن أسيد، وعثمان بن أبي العاص، وأمثالهم، يجمعون الصنفين. وكذلك خلفاؤه من بعده؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ونوابهم.

ولهذا كانت السنة أن الذي يصلي بالناس صاحب الكتاب، والذي يقوم بالجهاد صاحب الحديد. إلى أن تفرق الأمر بعد ذلك، فإذا تفرق صار كل من قام بأمر الحرب من جهاد الكفار وعقوبات الفجار يجب أن يطاع فيما يأمر به من طاعة الله في ذلك، وكذلك من قام بجمع الأموال وقسمها يجب أن يطاع فيما يأمر به من طاعة الله في ذلك، وكذلك من قام بالكتاب بتبليغ أخباره وأوامره وبيانها يجب أن يصدق ويطاع فيما أخبر به من الصدق في ذلك، وفيما يأمر به من طاعة الله في ذلك.

والمقصود هنا أن المقصود بذلك كله هو أن يقوم الناس بالقسط؛ ولهذا لما كان المشركون يحرمون أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، ويأمرون بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان، أنزل الله في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما يذمهم على ذلك، وذكر ما أمر به هو وما حرمه هو فقال: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [3]، وقال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ على اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [4].

وهذه الآية تجمع أنواع المحرمات كما قد بيناه في غير هذا الموضع. وتلك الآية تجمع أنواع الواجبات كما بيناه أيضا، وقوله: { أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [5]، أمر مع القسط بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا أصل الدين، وضده هو الذنب الذي لا يغفر، قال تعالى: { إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [6]، وهو الدين الذي أمر الله به جميع الرسل، وأرسلهم به إلى جميع الأمم، قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إليه أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [7]، وقال تعالى: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } [8] وقال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } [9]، وقال تعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إليكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَي وَعِيسَي أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [10]، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [11].

ولهذا ترجم البخاري في صحيحه باب ما جاء في أن دين الأنبياء واحد وذكر الحديث الصحيح في ذلك، وهو الإسلام العام الذي اتفق عليه جميع النبيين. قال نوح عليه السلام: { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [12] وقال تعالى في قصة إبراهيم: { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّي بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَي لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [13]، { وَقَالَ مُوسَي يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعليه تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ } [14]، وقال تعالى: { قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [15]. وقال في قصة بلقيس: { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [16]، وقال: { إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًي وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } [17].

وهذا التوحيد - الذي هو أصل الدين-هو أعظم العدل، وضده وهو الشرك أعظم الظلم، كما أخرجا في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } [18]، شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم»؟. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نِدّا وهو خلقك» قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك خشية أن يُطْعَم معك» قلت: ثم أي؟ قال: «أن تُزَاني بحليلة جارك». فأنزل الله تصديق ذلك: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ } الآية [19].

وقد جاء عن غير واحد من السلف، وروي مرفوعًا «الظلم ثلاثة دواوين: فديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يعبأ الله به شيئًا؛ فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئًا فهو الشرك؛ فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فهو ظلم العباد بعضهم بعضًا؛ فإن الله لابد أن ينصف المظلوم من الظالم. وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فهو ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه» أي: مغفرة هذا الضرب ممكنة بدون رضا الخلق؛ فإن شاء عذب هذا الظالم لنفسه وإن شاء غفر له.

وقد بسطنا الكلام في هذه الأبواب الشريفة والأصول الجامعة في القواعد، وبينا أنواع الظلم، وبينا كيف كان الشرك أعظم أنواع الظلم، ومسمي الشرك جليله ودقيقه؛ فقد جاء في الحديث: «الشرك في هذه الأمة أخفي من دبيب النمل». وروي أن هذه الآية نزلت في أهل الرياء { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [20]، وكان شداد بن أوس يقول: يا بقايا العرب، يا بقايا العرب، إنما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية. قال أبو داود السجستاني صاحب السنن المشهورة: الخفية حب الرياسة. وذلك أن حب الرياسة هو أصل البغي والظلم، كما أن الرياء هو من جنس الشرك أو مبدأ الشرك.

والشرك أعظم الفساد كما أن التوحيد أعظم الصلاح؛ ولهذا قال تعالى: { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } [21]، إلى أن ختم السورة بقوله: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا } [22]، وقال: { وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا } [23]، وقال: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا على بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } [24]، وقالت الملائكة: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء } [25].

فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان، وأصل الفساد: الشرك والكفر. كما قال عن المنافقين: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ } [26]، وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له وبه المقصود الذي يراد منه؛ ولهذا يقول الفقهاء: العقد الصحيح ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده. والفاسد ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصود، والصحيح المقابل للفاسد في اصطلاحهم هو الصالح.

وكان يكثر في كلام السلف: هذا لا يصلح أو يصلح، كما كثر في كلام المتأخرين يصح ولا يصح، والله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته، وبدنه تَبَعٌُ لقلبه، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد. وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» وصلاح القلب: في أن يحصل له وبه المقصود الذي خلق له من معرفة الله ومحبته وتعظيمه، وفساده في ضد ذلك. فلا صلاح للقلوب بدون ذلك قط.

والقلب له قوتان: العلم، والقصد. كما أن للبدن الحس، والحركة الإرادية، فكما أنه متي خرجت قوي الحس والحركة عن الحال الفطري الطبيعي فَسَدت. فإذا خرج القلب عن الحال الفطرية التي يولد عليها كل مولود وهي أن يكون مقرًا لربه، مريدًا له، فيكون هو منتهي قصده وإرادته وذلك هي العبادة؛ إذ العبادة: كمال الحب بكمال الذل، فمتي لم تكن حركة القلب ووجهه وإرادته لله تعالى كان فاسدًا؛ إما بأن يكون معرضًا عن الله وعن ذكره غافلًا عن ذلك مع تكذيب أو بدون تكذيب، أو بأن يكون له ذكر وشعور، ولكن قصده وإرادته غيره؛ لكون الذكر ضعيفًا لم يجتذب القلب إلى إرادة الله ومحبته وعبادته. وإلا فمتي قوي علم القلب وذكره أوجب قصده وعلمه، قال تعالى: { فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّي عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ } [27]، فأمر نبيه بأن يعرض عمن كان معرضًا عن ذكر الله، ولم يكن له مراد إلا ما يكون في الدنيا.

وهذه حال من فسد قلبه، ولم يذكر ربه، ولم ينب إليه، فيريد وجهه ويخلص له الدين. ثم قال: { ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ } [28] فأخبر أنهم لم يحصل لهم علم فوق ما يكون في الدنيا، فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم. وأما المؤمن فأكبر همه هو الله، وإليه انتهي علمه وذكره. وهذا الآن باب واسع عظيم قد تكلمنا عليه في مواضعه.

وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس، والإشراك أصل فسادهم، والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل، وإرادة العلو مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم -فهذا مع هذا وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن، فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات، وهو البر، وهو العدل. والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ ولهذا سمي قطاع الطريق مفسدين، وكانت عقوبتهم حقًا لله -تعالى- لاجتماع الوصفين، والذي يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه عاليا عليك، وكلاكما من جنس واحد. فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك.

والتوحيد، وإن كان أصل الصلاح، فهو أعظم العدل؛ ولهذا قال تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبابا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [29] ؛ ولهذا كان تخصيصه بالذكر في مثل قوله: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [30]، لا يمنع أن يكون داخلا في القسط، كما أن ذكر العمل الصالح بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلا في الإيمان، كما في قوله: { وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [31]، و { مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ } [32]، هذا إذا قيل: إن اسم الإيمان يتناوله. سواء قيل: إنه في مثل هذا يكون داخلًا في الأول، فيكون مذكورًا مرتين، أو قيل: بل عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلًا فيه هنا وإن كان داخلًا فيه منفردًا، كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين، وأمثال ذلك مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. لكن المقصود أن كل خير فهو داخل في القسط والعدل، وكل شر فهو داخل في الظلم.

ولهذا كان العدل أمرًا واجبًا في كل شيء وعلى كل أحد، والظلم محرمًا في كل شيء ولكل أحد، فلا يحل ظلم أحد أصلًا، سواء كان مسلمًا أو كافرًا أو كان ظالمًا، بل الظلم إنما يباح، أو يجب فيه العدل عليه أيضا، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ } [33] أي: لا يحملنكم شنآن، أي: بغض قوم وهم الكفار على عدم العدل { قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي } [34]، وقال تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَي عليكُمْ فَاعْتَدُواْ عليه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَي عليكُمْ } [35]، وقال تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ } [36]، وقال تعالى: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [37].

وقد دل على هذا قوله في الحديث: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا» فإن هذا خطاب لجميع العباد ألا يظلم أحد أَحَدًا، وأمر العالم في الشريعة مَبنْي على هذا، وهو العدل في الدماء والأموال والأبضاع والأنساب، والأعراض؛ ولهذا جاءت السنة بالقصاص في ذلك، ومقابلة العَادي بمثل فعله. لكن المماثلة قد يكون علمها أو عملها متعذرًا أو متعسرًا؛ ولهذا يكون الواجب ما يكون أقرب إليها بحسب الإمكان، ويقال: هذا أمثل، وهذا أشبه. وهذه الطريقة المثلي لما كان أمثل بما هو العدل والحق في نفس الأمر إذ ذاك معجوز عنه؛ ولهذا قال تعالى: { وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [38]، فذكر أنه لم يكلف نفسًا إلا وسعها حين أمر بِتَوْفِية الكيل والميزان بالقسط؛ لأن الكيل لابد له أن يفضل أحد المكيلين على الآخر ولو بحبة أو حبات، وكذلك التفاضل في الميزان قد يحصل بشيء يسير لا يمكن الاحتراز منه، فقال تعالى: { لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [39].

ولهذا كان القصاص مشروعًا إذا أمكن استيفاؤه من غير جنف، كالاقتصاص في الجروح التي تنتهي إلى عَظْم. وفي الأعضاء التي تنتهي إلى مفصل، فإذا كان الجَنْفُ واقعًا في الاستيفاء عُدِل إلى بدله وهو الدية؛ لأنه أشبه بالعدل من إتلاف زيادة في المقتص منه، وهذه حجة من رأي من الفقهاء أنه لا قَوَدَ إلا بالسيف في العنق. قال: لأن القتل بغير السيف، وفي غير العنق لا نعلم فيه المماثلة، بل قد يكون التحريق والتغريق والتوسيط، ونحو ذلك أشد إيلاما. لكن الذين قالوا: يفعل به مثل ما فعل قولهم أقرب إلى العدل، فإنه مع تحري التسوية بين الفعلين يكون العبد قد فعل ما يقدر عليه من العدل. وما حصل من تفاوت الألم خارج عن قدرته.

وأما إذا قطع يديه ورجليه، ثم وسطه، فقوبل ذلك بضرب عنقه بالسيف، أو رَضّ رأسه بين حجرين فضرب بالسيف، فهنا قد تيقنا عدم المعادلة والمماثلة. وكنا قد فعلنا ما تيقنا انتفاء المماثلة فيه، وأنه يتعذر معه وجودها، بخلاف الأول فإن المماثلة قد تقع؛ إذ التفاوت فيه غير متيقن.

وكذلك القصاص في الضربة واللطمة، ونحو ذلك، عدل عنه طائفة من الفقهاء إلى التعزير؛ لعدم إمكان المماثلة فيه. والذي عليه الخلفاء الراشدون، وغيرهم من الصحابة، وهو مَنْصُوص أحمد: ما جاءت به سنة رسول الله ﷺ من ثبوت القصاص به؛ لأن ذلك أقرب إلى العدل والمماثلة. فإنا إذا تحرينا أن نفعل به من جنس فعله ونقرب القدر من القدر كان هذا أمثل من أن نأتي بجنس من العقوبة تخالف عقوبته جنسًا وقدرًا وصفة.

وهذا النظر أيضا في ضمان الحيوان والعقار، ونحو ذلك بمثله تقريبًا أو بالقيمة، كما نص أحمد على ذلك في مواضع ضمان الحيوان وغيره. ونص عليه الشافعي فيمن خرب حائط غيره، أنه يبنيه كما كان. وبهذا قضي سليمان عليه السلام في حكومة الحَرْث التي حكم فيها هو وأبوه، كما قد بين ذلك في موضعه.

فجميع هذه الأبواب المقصود للشريعة فيها تحري العدل بحسب الإمكان، وهو مقصود العلماء، لكن أفهمهم من قال بما هو أشبه بالعدل في نفس الأمر، وإن كان كل منهم قد أوتي علمًا وحكمًا؛ لأنه هو الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل، وضده الظلم، كما قال سبحانه: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا».

ولما كان العدل لابد أن يتقدمه علم -إذ من لا يعلم لا يدري ما العدل؟ والإنسان ظالم جاهل إلا من تاب الله عليه فصار عالمًا عادلًا- صار الناس من القضاة وغيرهم ثلاثة أصناف: العالم الجائر، والجاهل الظالم؛فهذان من أهل النار، كما قال النبي ﷺ: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة: رجل علم الحق وقضي به فهو في الجنة، ورجل قضي للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضي بخلافه فهو في النار» فهذان القسمان كما قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ، ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ مقعده من النار».

وكل من حكم بين اثنين فهو قاض، سواء كان صاحب حرب أو متولي ديوان أو منتصبًا للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام. ولما كان الحكام مأمورين بالعدل والعلم، وكان المفروض إنما هو بما يبلغه جهد الرجل قال النبي ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر».

هامش

  1. [الحديد: 25]
  2. [النساء: 59]
  3. [الأعراف: 29]
  4. [الأعراف: 33]
  5. [الأعراف: 29]
  6. [النساء: 48]
  7. [الأنبياء: 25]
  8. [الزخرف: 45]
  9. [النحل: 36]
  10. [الشورى: 13]
  11. [المؤمنون: 51، 52]
  12. [يونس: 72]
  13. [البقرة: 131، 132]
  14. [يونس: 84]
  15. [آل عمران: 52]
  16. [النمل: 44]
  17. [المائدة: 44]
  18. [الأنعام: 82]
  19. [الفرقان: 68]
  20. [الكهف: 110]
  21. [القصص: 4]
  22. [القصص: 83]
  23. [الإسراء: 4]
  24. [المائدة: 32]
  25. [البقرة: 30]
  26. [البقرة: 11، 12]
  27. [النجم: 29، 30]
  28. [النجم: 30]
  29. [آل عمران: 64]
  30. [الأعراف: 29]
  31. [البقرة: 98]
  32. [الأحزاب: 7]
  33. [المائدة: 8]
  34. [المائدة: 8]
  35. [البقرة: 194]
  36. [النحل: 126]
  37. [الشورى: 40]
  38. [الأنعام: 152]
  39. [الأنعام: 152]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثامن عشر - الحديث
سئل ما حد الحديث النبوي | فصل تعريف الحديث الواحد | فصل إذا صح الحديث هل يكون صدقا | فصل تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف | فصل أنواع الرواية وأسماء الأنواع | أن يسمع من لفظ المحدث | أن يقرأ على المحدث فيقر به | المناولة والمكاتبة | الإجازة | معني قولهم حديث حسن أو مرسل أو غريب | شرط البخاري ومسلم | قولهم هذا حديث ضعيف أو ليس بصحيح | الخبر ينقسم ثلاثة أقسام | فصل الخطأ في الخبر يقع من الراوي إما عمدا أو سهوا | أسباب تعمد الكذب | فصل الراوي إما أن تقبل روايته مطلقا أو مقيدا | فصل كم من حديث صحيح الاتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان | فصل عدة الأحاديث المتواترة التي في الصحيحين | فصل أحاديث يحتج بها بعض الفقهاء وهي باطلة | فصل إذا جاء الحلال والحرام شددنا في الأسانيد | سئل عمن أنكر التواتر في الأحاديث | كلام الشيخ على كتاب الحلية لأبي نعيم | وسئل عمن نسخ بيده صحيح البخاري ومسلم والقرآن | أحاديث رواها شيخ الإسلام بن تيمية بأسانيد لنفسه | بعض الأخبار الموضوعة | وسئل عن وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن | سئل عن حديث ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي | فصل في قوله وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا | فصل في قوله كلكم ضال إلا من هديته | فصل في قوله يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته | فصل قوله يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار | فصل قوله يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني | فصل قوله لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم | فصل قوله يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم | فصل شرح حديث حديث عمران بن حصين | شرح حديث إنما الأعمال بالنيات | فصل مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث وهذا منها | فصل في قوله وجلت قلوبهم | فصل في معنى حديث خطبة الحاجة | فصل حديث بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ | فصل حديث مثل أمتي كمثل الغيث | حديث سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء | فصل حديث أعطيت جوامع الكلم | حديث الكرب اللهم إني عبدك | فصل حديث المرء مع من أحب | وسئل عن المسكنة وقوله اللهم أحيني مسكينا | فصل حديث من يستغن يغنه الله | فصل في حديث إن أكبر الكبائر الكفر والكبر | فصل فيما يتعلق بالثلاث المهلكات | سئل عن أحاديث هل هي صحيحة | سئل عن بعض الأحاديث | سئل عمن سمع رجلا يقول لو كنت فعلت كذا لم يجر عليك شيء من هذا | وسئل عن قصة إبليس | بيان ما في كتاب تنقلات الأنوار | سئل عن أحاديث يرويها قصاص | قوله كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد | معنى حديث على كل مسلم صدقة | وسئل عن أحاديث يرويها القصاص