تفسير المراغي/سورة الغاشية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تفسير المراغي
سورة الغاشية
أحمد مصطفى المراغي



سورة الغاشية


هي مكية، وآياتها ست وعشرون، نزلت بعد سورة الذاريات.

ومناسبتها لما قبلها - أنه أشير في السورة السابقة إلى المؤمن والكافر والجنة والنار إجمالا، وبسط الكلام فيها هنا.

[سورة الغاشية (88): الآيات 1 الى 7][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (2) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (3) تَصْلى نارًا حامِيَةً (4) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (6) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)

شرح المفردات

الغاشية: القيامة، سميت بذلك لأنها تغشى الناس بشدائدها وأهوالها، خاشعة: أي ذليلة: عاملة: أي وقع منها عمل في الدنيا، ناصبة: أي تعبة من قولهم نصب فلان بالكسر: أي تعب، تصلى من قولهم صلى النار (بالكسر) أي قاسى حرها، حامية: أي متناهية في الحرّ من قولهم حميت النار إذا اشتد حرها، والعين: ينبوع الماء، والآنية الشديدة الحر، والضريع: شجر ذو شوك لائط بالأرض، فإذا كان رطبا سمى بالشّبرق، قال أبو ذؤيب الهذلي:

رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وصار ضريعا بان عنه النحائص

الإيضاح

(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ) أي هل بلغك نبأ يوم القيامة وعلمت قصصه، وإننا سنعلمك شأنه الخطير.

وهذا أسلوب من الكلام لا يراد منه حقيقة الاستفهام، بلى يراد منه تعجيب السامع مما سيذكر بعد، وتشويقه إلى استماعه، وتوجيه فكره إلى أنه من الأحاديث التي من حقها أن تتناقلها الرواة، ويحفظها الوعاة.

ثم فصل شأن أهل الموقف في ذلك اليوم، وذكر أن أهله فريقان: فريق الكفرة الفجرة. وفريق المؤمنين البررة، وقد أشار إلى الأولين بقوله:

(1) (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ) أي وجوه يومئذ يظهر عليها الخزي والهوان مما ترى وتشاهد من الهول.

ونحو الآية قوله: « وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ » وقوله: « وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ».

والخشوع والذل وإن كان في الحقيقة لأرباب الوجوه، نسب إلى الوجوه لما كان أثره يظهر عليها.

ثم وصف الوجوه بصفات أخرى فقال:

(عامِلَةٌ ناصِبَةٌ) أي إن هؤلاء الكفار كانوا في حياتهم الدنيا يعملون ويجتهدون في أعمالهم، لكن لم يتقبلها ربهم، لأنهم لم يقدّموا عليها الإيمان بالله ورسوله، وهو الدعامة الأولى في قبول العمل عنده، ولأنهم لم يقصدوا بها وجهه تعالى، ولأنهم كانوا يجتهدون في مشاقة الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا.

والخلاصة - إن هؤلاء الكفار وقع منهم في الدنيا عمل، وأصابهم فيه تعب ونصب، لكنهم لم يستفيدوا منه شيئا، فآثار الخيبة وحبوط العمل بادية على وجوههم.

ثم ذكر جزاءها في هذا اليوم فقال:

(تَصْلى نارًا حامِيَةً) أي هذه الوجوه تقاسى حر النار وتعذب بها، لأن أعمالها في الدنيا كانت خاسرة، غلبها الشر، وجانبها الخير، وهذه النار الحامية لا نعرف كنهها، ولكن علينا أن نؤمن بها، وبأن حلفاء الباطل يصلونها.

(تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ) أي إن أهل النار إذا عطشوا في تلك الدار وطلبوا ما يطفئ غتّهم، جىء لهم بماء من ينبوع بلغ من الحرارة غايتها، فهو لا يطفىء لهبا، ولا ينقع غلّة.

وبعد أن ذكر شرابهم أردفه بوصف طعامهم فقال:

(لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) أي إنهم إذا أحسوا بالجوع وطلبوا الطعام أتى لهم بالضريع وهو ذلك المرعى السوء الذي لا تعقد عليه السائمة شحما ولا لحما، وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها، والمراد بهذا كله أنه يؤتى لهم بردىء الطعام.

ثم وصف هذا الضريع بأنه لا يجدى ولا يفيد فقال:

(لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) أي إن هذا الطعام لا يدفع جوعا، ولا يفيد سمنا، فليس له فائدة الطعام التي لأجلها يؤكل في الدنيا، وقد سمى الله ذلك الطعام بالضريع تشبيها له، وإلا فذلك العالم ليس فيه نمو أبدان ولا تحلل مواد على النحو الذي يكون في الدنيا، بل هو عالم خلود وبقاء، واللذائذ فيه لذائذ سعادة، والآلام آلام شقاء، فكل ما في ذلك العالم إنما يقع بينه وبين ما في عالمنا نوع مشابهة، لا اتفاق ولا مجانسة.

وقد جاء في سورة الحاقة في طعام الكافرين: « وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ » وفى سورة الواقعة: « ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ » وفى سورة الدخان: « إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ ».

فهذا كله يدل على أن طعام النار شيء يوافق النشأة الآخرة، عبر عنه بعبارات مختلفة، ليصور في أذهاننا بشاعته وخبثه، لتنفر منه نفوسنا، وتطلب كل وسيلة للفرار منه، فتبتعد عن العقائد الفاسدة، والأعمال الخاسرة.

[سورة الغاشية (88): الآيات 8 الى 16][عدل]

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (8) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)

شرح المفردات

ناعمة: أي ذات بهجة وحسن، عالية: أي في المكان لأن الجنة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، واللاغية: اللغو والكذب والبهتان، عين جارية: أي ينبوع ماء جار، والسرر: واحدها سرير وهو ما يجلس أو ينام عليه، وأفضله ما كان مرفوعا عن الأرض، والأكواب: واحدها كوب وهو ما لا عروة له من الكيزان، موضوعة: أي معدة ومهيأة للشراب، والنمارق: واحدها نمرقة (بضم النون وكسرها) وهي الوسادة قال:

كهول وشبّان حسان وجوههم على سرر مصفوفة ونمارق

والزرابيّ: واحدها زربي (بكسر الزاى) وزربية وهو البساط، وأصل الزرابي أنواع النبات إذا احمرت واصفرت وفيها خضرة، ويقال أزرب النبات إذا صار كذلك سموا بهذا البسط لشبهها به، ومبثوثة: أي مفرقة في المجالس بحيث يرى في كل مجلس شيء منها كما يرى في بيوت ذوي الثراء.

الإيضاح

بعد أن وفى الكفرة الفجرة حقهم من الوصف - وصف أهل الإخلاص والصدق لتقرّ أعينهم بما سيلقون من فضله فقال:

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ) أي ووجوه يومئذ ذات نضرة وبهجة كما قال: « تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ » ولا تكون كذلك إلا إذا كانت منعمة فرحة بما لاقت جزاء سعيها في الدنيا ورضي الله عنها ومن ثم قال:

(لِسَعْيِها راضِيَةٌ) أي إنهم جميعا يسعون في العمل لله حين رأوا ثمرته وعاقبته الحسنى، كالرجل يعمل العمل فيجزى عليه الجميل، ويظهر له منه عاقبة حميدة، فيقول ما أحسن ما عملت، ولقد وفقت إلى الصواب فيما فعلت.

وبعد أن وصف أهل الثواب وصف ديارهم بسبعة أوصاف فقال:

(1) (فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ) أي عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة، لأن الجنة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النار دركات بعضها أسفل من بعض.

وقد يكون المراد منه العلوّ في الدرجة، لأن نعيم الجنة بعضه أرفع من بعض فالنعيم الذي يتمتع به السابقون من الأنبياء والشهداء والصالحين أعلى منزلة وأرفع قدرا مما يتمتع به الذين اتبعوهم بإحسان.

(ب) (لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً) أي إنها منزهة عن اللغو، إذ أنها منزل جيران الله وأحبائه، وقد نالوها بالجد والعمل لا باللغو، ومنازل أهل الشرف في الدنيا تكون مبرأة من اللغو والكذب والبهتان، فكيف بأرفع المجالس في جوار رب العالمين، ومالك قلوب الخلق أجمعين.

(ح) (فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ) أي في تلك الجنة ينبوع ماء جار، والمياه الجارية من الينابيع تكون صافية، وفى منظرها مسرة للنفوس، وقرّة للعيون، وقد افتخر بمثلها فرعون فقال: « أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ».

(د) (فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) أي مرفوعة عالية إذا جلس عليها المؤمن رأى جميع ما أعطاه الله من النعيم ورأى من في الجنة وفى ذلك من التشريف والتكريم ما لا خفاء فيه.

(ه) (وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ) على حافات العيون كلما أرادوا الشرب وجدوها.

(و) (وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ) أي ووسائد مصفوف بعضها إلى جوانب بعض، فإن شاءوا جلسوا عليها، وإن أرادوا استندوا إليها، وإن أحبوا أن يجلسوا على بعضها ويستندوا إلى بعض فعلوا.

(ز) (وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) أي وبسط مبسوطة في المجالس، بحيث يرى في كل مجلس من مجالسهم منها شيء، كما يرى في بيوت المترفين وذوي الثراء في الدنيا.

وقد ذكر سبحانه كل ما سلف تصويرا لترف أهل الجنة تصويرا يقرّبه من عقولهم، ويستطيعون به إدراكه وفهمه، وإلا فإن نعيم الجنة مما يسمو على الفكر ويعلو فوق متناول الإدراك فالأشياء التي عدّدها سبحانه تتشابه مع نظائرها التي في هذه الحياة بأسمائها، فأما حقائقها وذواتها فليست مثلها ولا قريبا منها، كما أثر عن ابن عباس أنه قال: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء.

[سورة الغاشية (88): الآيات 17 الى 20][عدل]

أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)

شرح المفردات

الإبل: واحدها بعير ولا واحد لها من لفظها كنساء وقوم، ورفع السماء إمساك ما فوقنا من شموس وأقمار ونجوم، ونصب الجبال: إقامتها أعلاما للسائرين، وملجأ للحائرين، وسطح الأرض: تمهيدها وتوطئتها للإقامة عليها والمشي في مناكبها.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه مجىء يوم القيامة، وبين أن الناس حينئذ صنفان أشقياء وسعداء وأن الأشقياء يكونون في غاية الذل والهوان، وأن السعداء يكونون يومئذ مستبشرين بادية على وجوههم علائم المسرة - أعقب هذا بإقامة الحجة على الجاحدين المنكرين لذلك، وتوجيه أنظارهم إلى آثار قدرته فيما بين أيديهم، وما يقع تحت أبصارهم من سماء تظلّ، وأرض تقلّ، وإبل ينتفعون بها في حلّهم وترحالهم، ويأكلون من لحومها وألبانها ويلبسون من أوبارها، وجبال تهديهم في تلك الفيافي والقفار.

أخرج عبد بن حميد في آخرين عن قتادة قال: لما نعت الله تعالى ما في الجنة تعجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله تعالى هذه الآيات.

الإيضاح

(أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) أي أينكر هؤلاء المشركون ما ذكرنا من أمر البعث وما يتصل به من سعادة وشقاء، ويستبعدون وقوعه، ولا يتدبرون في الإبل التي هي نصب أعينهم، ويستعملونها في كل حين؟ ولو أنهم تدبروا في خلقها لرأوا خلقا بديعا لا يشاكل خلق أكثر الحيوان، فلها من عظم الجثة، وشدة القوة، وعظيم الصبر على الجوع والعطش ما لا يشاركها فيه حيوان آخر - إلى أنها تحتمل المشاقّ، وتنهض بالأوقار، وتقطع شاسع المسافات، حتى لقبوها: سفينة الصحراء - قال شاعرهم:

ما فرّق الألا ف بعد الله إلا الإبل

وما غراب البين إلا ناقة أو جمل

إلى أنها تنقاد للصغير والكبير وتحمل أذاهما. قال العباس بن مرداس:

وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير

وتكتفى في المرعى بما تيسر لها من الشوك والشجر، إلى أنها أعجب ما عندهم، وهم واقفون على أحوالها، عالمون بطباعها.

وجاء الكلام بطريق الاستفهام، إنكارا عليهم، وتوبيخا لهم على جحد أمر البعث.

(وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) أي ألا يشاهدون السماء وقد رفعت رفعا سحيق المدى بغير عمد؟

(وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) أي وإلى الجبال كيف وضعت وضعا ثابتا لا ميدان فيه ولا اضطراب، فيتسنى ارتقاؤها في كل حين، وتجعل أمارة للسالكين في تلك الفيافي والقفار، وتنزل عليها المياه التي ينتفع بها في سقى النبات وري الحيوان.

(وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) ومهدت على ما يقتضيه صلاح أمور ساكنيها وانتفاعهم بما في ظاهرها من المنافع وما في باطنها من المعادن.

وقصارى ما سلف - إنه لو نظر هؤلاء الجاحدون المعاندون فيما تقع عليه أنظارهم من هذه الأشياء وفكروا فيها، لعلموا أنها صنعة لا توجد إلا بموجد عظيم، ولا تحفظ إلا بحافظ قدير، ولأدركوا أن القادر على خلق هذه المخلوقات وسوّاها وحفظها ووضعها على قواعد الحكمة - قادر على أن يرجع الناس في يوم يوفى فيه كل عامل جزاء عمله، وأن ينشئ النشأة الآخرة من غير أن يعرفوا طريق إنشائها، فلا ينبغي أن يكون جهلهم بكيفية يوم القيام سببا في جحده وإنكاره.

وإنما خص هذه المخلوقات بالذكر، لأن الناظر منهم يفكر في أقرب الأشياء إليه، فهو يرى بعيره الذي يمتطيه، ثم إذا هو رفع رأسه فوق رأى السماء، ثم إذا التفت يمنة أو يسرة رأى ما حواليه من الجبال فإذا مدّ ناظريه أمامه أو تحته رأى الأرض، فالعربي يرى ذلك كل يوم، ومن ثمّ أمره الله بالتدبر فيها.

[سورة الغاشية (88): الآيات 21 الى 26][عدل]

فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26)

شرح المفردات

فذكر: أي عظ قومك وابعثهم على النظر في ملكوت السموات والأرض، بمسيطر: أي بمسلط تجبرهم على ما تريد، إيابهم: أي رجوعهم.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه دليل قدرته تعالى على بعث الأجساد ولفت أنظار الجاحدين إلى مظاهر قهره وغلبته لهذا العالم، ثم وبخهم على إنكارهم وتماديهم في باطلهم، على وضوح الحجة وظهور البرهان، أردف ذلك أمره صلى الله عليه وسلم أن يذكرهم بهذه الأدلة وأشباهها مما لا يبقى معه مجال للشك والتردد.

الإيضاح

(فَذَكِّرْ) بآياتى، وعظهم بحججي، وبلغهم رسالاتى، وحذرهم أن يتركوا ذلك، ثم بعدئذ لا تذهب نفسك عليهم حسرات إن لم يؤمنوا.

ثم علل الأمر بالتذكير فقال:

(إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ) أي إنما بعثت للتذكير فحسب وليس من الواجب عليك أن يؤمنوا: فما عليك إلا التبشير والتحذير، فإن آمنوا فقد اهتدوا إلى ما تسوق إليه الفطرة، وإن أعرضوا فقد تحكمت فيهم الغفلات، وتغلبت عليهم الشهوات، واستولت على عقولهم الأهواء والجهالات.

ثم أكد الإنذار وقرره بقوله:

(لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) أي لست عليهم بمسلط تجبرهم على ما تريد، وتتعهد أحوالهم، وتكتب أعمالهم، فلم نؤت قوة الإكراه على ا لإيمان، والإلجاء إلى ما تدعوهم إليه كما قال: « أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟ » وقال: « وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ».

(إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ. فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ) أي إنك وإن كنت داعيا وليس لك سلطان على ما في نفوسهم، فالله هو المسيطر عليهم، وصاحب السلطان على سرائرهم فمن تول منهم وأعرض عن الذكرى، وجحد الحق المعروض عليه فالله يعذبه العذاب الأكبر في الآخرة وقد يضم إلى ذلك عذابا في الدنيا من قتل أو سبى الذرية أو غنيمة للأموال، إلى نحو أولئك من صنوف البلاء التي ينزلها بهم.

ثم أكد تعذيب الله لمن تولى وكفر فقال:

(إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) أي لا مفرّ للمعرضين، ولا خلاص لهم من الويل الذي أوعدوا به فإنهم راجعون إلينا، وقد حق القول منا في عقابهم وسنحاسبهم على ما كسبت أيديهم.

وفي هذا تسلية لقلب رسوله، وإزالة أحزانه وآلامه، لتكذيبهم إياه، وإصرارهم على معاندته.

وصلى الله على محمد وآله البررة الكرام.

مقاصد هذه السورة[عدل]

تضمنت هذه السورة ثلاثة مقاصد:

(1) وصف أهل الجنة ووصف أهل النار.

(2) ذكر عجائب الصنعة الإلهية.

(3) أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتذكير بما أرسل إليه من الشرائع.

تفسير المراغي
مقدمة التفسير | الفاتحة | البقرة | آل عمران | النساء | المائدة | الأنعام | الأعراف | الأنفال | التوبة | يونس | هود | يوسف | الرعد | إبراهيم | الحجر | النحل | الإسراء | الكهف | مريم | طه | الأنبياء | الحج | المؤمنون | النور | الفرقان | الشعراء | النمل | القصص | العنكبوت | الروم | لقمان | السجدة | الأحزاب | سبأ | فاطر | يس | الصافات | ص | الزمر | غافر | فصلت | الشورى | الزخرف | الدخان | الجاثية | الأحقاف | محمد | الفتح | الحجرات | ق | الذاريات | الطور | النجم | القمر | الرحمن | الواقعة | الحديد | المجادلة | الحشر | الممتحنة | الصف | الجمعة | المنافقون | التغابن | الطلاق | التحريم | الملك | القلم | الحاقة | المعارج | نوح | الجن | المزمل | المدثر | القيامة | الإنسان | المرسلات | النبأ | النازعات | عبس | التكوير | الانفطار | المطففين | الانشقاق | البروج | الطارق | الأعلى | الغاشية | الفجر | البلد | الشمس | الليل | الضحى | الشرح | التين | العلق | القدر | البينة | الزلزلة | العاديات | القارعة | التكاثر | العصر | الهمزة | الفيل | قريش | الماعون | الكوثر | الكافرون | النصر | المسد | الإخلاص | الفلق | الناس | خاتمة التفسير | فهارس الأجزاء