تفسير المراغي/سورة النصر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تفسير المراغي
سورة النصر
أحمد مصطفى المراغي



سورة النصر


هي مدنية، وآياتها ثلاث، نزلت بعد سورة التوبة.

ومناسبتها لما قبلها - أنه لما ذكر في السورة السابقة اختلاف دين الرسول الذي يدعو إليه، ودين الكفار الذي يعكفون عليه - أشار في هذه السورة إلى أن دينهم سيضمحل ويزول، وأن الدين الذي يدعو إليه سيغلب عليه، ويكون هو دين السواد الأعظم من سكان المعمورة.

[سورة النصر (110): الآيات 1 الى 3]

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (3)

شرح المفردات

النصر: العون يقال نصره على عدوه ينصره نصرا: أي أعانه، ونصر الغيث الأرض: إذا أعان على إظهار نباتها ومنع من قحطها، قال شاعرهم:

إذا دخل الشهر الحرام فجاوزى بلاد تميم وانصرى أرض عامر

والفتح: الفصل بينه وبين أعدائه وإعزاز دينه وإظهار كلمته، والأفواج: واحدهم فوج وهو الجماعة والطائفة، واستغفره: أي اسأله أن يغفر لك ذنوبك ولقومك الذين اتبعوك، توّابا: أي كثير القبول لتوبة عباده.

المعنى الجملي

كان المؤمنون أيام قلتهم وفقرهم وكثرة عدد عدوهم وقوته، يمر الضجر بنفوسهم ويقضّ مضاجعهم، وكان رسول الله ﷺ يحزن ويضيق صدره، لتكذيب قومه له على وضوح الحق وسطوع البرهان، كما قال تعالى مخاطبا رسوله: « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا » وقال: « فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » وقال: « قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ. فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ».

وفي هذا القلق والضجر استبطاء لنصر الله للحق الذي بعث به نبيّه، بل فيه سهو عن وعد الله بتأييد دينه، كما جاء في قوله: « وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ »؟.

هذا الضجر ليس بنقص يعاب به النبي ﷺ، لكن الله يعدّه على أقرب عباده إليه، كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقد يراه النبي ﷺ إذا رجع إلى نفسه وخرج من غمرة شدته ذنبا يتوب إلى الله منه ويستغفره، ومن ثم ورد الأمر الإلهي بالاستغفار مما كان منه من حزن وضجر في أوقات الشدة حين يجىء الفتح والنصر.

الإيضاح

(إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) أي إذا رأيت نصر الله لدين الحق، وانهزام أهل الشرك وخذلانهم، وفتح الله بينك وبين قومك، بجعل الغلبة لك عليهم، وإعزاز أمرك، وإعلاء كلمتك.

(وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا) أي ورأيت الناس يدخلون في دينك، وينضوون تحت لوائك جماعات لا أفرادا كما كان في بدء أمرك وقت الشدة.

(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي إذا تمّ لك كل ذلك فنزّه ربك وقدّسه عن أن يهمل الحق، ويدعه للباطل يتغلب عليه، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به، بأن يجعل كلمتك العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ويتم نعمته عليك ولو كره الكافرون.

وليكن تنزيهه بحمده على ما أولاك من نعم، وشكره على ما منحك من خير، والثناء عليه بما هو له أهل، فإنه هو القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين، فلن يضيع أجر العاملين.

(وَاسْتَغْفِرْهُ) أي واسأله أن يغفر لك ولمن اتبعك من أصحابك ما كان منهم من القلق والضجر والحزن والأسى لتأخر النصر.

والتوبة من هذا القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد الله، وتغليبها على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد، وإن كان ذلك مما يشق على نفوس البشر، ولكن الله قد علم أن نفس رسوله قد تبلغ ذلك الكمال، ومن ثم أمره به، وهكذا يحدث في نفوس الكملة من أصحابه وأتباعه ما يقارب ذلك، والله يتقبله منهم.

ثم علل طلب الاستغفار بقوله:

(إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا) أي إنه سبحانه كثير القبول لتوبة عباده، لأنه يربى النفوس بالمحن، فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدّد عزيمتها بحسن الوعد، ولا يزال بها حتى تبلغ مرتبة الكمال.

وخلاصة ما سلف - إذا حصل الفتح وتحقق النصر، وأقبل الناس على الدين الحق فقد زال الخوف، فعليك أن تسبّح ربك وتشكره وتنزع عما كان من خواطر النفس وقت الشدة، فلن تعود الشدائد تأخذ نفوس المخلصين من عباده ماداموا على تلك الكثرة، ينزل بساحتهم الإخلاص وتجمعهم الألفة.

وقد فهم النبي ﷺ من هذا أن الأمر قد تمّ، ولم يبق إلا أن يلحق بالرفيق الأعلى، فقال فيما روى عنه: إنه قد نعيت إليه نفسه.

قال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » فعاش بعدها ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزلت: « لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ » فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزلت: « وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما.

وصلّ وسلّم ربّنا على محمد وآله وأصحابه الذين هاجروا وجاهدوا ورابطوا في سبيل الله.

تفسير المراغي
مقدمة التفسير | الفاتحة | البقرة | آل عمران | النساء | المائدة | الأنعام | الأعراف | الأنفال | التوبة | يونس | هود | يوسف | الرعد | إبراهيم | الحجر | النحل | الإسراء | الكهف | مريم | طه | الأنبياء | الحج | المؤمنون | النور | الفرقان | الشعراء | النمل | القصص | العنكبوت | الروم | لقمان | السجدة | الأحزاب | سبأ | فاطر | يس | الصافات | ص | الزمر | غافر | فصلت | الشورى | الزخرف | الدخان | الجاثية | الأحقاف | محمد | الفتح | الحجرات | ق | الذاريات | الطور | النجم | القمر | الرحمن | الواقعة | الحديد | المجادلة | الحشر | الممتحنة | الصف | الجمعة | المنافقون | التغابن | الطلاق | التحريم | الملك | القلم | الحاقة | المعارج | نوح | الجن | المزمل | المدثر | القيامة | الإنسان | المرسلات | النبأ | النازعات | عبس | التكوير | الانفطار | المطففين | الانشقاق | البروج | الطارق | الأعلى | الغاشية | الفجر | البلد | الشمس | الليل | الضحى | الشرح | التين | العلق | القدر | البينة | الزلزلة | العاديات | القارعة | التكاثر | العصر | الهمزة | الفيل | قريش | الماعون | الكوثر | الكافرون | النصر | المسد | الإخلاص | الفلق | الناس | خاتمة التفسير | فهارس الأجزاء