تفسير المراغي/سورة الشعراء

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تفسير المراغي
سورة الشعراء
أحمد مصطفى المراغي



سورة الشعراء


هي مكية نزلت بعد سورة الواقعة إلا آية 197 ومن 224 إلى آخر السورة فمدنية وآيها 227.

وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضّلنى بالحواميم والمفصّل، ما قرأهن نبي قبلي ».

ومناسبتها ما قبلها من وجوه:

(ا) إن فيها بسطا وتفصيلا لبعض ما ذكر في موضوعات سالفتها.

(ب) إن كلتيهما قد بدئت بمدح الكتاب الكريم.

(ح) إن كلتيهما ختمت بإبعاد المكذبين.

[سورة الشعراء (26): الآيات 1 الى 9][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) وما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)

تفسير المفردات

لعل: هنا للاستفهام الذي يراد به الإنكار، وقال العسكري: إنها للنهى، وباخع نفسك: أي مهلكها من شدة الحزن، قال ذو الرمة:

ألا أيها الباخع الوجد نفسه لشيء تحته عن يديه المقادر

وأصل البخع: أن تبلغ بالذّبح البخاع (بكسر الباء) وهو عرق مستبطن فقار الرقبة، وذلك يكون من المبالغة في الذبح، والأعناق: الجماعات، يقال جاءت عنق الناس: أي جماعة منهم، وذكر: أي موعظة، والمراد بالأنباء ما سيحل بهم من العذاب، وزوج: أي صنف، والكريم من كل شيء: المرضي المحمود منه.

الإيضاح

(طسم) تقدم أن بيّنا أن المراد بمثل هذه الحروف المقطعة في أوائل السور التنبيه، فهي أشبه بألا ونحوها من حروف التنبيه، ويا التي للنداء، وتقرأ بأسمائها فيقال طا - سين - ميم.

(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) أي هذه آيات القرآن البين الواضح الذي يفصل بين الحق والباطل، والغي والرشاد.

(لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أي أقاتل نفسك أسفا وحزنا على ما فاتك من إسلام قومك وخوفك ألا يؤمنوا؟

وقد يكون المعنى - لا تبخع نفسك ولا تهلكها أسى وحسرة على إيمانهم.

ونحو الآية قوله: « فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ » وقوله: « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ».

ثم بين سبب النهي عن البخع بقوله:

(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) أي لو شئنا أن ننزل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان وتقسرهم عليه كما نتقنا الجبل فوق قوم موسى حتى صار كالظّلّة فصار جماعاتهم خاضعين منقادين لها كرها - لفعلنا، ولكن جرت سنتنا أن يكون الإيمان اختياريا لا قسريا كما قال: « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ».

ومن ثم نفذ قدرنا، ومضت حكمتنا، وقامت حجتنا، على الخلق بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.

والخلاصة - إن القرآن وإن بلغ في البيان الغاية غير موصّل لهم إلى الإيمان، فلا تبالغ في الأسى والحزن، فإنك إن فعلت ذلك كنت كمن يقتل نفسه ثم لا ينتفع بذلك، فكما أن الكتاب على وضوحه لم يفدهم شيئا، فحزنك عليهم لا يجدى نفعا، وقد كان في مقدورنا أن نلجئهم إلى الإيمان إلجاء، ولكن جرت سنتنا أن يكون الإيمان طوعا لا كرها، ومن جراء هذا أرسلنا رسلنا بالعظات والزواجر، وأنزلنا الكتب لتهديهم إلى سواء السبيل، لكنهم ضلوا وأضلوا، وما ربك بظلام للعبيد.

ثم بين شدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما هم عليه من الكفر والضلال بغير الآيات الملجئة تأكيد الصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلامهم فقال:

(وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) أي وما يجىء هؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون ما أتيتهم به - ذكر من عند ربك لتذكرهم به إلا أعرضوا عن استماعه وتركوا إعمال الفكر فيه ولم يوجهوا همهم إلى تدبره وفهم أسراره ومغازيه، وما كان أحراهم بذلك وهم أهل الذّكن والفطنة، ولكن طمس الله على قلوبهم فأكثرهم لا يعقلون.

وخلاصة ذلك - إنه لا يجدد لهم موعظة وتذكيرا إلا جددوا ما هو نقيض ذلك من إعراض وتكذيب واستهزاء.

ثم أكد إعراضهم بقوله:

(فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أي فقد كذب هؤلاء المشركون بالذكر الذي أتاهم من عند الله، ثم انتقلوا من التكذيب إلى الاستهزاء، وسيحل بهم عاجل العذاب وآجله في الدنيا والآخرة كما قال: « وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ » وقال: « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ».

ونحو الآية قوله: « يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ».

وقصارى ذلك - إنهم كذبوا بما جئتهم به من الحق، وإنه سيأتيهم لا محالة صدق ما كانوا يستهزئون به من قبل بلا تدبر ولا تفكير في العاقبة.

وبعد أن بين أنهم أعرضوا عن الآيات المنزلة من عند ربهم - ذكر أنهم أعرضوا عن الآيات التي يشاهدونها في الآفاق فقال:

(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ؟) أي أهم أصروا على ما هم عليه من الكفر بالله وتكذيب رسوله ولم يتأملوا في عجائب قدرته ولم ينظروا في الأرض وكثرة ما فيها من أصناف النبات المختلفة الأشكال والألوان مما يدل على باهر القدرة وعظيم سلطان ذلك العلى الكبير؟

والخلاصة - كيف اجترءوا على مخالفة الرسول وتكذيب كتابه، وإلهه هو الذي خلق الأرض وأنبت فيها الزرع والثمار والكروم على ضروب شتى وأشكال مختلفة تبهر الناظرين وتسترعي أنظار الغافلين.

ثم بين أنهم قوم فقدوا وسائل الفكر، وعدموا التأمل والنظر في الأكوان، ومن ثمّ فهم جاحدون فقال:

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي إن في ذلك الإنبات على هذه الأوضاع البديعة لدلالات لأولى الألباب على قدرة خالقه على البعث والنشور، فإن من أنبت الأرض بعد جدبها وجعل فيها الحدائق الغناء والأشجار الفيحاء لن يعجزه أن ينشر فيها الخلائق من قبورهم، ويعيدهم سيرتهم الأولى، ولكن أكثر الناس غفلوا عن هذا، فجحدوا بها وكذبوا بالله ورسله وكتبه، وخالفوا أوامره، واجترحوا معاصيه، ولله در القائل:

تأمل في رياض الورد ونظر إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات على أهدابها ذهب سبيك

على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

والخلاصة - إن في هذا وأمثاله لآية عظيمة، وعبرة جليلة، دالة على ما يجب الإيمان به، ولكن ما آمن أكثرهم مع موجبات الإيمان، بل تمادوا في الكفر والضلالة، وانهمكوا في الغي والجهالة.

وفي هذا ما لا يخفى من تقبيح حالهم، وبيان سوء مآلهم.

ثم بشره بنصره وتأييده وغلبته لأعدائه وإظهاره عليهم فقال:

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي وإن ربك أيها الرسول الكريم لهو الغالب على أمره والقادر على كل ما يريد، وسينتقم لك من هؤلاء المكذبين على تكذيبهم بك وإشراكهم بي وعبادتهم للأوثان والأصنام، وهو ذو الرحمة الواسعة بمن تاب من كفره ومعصيته، فلا يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته بل يغفر له حوبته.

والخلاصة - إن ربك عزّ كل شيء وقهره، ورحم خلقه، فلا يعجل بعقاب من عصاه، بل يؤجله وينظره لعله يرعوى عن غيه، فإن تمادى أخذه أخذ عزيز مقتدر.

قصص موسى عليه السلام[عدل]

[سورة الشعراء (26): الآيات 10 الى 22][عدل]

وإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (17) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19) قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22)

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه سوء حال المشركين وشدة عنادهم وقبيح لجاجهم - سلى رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك بأن قومه ليسوا ببدع في الأمم وأنه ليس بالأوحد في الأنبياء المكذبين، فقد كذّب موسى من قبلك على ما أتى به من باهر الآيات، وعظيم المعجزات، ولم تغن الآيات والنذر فحاق بالمكذبين ما كانوا به يستهزئون، وأخذهم الله بذنوبهم وأغرقهم في اليم جزاء اجتراحهم للسيئات، وتكذيبهم بعد ظهور المعجزات، وما ربك بظلام للعبيد.

الإيضاح

(وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. قَوْمَ فِرْعَوْنَ) أي واذكر لقومك وقت ندائه تعالى موسى عليه السلام من جانب الطور الأيمن، وأمره له بالذهاب إلى أولئك القوم الظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي، والظالمين لبني إسرائيل باستعبادهم وذبح أبنائهم - قوم فرعون ذي الجبروت والطغيان، والعتوّ والبهتان، ليكون لهم في ذلك عبرة لو تذكروا، فيرعووا عن غيهم، ويثوبوا إلى رشدهم، حتى لا يحيق بهم ما حاق بأولئك المكذبين من قبلهم، إذ ابتلعهم اليم وأغرقوا جميعا.

ولا شك أن الأمر بذكر الوقت إنما هو ذكر لما جرى فيه كما أسلفنا من قبل.

ثم أتبع ذكر إرساله عليه السلام إنذارهم وتسجيل الظلم عليهم وتعجيب موسى من حالهم التي بلغت غاية الشناعة ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم وحذرهم من أيام الله فقال:

(أَلا يَتَّقُونَ؟) أي قال الله لموسى: ألا يتقى هؤلاء القوم ربهم ويحذرون عاقبة بغيهم وكفرهم به.

فأجاب موسى عن أمر ربه الإتيان إليهم متضرعا إليه:

(قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي) أي قال موسى: رب إني أخاف تكذيبهم إياي، فيضيق صدرى تأثرا منه ولا ينطلق لساني بأداء الرسالة، بل يتلجلج بسبب ذلك، كما يرى أن كثيرا من ذوي اللسن والبلاغة إذا اشتد بهم الغم وضاق منهم الصدر تلجلجت ألسنتهم حتى لا تكاد تبين عن مقصدهم.

وفي هذا تمهيد العذر في استدعاء عون له على الامتثال وإقامة الدعوة على أتم وجه، فإن ما ذكر ربما أوجب الإخلال بالدعوة، وعدم إلزام الحجة ومن ثم قال:

(فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ) أي فأرسل جبريل عليه السلام إلى هرون، واجعله نبيا، وآزرنى به واشدد به عضدى، فبإرساله تحصل أغراض الرسالة على أتم وجه.

ثم ذكر سببا آخر في الحاجة إلى طلب العون وهو خوفه أن يقتل قبل تبليغ الرسالة فقال:

(وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) أي ولهم علي تبعة جرم بقتل القبطي خباز فرعون بالوكزة التي وكز بها، فأخاف إن أنا جئتهم وحدى أن يقتلونى من جرّاء ذلك - وهذا اختصار لما بسط من القصة في موضع آخر.

ومقصده عليه السلام بهذا طلب دفع بلوى قتله، خوف فوت أداء الرسالة ونشرها بين الملأ كما هو دأب أولى العزم من الرسل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوقع مثل هذا حتى نزل قوله تعالى: « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ».

وفي هذا إيماء إلى أن الخوف قد يحصل من الأنبياء كما يحصل من غيرهم.

والخلاصة - إن موسى طلب من ربه أمرين: دفع الشر عنه، وإرسال هرون معه، فأجابه إليهما.

(قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) أي قال له: لا تخف من شيء من ذلك، فاذهب أنت وأخوك متعاضدين إلى ما أمرتكما به مؤيّدين بآياتنا الدالة على صدقكما، وإني ناصركما ومعينكما عليه، وهذا كقوله: « إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ».

(فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ) أي فأتياه وقولا له: إن الله أرسلنا إليك لتطلق سبيل بني إسرائيل وتخلّيهم وشأنهم، ليذهبوا إلى الأرض المقدسة موطن الآباء والأجداد التي وعدنا الله بها على ألسنة رسله، وكانوا قد استعبدوا أربعمائة سنة.

قال القرطبي: فانطلقا إلى فرعون فلم يأذن لهما سنة في الدخول عليه ا هـ.

ووحّد الرسول هنا ولم يثنه كما جاء في قوله: « إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ » لأن رسولا يستعمل للمفرد وغيره كما قال الشاعر:

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسرّ ولا أرسلتهم برسول

كما يستعمل كذل عدوّ وصديق كما جاء في قوله: « فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ».

فأجابه فرعون على وجه التفريع والازدراء وذكر أمرين كما حكى سبحانه عنه:

(1) (قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ستين؟) أي أبعد أن ربيناك في بيوتنا ولم نقتلك في جملة من قتلنا، وأنعمنا عليك بنعمنا ردحا من الزمن تقابل ا لإحسان بكفران النعمة، وتواجهنا بمثل تلك المقالة؟.

روي أنه لبث فيهم ثماني عشرة سنة، وقيل ثلاثين سنة.

(2) (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) أي وقتلت ذلك القبطي الذي وكزته وهو من خواصى، فكنت من الجاحدين لنعمتى عليك من التربية والإحسان إليك.

وخلاصة ما سلف - إنه عدد نعماءه عليه أولا من تربيته وإبلاغه مبلغ الرجال ثم بتوبيخه بما جرى على يديه من قتل خبازه وهو من خواصه، وهو بهذا أيضا يكون قد كفر نعمته وجحد فضله.

فأجاب موسى عن الأمر الثاني، وترك أمر التربية، لأنها معلومة مشهورة، ولا دخل لها في توجيه الرسالة، فإن الرسول إذا كان معه حجة ظاهرة على رسالته تقدم بها إلى المرسل إليهم، سواء أكانوا أنعموا عليه أم لم ينعموا.

(قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) أي قال موسى مجيبا فرعون: فعلت هذه الفعلة التي ذكرت وهي قتل القبطي وأنا إذ ذاك من الجاهلين بأن وكزني تأتى على نفسه، فإني إنما تعمدت الوكز للتأديب، فأدى ذلك إلى القتل.

(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي فخرجت هاربا منكم حين توقعت مكروها يصيبنى حين قيل لي: « إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ » فوهب لي ربى علما بالأشياء على وجه الصواب، وجعلنى من المرسلين من قبله لهداية عباده وإرشادهم إلى النجاة من العذاب.

وخلاصة ما قال - إن القتل الذي توبخنى به لم يكن مقصودا لي، بل كنت أريد بوكزه التأديب فحسب، فلا أستحق التخويف الذي أوجب فرارى، وإن أنتم أسأتم إلي فقد أحسن إلي ربى فوهب لي فهم الأمور على حقائقها وجعلنى من زمرة عباده المخلصين.

ثم بين له أنه وإن أسدى النعمة إليه فقد أساء إلى شعبه عامة فقال:

(وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) يقال عبّدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبدا، وتمنّ من المنة بمعنى الإنعام: أي وما أحسنت إلي وربيتنى إلا وقد أسأت إلى بني إسرائيل جملة، فجعلتهم عبيدا وخدما تصرفهم في أعمالك وأعمال رعيتك الشاقة.

وخلاصة ذلك - أفيفي إحسانك إلى رجل منهم بما أسأت به إلى مجموعهم؟ فهو ليس بشىء إذا قيس بما فعلته بالشعب أجمع، وكأنه قال: إن هذا ليس بنعمة، لأن الواجب عليك ألا تقتلهم ولا تستعبدهم فإنهم قومي، فكيف تذكر إحسانك إلي على الخصوص، وتنسى استعباد الشعب كله.

[سورة الشعراء (26): الآيات 23 الى 31][عدل]

قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)

الإيضاح

لما دخل موسى وهرون على فرعون وقالا له: إنا رسولا رب العالمين أرسلنا إليك لهدايتك إلى الحق وإرشادك إلى طريق الرشد، وغلباه بالحجة رجع إلى معارضة موسى في قوله: رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ».

(قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ؟) أي قال لموسى: إنك تدّعى أنك رسول من رب العالمين فما هو؟ إذ كان قد قال لقومه: « ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ».

فأجابه موسى عن سؤاله:

(قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أي قال: رب العالمين هو خالق العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلى وما فيه من بحار وقفار وجبال وأشجار وحيوان ونبات وما بين ذلك من هواء وطير، إن كانت لكم قلوب موفقة، وأبصار نافذة.

حينئذ عجب فرعون من كلام موسى والتفت إلى الملأ حوله معجّبا لهم من ذلك المقال.

(قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ؟) أي التفت فرعون إلى الملأ والرؤساء من حوله وقال لهم على سبيل التهكم والاستهزاء: ألا تعجبون من مقالته وزعمه أن لكم إلها غيري؟

ثم زاد موسى وصف إلههم إيضاحا وبيانا.

(قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) أي قال: إنه هو خالقكم وخالق من قبلكم من آبائكم وأجدادكم.

وقد انتقل بهم موسى من النظر في الآفاق وما فيها من باهر الأدلة إلى النظر في الأنفس وما فيها من عجيب الصنع، فإن التناسل المستمر في النبات والحيوان والإنسان وما فيها من العجائب لأوضح دلالة من النظر في الآفاق.

ولما لم يستطع ردا لما جاء به أورد ما يشككّ قومه في حسن تقديره للأمور وفهمه لما يقول:

(قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) أي قال فرعون لقومه: إن رسولكم لا عقل له، إذ يقول قولا لا نعرفه ولا نفهمه، فهو يدّعى أن ثمّة إلها غيري.

ثم وصف موسى الإله بأنه. خالق الأكوان، ورب الزمان والمكان.

(قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي قال موسى: إن ربكم هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها مع انتظام مداراتها، وتغير المشارق والمغارب كل يوم، إن كان لكم عقول تفقهون بها ما يقال لكم، وتسمعون بها ما تسمعون، إذ في كل ذلك أدلة على أن هناك إلها مصوّرا صوّر هذه العوالم كلها وأبدعها وزيّنها ورتبها ونظّمها على أحسن النظم.

وقد لاينهم أوّلا وعاملهم بالرفق حيث قال لهم: إن كنتم موقنين، ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وأغلظ لهم في الرد وعارضهم بمثل مقالهم بقوله إن كنتم تعقلون، لأنه أوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه.

ولما قامت الحجة على فرعون عدل إلى القهر واستعمال القوة ولبس لموسى جلد التمر كما حكى سبحانه عنه.

(قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) أي قال له: لأجعلنّك في زمرة الذين في سجونى على ما تعلم من فظاعة أحوالها، وشديد أهوالها، وكانت سجونه أشد من القتل، لأنه إذا سجن أحدا لم يخرجه حتى يموت، وكان يطرحه في هوّة عميقة تحت الأرض وحده، وفى توعده بالسجن ضعف منه، لما يروى أنه كان يفزع من موسى فزعا شديدا.

وحينئذ اضطر موسى أن يترك الأدلة العقلية وراءه ظهريّا، ويلجأ إلى المعجزات، وخوارق العادات.

(قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ؟) أي أتفعل هذا ولو جئتك بحجة بينة على صدق دعواى، وهي المعجزة الدالة على وجود الإله القادر وحكمته، وعلى صدق دعوى من ظهرت على يديه.

وحين سمع فرعون هذا الكلام من موسى.

(قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في دعوى الرسالة، فإن من يدّعى النبوة لا بد له من حجة على صدق ما يدعى، وقد أمره بذلك ظنا منه أنه يقدر على معارضته.

[سورة الشعراء (26): الآيات 32 الى 37][عدل]

فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (35) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)

تفسير المفردات

مبين: أي ظاهر أنه ثعبان بلا تمويه ولا تخييل كما يفعل السحرة، الملأ: أشراف القوم، عليم: أي خبير بفن السحر حاذق في تلك الصنعة، فماذا تأمرون؟ أي فبم تشيرون، أرجه وأخاه: أي أخر أمرهما ولا تباغتهما بالقتل خيفة الفتنة، حاشرين: أي اجعل رجال الشرطة يحشرون السحرة.

الإيضاح

(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) أي فبعد أن قال له فرعون مقالته ألقى عصاه فإذا هي ثعبان واضح لا لبس فيه، ولا تخييل ولا تمويه، وقد روd أنها لما صارت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون، فقال: بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت.

وقد جاء في آية أخرى « كَأَنَّها جَانٌّ » والجان الصغير من الحيات، تشبيها لها به من جراء الخفة والسرعة.

ولما أتى موسى بهذه الآية قال له فرعون: هل هناك غيرها؟ قال نعم.

(وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) أي وأدخل يده في جيبه ثم أخرجها فإذا هي تضىء الوادي من شدة نورها، وكأنها فلقة قمر، قال ابن عباس: أخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين، لها شعاع كشعاع الشمس يكاد يعشى الأبصار ويسدّ الأفق.

ولما رأى فرعون هذه الحجج بادر بالتكذيب والعناد وذكره لأشراف قومه أمورا ثلاثة:

(1) (قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) أي قال لرؤساء دولته وأشراف قومه الذين حوله ليروّج عليهم بطلان ما يدّعيه موسى: إن هذا الرجل لبارع في السحر حاذق في الشعوذة، ومراده من هذا أن ما ظهر على يديه إنما هو من قبيل السحر لا من وادي المعجزات.

ثم هيّجهم وحرضهم على مخالفته والكفر به والتنفير منه بقوله:

(2) (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ) أي يريد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا السحر، فيكثر أعوانه وأتباعه، ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم.

(3) (فَما ذا تَأْمُرُونَ) أي فأشيروا علي ماذا أصنع؟ وبم أدافعه عما يريد؟ ومثل هذا القول يوجب جذب القلوب والتضافر في مكافحة العدو والتغلب عليه جهد المستطاع.

قال المفتي أبو السعود: بهره سلطان المعجزة وحيره حتى حطه من ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض الخضوع لعبيده في زعمه، والامتثال لأمرهم، أو إلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم بعد ما كان مستقلا بالرأي والتدبير، وأظهر استشعار الخوف من استيلائه على ملكه، ونسبه إلى إخراجهم من الأرض لتنفيرهم منه.

(قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) أي قالوا: أخّر البت في أمرهما، ولا تعاجلهما بالعقوبة، حتى تجمع لهما من مدائن مملكتك، وأقاليم دولتك، كل سحار عليم، ثم تقابلهم به وجها لوجه ويأتون من ضروب السحر ما يستطيعون به التغلب عليه، فتكون قد قابلت الحجة بالحجة وقرعت الدليل بمثله، ويكون لك النصر والتأييد عليه، وتجتذب قلوب الشعب إليك.

وقد كان هذا من تسخير الله تعالى له، ليجتمع الناس في صعيد واحد وتظهر آيات الله وحججه للناس في وضح النهار جهرة.

روي أن فرعون أراد قتله فقال له الملأ: لا تفعل. فإنك إن قتلته أدخلت على الناس شبهة في أمره، وأشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون له كل سحار عليم، ظنا منهم أنهم إذا كثروا غلبوه على أمره، وتم لفرعون الغلب.

فأخذ بمشورتهم وأجابهم إلى طلبتهم.

[سورة الشعراء (26): الآيات 38 الى 51][عدل]

فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (41) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (48) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)

تفسير المفردات

الميقات: ما وقت به أي حدد من مكان وزمان ومنه مواقيت الإحرام، واليوم المعلوم: هو يوم الزينة الذي حدده موسى في قوله موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى، وعزة فرعون: أي قوته التي يمتنع بها من الضيم، تلقف: أي تبتلع بسرعة، يأفكون: أي يقلبونه عن وجهه وحقيقته بكيدهم وسحرهم، من خلاف: أي بقطع الأيادى اليمنى والأرجل اليسرى، لا ضير: أي لا ضرر علينا فيما ذكرت، منقلبون: أي راجعون.

المعنى الجملي

ذكر سبحانه هذه المناظرة بين موسى عليه السلام والقبط في سورة الأعراف وسورة طه وفى هذه السورة.

وخلاصتها - إن فرعون وقومه أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وذلك شأن الإيمان والكفر والحق والباطل ما تقابلا إلا غلب الإيمان الكفر: « بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ » ومن ثم لما جاء السحرة وقد جمعوهم من أقاليم مصر العليا وكانوا أبرع الناس في فن السحر وأشدهم خداعا وتخيلا، وكانوا جمعا كثيرا وجما غفيرا أحضروا مجلس فرعون، فطلبوا منه الأجر إن هم غلبوا، فأجابهم إلى ما طلبوا، وزادهم عليه أن سيجعلهم من بطانته ومن المقربين إليه، ولكن المناظرة انتهت بغلبة موسى لهم وهزيمة من استنصر بهم، وإيمانهم بموسى، وحينئذ عاد إلى المكابرة والعناد، وشرع يتهدد السحرة ويتوعدهم ويقول: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) ولكن ذلك لم يردّهم إلا إيمانا وتسليما، لعلمهم ما جهله قومهم من أن هذا لا يصدر عن بشر إلا إذا أيده الله وجعله حجة على صدق ما يدّعى، ومن ثمة قالوا له بعد أن توعدهم بقطع الأيدي والأرجل: إن ذلك لا يضيرنا، وإن المرجع إلى الله، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا، وإنا لنرجو أن يغفر لنا خطايانا، لأنا سبقنا قومنا من القبط إلى الإيمان، ويروى أنه قتلهم جميعا.

الإيضاح

(فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) أي إن الملأ بعد أن أشاروا على فرعون بتأخير البت في أمر موسى، وبان من الخير له أن يجمع السحرة، ليظهر عند حضورهم فساد قوله - رضى بما أشاروا به واستقر عليه الرأي وأحب أن تقع المناظرة في يوم عيد لهم، لتكون بمحضر الجمّ الغفير من الناس، ويتم الله نوره ويظهر الحق على الباطل بلطفه وفضله.

(وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) أي وقيل للناس حثا لهم على المبادرة إلى الاجتماع ومشاهدة ما يكون من الجانبين: هل أنتم مجتمعون في ذلك الميقات لتروا ما سيكون في ذلك اليوم المشهود، وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور، وقد طلب أن يكون ذلك بمجمع من الناس لئلا يؤمن بموسى أحد منهم، فوقع من موسى الموقع الذي يريده، لأنه يعلم أن حجة الله هي الغالبة، وحجة الكافرين هي الداحضة، وفى ظهور حجة الله بمجمع من الناس زيادة في الاستظهار للمحقين، وقهر للمبطلين.

(لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ) أي إنا نرجو أن يكون لهم الغلبة فنتبعهم ونستمر على دينهم ولا نتبع دين موسى.

(فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ؟ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي فلما جاء السحرة مجلس فرعون طلبوا منه الإحسان ببذل المال والتقرب إليه إن هم غلبوا، فأجابهم إلى ما طلبوا وزاد على هذا أن وعدهم بأنهم سيكونون من جلسائه وخاصة بطانته.

بعدئذ عادوا إلى مقام المناظرة وقالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين.

(قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ. فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ) أي قال لهم موسى ألقوا ما تريدون إلقاءه، مما يكون حجة لكم على إبطال ما أدعيه من المعجزات فألقوا ما معهم من الحبال والعصى وقد كانت مطليّة بالزئبق، والعصي مجوّفة مملوءة به، وقالوا بقوة فرعون وجبروته: إنا لنحن الغالبون، فلما حميت حرارة الشمس اشتدت حركتها وصارت كأنها حيات تدبّ من كل جانب، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم.

وجاء في سورة طه: « فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ».

وقد استفرغوا الوسع وقاموا بما ظنوا أن فيه الكفاية بل ما فوقها وأن النصر قد كتب لهم.

(فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) أي وحين ألقى موسى عصاه ابتلعت ما كانوا يقلبون صورته وحاله الأولى بتمويههم وتخييل الحبال والعصى أنها حيات تسعى.

وجاء في آية أخرى: « فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ».

وقد قامت الحجة لموسى عليهم واستبان لهم أن هذا ليس من متناول أيديهم كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله:

(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ) أي فخروا سجد الله، لأنهم قد علموا أن هذا الذي فعلوه هو منتهى التخييل السحرى، فلما ابتلعت الحية ما زّوروه أيقنوا أن هذا من قدرة فوق ما عرفوا، وما هو إلا من قوة آتية من السماء لتأييد موسى، حينئذ خروا سجدا لله القوى القاهر فوق عباده.

وفي التعبير بالإلقاء إشارة إلى أنهم لم يتمالكوا أنفسهم من الدهش حتى كأنهم أخذوا فطرحوا.

ثم فاهوا بما يجيش في صدورهم، وتنطوى عليه جوانحهم.

(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) أي قالوا: آمنا برب العالمين الذي دعا إليه موسى أول ما تكلم مع فرعون.

وفي هذا إيماء إلى عزل فرعون عن الربوبية، وأن سبب إيمانهم ما أجراه الله على يدي موسى وهرون من المعجزات.

وبعد أن حصحص الحق، وو صح الصبح لذي عينين، لجأ فرعون إلى العناد والمكابرة وشرع يهدّد ويتوعد، ولكن ذلك لم يجد في السحرة شيئا، ولم يزدهم إلا إيمانا وتسليما، إذ كان حجاب الكفر قد انكشف، واستبان لهم نور الحق، وعلمهم ما جهل قومهم، وأن القوة التي تؤيد موسى قوة غيبية قد أيده الله بها، وجعلها دليلا على صدق ما يدّعي.

(قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؟) أي قال لهم: أتؤمنون به قبل أن تستأذنو، وقد كان ينبغي أن تفعلوا ذلك، وألا تفتاتوا علي، فإني أنا الحاكم المطاع؟

ثم التمس لإيمانهم عذرا آخر غير انبلاج الحق، ليعمّى على العامة، ويصرفهم عن وجه الحق فقال:

(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) فأنتم فعلتم ذلك عن مواطأة بينكم وبينه.

ولا شك أن هذا تضليل لقومه، ومكابرة ظاهرة البطلان، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون هو كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر.

ثم توعدهم فقال:

(فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وبال ما فعلتم، وسوء عاقبة ما اجترحتم.

ثم بين ذلك بقوله:

(لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) أي لأقطعنّ اليد اليمنى من كل منكم والرجل اليسرى، ثم لأصلبنكم أجمعين بعد ذلك.

فأجابوه غير مكترثين بقوله، ولا عابثين بتهديده، بأمرين في كل منهما دليل على اطمئنان النفس وبرد اليقين:

(1) (قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) أي قالوا لا ضرر علينا في تنفيذ وعيدك، ولا نبالى به، لأن كل حي لا محالة مائت.

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد

ونحو ذلك قول علي كرم الله وجهه: لا أبالى أوقعت على الموت أم وقع الموت علي؟

(2) (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ؟) أي ولأنا نؤمل أن يغفر لنا ربنا ما فعلنا من السحر، واعتقدناه من الكفر، من أجل أن كنا أول من آمن من الجماعة الذين شهدوا الموقف، انقياد للحق، وإعراضا عن زخرف الدنيا وزينتها.

[سورة الشعراء (26): الآيات 52 الى 68][عدل]

وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (53) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (58) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)

تفسير المفردات

أسرى: سار ليلا، متبعون: أي يتبعكم فرعون وجنوده، والشرذمة: الطائفة القليلة من الناس، غائظون: أي فاعلون ما يغيظنا ويغضبنا، حاذرون: أي من دأبنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور، كنوز: أي أموال كنزوها وخزنوها في باطن الأرض، ومقام كريم: أي قصور عالية ودور فخمة، أورثناها: أي ملكناها لهم تمليك الميراث، مشرقين: أي داخلين في وقت الشروق، تراءى الجمعان: أي تقاربا بحيث رأى كل منهما الآخر، لمدركون: أي سيدر كوننا ويلحقون بنا، كلا: أي لن يدركوكم، انفلق: انشق، الفرق: الجزء المنفرق منه، والطود: الجبل، وأزلفنا: أي قرّبنا. وثمّ: أي هناك، لآية: أي لعظة وعبرة توجب الإيمان بموسى.

المعنى الجملي

أقام موسى بين ظهراني المصريين يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات، فلم يزدهم ذلك إلا عتوا واستكبارا، يرشد إلى ذلك قوله في سورة الأعراف: « وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ » الآيات، ثم أمره الله أن يخرج بني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضى بهم حيث يؤمر، ففعل ما أمر به وخرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حليّا كثيرة.

فلما وصل علم ذلك إلى فرعون أرسل في المدائن حاشرين يجمعون له الجند، ثم قوّى نفسه ونفس أصحابه، بأن وصف بني إسرائيل بالقلة، وأن أفعالهم تضيق بها الصدور، وتوجب الغيظ، وهو مستعد أن يبيدهم بما لديه من قوة وجند، ثم تبعهم هو وجنوده وقت الشروق، فلما تقارب الجمعان خاف أصحاب موسى وقالوا إن فرعون وقومه لاحقون بنا لا محالة. فقال لهم موسى لن يدركوكم وإن ربى سيهديني إلى طريق النجاة وحينئذ أوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضرب فانفلق حتى صار شكل الماء المتراكم كالجبل العظيم، فسار هو وقومه في اليبس حتى جاوزوا البحر من الجانب الآخر، ودخل فرعون وجنوده من الجانب الأول فانطبق البحر عليهم وأغرقوا أجمعون.

وهذه آية كان من حقها أن توجب الاعتبار والعظة فيؤمن به من بقي من المصريين لكنهم لم يفعلوا.

الإيضاح

(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) أي وأوحينا إليه أن سر بعبادي ليلا حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم فلا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على إثركم حين تلجونه، فيدخلون مدخلكم فأطبقه عليهم فيغرقون.

وقد جاء في سفر الخروج من التوراة في الإصحاح الحادي عشر: إن الرب أمر أن يطلب كل رجل من صاحبه، وكل امرأة من صاحبتها أمتعة ذهب وأمتعة فضة، وأن الله سيميت كل بكر في أرض مصر من الإنسان والحيوان، وأمرهم أن يذبح أهل كل بيت شاة في اليوم الرابع عشر من شهر الخروج، وأن يلطخوا القائمتين والعتبة العليا من الدار، وأن يأكلوا اللحم تلك الليلة مشويا بالنار مع فطير، وأمرهم أن يأكلوا بعجلة، ويأكلوا الرأس مع الأكارع والجوف، وهذا هو (فصح الرب) وهذا الدم علامة على بيوت بني إسرائيل حتى يحفظ كل بكر منهم ويتخطاهم الموت إلى أبكار المصريين، ويكون أكل الفطير سبعة أيام، ويكون هذا فريضة أبدية تذكارا بالخروج من مصر من يوم 14 من شهر أبيب إلى 21 من هذا الشهر كل سنة.

وهكذا أمر موسى قومه بذلك، ففعلوا كل هذا ونجا أولادهم، وصار ذلك سنة أبدية.

ولما مات الأبكار من الإنسان والحيوان في جميع بلاد مصر في نصف الليل اشتغل الناس بالأموات، وأخذ بنو إسرائيل غنمهم وبقرهم وعجينهم قبل أن يختمر، ومعاجنهم مصرورة في ثيابهم على أكتافهم، وفعلوا ما أمرهم به الرب، فارتحلوا من رعمسيس إلى سكوت وكانوا ستمائة ألف ماش من الرجال ما عدا الأولاد، وخبزوا العجين الذي أخرجوه من مصر خبز ملّة (فطيرا) ا هـ.

وكانت إقامة بني إسرائيل في مصر 430 سنة، وليلة الخروج هي عيد الفصح عندهم إلى الأبد.

(فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) أي فلما أسرى بهم موسى وأخبر فرعون بما صنعوا، أرسل في مدائن مصر رجالا من حرسه، ليجمعوا الجند فيتبعوهم ويردّوهم إلى مصر، ويعذبوهم أشد التعذيب على ما فعلوا.

ثم قوّى فرعون جنده في اقتفاء آثارهم بأمور:

(ا) (إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) فيسهل اقتفاؤهم وإرجاعهم وكبح جماحهم في الزمن الوجيز.

(ب) (وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ) أي وإنهم بين آونة وأخرى يصدر منهم ما يخل بالأمن، فيحدثون الشغب والاضطراب في البلاد - إلى أنهم ذهبوا بأموالنا التي استعاروها.

(ج) (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) أي وإن لنا أن نحذر عاقبة أمرهم قبل أن يستفحل خطبهم ويصعب رأب صدعهم، ونحن قوم من دأبنا التيقظ والحذر، واستعمال الحزم في الأمور.

والخلاصة - إنه أشار أولا إلى عدم الموانع التي تمنع اتباعهم من قلة وجود الشّوكة لهم، ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم لهم، ووجوب التيقظ في شأنهم حثا منه عليه.

وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن، لئلا يظنّ به ما يكسر من قهره وسلطانه.

وخلاصة مقاله - إن هؤلاء عدد لا يعبأ به، وإن في مقدورنا أن نبيدهم بأهون الوسائل، ولا خوف منهم إذا نحن اتبعنا آثارهم ورددناهم على أعقابهم خاسئين، حتى لا يعودوا كرة أخرى إلى الإخلال بالأمن والهرج والمرج والاضطراب في البلاد، وهذا ما يقتضيه الحزم واليقظة في الأمور.

والذي نجزم به أن بني إسرائيل كانوا أقل من جند فرعون، لكنا لا نجزم بعدد معين، وما في كتب التاريخ والتوراة مبالغات يصعب تصديقها ولا ينبغي التعويل عليها، فخير لنا ألا نشغل أنفسنا باستقصاء تفاصيلها، وقد فنّد ابن خلدون في مقدمة تاريخه هذه الروايات وأبان ما فيها من مغالاة لا يقبلها العقل ولا تثبت أمام البحث العلمي الصحيح.

وقد جازى الله فرعون وجنوده بما أرادوا أن يجازوا به بني إسرائيل فأهلكوا جميعا كما قال:

(فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. كَذلِكَ) أي فأخرجناهم من النعيم إلى الجحيم، وتركوا المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والملك والجاه العظيم الذي لم يسمع بمثله، وقد كان الأمر حقا كما قلنا.

ثم بين ما آل إليه أمر بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر:

(وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) أي وملّكنا بني إسرائيل جنات وعيونا مماثلة لها في أرض الميعاد التي ساروا إليها، وفى هذا بيان لأن حالهم تحوّل من الاستعباد والرقّ إلى الترف والنعيم في الجنات والعيون والمقام الكريم.

ونحو الآية قوله: « وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها ».

(فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) أي فخرجوا من مصر في حفل عظيم وجمع كثير من أولى الحل والعقد من الأمراء والوزراء والرؤساء والجند، فوصلوا إليهم حين شروق الشمس.

ثم ذكر ما عرا بني إسرائيل من الخوف حين رؤيتهم فرعون وقومه.

(فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) أي فلما رأى كل من الفريقين صاحبه قال بنو إسرائيل: إن فرعون وجنوده سيلحقوننا ويقتلوننا، وكانوا قد قالوا لموسى من قبل: إنا قد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، فقد كانوا يذبحون أبناءنا من قبل أن تأتينا، ومن بعد ما جئتنا يدركوننا ويقتلوننا.

والخلاصة - إنا لمتابعون وسنهلك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد لأناقد انتهى بنا السير إلى سيف البحر (ساحله) وقد أدركنا فرعون وجنوده.

فأجابهم موسى وطمأنهم وقوّى نفوسهم.

(قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) أي قال لهم موسى: إنه لن يصلكم شيء مما تحذرون، فإن الله هو الذي أمرني أن أسير بكم إلى هنا، وهو سبحانه لا يخلف وعده، فهو:

(1) سيهديني إلى طريق النجاح والخلاص.

(2) سينصرنى عليهم ويتكفّل بمعونتي.

ثم ذكر سبحانه كيف هداه ونجّاه وأهلك أعداءه فقال:

(فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) أي وأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر فضرب فانفلق فكان كل قطعة من الماء كالجبل العالي وصار فيه اثنا عشر طريقا، لكل سبط منهم طريق وصار فيه طاقات ينظر منها بعضهم إلى بعض، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته فصار يبسا كوجه الأرض كما قال في آية أخرى: « فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى ».

(وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ) أي وقربنا فرعون وجنوده من البحر وأدنيناهم منه.

(وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) أي وأنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم، فلم يهلك منهم أحد، وأغرقنا: فرعون وجنوده ولم نبق منهم أحدا.

والخلاصة - إنه لما خرج أصحاب موسى وتتامّ أصحاب فرعون، انطبق عليهم البحر فأغرقهم جميعا.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أي إن في الذي حدث في البحر لعبرة دالة على قدرته تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام، من حيث كان معجزة له، وتحذيرا من الإقدام على مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثم بيّن أنهم لم تجدهم الآيات والنذر شيئا.

(وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي وإن أكثرهم لم يؤمنوا مع ما رأوا من الآيات العظام والمعجزات الباهرات.

وفي ذلك تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فقد كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات على يديه، فنبهه بهذا الذكر إلى أن له أسوة بموسى عليه السلام، فإن ما ظهر على يديه من المعجزات التي تبهر العقول لم يمنع من تكذيب أكثر القبط له وكفرهم به مع ما شاهدوه في البحر وغيره، وتكذيب بني إسرائيل، فإنهم بعد أن نجوا عبدوا العجل وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.

ثم توعدهم وقال:

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي وإن ربك لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.

وفي هذا بشارة لنبيه بأن النصر سيكتب له، والفوز سيكون حليفه كما قال: « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ».

قصص إبراهيم عليه السلام[عدل]

[سورة الشعراء (26): الآيات 69 الى 82][عدل]

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70) قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)

المعنى الجملي

لما ذكر في أول السورة شدة حزنه صلى الله عليه وسلم على كفر قومه وعدم استجابتهم دعوته، ثم ذكر قصص موسى عليه السلام ليكون في ذلك تسلية له، وليعلم أنه ليس ببدع في الرسل، وأن قومه ليسوا بأول الأمم عنادا واستكبارا، فقد أتى موسى بباهر المعجزات، وعظيم الآيات، ولم يؤمن به من قومه إلا القليل، ولم يؤمن به من المصريين إلا النذر اليسير - أردف ذلك بقصص إبراهيم أبى الأنبياء، وخليل الرحمن، وكليم الله، ليعلم أن حزنه لكفران قومه كان أشد، وآلامه كانت أمض، فهو كان يرى أن أباه وقومه صائرون إلى النار، وهو ليس بمستطيع إنقاذهم، وقد أكثر حجاجهم حتى حجّهم ولم يجد ذلك فيهم شيئا، بل ركنوا إلى التقليد بما ورثوه عن الآباء والأجداد، وقد أبان لهم أثناء حجاجه أن أصنامهم لا تغنى عنهم شيئا، فهي لا تسمع دعاءهم « وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ » ولو سمعت لم تغن عنهم شيئا. ثم ذكر لهم صفات الرّب الذي ينبغي أن يعبد وفصلها أتم التفصيل.

الإيضاح

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ؟) أي واتل على أمتك أخبار إبراهيم إمام الحنفاء، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل على الله وعبادته وحده لا شريك له والتبري من الشرك وأهله، وقد أوتى الرشد من صغره، فهو من حين نشأ وترعرع أنكر على قومه عبادة الأصنام فقال لأبيه وقومه ماذا تعبدون؟ وهو مشاهد راء له، ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة في شرع ولا عقل.

روي أنّ أصنامهم كانت من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب فأجابوه إجابة المفتخر بما يفعل، المزهوّ بجميل ما يصنع.

(قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ) أي قالوا نعبد الأصنام ونقيم على عبادتها طوال ليلنا ونهارنا. وبعد أن أوضحوا له طريقتهم نبههم إلى فساد معتقدهم بسوق الدليل الذي يرشد إلى بطلانه.

(قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟) أي قال لهم: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم فيستجيبوا لكم ببذل معونة أو دفع مصرة؟.

ذاك أن الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجىء إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه ثم يستجيب له ببذل المعونة من جلب نفع أو دفع ضر، فإذا كان ما تعبدونه لا يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم، ولو عرف ما استطاع مدّ يد المعونة، فكيف بكم تستسيغون لأنفسكم أن تعبدوا ما هذه صفته؟.

وحينئذ فلجت حجة إبراهيم ولم يجدوا مقالا يقولونه وكأنما ألقمهم حجرا، فعدلوا عن الحجاج إلى اللجاج، وتقليد الآباء والأجداد، وتلك هي حجة العاجز المغلوب على أمره، الذي أظلم وجه الحق أمامه، ولم يهتد لحجة ولا دليل.

فزاد في تقريعهم وتوبيخهم كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله:

(قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ. قالَ: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ؟ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) أي إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير كما تدّعون، وتستطيع أن تضر وتنفع فلتخلص إلي بالمساءة فإني عدوّ لها، لا أبالى بها ولا آبه بشأنها، ولكن رب العالمين هو ولى في الدنيا والآخرة، ولا يزال متفضلا علي فيهما.

ونحو هذا قول نوح عليه السلام « فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ » وقول هود: « إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ».

ثم وصف رب العالمين سبحانه بأوصاف استحق لأجلها أن يعبد:

(1) (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) أي هو الخالق الذي خلقنى وصورنى فأحسن صورتى، وهو الذي يهديني إلى كل ما يهمنى من أمور المعاش والمعاد هداية تتجدد على جهة الدوام والاستمرار.

(2) (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) أي وهو رازقى بما يسرّ من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء فأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبا زلالا يسقيه ما خلق من الأنعام والأناسى.

(3) (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أي وهو الذي ينعم علي بالشّفاء إذا حصل لي مرض، وأضاف المرض إلى نفسه وهو حادث بقدرة ربه أدبا منه مع ربه كما قالت الجن « وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ».

والخلاصة - إني إذا مرضت لا يقدر على شفائى أحد غيره بما يقدّر من الأسباب الموصلة إلى ذلك.

(4) (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) أي وهو الذي يحيينى ويميتنى ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو، فهو الذي يبدئ ويعيد، وقد يكون المراد بالإحياء البعث بعد الموت، ويؤيده عطفه بثم لا تساع الوقت بين الإماتة والإحياء.

(5) (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أي وهو الذي لا يقدر على غفران الذنوب في الآخرة إلا هو كما قال: « وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ » وسمى إبراهيم ما صدر منه من عمل - هو خلاف الأولى - خطيئة، استعظاما له.

وخلاصة مقاله - إن جميع النعم التي يتمتع بها المرء من النشأة الأولى إلى آخر الدهر هي من الله وحده، ولا قدرة لأصنامكم على شيء منها.

وفي صحيح مسلم عن عائشة « قلت يا رسول الله: ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتى يوم الدين ».

[سورة الشعراء (26): الآيات 83 الى 89][عدل]

رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)

تفسير المفردات

الحكم: هو العلم بالخير والعمل به، واللحوق بالصالحين يراد به التوفيق للأعمال التي توصل إلى الانتظام في زمرة الكاملين المنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها، لسان صدق: أي ذكرا جميلا بين الناس بتوفيقى إلى الطريق الحسنة حتى يقتدى بي الناس من بعدي، وهذا هو الحياة الثانية كما قال: قد مات قوم وهم في الناس أحياء، من ورثة جنة النعيم: أي من الذين يتمتعون بالجنة وسعادتها فيكون ذلك غنيمة لهم كما يتمتع الناس بالميراث في الدنيا، والخزي: الهوان، والقلب السليم: هو البعيد عن الكفر والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة.

المعنى الجملي

بعد أن أثنى إبراهيم على ربه بما أثنى عليه - ذكر مسألته ودعاءه إياه بما ذكره كما هو دأب من يشتغل بدعائه تعالى، فإنه يجب عليه أن يتقدم بالثناء عليه وذكر عظمته وكبريائه، ليستغرق في معرفة ربه ومحبته، ويصير أقرب شبها بالملائكة الذين

يعبدون الله بالليل والنهار لا يفترون، وبذا يستنير قلبه إلى ما هو أرفق به في دينه ودنياه، وتحصل له قوة إلهية تجعله يهتدى إلى ما يريد، ومن ثم جاء في الأثر حكاية عن الله تعالى: « من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ».

الإيضاح

دعا إبراهيم ربه أن يؤتيه من فضله أجمل الأخلاق وأكمل الآداب، فطلب إليه أمورا هي:

(1) (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) أي ائتني معرفة بك وبصفاتك، ومعرفة للحق لأعمل به.

(2) (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) أي ووفقني للعمل في طاعتك، لأنتظم في سلك المقربين إليك، المطيعين لك، وقد أجاب الله دعاءه كما قال: « وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ».

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعائه: « اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدّلين ».

(3) (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) أي وخلّد ذكرى الجميل في الدنيا بتوفيقى لصالح العمل، فأكون قدوة لمن بعدي إلى يوم القيامة، وقد أجاب الله دعاءه كما قال: « وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ».

ومن ثم لا نرى أمة إلا محبة لإبراهيم وتدّعى أنها على ملته، وقد جاء من ذريته كملة الأنبياء وأولو العزم منهم.

وختم ذلك بمجدّد دينه، وداعية الناس إلى التوحيد وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعد أن طلب سعادة الدنيا طلب ثواب الآخرة فقال:

(4) (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) أي واجعلنى ممن يدخلون الجنة ويتمتعون بنعيمها كما يتمتع المالك بما يملكه ميراثا ويئول إليه أمره من شئون الدنيا.

وبعد أن طلب السعادة الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأقرب الناس إليه وهو أبوه فقال:

(5) (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) أي واغفر له ذنوبه، إنه كان ضالا عن طريق الهدى، وهذه الدعوة وفاء بما وعده من قبل كما جاء في آية أخرى: « وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ».

ثم طلب من ربه عدم خزيه وهوانه يوم القيامة فقال:

(6) (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أي ولا تخزنى بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص مرتبتى عن بعض الوارثين.

ثم بين حال هذا اليوم وما فيه من شديد الأهوال فقال:

(يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي يوم لا يقى المر، من عذاب الله المال ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، ولا البنون ولو افتدى بهم جميعا، ولكن ينفعه أن يجىء خالصا من الذنوب وأدرانها، وحب الدنيا وشهواتها، وخص الابن بالذكر لأنه أولى القرابة بالدفع والنفع، فإذا لم ينفع فغيره من القرابة أولى.

قال النسفي: وما أحسن ما رتب عليه السلام من كلامه مع المشركين، حيث سألهم أوّلا عما يعبدون سؤال مقرّر لا مستفهم، ثم أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع، وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلّص منها إلى ذكر الله تعالى، فعظم شأنه، وعدّد نعمه من حين إنشائه إلى وقت وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأدب، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعذابه وما يفعل المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمنى الكرّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا ا هـ.

أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان قال: لما نزلت: « وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ » الآية. وقال بعض أصحاب رسول الله لو علمنا أي المال خير اتخذناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه ».

[سورة الشعراء (26): الآيات 90 الى 104][عدل]

وأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94) وجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)

تفسير المفردات

أزلفت: أي قرّبت، برزت: أي جعلت بارزة لهم بحيث يرون أهوالها، والغاوين: الضالين عن طريق الحق، فكبكبوا: أي ألقوا على وجوههم مرة بعد أخرى من قولهم كبّه على وجهه: أي ألقاه، يختصمون: أي يخاصمون من معهم من الأصنام والشياطين، نسويكم: أي نجعلكم مساوين له في استحقاق العبادة، والصديق: هو الصادق في وده، والحميم: هو الذي يهمه ما أهمك، والكرة: الرجعة.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر أنه لا ينفع في هذا اليوم مال ولا بنون، وإنما ينفع البعد من الكفر والنفاق - ذكر هنا من وصف هذا اليوم أمورا تبين شديد أهواله، وعظيم نكاله.

الإيضاح

ذكر ما يحدث في هذا اليوم مما يبشر بثواب المتقين ونكال الكافرين، ثم قرّعهم على ما اجترحوا من السيئات فقال:

(1) (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي إن الجنة تكون قريبة من موقف السعداء، ينظرون إليها، ويفرحون بأنهم سيحشرون إليها كما جاء في آية أخرى: « وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ».

وفي هذا تعجيل لمسرتهم كفاء ما عملوا لها، ورغبوا عن الدنيا وزخرفها.

(2) (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ) أي وتكون النار بارزة مكشوفة للأشقياء، بحيث تكون بمرأى منهم، يسمعون زفراتها التي تبلغ منها القلوب الحناجر، ويوقنون بأنهم مواقعوها، لا يجدون عنها مصرفا.

وفي هذا تعجيل للغم والحسرة، إذا نسوا في دنياهم هذا اليوم كما جاء في قوله: « وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ».

ثم ذكر أنه يسأل أهل النار تقريعا لهم.

(3) (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ؟) أي أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها؟ هل ينفعونكم بنصرتهم لكم، أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنفسهم؟ لا - إنهم وآلهتهم وقود النار.

والخلاصة - ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من الأصنام والأوثان بمغنية عنكم اليوم شيئا، ولا هي بدافعة عن نفسها شيئا، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون.

ثم ذكر مآلهم بعدئذ فقال:

(4) (فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ. وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) أي فألقى الآلهة والغاوون الذين عبدوها في النار، والشياطين والداعون إلى عبادتها - على رءوسهم أو ألقى بعضهم على بعض.

وتأخير الغاوين في الكبكبة عن آلهتهم ليشاهدوا سوء حالهم، فينقطع رجاؤهم منهم قبل دخول الجحيم.

ثم ذكر ما يحدث من المخاصمة والمحاجة بين الآلهة والغاوين عبدتها والشياطين الذين دعوهم إلى تلك العبادة.

(5) (قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ. تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ. وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) أي قال الغاوون وهم يخاصمون من معهم من الأصنام والشياطين: تالله إننا كنا في ضلال واضح لا لبس فيه حين سويناكم برب العالمين في استحقاق العبادة وعظمناكم تعظيم المعبود الحق، وما أضلّنا إلا المجرمون من الرؤساء والكبراء كما جاء في آية: « رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ».

وخلاصة ذلك - إنهم حين رأوا صور تلك الآلهة اعترفوا بالخطأ العظيم الذي كان منهم وندموا على طاعتهم لأولئك الرؤساء والسادة الذين حملوهم على عبادتها وتعظيم شأنها.

ثم أكّدوا ندمهم على ما فرط منهم وحسرتهم على ما صنعوا.

(فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) أي فليس لنا اليوم شفيع يشفع لنا مما نحن فيه من ضيق أو ينقذنا من هلكة، ولا صديق شفيق بعنيه أمرنا ويودنا ونوده.

ونحو الآية ما جاء في آية أخرى حكاية عنهم: « فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ».

وقد أرادوا بهذا الإخبار إظهار اللهفة والحسرة على فقد الشفيع والصديق النافع، وقد نفوا أولا أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته، ثم ترقّوا ونفوا أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم ويتوجع لهم وإن لم يخلصهم.

والخلاصة - إن الأمر قد بلغ من الهول ما لا يستطيع أحد أن ينفع فيه أدنى نفع.

ثم حكى الله عنهم تمنيهم الرجوع إلى الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله يعلم إنهم لو ردوا لعادوا إلى ما نهوا عنه وإنهم لكاذبون فقال:

(فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي ليت لنا رجعة إلى الدنيا فنعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، حتى إذا متنا وبعثنا مرة أخرى لا ينالنا من العذاب مثل ما نحن فيه.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ)/ 103 أي إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة الحجة عليهم في التوحيد - لآية واضحة جلية على أنه تعالى لا رب غيره، ولا معبود سواه، ومع كل هذا ما آمن به أكثرهم.

وفي هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم على ما يجده من تكذيب قومه له مع ظهور الآيات وعظيم المعجزات.

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي وإن ربك المحسن إليهم بإرسالك لهدايتهم - لهو القادر على الانتقام منهم، الرحيم بهم إذ لم يهلكهم، بل أخّر ذلك وأرسل إليهم الرسل ونصب لهم الشرائع، ليؤمنوا بها هم أو ذريتهم.

قصص نوح عليه السلام[عدل]

[سورة الشعراء (26): الآيات 105 الى 122][عدل]

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)

تفسير المفردات

القوم: اسم لا واحد له من لفظه كرهط ونفر يذكّر ويؤنث، أخوهم: أي أخوّة نسب، كما يقال يا أخا العرب ويا أخاتيم، يريدون يا من هو واحد منهم قال الحماسي:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا

الأرذلون: واحدهم أرذل، والرذالة: الخسة والدناءة، وقد استرذلوهم لا تضاع نسبهم وقلة حظوظهم من الدنيا، من المرجومين: أي من المقتولين رميا بالحجارة، فافتح: أي احكم من الفتاحة بمعنى الحكومة، والفلك: يستعمل واحدا وجمعا، المشحون: أي المملوء

المعنى الجملي

بعد أن قص على رسوله صلى الله عليه وسلم قصص أبيه إبراهيم وما لقيه من تكذيب قومه له مع ما أرشدهم إليه من أدلة التوحيد وما حجهم به من الآيات - أردف هذا بقصص الأب الثاني وهو نوح عليه السلام، وفيه ما لا فاه من قومه من شديد التكذيب لدعوته وعكوفهم على عبادة الأصنام والأوثان وأنه مع طول الدعوة لهم لم يزدهم ذلك إلا عتوّا واستكبارا، وقد كان من عاقبة أمرهم ما كان لغيرهم ممن كذبوا رسل ربهم بعد أن أملى لهم بطول الأمد: « وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ » فأغرقهم الطوفان ولم ينج منهم إلا من حملته السفينة.

وهذا القصص مجمل تقدم تفصيله في سورتى الأعراف وهود، وسيأتي بسطه أتم البسط في سورة نوح.

الإيضاح

(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ؟) أي كذبت قوم نوح رسل الله حين قال لهم أخوهم نوح: ألا تتقون الله فتحذروا عقابه على كفركم به وتكذيبكم رسله؟.

وجعل تكذيب نوح تكذيبا للرسل جميعا، لأن تكذيبه يتضمن تكذيب غيره منهم إذ طريقتهم لا نختلف فهي في كل مكان وزمان الدعوة إلى التوحيد وأصول الشرائع.

وقد حكى سبحانه عن نوح أنه خوفهم أوّلا بقوله: ألا تتقون؟ لأن القوم إنما قبلوا تلك الأديان تقليدا، والمقلد إذا خوّف خاف، وما لم يستشعر بالخوف لا يشتغل بالاستدلال والنظر.

وقد وصف نوح نفسه بأمرين:

(1) (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) أي إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني به، أبلغكم رسالاته، لا أزيد فيها، ولا أنقص منها.

(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) أي خافوا عقاب الله وأطيعونى فيما آمركم به من التوحيد، وقدّم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن التقوى هي ملاك الأمر كله في هذه الحياة وكرر الأمر بها لأنها العمدة في جميع الأعمال، فيجب على العامل ملاحظتها إذا أراد الإحسان وتجويد العمل.

(2) (وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) أي لا أطلب منكم جزاء على نصحى لكم، بل أطلب ثواب ذلك من عند الله.

(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) فقد وضح الأمر لكم، وبان نصحى وأمانتى فيما بعثني الله به وائتمنى عليه، وسبب التكرير ما علمته من قبل، ونظير هذا ما يقول الوالد لولده: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرا؟ ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيرا؟.

وبعد أن أقام الدليل على صدق رسالته وعظيم نصحه وأمانته لهم أرادوا أن يتنصلوا من اتباع دعوته بحجة هي أوهى من بيت العنكبوت.

(قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ؟) أي قالوا كيف نتبعك ونصدّقك ونؤمن بك ونأتسى بهؤلاء الأراذل الذين اتبعوك؟ ومرادهم أن هذا لن يكون أبدا وهذه شبهة لا ينبغي لعاقل أن يركن إليها، لأن نوحا عليه السلام بعث إلى الخلق كافة، لا بارق بين غنى وفقير، وصعلوك وأمير، ولا بين ذوي البيوتات والحسب، وذوي الوضاعة والخسة في النسب، فليس له إلا اعتبار الظواهر، دون التفتيش والبحث عن البواطن، ومن ثم أجابهم:

(قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ؟) أي وأي شيء يعلمنى ما كان يعمل أتباعي؟ إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه، فمن أظهر الحسن ظننت به حسنا، ومن أظهر السوء ظنت به ذلك، ولم أكلّف العلم بأعمالهم، وإنما كلّفت أن أدعوهم إلى الإيمان والاعتبار به لا بالحرف والصناعات والفقر والغنى، وهم كأنهم يقولون إن إيمان هؤلاء لم يكن عن نظر صحيح. بل لتوقع مال ورفعة.

ثم أبان أن أمر جزائهم وحسابهم على ربهم لا عليه، فلا يعنيه استقصاء أحوالهم فقال:

(إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ) أي ما حسابهم على ما تحويه سرائرهم إلا على ربهم المطّلع عليها لو كنتم من ذوي الشعور والعقل.

ولما جعلوا من موانع إيمانهم اتباع هؤلاء الأراذل كانوا كأنهم طلبوا طردهم فقال:

(وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) أي وما أنا بطارد من آمن بالله واتبعني وصدق بما جئت به من عند الله.

ثم بين وظيفة الرسول فقال:

(إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي إنما بعثت منذرا ومخوّفا بأس الله وشديد عذابه، فمن أطعنى كان مني وأنا منه، شريفا كان أو وضيعا، جليلا كان أو حقيرا.

ولما أجابهم بهذا الجواب وأيسوا مما راموا لجئوا إلى التهديد.

(قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) أي قال قوم نوح له: لئن لم تنته عما تدعو إليه من الطعن في آلهتنا لنرجمنك بالحجارة ولنقتلنك بها.

ولما طال مقامه بين ظهرانيهم، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، سرا وإعلانا، وكلما كرر عليهم الدعوة صمّوا آذانهم وصمموا على تكذيبه وتمادوا في عتوّهم واستكبارهم - استغاث بربه وطلب منه أن يحكم بينه وبينهم وأن يهلكهم كما أهلك المكذبين من قبلهم لرسلهم وينجيه والمؤمنين به.

(قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ. فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي إن قومي كذبونى فيما أتيتهم به من الحق من عندك، فاحكم بيني وبينهم حكما تهلك به المبطل وتنتقم منه وتنصر به الحق وأهله.

وجاء في آية أخرى « فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ».

وفي ذلك إيماء إلى طلب إنزال العذاب بهم كما يرشد إلى ذلك قوله: (وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

فأجاب الله دعاءه كما قال:

(فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ) أي فأنجينا نوحا ومن اتبعه على الإيمان بالله وطاعة رسوله، وأغرقنا من كفر به وخالف أمره.

وفي قوله - المشحون - إيماء إلى كثرتهم وأن الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم، وقد روى أنهم كانوا ثمانين، أربعين رجلا وأربعين امرأة.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أي إن في إنجاء المؤمنين وإنزال سطوتنا وبأسنا بالكافرين لعبرة وعظة لقومك المصدقين منهم والمكذبين، على أن سنتنا إنجاء رسلنا وأتباعهم إذا نزلت نقمتنا بالمكذبين من قومهم، وكذلك هي سنتى فيك وفى قومك.

(وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي ومع كل ما حذر به نوح وأنذر لم يؤمن به إلا القليل، وفى هذا إيماء إلى أنه لو كان أكثرهم مؤمنين لما عوجلوا بالعقاب.

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي وإن ربك لهو العزيز في انتقامه ممن كفر به وخالف أمره، الرحيم بالتائب منهم أن يعاقبه بعد توبته.

قصص هود عليه السلام[عدل]

[سورة الشعراء (26): الآيات 123 الى 140][عدل]

كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)

تفسير المفردات

عاد: اسم أبى القبيلة الأكبر، ويعبر عن القبيلة إذا كانت عظيمة باسم الأب أو بيني فلان أو آل فلان، والريع (بالفتح والكسر) المكان المرتفع، ويقال كم ريع أرضك أي ارتفاعها، آية: أي قصرا مشيدا عاليا، تعبثون: أي تفعلون العبث، وما لا فائدة فيه، مصانع: أي قصورا مش يدة وحصونا منيعة، ولعل هنا معناها التشبيه أي كأنكم تخلدون، والبطش: الأخذ بالعنف، والجبار: المتسلط العاتي بلا رأفة ولا شفقة، أمدكم: أي سخر لكم، والوعظ: كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد، خلق الأولين: أي عادتهم التي كانوا بها يدينون، ونحن بهم مقتدون: نموت ونحيا بلا حساب ولا بعث.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر قصص نوح وقومه وأن نوحا دعاهم وحذرهم عقاب الله وطال عليه المطال ولم يزدهم ذلك إلا عتوّا ونفورا، فدعا ربه فأخذهم الطوفان وهم ظالمون - أردف هذا قصص هود عليه السلام مع قومه عاد، وكانوا بعد قوم نوح كما قال في سورة الأعراف « وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ». يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل القريبة من حضرموت ببلاد اليمن وكانت لهم أرزاق دارّة وأموال، وجنات وأنهار وزروع وثمار، وكانوا يعبدون الأصنام والأوثان، فبعث الله فيهم نبيّا منهم يبشرهم وينذرهم ويدعوهم إلى عبادة الله وحده ويحذّرهم نقمته وعذابه، فكذبوه فأهلكهم كما أهلك المكذبين لرسله.

الإيضاح

(كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) جاءت هذه المقالة على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب للتنبيه إلى أن بعثة الأنبياء أسّها الدعاء إلى معرفة الله وطاعته فيما يقرب المدعو إلى الثواب ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء مجمعون على ذلك وإن اختلفوا في تفصيل الأحكام تبعا لاختلاف الأزمنة والعصور، وأن الأنبياء منزّهون عن المطامع الدنيوية لا يأبهون بها، ولا يجعلونها قبلة أنظارهم، ومحط رحالهم.

ولما فرغ من دعائهم إلى الإيمان أتبعه إنكار بعض ما هم عليه فقال:

(أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ؟) أي أتبنون في كل مرتفع عال قصرا مشيدا للتفاخر والدلالة على الغنى.

(وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) أي وتتخذون الحصون والقلاع كأنكم مخلّدون في الدنيا.

روى ابن أبي حاتم أن أبا الدرداء رضي الله عنه لما رأى ما أحدث المسلمون في غوطة دمشق من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا تستجيبون، ألا تستجيبون، تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأكلون ما لا تدركون، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون فيوثّقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورا، وأصبح جمعهم بورا، وأصبحت مساكنهم قبورا، ألا إن عادا ملكت ما بين عدن وعمّان، خيلا وركابا، فمن يشترى مني ميراث عاد بدرهمين؟.

(وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) أي إنكم قوم قساة غلاظ الأكباد ذوو جبروت وعتوّ، فإذا عاقبتم عاقبتم دون شفقة ولا رأفة.

وخلاصة ما قال - إن أفعالكم تدل على حب الدنيا وعلى الكبرياء والتسلط على الناس بجبروت وعسف.

ولما نهامم عن حب الدنيا والاشتغال بالسّرف والجبروت، دعاهم إلى العمل للآخرة زجرا لهم عما هم فيه فقال:

(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) أي فاحذروا عقاب الله، واتركوا هذه الأفعال الذميمة، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، فإن ذلك أجدى لكم وأنفع.

ثم وصل العظة بما يوجب قبولها بالتنبيه إلى نعم الله التي غمرتهم، وفواضله التي عمّتهم، وذكرها أوّلا مجملة ثم فصلها ليكون ذلك أوقع في نفوسهم فيحتفظوا بها ويعرفوا عظيم قدرها فقال:

(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) أي واتقوا عقاب الله بطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، فابتعدوا عن اللعب واللهو وظلم الناس والفساد في الأرض، واحذروا سخط من أعطاكم من عنده ما تعلمون من الأنعام والبنين والبساتين والأنهار تتمتعون بها كما شئتم، حتى صرتم مضرب الأمثال في الغنى والثروة والزخرف والزينة، فاجعلوا كفاء هذا عبادة من أنعم بها وتعظيمه وحده.

ثم بين السبب في أمرهم بالتقوى فقال:

(إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي إني أخاف عليكم إن أصررتم على كفركم ولم تشكروا هذه النعم، عذاب يوم شديد الهول تذهل فيه المرضعة عما أرضعت، وترى الناس فيه سكارى حيارى وما هم بكارى، ولكن عذاب الله شديد.

وبعد أن بلغ الغاية في إنذارهم وتخويفهم، وترغيبهم وترهيبهم كانت خاتمة مطافه أن قابلوه بالاستخفاف وقلة الاكتراث والاستهانة بما سمعوا، كما أشار إلى ذلك بقوله:

(قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) أي هوّن عليك وأرح نفسك، فكل هذا تعب ضائع، وجهاد في غير عدوّ، وضرب في حديد بارد، فإنا لن نرجع عما نحن عليه، وقد حكى سبحانه قولهم في سورة هود: « وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ».

ثم ذكروا السبب في أن الوعظ وعدمه سواء بقولهم:

(إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ. وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) أي ما هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الأولين من الآباء والأجداد، فنحن سالكون سبيلهم، نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار.

(فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ) أي فاستمروا في تكذيبهم ومخلفة أمر رسوله، فأملكناهم بريح صرصر عاتية: (ريح عظيمة ذات برد شديد) كما جاء في قوله: « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ » وقوله: « وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى »:

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أي إن في إهلاكنا عادا بتكذيبها رسولها - لعبرة لقومك المكذبين بك فيما أتيتهم به من عند ربك.

(وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علمنا.

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي وإن ربك لهو الشديد في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه المؤمنين إن تابوا وأصلحوا.

قصص صالح عليه السلام[عدل]

[سورة الشعراء (26): الآيات 141 الى 159][عدل]

كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) ولا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)

تفسير المفردات

الطلع: أول ما يطلع من الثمر وبعده يسمى خلالا ثم بلحا ثم بسرا ثم رطبا ثم تمرا، والهضيم: هو النضيج الرّخص اللين اللطيف، والنحت: النجر والبرى، والنّحاتة: البراية، والمنحت: ما ينحت به، والفره: النشاط وشدة الفرح، من المسحّرين: أي الذين سحروا حتى ذهبت عقولهم، الشرب: (بالكسر) النصيب والحظ، فعقروها: أي رموها بسهم ثم قتلوها.

المعنى الجملي

بعد أن قص سبحانه على رسوله قصص عاد وهود - قص قصص ثمود وصالح وقد كانوا عربا مثلهم يسكنون مدينة الحجر التي بين وادي القرى والشام، ومساكنهم معروفة تتردد عليها قريش في رحلة الصيف وهم ذاهبون إلى بلاد الشام.

دعاهم صالح إلى عبادة الله وحده وأن يطيعوه فيما بلغهم من رسالة ربهم فأبوا وكذبوا بعد أن أتى لهم، لآيات المصدّقة لرسالته، فأخذهم العذاب وزلزلت بهم الأرض ولم تبق منهم ديّارا ولا نافخ نار.

الإيضاح

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) أي كذبت ثمود أخاهم صالحا حين قال لهم: ألا تتقون عقاب الله على معصيتكم إياه، وخلافكم أمره، بطاعتكم أمر المفسدين في الأرض؟ إني لكم رسول من عند الله أرسلنى إليكم بتحذيركم عقوبته، أمين على رسالته التي أرسلها معى إليكم، فاتقوه وأطيعونى، وما أسألكم على نصحى وإنذاري جزاء ولا ثوابا، ما جزائى إلا على رب السموات والأرض وما بينهما.

ثم خاطب قومه واعظا لهم ومحذرا نقم الله أن تحل بهم ومذكّرا بأنعمه عليهم فيما آتاهم من الأرزاق الدارّة والجنات والعيون والزروع والثمرات، والأمن من المحذورات فقال:

(1) (أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ؟) أي لا نظنوا أنكم تتركون في دياركم آمنين متمتعين بالجنات والعيون والزروع والثمار اليانعة، وأن لا دار للجزاء على العمل. بل عليكم أن تتذكروا أن ما أنتم فيه من نعيم، وأمن من عدوّ، لن يدوم وأنكم عائدون إلى ربكم، مجازون على أعمالكم خيرها وشرها.

(2) (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) أي وتتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرا وبطرا من غير حاجة إلى سكناها مع الجدّ والاهتمام في بنائها، فاتقوا الله وأقبلوا على ما يعود عليكم نفعه في الدنيا والآخرة من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم، وتسبيحه بكرة وأصيلا.

(3) (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) أي ولا تطيعوا أمر رؤسائكم الذين تمادوا في معصية ربكم واجترءوا على سخطه، وهم الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون وهم لنذكورون في قوله: « وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ » أي يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون أنفسهم بالعمل بطاعته.

وخلاصة هذا - لا تطيعوا رؤساءكم وكبراءكم الدعاة إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق.

ولما عجزوا عن الطعن في شيء مما دعاهم إليه عدلوا إلى التخييل إلى عقول الضعفاء والعامة.

(1) (قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي أنت ممن سحر كثيرا حتى غلب على عقله، فلا يقبل لك قول، ولا يسمع لك نصح.

(2) (ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي إنك بشر مثلنا، فكيف أوحى إليك دوننا؟ كما حكى عنهم في آية أخرى: « أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا؟ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ؟ » فأجابهم إلى ما اقترحوا من الآيات الدالة على صدقه فيما جاء به من عند ربه.

(قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) أي قال صالح لثمود لما سألوه آية يعلمون بها صدقة: يا قوم هذه ناقة الله آية لكم، ترد ماءكم يوما وتردونه أنتم يوما، فلها حظ من الماء يوما ولكم مثله يوما آخر.

قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ولا تشرب في يومهم ماء.

روي أنهم اقترحوا عليه عشراء (الحامل في عشرة أشهر) تخرج من صخرة عيّنوها، ثم تلد سقبا، فقعد عليه الصلاة والسلام يتذكر، فقال له جبريل عليه السلام: صلّ ركعتين وسل ربك، ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقبا مثلها في العظم.

وإن أمثال هذه الروايات لا يجب علينا التصديق بها إلا إذا ثبتت بصحيح الأخبار.

(وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي ولا تمسوها بسوء كضرب أو عقر فيحل بكم عذاب لا قبل لكم به.

ثم حكى عنهم أنهم خالفوا أمر نبيهم فقال:

(فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ. فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ) أي فعقروا الناقة بعد أن مكثت بين أظهرهم حينا من الدهر ترد الماء وتأكل المرعى، ثم ندموا على ما فعلوا حين علموا أن العذاب نازل بهم، إذ أنظرهم ثلاثة أيام وفى كل يوم منها تظهر مقدمات نزوله فندموا حيث لا ينفع الندم، فأخذهم العذاب وزلزلت أرضهم زلزالا شديدا وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت منها قلوبهم، ونزل بهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تقدم تقسيرها

قصص لوط عليه السلام[عدل]

[سورة الشعراء (26): الآيات 160 الى 175][عدل]

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)

تفسير المفردات

أخوهم: أي في البلد والسكنى، لا في الدين ولا في النسب، لأنه ابن أخي إبراهيم وهما من أرض بابل، والذكران: واحدهم ذكر ضد الأنثى من كل حيوان، عادون: أي متعدون الحدود التي رسمها العقل والشرع، من المخرجين: أي ممن نخرجهم من أرضنا وننفيهم من قريتنا، من القالين: أي المبغضين لفعلكم، والقلي: البغض الشديد كأنه يقلي الفؤاد، يقال قليته أقليه قلى وقلاء، الغابرين: أي الباقين فهي لم تخرج مع لوط ومن مضى معه.

المعنى الجملي

قص الله علينا في هذه الآيات قصص لوط بن هارون بن آزر بن أخي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بعثه الله في حياته إلى أمة عظيمة تسكن مذوم وما حولها من المدائن من بلاد الغور بالقرب من بيت المقدس، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وطاعة رسوله، ونهاهم عن معصيته وارتكاب ما كانوا ابتدعوا من الفواحش مما لم يسبقهم إليه أحد من العالمين، فكذّبوه فأهلكهم الله، فأرسل عليهم كبريتا ونارا من السماء فاحترقت قريتهم وأحدث بها زلزالا جعل عاليها سافلها كما جاء في قوله: « فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ».

الإيضاح

(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) تقدم تفسير هذا في سالف القصص.

وبعد أن نصحهم بما سلف ذكره وبخهم على قبيح ما ابتدعوه بقوله:

(أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ) أي أأنتم دون الناس جميعا تفعلون هذه الفعلة الشنعاء، تعشون الذكور وتتركون النساء اللاتي جعلهن الله حلّا لكم تستمتعون بهن ويستمتعن بكم.

(بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) أي بل أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان وتجاوز الحدود التي تسيغها العقول وتبيحها الشرائع، بارتكابكم هذا الجرم الذي لم يخطر ببال أحد ممن قبلكم.

ولما اتضح لهم وجه الحق وانقطعت حجتهم لجئوا إلى التهديد واستعمال القوة:

(قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) أي لئن لم تنته عما أنت فيه من إنكارك ما تنكره من أمرنا لننفينّك من قريتنا، وليكونن شأننا معك شأن من أخرجناهم من قبلك بالعنف والعسف واحتباس الأموال: (كما هو شأن الظلمة إذا أجلوا بعض من يبغضونهم صادروا أملاكهم).

حينئذ أجابهم بأن إبعاده لا يقف به عن الإنكار عليهم.

(قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ) أي إني بريء مما تعملون، مبغض له، لا أحبه ولا أرضاه، ولا يضيرنى تهديدكم ولا وعيدكم، وإني لراغب في الخلاص من سوء حواركم.

وقال (مِنَ الْقالِينَ) دون (قالَ) إيماء إلى أنه من القوم الذين لو سمعوا بما تفعلون لأبغضوه، كما يقال فلان من العلماء فإنه أشد مدحا من قولك فلان عالم، إذ الأولى تدل على أنه في عداد زمرة العلماء المعروفين بمساهمته لهم في العلم.

ثم أعرض عنهم وتوجه إلى الله أن ينجيه من أعمال السوء هو وأهله قال:

(رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) أي رب نجّنى من شؤم أعمالهم وأبعدنى من عذابك الدنيوي والأخروي.

فأجاب الله دعاءه وأغاثه بعد أن استغاثه قال:

(فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ) أي فنجيناه وأهله جميعا مما حل بأهل القرية من العذاب، فأمرناه بالخروج منها قبل أن ينزل بهم ما نزل، إلا عجوزا قد بقيت ولم تخرج معه وهي امرأته كما جاء في سورة هود: « إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ » وكانت عجوز سوء لم نتبع لوطا في الدين ولم تخرج معه.

والخلاصة - فنجيناه وأهله من العذاب بإخراجهم من بينهم ليلا عند حلول العذاب بهم إلا عجوزا قدر الله بقاءها لسوء أفعالها وقبح طويّتها، ولما لها من ضلع في استحسان أفعالهم.

(ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ. وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) أي ثم أهلكنا المؤخرين عن لوط فأمطرنا عليهم حجارة من السماء. قال وهب بن منبه: أنزل الله عليهم الكبريت والنار.

وبئس المطر هذا وما أشد وطأته، وما أقسى وقعه، فقد أحدث بأرضهم زلزالا جعل عاليها سافلها.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) سبق تفسير ذلك.

إيضاح لهذه القصة بما كتبه الباحثون

كتبت مجلة السياسية الأسبوعية فصلا قالت فيه: روت الكتب المنزلة أن الله أهلك مدينتى سذوم وعمورة وثلاث مدن أخرى بجوارهما بأن أمطر عليهم نارا وكبريتا من السماء، فلم ينج من سكانها سوى إبراهيم الخليل وأهل بيته ولوط وابنتيه ولم يكن إبراهيم من أهل تلك المدن، بل نزح إليها من الشمال طلبا للكلأ والمرعى بحسب عادة القبائل الرحّل في ذلك الزمن.

وكان كثير من المؤرخين يرى أن هذه قصة خرافية، وبعضهم يقول إنها قصة واقعية كما يشهد بذلك آثار البلاد المجاورة للبحر الميت (بحيرة لوط).

وقد قام الدكتور (أو لبرابط) بمباحث واسعة في وادي نهر الأردن وعلى سواحل البحر الميت حيث يظن أن سذوم وعمورة والثلاثة المدن الأخرى كانت فيها، فاستبان له أن هذه القصة حقيقية بجميع تفاصيلها، وعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام انحدر حوالى القرن التاسع عشر قبل الميلاد من بلاد ما بين النهرين إلى فلسطين ومعه أهل بيته وابن أخيه لوط وأهله ومعهما أنعام كثيرة، فحدث نزاع وشجار بين الرعاة فرأى لوط حفظا للسلام أن يفترق عن إبراهيم واختار منطقة وادي الأردن التي كانت فيها سذوم وعمورة وأقام بسذوم، واختار إبراهيم المرتفعات التي في الشمال وضرب خيامه هنالك.

وكشف الدكتور آثارا تدل على صدق هذه القصة، إذ وجد هناك آثار حصن قديم يعلو سطح البحر بنحو خمسمائة قدم وبجواره (المذبح) هو حجارة منصوبة على شكل أعمدة يرجح أن الوثنيين في ذلك الزمن كانوا يقدّمون عليها قرابينهم، ويرجح أن البحر الميت طغا على المدن الخمس التي كانت في منطقة الأردن ا هـ.

وبعض علماء الجيولجيا (طبقات الأرض) يؤكدون أن هذا البحر يغمر اليوم بلادا كانت آهلة بالسكان.

وفي التوراة: إن إبراهيم كان ذات يوم جالسا بباب خيمته في حرّ النهار إذ أقبل إليه ثلاثة ملائكة فاستقبلهم بترحاب عظيم وصنع لهم وليمة واحتفى بهم، وفى أثناء الطعام علم أنهم ذاهبون إلى سذوم، وكان أهل هذه المدينة مشهورين بشرورهم وانغماسهم في شهواتهم البهيمية ولا سيما المحرمة منها، فلما وصلوا إلى سذوم ساروا توّا إلى منزل لوط ابن أخي إبراهيم ليبيتوا عنده، وعلم أهل سذوم بقدومهم فأرادوا أن يرتكبوا بهم موبقا، ولكن لوطا دافع عنهم وعرّض أن يضحى بشرف ابنتيه لينقذهم، فأبى أهل سذوم إلا أن يرتكبوا بهم الفحشاء، وقد تمكن الضيوف من الفرار، وأقنعوا لوطا وأهل بيته بالفرار، وحين أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط (صوعر) فأمطر الرب على سذوم وعمورة كبريتا ونارا من السماء وقلب تلك المدن وجميع سكانها ونظرت امرأة لوط إلى الوراء فصارت عمود ملح: (اختنقت بالغازات الكثيرة التي التهبت إما بحدوث زلزلة أو بسقوط صاعقة من الجو).

وفي التاريخ ما يدل على حدوث انقلابات هيو لوجية شبيهة بحادثة (سذوم وعمورية) فقد يثور بركان ويتدفق حممه على البلاد المجاورة فيغمرها ويهلك أهلها، وقد تغور بلاد واسعة فيطمو عليها البحر وتزول هي وما فوقها من نبات وحيوان وإنسان، وقد تنشقّ الأرض فتبتلع مدنا بأسرها:

والخلاصة - إن هذه المدن كانت قاعدة لملوك جبارين وكانت ذات رياض غناء وغياض غنيه بوفرة مائها وحيراتها وشمل أهلها الفساد ورتعوا في شهواتهم البهيمية ولم يبق فيها برّ إلا لوط وأهله، فانتقم الله منهم فأمطر عليهم نارا وكبريتا من السماء، فألهب البراكين النارية التي فيها، فعجلت دمارهم، وخسفت الأرض بهم، وظهرت البحيرة على ما يراه الآن.

قصص شعيب عليه السلام[عدل]

[سورة الشعراء (26): الآيات 176 الى 191][عدل]

كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)

تفسير المفردات

الأيكة: غيضة كثيرة الشجر قرب مدين بعث الله إلى أهلها شعيبا كما بعثه إلى أهل مدين ولم يكن منهم نسبا، من المخسرين: أي المطففين الآخذين من الناس أكثر ممّا لكم، والقسطاس: الميزان، والمستقيم: أي العدل، ولا تعثوا: أي لا تفسدوا، والجبلة: بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وبضمهما وتشديد اللام: الخلقة والطبيعة، ويقال جبل فلان على كذا: أي خلق، والمراد أنهم كانوا على خلقة عظيمة، كسفا: واحدها كسفة كقطعة (وزنا ومعنى) والظلة: السحابة التي استظلوا بها.

المعنى الجملي

قص الله تعالى علينا في هذه الآيات قصص شعيب مع قومه أهل مدين، وقد بعثه إليهم فنصحهم بإيفاء الكيل والميزان وألا يعثوا في الأرض فسادا فكذبوه، فسلط الله عليهم الحر الشديد فكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أحر من غيرها فيخرجون، ثم أظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا جميعا.

الإيضاح

(كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) سبق تفسير هذا.

وبعد أن نصحهم بتلك النصائح وعظهم بعظة أخرى، فنهاهم عن نقيصة كانت شائعة بينهم وهي التطفيف في الكيل والميزان فقال:

(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) أي إذا بعتم للناس فكيلوا لهم الكيل كاملا ولا تبخسوهم حقهم فتعطوه ناقصا، وإذا اشتريتم فخذوا كما لو كان البيع لكم.

وخلاصة ذلك - خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون.

(وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) أي وزنوا بالميزان السوي العدل، وقد جاء في سورة المطففين مثل هذا مع التحذير منه فقال: « وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا، عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ».

ثم عمم النهي عن البخس في كل حق فقال:

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أي ولا تنقصوا الناس حقهم في كيل أو وزن أو غيرهما كالمذروعات والمعدودات كأخذ بيض كبير وإعطاء بيض صغير، وإعطاء رغيف صغير وأخذ رغيف كبير وهكذا.

ثم نهاهم عن جرم أعظم شأنا وأشد خطرا، وهو الفساد في الأرض بجميع ضروبه وأشكاله فقال:

(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي ولا تكثروا فيها الفساد بالقتل والغارة وقطع الطريق والسلب والنهب ونحوها.

وبعد أن نهاهم عن ذلك خوّفهم سطوة الجبار الذي خلقهم وخلق من قبلهم ممن كانوا أشد منهم بطشا وعتوّا فقال:

(وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) أي وخافوا بأس الله الذي خلقكم من العدم للإصلاح في الأرض، وخلق من قبلكم ممن كانوا أشد منكم قوة وأكثر مالا، كقوم هود الذين قالوا من أشد مناقوة، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وقد تمخض هذا النصح عن شيئين: القدح في رسالته أولا، واستصغار الوعيد ثانيا.

(1) (قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي ما أنت إلا ممن سحر عقله مرة بعد أخرى، فصار كلامه جزافا لا يعبّر عن حقيقة، ولا يصيب هدف الحق.

(وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) فما وجه تفضيلك علينا وإرسالك رسولا إلينا.

ثم أكدوا هذا الإنكار بقولهم:

(وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ) أي وإنا لنعتقد أنك ممن يتعمد بالكذب فيما يقول، ولم يرسلك الله نبيّا إلينا.

(2) (فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي فإن كنت صادقا في دعواك الرسالة فأنزل علينا من السحاب قطعا يكون فيها العذاب لنا.

وهذا شبيه بما قالته قريش لنبيهم فيما حكى الله عنهم بقوله: « وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا - إلى أن قالوا - أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا » وقوله: « وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ».

فأجابهم شعيب:

(قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) فيجازيكم به، فإن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم، وما علي إلا البلاغ، وأنا مأمور به، فلم أنذركم من تلقاء نفسي، ولا ادّعى القدرة على عذابكم.

(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي وهكذا دأبوا على التكذيب فجازاهم بجنس ما طلبوا من إسقاط الكسف من السماء، فجعل عقوبتهم أن أصابهم حرّ عظيم أخذ بأنفاسهم، لم ينفعهم فيه ظل ولا ماء ولا شراب، فاضطروا أن يخرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا كلهم تحتها، فأمطرتهم شواظا من نار فاحترقوا.

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي إن في ذلك الإنجاء لكل رسول ومن أطاعه، والعذاب لكل من عصاه في كل العصور - لدلالة واضحة على صدق الرسل، وما كان أكثر قومك بمؤمنين، مع أنك قد أتيتهم بما لا يكون معه شك، لما يصحبه من الدليل والبرهان.

(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي وإن ربك لهو العزيز في انتقامه من الكافرين الرحيم بعباده المؤمنين التائبين.

(تنبيه) جاءت هذه القصص السبع مختصرة هنا وفيها البرهان الساطع على أن القرآن جاء من عالم الغيب، فإن النتائج التي حصل عليها الأنبياء مع أقوامهم هي مثل النتائج التي حصل عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن حين نزولها ذا شوكة ولا ذا قوة وأن ما أصيب به من التكذيب والأذى وكانت عاقبته الفتح والنصر المبين - نموذج لما حدث للأنبياء السالفين قبله

[سورة الشعراء (26): الآيات 192 الى 212][عدل]

وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)

تفسير المفردات

الروح الأمين: هو جبريل عليه السلام، ووصف بالأمين، لأنه أمين وحيه تعالى وموصله إلى من شاء من عباده، على قلبك: أي على روحك، لأنه المدرك والمكلّف دون الجسد، والزبر: الكتب، واحدها زبرة كصحف وصفحة، والآية: الدليل والبرهان، والأعجمين: واحدهم أعجمي، وهو من لا يقدر على التكلم بالعربية، سلكناه: أي أدخلناه، والمجرمين: مشركي قريش، بغتة: فجأة، منظرون: أي مؤخرون، ذكرى: أي تذكرة وعبرة لغيرهم، وما ينبغي لهم: أي ما يتيسر ولا يتسنى لهم، وما يستطيعون: أي ما يقدرون على ذلك، لمعزولون: أي لممنوعون بالشهب بعد أن كانوا ممكّنين.

المعنى الجملي

بعد أن اختتم سبحانه هذا القصص، وبين ما دار بين الأنبياء وأقوامهم من الحجاج والجدل، وذكر أنه قد أهلك المكذبين، وكان النصر في العاقبة لرسله المتقين فإن سنته في كل صراع بين الحق والباطل أن تدول دولة الباطل وينتصر الحق وإن طال الزمن: « بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ».

وفي ذلك سلوة لرسوله، وعدة له بأنه مهما أوذى من قومه ولقى منهم من الشدائد، فإن الفلج والفوز له: « سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا » أردف هذا بيان أن هذا القرآن الذي جاء بذلك القصص وحي من الله أنزله على عبده ورسوله جبريل عليه السلام بلسان عربي مبين، لينذر به العصاة ويبشر به عباده المتقين، وأن ذكره في الكتب المتقدمة المأثورة عن الأنبياء الذين بشّروا به حتى قام آخرهم خطيبا في ملئه يبشر به كما قال: « وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ »

وأن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكره في كتبهم كما قال: « الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ » وكما أن الأعجمين إذا قرئ عليهم لم يدروا منه شيئا ولم يؤمنوا به، كذلك هؤلاء المجرمون من قريش لا يؤمنون به كفرا وعنادا حتى يأتيهم عذاب الله بغتة وهم لا يشعرون، فيتمنون إذ ذاك النّظرة ليطيعوا الله ويتبعوا أوامره، وأنّى لهم ذلك؟ وهل يجديهم التمني ساعتئذ؟ « فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ».

وقد جرت سنتنا ألا نهلك قوما إلا بعد أن نبعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين.

ثم رد على مشركي قريش الذين قالوا: إن لمحمد صلى الله عليه وسلم تابعا من الجن يخبره كما تخبر الكهنة - بأن الشياطين من سجاياهم الفساد، وإضلال العباد، والقرآن فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبأنهم ممنوعون عن سماع ما تتكلم به الملائكة في السماء، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا مدة إنزال القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استراق السمع كما قال: « وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا ».

الإيضاح

(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) أي وإن هذا القرآن الذي تقدم ذكره في قوله « وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ » أنزله الله إليك، وجاء به جبريل عليه السلام فتلاه عليك حتى وعيته بقلبك، لتنذر به قومك بلسان عربي بيّن ليكون قاطعا للعذر، مقيما للحجة، دليلا إلى المحجة، هاديا إلى الرشاد، مصلحا لأحوال العباد.

وفي قوله: على قلبك إيماء إلى أن ذلك المنزّل محفوظ، وأن الرسول متمكن منه، إلى أن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز، والعقل والاختيار وسائر الأعضاء مسخرة له، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »

وقوله صلى الله عليه وسلم: « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب » أخرجاه في الصحيحين

ولأن القلب إذا غشّى عليه وقطع سائر الأعضاء لم يحصل له شعور، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات.

وفي قوله: بلسان عربي مبين، تقريع لمشركي قريش بأن الذي حملهم على التكذيب هو الاستكبار والعناد، لا عدم الفهم، لأنه نزل بلغتهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه.

(وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أي وإن ذكر هذا القرآن والتنويه بشأنه لفى كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، وقد أخذ عليهم الميثاق بذلك وبه بشر عيسى بقوله: « وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ».

(أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ؟) أي أوليس بكاف لهم شهادة على صدقه أن العلماء من بني إسرائيل نصوا على أن مواضع من التوراة والإنجيل فيها ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته ونعته، وقد كان مشركو قريش يذهبون إليهم ويتعرفون منهم هذا الخبر.

ذكر الثعلبي عن ابن عباس أن أهل مكة بعثوا إلى أحبار يثرب يسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا أوانه وذكروا نعته.

وبعد أن أثبت بالدليلين السالفين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ذكر أن هؤلاء المشركين لا تنفعهم الدلائل، ولا تجديهم البراهين فقال:

(وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ. فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ) أي إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله وبشرت به الكتب السالفة ومع هذا لم يؤمنوا به، بل جحدوه وسمّوه تارة شعرا وأخرى كهانة، فلو أنا نزّلناه على بعض الأعجمين الذي لا يحسن العربية فقرأه عليهم لكفروا به أيضا، ولتمحلوا لجحودهم عذرا وقالوا له:

لا نفقه ما يقول كما قال في آية أخرى: « وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ».

وفي هذا تسلية من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم على ما حصل من قومه لئلا يشتد حزنه بإدبارهم عنه وإعراضهم عن الاستماع له.

والخلاصة - إنا لو نزلناه على بعض الأعجمين: « لا عليك فإنك رجل منهم ويقولون لك ما أنت إلا بشر مثلنا وهلا نزل به ملك » فقرأه ذلك الأعجم عليهم ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق وأنه منزل من عندنا ما كانوا به مصدقين، فخفض من حرصك على إيمانهم به، فإنهم لا يؤمنون به على كل حال.

ثم وكّد هذا الإنكار أفضل توكيد فقال:

(كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) أي كما أدخلنا التكذيب به بقراءة الأعجم، أدخلنا التكذيب به في قلوب المجرمين كفار قريش.

وفي ذلك إيماء إلى أن ذلك التكذيب صار متمكنا في قلوبهم أشد التمكن وصار كالشيء الجبلي الذي لا يمكن تغييره.

ثم زاد ذلك توكيدا فقال:

(لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) أي إنهم لا يتأثرون بالأمور الداعية إلى الإيمان، بل يستمرون على ما هم عليه حتى يعاينوا العذاب، حين لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

وإجمال ما تقدم - هكذا مكنا التكذيب وقررناه في قلوبهم، فكيفما فعل بهم، وعلى أي وجه دبر أمرهم، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره كما قال: « وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ».

(فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أي فيأتي هؤلاء المكذبين بهذا القرآن العذاب الأليم وهم لا يشعرون قبل ذلك بمجيئه حتى يفجأهم.

ثم بين أنهم يتمنّون التأخير حينئذ ليتداركوا ما فات.

(فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ) أي فيقولوا على وجه الحسرة والأسف والتمني للإمهال ليتداركوا ما فرّطوا فيه: هل تؤخر إلى حين؟ كما يستغيث المرء حين تعذر الخلاص، وهم يعلمون إذ ذاك أنه لا رجعة لهم، لكنهم يذكرون ذلك استرواحا.

ولما أوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا إلى متى توعدنا به، ومتى هذا كما قال:

(أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ؟) أي كيف يستعجلون عذابنا بنحو قولهم: « فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ » وقولهم: « ائْتِنا بِما تَعِدُنا ».

وقد تبين لهم كيف أخذنا للأمم الماضية، والقرون الخالية، والأقوام العاتية؟

ثم أبان أن طول العمر لا يغني عنهم شيئا وأن العذاب آت لا محالة فقال:

(أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ. ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ) أي هل الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم، فأخبرني إن متعناهم في الدنيا برغد العيش وصافى الحياة، ثم جاءهم بعد تلك السنين المتطاولة ما كانوا يوعدون به من العذاب، فهل ما كانوا فيه من النعيم يدفع عنهم شيئا منه أو يخففه عنهم؟.

والخلاصة - إن طول التمتع ليس بدافع شيئا من عذاب الله، وكأنهم لم يمتّعوا بنعيم قط كما قال: « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها » وقال: « يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ » وقال « وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى ».

وعن ميمون بن مهران أنه لقى الحسن البصري في الطواف بالكعبة وكان يتمنى لقاءه فقال: عظنى فلم يزد أن تلا هذه الآية فقال ميمون: لقد وعظت فأبلغت.

ثم بين سبحانه أنه لا يهلك قرية إلا بعد الإنذار وإقامة الحجة عليها فقال:

(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ. ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ) أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا على كفرهم، تذكرة لهم وتنبيها إلى ما فيه النجاة من عذابنا، وما كنا ظالمين في إهلاكهم، لأنهم جحدوا نعمتنا، وعبدوا غيرنا، بعد الإعذار إليهم، ومتابعة الحجج، ومواصلة الوعيد.

ونحو الآية قوله: « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » وقوله: « وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ».

ولما كان المشركون يقولون: إن محمدا كاهن وما يتنزل عليه من نوع ما تتنزل به الشياطين أكذبهم سبحانه بقوله:

(وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) أي وما نزلت الشياطين بالقرآن ليكون كهانة أو شعرا أو سحرا، وما ينبغي لهم أن ينزلوا به، وما يستطيعون ذلك وإن عالجوه بكل وسيلة، وإنهم عن سمع الملائكة لمحجوبون بالشهب.

والخلاصة - إن الشياطين لا تنزل به لوجوه ثلاثة:

(1) إنه ليس من مبتغا هم، إذ من سجاياهم الإضلال والإفساد، والقرآن فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو هدى ونور وبرهان متين، فبينه وبين مقاصد الشياطين منافاة عظيمة.

(2) إنه لو انبغى لهم ما استطاعوا حمله وتأديته كما قال: « لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ».

(3) إنهم لو انبغى واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله.

[سورة الشعراء (26): الآيات 213 الى 220][عدل]

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)

المعنى الجملي

بعد أن بالغ سبحانه في تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم وأقام الحجة على نبوته، ثم أورد سؤال المنكرين وأجاب عنه - أردف ذلك أمره بعبادته وحده وإنذار العشيرة الأقربين ومعاملة المؤمنين بالرفق، ثم ختم هذه الأوامر بالتوكل عليه تعالى وحده، فإنه هو العليم بكل شئونه وأحواله.

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أنزل الله: « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ » إني النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه، بين رجل يجىء إليه ورجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ » وأنزل الله تعالى: « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ».

الإيضاح

أمر سبحانه نبيه بأربعة أوامر ونواه:

(1) (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) أي أخلص العبادة لله وحده، ولا تشرك به سواه، فإن من أشرك به فقد عصاه، ومن عصاه فقد استحق عقابه.

وفي هذا حث لرسوله على ازدياد الإخلاص، وبيان أن الإشراك قبيح بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فيكون الوعيد لغيره أزجر، وله أقبل.

وبعد أن بدأ بالرسول وتوعده إن دعا مع الله إلها آخر أمره بدعوة الأقرب فالأقرب، لأنه إذا تشدد على نفسه أولا، ثم ثنى بالأقرب فالأقرب كان قوله لسواهم أنفع، وتأثيره أنجع فقال:

(2) (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) أي وخوّف الأقربين من عشيرتك بأس الله، وشديد عقابه لمن كفر به وأشرك به سواه.

وهذه النذارة الخاصة جزء من النذارة العامة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم كما قال: « لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها » وقال: « لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ».

روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: « لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا وعم وخص، فقال: « يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بنى كعب بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بنى قصي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بنى عبد مناف، أنفذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بنى عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا، ألا إن لكم رحما وسأبلّها ببلالها - يريد: أصلكم في الدنيا ولا أغنى عنكم من الله شيئا ».

وفي الحديث والآية دليل على أن القرب في الأنساب، لا ينفع مع البعد في الأسباب، وعلى جواز صلة المؤمن والكافر وإرشاده ونصحه بدليل قوله: إن لكم رحما سأبلها ببلالها.

وروى مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار ».

وبعد أن أمره بإنذار المشركين من قومه أمره بالرفق بالمؤمنين فقال:

(3) (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي ألن جانبك، وترفّق بمن اتبعك من المؤمنين، فإن ذلك أجدى لك، وأجلب لقلوبهم، وأكسب لمحبتهم، وأفضى إلى معونتك، والإخلاص لك.

(فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) أي فإن عصاك من أنذرتهم من العشيرة فلا ضير عليك، وقد أديت ما أمرت به، ولا عليك إثم مما يعملون، وقل لهم إني بريء منكم ومن دعائكم مع الله إلها آخر، وإنكم ستجزون بجرمكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

(4) (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) أي وفوّض جميع أمورك إلى القادر على دفع الضرّ عنك، والانتقام من أعدائك الذين يريدون السوء بك، الرحيم بك إذ نصرك عليهم برحمته وهو الذي يراك حين تقوم للصلاة بالناس، ويرى تغيرك من حال كالجلوس إلى حال كالقيام فيما بين المصلين إذا كنت لهم إماما، وفي الخبر « اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ».

وعبر عن المصلين بالساجدين، لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.

ثم أكد ما سلف بقوله:

(إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي إنه هو السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، بسرهم ونجواهم كما قال: « وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ».

وقصارى ذلك - إنه هو القادر على نفعكم وضركم، فهو الذي يجب أن تتوكلوا عليه، وهو الذي يكفيكم ما أهمكم.

[سورة الشعراء (26): الآيات 221 الى 227][عدل]

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)

تفسير المفردات

أنبئكم: أي أخبركم: والأفاك: كثير الإفك والكذب، والأثيم: كثير الذنوب والفجور، يلقون السمع: أي يصغون أشد الإصغاء إلى الشياطين فيتلقون منهم ما يتلقون مما أكثره الكذب، والغاوون: الضالون المائلون عن السنن القويم. والوادي: الشّعب، يهيمون: أي يسيرون سير البهائم حائرين لا يهتدون إلى شيء، والمنقلب: المرجع.

المعنى الجملي

بعد أن أبان سبحانه امتناع تنزل الشياطين بالقرآن، وأثبت أنه تنزيل من رب العالمين - أعقب هذا ببيان استحالة تنزلهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها لا تنزل إلا على كل كذاب فاجر، ورسول الله صادق أمين. ثم ذكر أن الكذابين يلقون السمع إلى الشياطين، فيتلقّون وحيهم وهو تخيلات لا تطابق الحق والواقع.

وبعدئذ ذكر أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر، لأن الشعراء يهيمون في كل واد من أودية القول من مدح وهجو وتشبيب ومجون بحسب الهوى والمنفعة، فأقوالهم لا تترجم عن حقيقة، وليس بينها وبين الصدق نسب، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الصدق، فأنّى له أن يكون شاعرا؟.

الإيضاح

(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ) أي هل أخبركم خبرا جليا نافعا في الدين، عظيم الجدوى في الدنيا، تعلمون به الفارق بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن - على من تنزل الشياطين حين تسترق السمع؟.

وهذا ردّ على من زعم من المشركين من ما جاء به الرسول ليس بحق، وأنه شيء أتاه به رئي من الجن، فنزّه الله رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبّه إلى أن ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم، وأنه ليس من قبل الشياطين.

ثم أشار إلى الجواب عن هذا السؤال بوجهين:

(1) (تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) أي هي تنزل على كل كذاب فاجر من الكهنة نحو شقّ بن رهم، وسطيح بن ربيعة.

(2) (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) أي يلقى الأفاكون سمعهم إلى الشياطين، ويصغون إليهم أشد إصغاء، فيتلقون منهم ما يتلقون، وهؤلاء قلما يصدقون في أقوالهم، بل هم في أكثرها كاذبون.

والخلاصة - إن هناك فارقا بين محمد صلى الله عليه وسلم والكهنة، فمحمد لا يكذب فيما يخبر عن ربه، وما عرف عنه إلا الصدق، والكهنة كذابون فيما يقولون، وقلما عرف عنهم الصدق في أخبارهم.

وبعد أن ذكر الفارق بين محمد صلى الله عليه وسلم والكهنة - أردف ذلك ذكر الفارق بينه وبين الشعراء فقال:

(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) أي إن الشعراء يتبعهم الضالون الحائدون عن السنن القويم، المائلون إلى الفساد الذي يجر إلى الهلاك، وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، بل هم الساجدون الباكون الزاهدون.

وقد سبق أن قلنا: إن من الشعر ما يجوز إنشاده، ومنه ما يكره أو يحرم روى مسلم من حديث عمرو بن الشّريد عن أبيه قال: « ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت نعم، قال هيه فأنشدته بيتا، فقال هيه، ثم أنشدته بيتا، فقال هيه، حتى أنشدته مائة بيت ».

وفي هذا دليل على العناية بحفظ الأشعار إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا، وإنما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية لأنه كان حكيما، ألا ترى قوله عليه الصلاة والسلام « كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم ».

ثم بين تلك الغواية بأمرين:

(1) (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ) أي ألم تعلم أن الشعراء يسلكون الطرق المختلفة من الكلام، فقد يمدحون الشيء حينا بعد أن ذموه، أو يعظّمونه بعد أن احتقروه، والعكس بالعكس، وذلك دليل على أنهم لا يقصدون إظهار الحق، ولا تحرّى الصدق، لكنّ محمدا جبلّته الصدق، ولا يقول إلا الحق، وقد بقي على طريق واحد، وهو الدعوة إلى الله، والترغيب في الآخرة، والإعراض عن الدنيا.

(2) (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) فهم يرغّبون في الجود ويرغبون عنه، وينفّرون عن البخل ويضرون عليه، ويقدحون في الأعراض لأدنى الأسباب، ولا يأتون إلا الفواحش، ومحمد صلى الله عليه وسلم على خلاف ذلك. فقد بدأ بنفسه إذ قال له ربه: (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) ثم بالأقرب فالأقرب فقال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فليست حاله حال الشعراء. ولما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة استثنى منهم من اتصف بأمور أربعة (1): الإيمان (2) والعمل الصالح (3) وكثرة قول الشعر في توحيد الله والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق (4) وألا يهجو أحدا إلا انتصارا ممن يهجوه اتباعا لقوله: « لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ » كما كان يفعل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير حين كانوا يهجون المشركين منافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك: « اهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النّبل » وكان يقول لحسان بن ثابت: « قل وروح القدس معك »، وفي رواية « اهجهم وجبريل معك ».

وإلى هذا أشار بقوله:

(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا).

وروى ابن جرير عن محمد بن إسحق « أنه لما نزلت هذه الآية جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون، قالوا قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنّا شعراء فتلا النبي صلى الله عليه وسلم:

(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) قال أنتم (وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) قال: أنتم (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) قال: أنتم (أي بالرد على المشركين) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: انتصروا ولا تقولوا إلا حقا، ولا تذكروا الآباء والأمهات »، فقال حسان لأبي سفيان:

هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء

وإن أبى ووالده وعرضى لعرض محمد منكم وقاء

أتشتمه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء

لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدّره الدّلاء

وقال كعب: يا رسول الله. إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم، « إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النّبل » وقال كعب:

جاءت سخينة كى تغالب ربها وليغلبنّ مغالب الغلّاب

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا.

وبعد أن ذكر سبحانه من الدلائل العقلية وأخبار الأنبياء المتقدمين ما يزيل الحزن عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بين الدلائل على صدق نبوته، ثم أرشد إلى الفارق بينه وبين الكهنة وبينه وبين الشعراء - ختم السورة بالتهديد العظيم، والوعيد الشديد للكافرين فقال:

(وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) أي وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم، وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات كفرا بها وعنادا - أي مرجع يرجعون إلى الله بعد الموت، وأي معاد يعودون إليه؟ إنهم ليصيرنّ إلى نار لا يطفأ سعيرها، ولا يسكن لهيبها.

اللهم أبعدنا عن تلك النار وأدخلنا جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين.

خلاصة ما حوته هذه السورة الكريمة[عدل]

(1) مقدمة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على إعراض قومه عن الدين، وبيان أنهم ليسوا ببدع في الأمم، وأنه صلى الله عليه وسلم ليس بأول الرسل الذين كذّبوا، وأن الله قادر على إنزال القوارع التي تلجئهم إلى الإيمان، ولكن جرت سنته أن يجعل الإيمان في القلوب اختيار يا لا اضطراريا.

(2) الاستدلال بخلق النبات وأطواره المختلفة وأشكاله المنوّعة - على وجود الإله ووحدانيته.

(3) قصص الأنبياء مع أممهم لما فيه من العبرة لأولئك المكذبين.

(4) إثبات أن القرآن وحي من رب العالمين، لا كلام تتنزل به الشياطين.

(5) بيان أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بكاهن ولا شاعر.

(6) التهديد والوعيد لمن يعبد مع الله سواه من الأصنام والأوثان، ويكذب بالرسول والنور الذي أنزل معه.

تفسير المراغي
مقدمة التفسير | الفاتحة | البقرة | آل عمران | النساء | المائدة | الأنعام | الأعراف | الأنفال | التوبة | يونس | هود | يوسف | الرعد | إبراهيم | الحجر | النحل | الإسراء | الكهف | مريم | طه | الأنبياء | الحج | المؤمنون | النور | الفرقان | الشعراء | النمل | القصص | العنكبوت | الروم | لقمان | السجدة | الأحزاب | سبأ | فاطر | يس | الصافات | ص | الزمر | غافر | فصلت | الشورى | الزخرف | الدخان | الجاثية | الأحقاف | محمد | الفتح | الحجرات | ق | الذاريات | الطور | النجم | القمر | الرحمن | الواقعة | الحديد | المجادلة | الحشر | الممتحنة | الصف | الجمعة | المنافقون | التغابن | الطلاق | التحريم | الملك | القلم | الحاقة | المعارج | نوح | الجن | المزمل | المدثر | القيامة | الإنسان | المرسلات | النبأ | النازعات | عبس | التكوير | الانفطار | المطففين | الانشقاق | البروج | الطارق | الأعلى | الغاشية | الفجر | البلد | الشمس | الليل | الضحى | الشرح | التين | العلق | القدر | البينة | الزلزلة | العاديات | القارعة | التكاثر | العصر | الهمزة | الفيل | قريش | الماعون | الكوثر | الكافرون | النصر | المسد | الإخلاص | الفلق | الناس | خاتمة التفسير | فهارس الأجزاء