مجموع الفتاوى/المجلد الثامن عشر/بيان ما في كتاب تنقلات الأنوار

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
بيان ما في كتاب تنقلات الأنوار
ابن تيمية

بيان ما في كتاب تنقلات الأنوار[عدل]

وقال رحمه الله تعالى:

إن كتاب تنقلات الأنوار المنسوب إلى أحمد بن عبد الله البكري من أعظم الكتب كذبًا وافتراء على الله ورسوله وعلى أصحاب رسول الله ﷺ، وقد افتري فيه من الأمور من جنس ما افتراه المفترون في سيرة دلهمة والبطال، وسيرة عنترة، وحكايات الرشيد ووزيره جعفر البَرْمَكِي؛ وحكايات العيارين. مثل: الزئبق المصري، وأحمد الدنق، ونحو ذلك. لكن هؤلاء يفترون الكذب على من ليس من الأنبياء؛ وصاحب الكتاب الذي سماه تنقلات الأنوار يفتري الكذب على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه، ويكذب عليه كذبًا لا يعرف أن أحدًا كذب مثله في كتاب، وإن كان في بعض ما يذكره صدق قليل جدًا، فهو من جنس ما في سيرة عنترة والبطال، فإن عنترة كان شاعرًا فارسًا من فرسان الجاهلية، وله شعر معروف، وقصيدته إحدى السبع المعلقات، لكن افتروا عليه من الكذب ما لا يحصيه إلا الله، وكل من جاء زاد ما فيها من الأكاذيب.

وكذلك أبو محمد البطال كان من أمراء المسلمين المعروفين، وكان المسلمون قد غزوا القسطنطينية غزوتين:

الأولى: في خلافة معاوية، أمر فيها ابنه يزيد، وغزا معه أبو أيوب الأنصاري، الذي نزل النبي ﷺ في داره لما قدم مهاجرًا إلى المدينة، ومات أبو أيوب في تلك الغزوة ودُفن إلى جانب القسطنطينية، وقد روي البخاري في صحيحه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، أنه قال: «أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له».

والغزوة الثانية: في خلافة عبد الملك بن مروان، أَمَّرَ ابنه مَسْلَمة أو خلف الوليد ابنه، وأرسل معه جيشًا عظيمًا وحاصروها وأقاموا عليها مدةً سنين، ثم صالحوهم على أن يدخلوها، وبنوا فيها مسجدًا، وذلك المسجد باقٍ إلى اليوم، فجاء الكذابون فزادوا في سيرة البطال وعبد الوهاب من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله، وذكر دلهمة والقاضي عَقِبه، وأشياء لا حقيقة لها.

والبكري صاحب تنقلات الأنوار سلك مسلك هؤلاء المفترين الكذابين، لكن كذبه على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه -أفضل الخلق بعد النبيين- أكثر، وفيه من أنواع الأكاذيب المفتريات، وغرائب الموضوعات ما يجِلُّ عن الوصف، مثل حديث السبع حصُون، وهضام بن جحاف، ومثل حديث الدهر، ورأس الغول، وكلندجة، وغير ذلك من كتبه، وغير ذلك من ذكر أماكن لا وجود لها، وغزوات لا حقيقة لها، وأسماء ومسميات لا يعرفها أحد من أهل العلم، ورواية أحاديث تخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، وتخالف ما تواتر عن النبي ﷺ.

وفيها من الأقوال والأفعال المضافة إلى النبي ﷺ وأصحابه ما برأه الله منه، وهي من جنس أحاديث الزنادقة النصيرية وأشباههم، الذين يختلقون ما فيه غلو في على وغيره، وفيه من القدح في دين الإسلام والإفساد له ما يوجب إباحة دم من يقول ذلك، وإن كان جاهلًا استتيب، فإن تاب وإلا قتل.

وأقل ما يفعل بمن يروي مثل هذا أن يعاقب عقوبة تردعه عن مثل ذلك، وكذلك يستحق العقوبة من يكْرِيها لمن يقرأها ويصدق ما فيها، ومن ينسخها أيضا كذلك.

ويجب على أهل العلم إظهار ما يعلمون من كذب هذه وأمثالها، فكما يجب بيان كذب ما نقل عنه في الأحاديث كأحاديث البخاري يجب بيان كذب ما كذب عليه من الأحاديث الموضوعة التي يعلم أنها كذب، كما بين أهل العلم من حال من كان يكذب عليه من الرواة وبيان ما نقل عنه من الكذب الذي يعلمون أنه كذب، وكثير من الموضوعات إنما يعلم أنها موضوعة خَوَاصُّ أهل العلم بالأحاديث، وأما مثل ما في تنقلات الأنوار من الأحاديث فهو مما يعلمه من له أدني علم بأحوال الرسول ومغازيه أنه كذب. وعلى ولاة الأمور عقوبة من يروي هذه أو يعين على ذلك بنوع من أنواع الإعانة، ولولي الأمر أن يحرقها، فقد حرق عثمان رضي الله عنه كتبًا هذه أولى بالتحريق منها، والله أعلم.

هامش



مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثامن عشر - الحديث
سئل ما حد الحديث النبوي | فصل تعريف الحديث الواحد | فصل إذا صح الحديث هل يكون صدقا | فصل تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف | فصل أنواع الرواية وأسماء الأنواع | أن يسمع من لفظ المحدث | أن يقرأ على المحدث فيقر به | المناولة والمكاتبة | الإجازة | معني قولهم حديث حسن أو مرسل أو غريب | شرط البخاري ومسلم | قولهم هذا حديث ضعيف أو ليس بصحيح | الخبر ينقسم ثلاثة أقسام | فصل الخطأ في الخبر يقع من الراوي إما عمدا أو سهوا | أسباب تعمد الكذب | فصل الراوي إما أن تقبل روايته مطلقا أو مقيدا | فصل كم من حديث صحيح الاتصال ثم يقع في أثنائه الزيادة والنقصان | فصل عدة الأحاديث المتواترة التي في الصحيحين | فصل أحاديث يحتج بها بعض الفقهاء وهي باطلة | فصل إذا جاء الحلال والحرام شددنا في الأسانيد | سئل عمن أنكر التواتر في الأحاديث | كلام الشيخ على كتاب الحلية لأبي نعيم | وسئل عمن نسخ بيده صحيح البخاري ومسلم والقرآن | أحاديث رواها شيخ الإسلام بن تيمية بأسانيد لنفسه | بعض الأخبار الموضوعة | وسئل عن وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن | سئل عن حديث ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي | فصل في قوله وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا | فصل في قوله كلكم ضال إلا من هديته | فصل في قوله يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته | فصل قوله يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار | فصل قوله يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني | فصل قوله لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم | فصل قوله يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم | فصل شرح حديث حديث عمران بن حصين | شرح حديث إنما الأعمال بالنيات | فصل مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث وهذا منها | فصل في قوله وجلت قلوبهم | فصل في معنى حديث خطبة الحاجة | فصل حديث بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ | فصل حديث مثل أمتي كمثل الغيث | حديث سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء | فصل حديث أعطيت جوامع الكلم | حديث الكرب اللهم إني عبدك | فصل حديث المرء مع من أحب | وسئل عن المسكنة وقوله اللهم أحيني مسكينا | فصل حديث من يستغن يغنه الله | فصل في حديث إن أكبر الكبائر الكفر والكبر | فصل فيما يتعلق بالثلاث المهلكات | سئل عن أحاديث هل هي صحيحة | سئل عن بعض الأحاديث | سئل عمن سمع رجلا يقول لو كنت فعلت كذا لم يجر عليك شيء من هذا | وسئل عن قصة إبليس | بيان ما في كتاب تنقلات الأنوار | سئل عن أحاديث يرويها قصاص | قوله كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد | معنى حديث على كل مسلم صدقة | وسئل عن أحاديث يرويها القصاص