شرح العقيدة الطحاوية/قوله:(ولا نكفرأحداً من أهل القبلة بذنب ، ما لم يستحله)

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
شرح العقيدة الطحاوية

المؤلف: ابن أبي العز الحنفي
قوله:(ولا نكفرأحداً من أهل القبلة بذنب ، ما لم يستحله)


ولا نكفرأحداً من أهل القبلة بذنب ، ما لم يستحله ، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله

شرح : أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله : ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ، ما داعموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين ، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين ، يشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب .

واعلم - رحمك الله وإيانا - أن باب التكفير وعدم التكفير ، باب عظمت الفتنة والمحنة فيه ، وكثر فيه الإفتراق ، وتشتت فيه الأهواء والآراء ، وتعارضت فيه دلائلهم . فالناس فيه ، في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة، المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر، أو المخالفة لذلك في اعتقادهم ، على طرفين ووسط ، من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية .

فطائفة تقول : لا نكفر من أهل القبلة أحداً ، فتنفي التكفير نفياً عاماً ، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين ، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع ، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم ، وهم يتظاهرون بالشهادتين . وأيضاً : فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواتره ، والمحرمات الظاهرة المتواترة ، ونحو ذلك ، فإنه يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل كافراً مرتداً . والنفاق والردة مظنتها البدع والفجور، كما ذكره الخلال في كتاب السنة ، بسنده إلى محمد بن سيرين ، أنه قال : إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء ، وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [1] .

ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحداً بذنب ، بل يقال : لا نكفرهم بكل ذنب ، كما تفعله الخوارج . وفرق بين النفي العام ونفي العموم . والواجب إنما هو نفي العموم ، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب .

ولهذا - والله أعلم - قيده الشيخ رحمه الله بقوله : ما لم يستحله . وفي قوله : ما لم يستحله إشارة إلى أن مراده من هذا النفي العام لكل ذنب من الذنوب العملية لا العلمية . وفيه إشكال فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم ، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل ، وليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح ، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح ، وأعمال الجوارح تبع . إلا أن يضمن قوله : يستحله بمعنى : يعتقده ، أو نحو ذلك .

وقوله : ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله . . . إلى آخر كلامه ، رد على المرجئة ، فإنهم يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة . فهؤلاء في طرف ، والخوارج في طرف ، فإنهم يقولون نكفر المسلم بكل ذنب ، أو بكل ذنب كبير ، وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة ، فلا يبقى معه شيء من الإيمان.

لكن الخوارج يقولون : يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر ! والمعتزلة يقولون : يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر ، وهذه المنزلة بين المنزلتين ! ! وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار! وطوائف من أهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في الأعمال ، لكن في الاعتقادات البدعية ، وإن كان صاحبها متأولاً ، فيقولون : يكفر كل من قال هذا القول ، لا يفرقون بين المجتهد المخطىء وغيره ، أو يقولون : يكفر كل مبتدع .

وهؤلاء يدخل عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة ، فثان النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ونصوص الوعد التي يحتج بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج بها أولئك . والكلام في الوعيد مبسوط في موضعه .

وسيأتي بعضه عند الكلام على قول الشيخ : وأهل الكبائر في النار لا يخلدون ، إذا ماتوا وهم موحدون .

والمقصود هنا : أن البدع هي من هذا الجنس ، فإن الرجل يكون مؤمناً باطناً وظاهراً ، لكن تأول تأويلاً أخطأ فيه ، إما مجتهداً وإما مفرطاً مذنباً ، فلا يقال . إن إيمانه حبط لمجرد ذلك ، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي ، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة ، ولا نقول : لا يكفر ، بل العدل هو الوسط ، وهو : أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول ، أو إثبات ما نفاه ، أو الأمر بما نهى عنه ، أو النهي عما أمر به - : يقال فيها الحق ، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص ، ويبين أنها كفر ، ويقال : من قالها فهو كافر ، ونحو ذلك ، كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفس والأموال ، وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها .

وعن أبي يوسف رحمه الله ، أنه قال : ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة ، حتى اتفق رأيي ورأيه : أن من قال بخلق القرآن فهو كافر .

وأما الشخص المعين ، إذا قيل : هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر ؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة ، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار ، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت .

ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب : باب النهي عن البغي ، وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين ، فكان أحدهما يذنب ، والآخر مجتهد في العبادة ، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب ، فيقول : أقصر ، فوجده يوماً على ذنب ، فقال له : أقصر . فقال : خلني وربي ، أبعثت علي رقيباً ؟ فقال : والله لا يغفر الله لك ، أو لا يدخلك الله الجنة فقبض أرواحهما ، فاجتمعا عند رب العالمين ، فقال لهذا المجتهد : أكنت بي عالماً ؟ أو كنت على ما في يدي قادراً ؟ وقال للمذنب : اذهب فادخل الجنة برحمتي ، وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار .

قال أبو هريرة : والذي نفسي بيده ، لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته . [2] .

ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهداً مخطئاً مغفوراً له ، ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص ، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله ، كما غفر للذي قال : إذا مت فاسحقوني ثم اذروني ، ثم غفر الله له لخشيته وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته ، أو شك في ذلك . لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن عاقبته في الدنيا ، لمنع بدعته ، وأن نستتيبه ، فإن تاب وإلا قتلناه .

ثم إذا كان القول في نفسه كفراً قيل : إنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع ، ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقاً زنديقاً .

فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون مناففاً زنديقاً . وكتاب الله يبين ذلك ، فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف : صنف : كفار من المشركين ومن أهل الكتاب ، وهم الذين لا يقرون بالشهادتين .

وصنف : المؤمنون باطناً وظاهراً . وصنف أقروا به ظاهراً لا باطناً . وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة . وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقراً بالشهادتين . فإنه لا يكون إلا زنديقاً ، والزنديق هو المنافق .

وهنا يظهر غلط الطرفين ، فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن ، يلزمه أن يكفر أقواماً ليسوا في الباطن منافقين ، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين ، كما ثبت في صحيح البخاري ، عن أسلم مولى عمر رضي الله عنه ، عن عمر : «أن رجلا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه: عبد الله، وكان يلقب: حمارا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده من الشراب، فأتي به يوما، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه، فوالله ما علمت، إنه يحب الله ورسوله» [3] وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين ، وفيهم بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج .

ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة ، بل بفرع منها .

ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير . فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً ، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون .

ولكن بقي هنا إشكال يرد على كلام الشيخ رحمه الله، وهو : أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفراً ، قال الله : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [4] .

وقال ﷺ : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر . [5] .

وقال ﷺ : لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض . وإذا قال الرجل لأخيه : يا كافر - فقد باء بها أحدهما . [6] .

وقال ﷺ : أربع من كن فيه كان منافقا خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها . إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر . [7] .

وقال ﷺ : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، والتوبة معروضة بعد .

وقال ﷺ : بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة . [8] .

وقال ﷺ : من أتى كاهناً فصدقه ، أو أتى امرأة في دبرها ، فقد كفر بما أنزل على محمد .

وقال ﷺ : من حلف بغير الله فقد كفر . [9] .

وقال ﷺ : ثنتان في أمتي بهم كفر : الطعن في الأنساب ، والنياحة على الميت . ونظائر ذلك كثيرة .

والجواب : أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية ، كما قالت أن الخوارج ، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال ، ولا يقبل عفو ولي القصاص ، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر ! وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام .

ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ، ولا يدخل في الكفر ، ولا يستحق الخلود مع الكافرين ، كما قالت المعتزلة .

فإن قولهم باطل أيضاً ، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين ، قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} ، الى أن قال : {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} [10] .

فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا ، وجعله أخاً لولي القصاص ، والمراد أخوة الدين بلا ريب .

وقال تعالى : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} ، الى أن قال : {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [11] . ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل ، بل يقام عليه الحد ، فدل على أنه ليس بمرتد .

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال : من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم ، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار ، إن كان له عمل صالح أحذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ، ثم ألقي في النار . [12] .

فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه . وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال : ما تعدون المفلس فيكم ؟ قالوا : المفلس فينا من لا له درهم ولا دينار ، قال : المفلس من يأتي يوم القيامة وله حسنات أمثال الجبال ، فيأتي وقد شتم هذا ، وأخذ مال هذا ، وسفك دم هذا ، وقذف هذا ، وضرب هذا ، فيقتص هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم طرح في النار . [13] .

وقد قال تعالى : {إن الحسنات يذهبن السيئات} [14] . فدل ذلك على أنه في حال إساءته يعمل حسنات تمحو سيئاته . وهذا مبسوط في موضعه .

والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة ، فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار ، لكن قالت الخوارج . نسميه كافراً ، وقالت المعتزلة : نسميه فاسقاً ، فالخلاف بينهم لفظي فقط . وأهل السنة أيضاً متفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب ، كما وردت به النصوص . لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ، ولا ينفع مع الكفر طاعة ! وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة ، ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة - : تبينت لك فساد القولين ! ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى .

ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا خلافاً لفظياً ، لا يترتب عليه فساد ، وهو : أنه هل يكون الكفر على مراتب ، كفراً دون كفر ؟ كما اختلفوا : هل يكون الإيمان على مراتب ، إيماناً دون إيمان ؟ وهذا اختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى الإيمان : هل هو قول وعمل يزيد وينقص ، أم لا ؟ بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافراً نسميه كافراً ، إذ من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافراً - ولا نطلق عليهما اسم الكفر .

ولكن من قال : إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، قال : هو كفر عملي لا اعتقادي ، والكفر عنده على مراتب ، كفر دون كفر ، كالإيمان عنده .

ومن قال : إن الإيمان هو التصديق ، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان ، والكفر هو الجحود ، ولا يزيدان ولا ينقصان ، قال : هو كفر مجازي غير حقيقي ، إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة .

وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان ، كقوله تعالى : {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [15] ، أي صلاتكم إلى بيت المقدس ، إنها سميت إيماناً مجازاً ، لتوقف صحتها عن الإيمان ، أو لدلالتها على الإيمان ، إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمناً .

ولهذا يحكم بإسلام الكافر إذا صلى صلاتنا . فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب ، إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول وما تواترعنهم أنهم من أهل الوعيد .

ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار ، كالخوارج والمعتزلة . ولكن أراد ما في ذلك التعصب على من يضادهم ، وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه ، والتشنيع عليه ! واذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين ، وأن يجادلوا بالتي هي أحسن ، فكيف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف ؟! قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [16] .

وهنا أمر يجب أن يتفطن له ، وهو : أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة ، وقد يكون معصية : كبيرة أو صغيرة ، ويكون كفراً : إما مجازياً ، وإما كفراً أصغر ، على القولين المذكورين .

وذلك بحسب حال الحاكم : فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب ، وأنه مخير فيه ، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله - : فهذا كفر أكبر . وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعلمه في هذه الواقعة ، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ، فهذا عاص ، ويسمى كافراً كفراً مجازياً ، أو كفراً أصغر . وإن جهل حكم الله فيها ، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه ، فهذا مخطىء ، له أجر على اجتهاده ، وخطؤه مغفور .

وأراد الشيخ رحمه الله بقوله : ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله - مخالفة المرجئة . وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين ، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك . فإن قدامة بن عبد الله [17] شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة ، وتأولوا قوله تعالى : {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} [18] .

فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، اتفق هو و علي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا ، وإن أصروا على استحلالها قتلوا .

وقال عمر لقدامة : أخطأت استك الحفرة ، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر . وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه لما حرم الخمر ، وكان تحريمها بعد وقعة أحد ، قال بعض الصحابة : فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ؟ فأنزل الله هذه الآية . بين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين ، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس . ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك ندموا وعلموا أنهم أخطأوا وأيسوا من التوبة .

فكتب عمر إلى قدامة يقول له :{ حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب } [19] . ما أدري أي ذنبيك أعظم ؟ استحلالك المحرم أولاً ؟ أم يأسك من رحمة الله ثانياً ؟ وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام .


هامش

  1. [الأنعام:68]
  2. [وهو حديث حسن]
  3. [هو في البخاري 12: 66 - 68 من الفتح. وكان في المطبوعة محرفا، فصححناه من البخاري]
  4. [سورة المائدة آية 44]
  5. [متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه]
  6. [متفق عليهما من حديث ابن عمر رضي الله عنه]
  7. [متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه]
  8. [رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه]
  9. [رواه الحاكم بهذا اللفظ]
  10. [سورة البقرة آية 178]
  11. [سورة الحجرات الآيتان 9، 10]
  12. [أخرجاه في الصحيحين]
  13. [رواه مسلم]
  14. [سورة هود آية 114]
  15. [سورة البقرة آية 143]
  16. [سورة المائدة آية 8]
  17. [هكذا ورد في الأصل. والصواب: (قدامة بن مظعون)، كما في سير أعلام النبلاء 1 / 161، والإصابة 3 / 228. ن]
  18. [سورة المائدة آية 93]
  19. [سورة غافر آية 1- 3]
شرح العقيدة الطحاوية
المقدمة | قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له) | (انواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل) | قوله: (ولاشيء مثله) | قوله: (ولا شيء يعجزه) | قوله: (ولا إله غيره) | قوله:(قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء) | قوله: ( لايفنى ولايبيد ) | قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) | قوله: ( لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام ) | قوله: (ولا يشبهه الأنام) | قوله: (حي لا يموت قيوم لا ينام) | قوله: (خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة) | قوله: (مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة) | قوله: (ما زال بصفاته قديما قبل خلقه) | قوله: (ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بأحداثه البرية استفاد اسم الباري) | قوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) | قوله: (وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا) | قوله: (ذلك بأنه على كل شيء قدير) | قوله: (خلق الخلق بعلمه) | قوله: ( وقدر لهم أقدارا ) | قوله: ( وضرب لهم آجالا ) | قوله: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم) | قوله: (وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) | قوله: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته) | قوله: (يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي، فضلا. ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي، عدلا) | قوله: ( وكلهم يتقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله ) | قوله: ( وهو متعال عن الأضداد والأنداد ) | قوله: ( لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره) | قوله: ( آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده) | قوله:(وإن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى) | قوله: (وإنه خاتم الانبياء) | قوله: ( وإمام الاتقياء ) | قوله: ( وسيد المرسلين ) | قوله: (وحبيب رب العالمين) | قوله: (وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى) | قوله:(وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء) | قوله: (وإن القرآن كلام الله ) | قوله: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر) | قوله: (والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية) | قوله:(ولا تثبت قدم الإسلام الا على ظهر التسليم والاستسلام) | قوله: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه) | قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان) | قوله:(ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم) | قوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه) | قوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية) | قوله: ( وتعالى عن الحدود والغايات) | قوله: ( والمعراج حق) | قوله:( والحوض - الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته - حق) | قوله: (والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار) | قوله: ( والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق ) | قوله: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار) | قوله: (وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم) | وقوله: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه) | قوله: (فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى) | قوله: ( ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم ) | قوله: ( فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن) | قوله: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه) | قوله: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه) | قوله:(وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والإعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته) | قوله:(فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً) | وقوله : ( والعرش والكرسي حق ) | قوله:(وهو مستغن عن العرش وما دونه) | قوله:(ونقول: ان الله اتخذ إبراهيم خليلاً ،وكلم الله موسى تكليماً) | قوله:(ونؤمن بالملائكة والنبيين ،والكتب المنزلة على المرسلين) | قوله:(ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين) | قوله : ( ولا نخوض في الله ، ولا نماري في دين الله ) | قوله:(ولا نجادل في القرآن ، ونشهد أنه كلام رب العالمين) | قوله:(ولا نكفرأحداً من أهل القبلة بذنب ، ما لم يستحله) | قوله ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته | قوله والأمن والإياس ينقلان عن ملة الاسلام وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة | قوله ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه | قوله والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان | تابع قوله والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان | تابع أيضا قوله والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان | قوله والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن | قوله وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن | قوله والايمان هو الايمان بالله | قوله ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله | قوله وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون | قوله ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم | قوله ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً | قوله ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق | قوله ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف | قوله ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا | قوله ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة | قوله ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة | قوله ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه | قوله ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الاثر | قوله والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين | قوله ونؤمن بالكرام الكاتبين فإن الله قد جعلهم علينا حافظين | قوله ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين | قوله وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً | قوله ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة | وقوله والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان | قوله والاستطاعة التي يجب بها الفعل | قوله وأفعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد | قوله ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ماكلفهم | قوله وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم للأموات | قوله والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات | قوله ويملك كل شيء ولا يملكه شيء | قوله والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى | وقوله ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم | قوله ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً لأبي بكر الصديق | قوله ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه | قوله ثم لعثمان رضي الله عنه | قوله ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه | قوله وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون | قوله وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة | قوله ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس | قوله وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر | قوله ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام | قوله ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم | قوله ونؤمن بأشراط الساعة | قوله ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة | قوله ونرى الجماعة حقاً وصواباً والفرقة زيغاً وعذاباً | قوله ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام | قوله فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً