تفسير المراغي/سورة الحجر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تفسير المراغي
سورة الحجر
أحمد مصطفى المراغي



سورة الحجر


هي مكية وآيها تسع وتسعون.

ومناسبتها لما قبلها من وجوه:

(1) إنها افتتحت بمثل ما افتتحت به سابقتها من وصف الكتاب المبين.

(2) إنها شرحت أحوال الكفار يوم القيامة وتمنيهم أن لو كانوا مسلمين كما كانت السالفة كذلك.

(3) إن في كل منهما وصف السموات والأرض.

(4) إن في كل منهما قصصا مفصّلا عن إبراهيم عليه السلام.

(5) إن في كل منهما تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم بذكر ما لاقاه الرسل السالفون من أممهم وكانت العاقبة للمتقين.

[سورة الحجر (15): الآيات 1 الى 5][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (4) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (5)

شرح المفردات

ربما (بضم الراء وتخفيف الباء وتشديدها) كلمة تدل على أن ما بعدها قليل الحصول، فإذا قيل ربما زارنا فلان دل على أن حصول الزيارة منه قليل، يلههم: أي يشغلهم من قولهم: لهيت عن الشيء ألهى لهيا إذا أعرضت عنه، ما تسبق: أي ما يتقدم زمان أجلها.

الإيضاح

(الر) تقدم القول في بيان معاني هذه الحروف ومبانيها، فذكرنا أنها حروف تنبيه بمنزلة ألا، ويا، وينطق بأسمائها ساكنة فيقال: (ألف. لام. را).

(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) أي تلك السورة من آيات ذلك الكتاب الكامل من بين سائر الكتب المنزلة من عند الله، المبين للرشد من الغي، والمظهر في تضاعيفه للحكم والأحكام.

(رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) هذا إخبار من الله عن الكفار بأنهم سيندمون في الآخرة على ما كانوا عليه من الكفر، ويتمنون أن لو كانوا في الدنيا مسلمين.

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا بلى، قالوا فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا، قال ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين، ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ».

ونحو الآية قوله تعالى: « وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ». قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلم ودّ أن لو كان مسلما.

وقصارى ذلك - قد يتمنى الذين كفروا لو كانوا مسلمين حينما يعاينون العذاب وقت الموت: « والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون » وفى الموقف حينما يرون هول العذاب وقد انصرف المسلمون إلى الجنة وسيقوا هم إلى النار، والمسلمون المذنبون عذّبوا بذنوبهم ثم خرجوا منها وبقي الكافرون في جهنم.

وقد جاءت (ربما) للتقليل على سنة العرب في نحو قولهم: ربما تندم على ما فعلت، ولعلك تندم على ما فعلت، لا يقصدون التقليل في نحو ذلك، وإنما يريدون أن الندم لو كان مشكوكا فيه أولو كان قليلا لحق عليك ألا تفعل هذا الفعل، إذ العاقل يتحرز من التعرض للغم المظنون كما يتعرض للغم المتيقن، ويبتعد عن القليل منه كما يبتعد عن الكثير.

(ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ) أي دعهم أيها الرسول في غفلاتهم يأكلون كما تأكل الأنعام، ويتمتعون بلذات الدنيا وشهواتها، وتلهيهم الآمال عن الآجال، فيقول الرجل منهم غدا سأنال ثروة عظيمة، وأحظى بما أشتهى، ويعلو ذكرى، ويكثر ولدي، وأبنى القصور، وأكثر الدور، وأقهر الأعداء، وأفاخر الأنداد، إلى نحو ذلك مما يغرق فيه من بحار الأماني والآمال وطلب المحال.

ثم علل الأمر بتركهم بقوله:

(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) سوء صنيعهم إذا هم عاينوا سوء جزائهم، ووخامة عاقبتهم وفى هذا وعيد بعد تهديد، وإلزام لهم بالحجة ومبالغة في الإنذار، وقد جاء في أمثالهم (أعذر من أنذر) وإيماء إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للآخرة والتأهب لها - ليس من أخلاق المؤمنين.

أخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن عمرو بن شعيب مرفوعا قال: « صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل ».

وروي عن الحسن أنه قال: ما أطال عبد الأمل، إلا أساء العمل.

وروي عن على أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنتين، طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسى الآخرة، واتباع الهوى يصدّ عن الحق.

وبعد أن هدد من كذب الرسول بقوله: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، ذكر سر تأخير عذابهم إلى يوم القيامة وعدم التعجيل به كما فعل بكثير من الأمم السالفة فقال:

(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) أي وما أهلكنا قرية من القرى بالخسف بها وبأهلها كما فعل ببعضها، أو بإخلائها من أهلها بعد إهلاكهم كما فعل بأخرى، إلا ولها أجل مقدر مكتوب في اللوح المحفوظ لا ينسى ولا يغفل عنه ولا يتقدم عن وقته ولا يتأخر.

وخلاصة ذلك - إننا لو شئنا لعجلنا لهم العذاب فصاروا كأمس الدابر، ولكن لكل أجل كتاب، وشأننا الإمهال لا الإهمال.

وبعد أن بين سبحانه أن الأمم المهلكة كان لكل منهم وقت معين لهلاكهم بحسب ما هو مكتوب في اللوح - بين أن كل أمة منهم ومن غيرهم لها أجل لا يمكن التقدم عليه ولا التأخر عنه فقال:

(ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ) أي لا يجىء هلاك أمة قبل محىء أجلها، ولا يتأخر الهلاك متى حل الأجل.

وفي هذا تنبيه لأهل مكة وارشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك، وزجر لهم بأن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترّوا به، فالهلاك مدّخر لهم لا يتقدم ولا يتأخر.

[سورة الحجر (15): الآيات 6 الى 15][عدل]

وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (11) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)

تفسير المفردات

الذكر: هو القرآن، و(لوما) مثل (هلا) كلمة تفيد الحث والحضّ على فعل ما يقع بعدها، منظرين: أي مؤخرين، والشيع: واحدهم شيعة وهي الجماعة المتفقة على مبدأ واحد في الدين والمعتقدات، أو في المذاهب والآراء. نسلكه: أي ندخله يقال سلكت الخيط في الإبرة: أي أدخلته فيها، يعرجون: يصعدون، سكّرت: سددت ومنعت من الإبصار، مسحورون: أي سحرنا محمد بظهور ما أبداه من الآيات

المعنى الجملي

بعد أن هدد سبحانه الكافرين وبالغ في ذلك أيما مبالغة - شرع يذكر بعض مقالاتهم في محمد صلى الله عليه وسلم المتضمنة للكفر بما جاء به، ثم يذكر ما هم فيه من جحود وعناد بلغا مدى تنكر معه المشاهدات، ويدّعى معه السحر والخداع حين رؤية المبصرات.

ثم ذكر سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم تسلية له أن ما صدر منهم من السفه ليس بدعا، فهذا دأب كل محجوج، فكثير من الأمم السالفة فعلت مثل هذا مع أنبيائها، فلك أسوة بهم في الصبر على سفاهتهم وجهلهم.

قال مقاتل: القائلون هذه المقالة هم عبد الله بن أمية والنضر بن الحرث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة من صناديد قريش.

الإيضاح

(وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) أي وقالوا استهزاء وتهكما: أيها الرجل الذي زعم أنه نزّل عليه القرآن: إن ما تقوله أملاه عليك الجنون، وليس له معنى معقول، وهو مخالف لآرائنا، بعيد من معتقداتنا، فكيف نقبل ما لا تقبله العقول، ولا ترضاه الفحول، من رجالاتنا الفخام، وعشائرنا العظام؟

(لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي إن كان ما تدعيه حقا وقد أيدك الله وأرسلك، فما منعك أن تسأله أن ينزل معك ملائكة من السماء يشهدون بصدق نبوتك.

وخلاصة ذلك: إن من يخالف آراءنا إما مجنون وإما له سلطان عظيم من ربه، وحينئذ فماذا يمنعه أن يقويه بالملائكة ليشهدوا بصدقه؟.

ونحو الآية قوله: « وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ » وقال فرعون في شأن موسى: « فلو لا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين » وقوله: « وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا، لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ».

وقد أجاب الله عن اقتراحهم فقال:

(ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي ما ننزل الملائكة إلا بالحكمة والفائدة، وليس في نزول الملائكة من السماء وأنتم تشاهدونهم - فائدة لكم، لأنكم إذا رأيتموهم قلتم إنهم بشر لأنكم لا تطيقون رؤيتهم إلا وهم على الصورة البشرية، إذ هم من عالم غير عالمكم، وإذا قالوا نحن ملائكة كذبتموهم، لأنهم على صورتكم فيحصل اللبس ولا تنتفعون بهم وإلى هذا أشار في سورة الأنعام بقوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ».

(وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) أي إن في نزول الملائكة ضررا لهم لا محالة، لأنا مهلكهم ولا نؤخرهم، إذ قد جرت عادتنا في الأمم قبلهم أنهم إذا اقترحوا آية وأنزلناها عليهم ولم يؤمنوا بها - يكون العذاب في إثرها، فلو أنا أنزلناهم ولم يؤمنوا بهم لحق عليهم عذاب الاستئصال ولم ينظروا ساعة من نهار.

والخلاصة - إنه ليس في إنزال الملائكة إليهم فائدة لهم بل فيه اللبس عليهم، إلى ما فيه من الضرر المحقق لهم وهو الهلاك، وحينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم.

ثم أجاب سبحانه عن قولهم الأول، وردّ إنكارهم تنزيل الذكر واستهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلّاه على ذلك بقوله:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) أي إنما أنتم قوم ضالون مستهزئون بنبينا، وليس استهزاؤكم بضائره، لأنا نحن نزلنا القرآن ونحن حافظوه، فقولوا إنه مجنون، ونحن نقول: إنا نحفظ الكتاب الذي أنزلناه عليه من الزيادة والنقص، والتغيير والتبديل، والتحريف والمعارضة، والإفساد والإبطال.

وسيأتي في مستأنف الأزمان من يتولون حفظه والذب عنه، ويدعون الناس إليه، ويستخرجون لهم ما فيه من عبر وحكم، وآداب وعلوم، تناسب ما تستخرجه العقول من المخترعات، وتستنبطه الأفكار من نظريات وآراء فيستنير بها العارفون، ويهتدى بهديها المفكرون، فلا تبتئس أيها الرسول بما يقولون وما يفعلون.

ثم سلّى رسوله عما أصابه من سفه قومه وادعائهم جنونه - بأن هذا دأب الأمم المكذبة لرسلها من قبل، فلقد أصابهم مثل ما أصابك من قومك، فاستهزءوا بهم كما استهزأ قومك بك، فنصرنا رسلنا وكبتنا أعداءهم، وسيكون أمركم وأمرهم كذلك، وإلى ذلك أشار بقوله:

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ، وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أي إننا أرسلنا قبلك رسلا لأمم قد مضت، وما أتى أمة رسول إلا كذبوه واستهزءوا به، لما جرت به العادة من أن فعل الطاعات وترك اللذات - مستثقل على النفوس - إلى أنهم يدعونهم إلى ترك ما ألفوا من المعتقدات الخبيثة، وترك عبادة الأوثان الباطلة، وذلك مما يشق على النفوس، إلى أن الرسول قد يكون فقيرا لا أعوان له ولا أنصار، ولا مال ولا جاه، فلا يتبعه الرؤساء وذوو البأس والقوة، بل يعملون على مشاكسته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، إلى أن الله يخذلهم ويلقى دواعى الكفر في قلوبهم بحسب السنن التي سنها لعباده كما يرشد إلى ذلك قوله:

(كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) أي كذلك نلقى القرآن في قلوب المجرمين مستهزأ به غير مقبول لديهم، لأنه ليس في نفوسهم استعداد لتلقى الحق، ولا تضىء نفوسهم بمصابيح هدايته الربانية، كما كانت حال الأمم الماضية حين ألقيت عليهم الكتب المنزّلة من الملأ الأعلى.

وقد جرت سنة الله في الأولين ممن بعث إليهم الرسل أن يخذلهم ويدخل لكفر والاستهزاء في قلوبهم، ثم يهلكهم وتكون العاقبة للمتقين والنصر حليف رسله والمؤمنين، فلك أسوة بالرسل قبلك مع أممهم المكذبة، ولست بأوحدي في ذلك.

والخلاصة - هكذا نفعل باللاحقين كما فعلنا بالسابقين، ويستهزىء بك المجرمون ولا يؤمنون بكتابنا، وسيحل بهم مثل ما حل بالأولين وننصرك عليهم بعد حين كما قال: « وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ».

ثم بين سبحانه عظيم عنادهم ومكابرتهم للحق فقال:

(وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) أي ولو فتحنا على هؤلاء المعاندين بابا من السماء فظلوا في ذلك الباب يصعدون، فيرون من فيها من الملائكة، وما فيها من العجائب - لقالوا لفرط عنادهم وغلوهم في المكابرة: إنما سدت أبصارنا، فما نراه تخيل لا حقيقة له، وقد سحرنا محمد بما يظهر على يديه من الآيات.

ونحو الآية قوله تعالى: « وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ».

وخلاصة هذا - هبنا فتحنا عليهم بابا من السماء وقلنا لهم اعرجوا فيه، أفلا يقولون في أنفسهم ويقول بعضهم لبعض: إنما سحرنا محمد كما يفعل علماء السيميا.

إذ يفعلون أفعالا تخيل للإنسان أنه طائر وليس بطائر، وكما يفعل علماء التنويم المغناطيسى في هذه الأيام، فالمنوّم يقول للمنوّم: أنت ملك. أنت امرأة. أنت كذا فيصدّق كل ما قيل له. وهكذا في النوع البشرى أقوام لهم قدرة على استهواء العقول فيخيلون للإنسان ما لا حقيقة له، وقد أصبح هذا العلم فنّا يدرس في معاهد أوربا وأمريقا. فكيف يكون مثل هذا دليلا أو موجبا للتصديق؟ كلا فإن أمثال ذلك لا يقوم بهداية نوع الإنسان.

وبعد فكيف يقترح هؤلاء عليك الآيات، ويغرمون بما يخرق العادات، من ملائكة يرونها، وعجائب ينظرونها، وهل تغنى تلك الآيات، وهل النوع الإنساني يكفيه ما يخالف العادات؟ فما يشتبه على الناس بأفعال السحرة والمشعوذين يوقعهم في اللبس، فكم من نبي أيدناه بمثل تلك الآيات ولم يؤمن به من قومه إلا قليل منهم، وما الآيات إلا ما تفهمه العقول، وتمحّصه القرائح درسا وتحليلا، وبحثا واستنباطا.

[سورة الحجر (15): الآيات 16 الى 20][عدل]

وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (17) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (20)

تفسير المفردات

البروج: واحدها برج وهي النجوم العظام، ومنها نجوم البروج الاثني عشر المعروفة في علم الفلك، للناظرين: أي المفكّرين المستدلين بذلك على قدرة مقدّرها وحكمة مدبّرها، وحفظناها: أي منعناها، والرجيم: أي المرجوم المرمى بالرّجام: أي الحجارة، والمراد بالرجيم هنا المرمي بالنجوم، واسترق: من السرقة، وهي أخذ الشيء خفية شبه به خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى، والسمع: المراد به ما يسمع، والشهاب: الشعلة الساطعة من النار الموقدة ومن السحاب في الجو وتبعث القوم تبعا وتباعة بالفتح: أي مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم وأتبعت القوم إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، مددناها: أي بسطناها، والرواسي: واحدها راسية وهي الجبال الثوابت. موزون: أي مقدر بمقدار معين تقتضيه الحكمة والمصلحة.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر شديد جحودهم وأنهم مهما أوتوا من الآيات لم يفدهم ذلك شيئا حتى بلغ من أمرهم أن ينكروا المشاهدات ويدعوا الخداع حين رؤية المبصرات، أعقب هذا ببيان أنهم قد كانوا في غني عن كل هذا، فإن في السماء وبروجها العالية، وشموسها الساطعة، وأقمارها النيّرة، وسياراتها الدائرة، وثوابتها الباسقة عبرة لمن اعتبر، وحجة لمن ادّكر، فهلّا نظروا إلى الكواكب وحسابها، ونظامها ومداراتها، وكيف حدثت بها الفصول والسنون، وكيف كان ذلك بمقادير محدودة وأوقات معلومة؟ لا تغيير فيها ولا تبديل، فبأمثال هذا يكون اليقين، وبالتدبر فيه تقوى دعائم الدين، ويشتد أزر سيد المرسلين.

وهلّا رأوا الأرض كيف مدّت، وثبتت جبالها، وأنبتت نباتها، بمقادير معلومة موزونة في عناصرها وأوراقها، وأزهارها وثمارها، وجعل فيها معايش للإنسان والحيوان. أفلا يعتبرون بكل هذا؟ « وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ؟ ».

الإيضاح

(وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ) أي ولقد خلقنا في السماء نجوما كبارا ثوابت وسيارات، وجعلناها وكواكبها بهجة لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من عجائبها الظاهرة، وآياتها الباهرة، التي يحار الفكر في دقائق صنعتها، وقدرة مبدعها.

ونحو الآية قوله تعالى: « إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ » (وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) أي ومنعنا كل شيطان رجيم من القرب منها كما قال في آية أخري. « وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ » أي وحفظناها من كل شيطان خارج من الطاعة برميه بالشهب، كما تحفظ المنازل من متجسس يخشى منه الفساد.

(إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ) أي لكن من أراد اختطاف شيء من عالم الغيب مما يتحدث به الملائكة في الملأ الأعلى - تبعه كوكب مشتعل نارا ظاهرا للمبصرين فأحرقه، ولم يصل إلى معرفة شيء مما يدبّر في ملكوت السموات، وبهذا المعنى قوله: « لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ».

وجاء بمعنى الآية قوله في سورة الجن حكاية عنهم: « وأنّا لمسنا السّماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنّا كنّا نقعد منها مقاعد للسّمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا » وقوله في صورة الملك: « وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ».

وبعد، فالكتاب الكريم أخبر بأن الشياطين أرادوا أن يختطفوا شيئا من أخبار الغيب مما لدى الملائكة الكرام، فسلّطت عليهم الشهب المشتعلة، والنجوم المتقدة، فأحرقتهم، ولا نبحث عن معرفة كنه ذلك، ولا ننعم في النظر، لندرك حقيقته، لأنا لم نؤت من الوسائل والأسباب ما يمكننا من معرفة ذلك معرفة صحيحة، تجعلنا نؤمن به إيمانا مبنيا على البرهان بوسائله المعروفة، وليس لنا إلا التصديق بما جاء في الكتاب وأوحى به إلى النبي الكريم، والبحث وراء ذلك لا يقفنا على علم صحيح، بل على حدس وتخمين، لا حاجة للمسلم به للاطمئنان في دينه، فالأحرى به أن يعرض عنه لئلا يحيد عن القصد، ويضل عن سواء السبيل.

وبعد أن ذكر الدلائل السماوية على وحدانيته أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال:

(وَالْأَرْضَ مَدَدْناها) أي وقد بسطنا الأرض وجعلناها ممتدة الطول والعرض والعمق، ليمكن الانتفاع بها على الوجه الأكمل، وهذا فيما يظهر في مرأي العين، فلا يدل على نفى الكروية عن الأرض، لأن الكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي.

(وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ) أي وجعلنا فيها جبالا ثوابت خوف أن تضطرب بسكانها كما قال في آية أخرى: « وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » وقد سبق تفصيل ذلك في سورة الرعد.

(وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) أي إن كل نبات قد وزنت عناصره وقدرت تقديرا، فترى العنصر الواحد يختلف في نبات عنه في آخر بوساطة امتصاص الغذاء من العروق الضاربة في الأرض ومنها يرفع إلى الساق والأغصان والأوراق والأزاهير، والذي حدد هذا الاختلاف، تلك الفتحات الشعرية التي في ظواهر الجذور وثقوب كل نبات لا تسع إلا المقدار اللازم لها من العناصر وتطرد ما سواه، لأنه لا يلائمها، إذ هي قد كونت على هيئة خاصة بحيث لا تبتلع إلا تلك المقادير بعينها.

وهاك عنصر البوتاس تره يدخل في حب الذرة الذي نأكله بمقدار 32 وفي القصب 3 ر 34 وفى البرسيم بمقدار 6 ر 34 وفى البطاطس بمقدار 5 ر 61 وبهذا التفاوت صلح القصب لأن يكون سكرا، والبرسيم لأن يكون قوتا للبهائم، والذرة والبطاطس لأن تكونا قوتا للإنسان.

وحسبك دليلا على ذلك ما تجده في سورة الرحمن من قوله: « وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ » كما نظم سبحانه الكواكب في سيرها وأوضاعها، وحركاتها وأضوائها، ووزن عناصرها بمقادير يتناسب بعضها مع بعض.

فلك الحمد ربنا جعلت كل شيء في الحياة موزونا بقدر معلوم، لتتدبر نظم الحياة، فنعرف قدرة منشىء العالم، وأنه لم يخلق شيئا فيه جزافا، ليكون فيه دليل على قدرة المبدع والمدبر له حال وجوده.

(وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) أي إن أنواع معايشكم من غذاء وماء، ولباس ودواء، قد سخرناها لكم في الأرض، فلا السمك في البحر غذّيتموه، ولا الطير في الجوّ ربيتموه، ولا غيرهما من أشجار الجبال والغابات وحيوان البر والبحر خلقتموه.

(وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) أي وجعلنا لكم فيها من لستم رازقيه من العيال والمماليك والخدم والدواب. وفى هذا إيماء إلى أن الله يرزقهم وإياهم لا أنهم يرزقون منهم، وفى ذلك عظيم المنة، وجزيل الفضل والعطاء، وواسع الرحمة لعباده.

وخلاصة هذا - إنه سبحانه يسّر لكم أسباب المكاسب، وصنوف المعايش وسخّر لكم الدواب التي تركبونها، والأنعام التي تأكلونها، والعبيد التي تستخدمونها، فكل أولئك رزقهم على خالقهم لا عليكم، فلكم منها المنفعة، ورزقها على الله تعالى.

[سورة الحجر (15): الآيات 21 الى 25][عدل]

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)

تفسير المفردات

الخزائن: واحدها خزانة وهي المكان الذي تحفظ فيه نفائس الأموال، واللواقح: واحدها لاقح أي ذات لقاح وحمل، وأسقيناكموه: أي جعلناه لكم سقيا لمزارعكم ومواشيكم، تقول العرب إذا سقت الرجل ماء أو لبنا سقيته، وإذا أعدوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته قالوا أسقيته أو أسقيت أرضه أو ماشيته. والمستقدمين: من ماتوا، والمستأخرين: الأحياء الذين لم يموتوا بعد.

المعنى الجملي

بين سبحانه فيما سلف أنه أنزل النبات وجعل لنا فيه معايش في هذه الحياة وهنا أتبعه بذكر ما هو كالسبب في ذلك، وهو أنه تعالى مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، فإن عنده خزائن الأشياء من النبات والمعادن النفيسة المخلوقات البديعة مما لا حصر له.

الإيضاح

(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) أي ما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده والإنعام به متى أردنا دون أن يكون تأخير ولا إبطاء، فخزائن ملكنا مليئة بما تحبون من النفائس، غير محجوبة عن الباحث الساعي إلى كسبها من وجوهها بحسب السنن التي وضعناها، والنظم التي قدرناها، ولا يمنعها مانع، ولا يستطيع دفعها دافع، فهي تحت قبضة الطالب لها إذا أحسن المسعى وأحكم الطلب كما قال: « فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ».

(وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) أي وما نعطى ذلك ألا بقسط محدود نعلم أن فيه الكفاية لدى الحاجة، وفيه الرحمة بالعباد كما قال: « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ».

وقد جرت سنة القران بأن يسمى ما يصل إلى العباد بفضل الله وجوده إنزالا كما قال: « وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ » وقال « وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ».

ثم فصل بعض ما في خزائنه من النعم فقال:

(وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) أي إن من فضله على عباده وإحسانه إليهم أن أرسل إليهم الرياح لواقح، ويكون ذلك على ضروب.

(1) أن يرسلها حاملات للسحاب، فتلقّح بها الأشجار بما تنزل عليها من الأمطار فتغيرها من حال إلى حال، فتعطيها حياة جديدة إذ تزدهر أزهارها، وتثمر أغصانها، بعد أن كانت قد ذبلت وصوّحت، وأصبحت في مرأي العين كأنها ميتة لا حياة فيها كما قال تعالى: « وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ ».

(2) أن يرسلها ناقلة لقاح الأزهار الذكور إلى الأزهار الإناث لتخرج الثمر والفواكه للناس.

(3) أن يرسلها لتزيل عن الأشجار ما علق بها من الغبار، لينفذ الغذاء إلى مسامّها فيكون ذلك رياضة للشجر والزرع كرياضة الحيوان.

(فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ) أي فأنزلنا من السحاب مطرا فأسقيناكم ذلك المطر لشرب زرعكم ومواشيكم، وفى ذلك استقامة أمور معايشكم، وتدبير شئون حياتكم إلى حين كما قال: « وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ».

(وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ) أي ولستم بخازنى الماء الذي أنزلناه، فتمنعوه من أن أسقيه من أشاء، لأن ذلك بيدي وهو خاضع لسلطانى، إن شئت حفظته على سطح الأرض، وإن شئت غار في باطنها وتخلل طبقاتها، فلا أبقى منه شيئا ينفع الناس والحيوان، ويسقى الزرع الذي عليه عم اد حياتكم.

والخلاصة - نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله، وما أنتم على ذلك بقادرين.

وبعد أن ذكر نظم المعيشة في هذه الحياة ذكر إحياء الإنسان وإماتته فقال: وإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ) أي وإنا لنحيى من كان ميتا إذا أردنا، ونميت من كان حيا إذا شئنا، ونحن نرث الأرض ومن عليها، فنميتهم جميعا ولا يبقى حي سوانا، ثم نبعثهم كلهم ليوم الحساب، فيلاقى كل امرئ جزاء ما عمل إن خيرا وإن شرا.

ثم أقام الدليل على إمكان ذلك وأثبت قدرته عليه فقال:

(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) أي ولقد علمنا من مضى منكم وأحصيناهم وما كانوا يعملون، ومن هو حي ومن سيأتي بعدكم، فلا تخفى علينا أحوالكم ولا أعمالكم، فليس بالعسير علينا جمعكم يوم التناد للحساب والجزاء يوم ينفخ في الصور كما قال:

(وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ) فيجمع الأولين والآخرين عنده يوم القيامة، من أطاعه منهم ومن عصاه، ويجازي كلا بما عمل، بحسب ما وضع من السنن، وقدّر من ارتباط المسببات بأسبابها، وجعل لكل عمل جزاء له.

ثم أكد هذا وزاده إيضاحا فقال:

(إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) أي إنه تعالى باهر الحكمة واسع العلم، فهو يفعل ما يشاء على مقتضى الحكمة والعدل، وما يؤيده من سعة العلم والفضل.

[سورة الحجر (15): الآيات 26 الى 44][عدل]

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (35) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)

تفسير المفردات

صلصال: أي طين يا بس يصلصل ويصوّت إذا نقر وهو غير مطبوخ، فإذا طبخ فهو فخّار، وحما: أي طين تغير واسودّ من مجاورة الماء له واحدته حمأة، ومسنون: أي مصوّر مفرغ على هيئة الإنسان كالجواهر المذابة التي تصب في القوالب. والجانّ: أي هذا الجنس كما أن الإنسان يراد به ذلك، فإذا أريد بالإنسان آدم أريد بالجان أبو الجن، ونار السموم: هي النار الشديدة الحرارة التي تقتل وتنفذ في المسامّ، بشرا: أي إنسانا وسمى بذلك لظهور بشرته أي ظاهر جلده، سويته: أي أتممت خلقه وهيّاته لنفخ الروح فيه، والنفخ: إجراء الريح من الفم أو غيره في تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، ويراد به هنا إضافة ما به الحياة على المادة القابلة لها، ورجيم: أي مرجوم مطرود من كل خير وكرامة، اللعنة: الإبعاد على سبيل السخط يوم الدين: أي يوم الجزاء، فأنظرني: أي أمهلني وأخرني ولا تمتني، ويوم الوقت المعلوم: هو وقت النفخة الأولى حين تموت الخلائق كما روي عن ابن عباس، والإغواء: الإضلال، هذا صراط علي: أي هذا صراط حق لا بد أن أراعيه مستقيم أي لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره، والسلطان: التسلط والتصرف بالإغواء، سبعة أبواب: أي سبع طبقات، جزء مقسوم: أي فريق معين مفروز من غيره.

الإيضاح

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) أي ولقد خلقنا أول فرد من أفراد الإنسان من طين يابس يصلصل ويصوت إذا نقر، أسود متغير مفرغ في قالب ليجفّ وييبسن كالجواهر المذابة التي تصبّ في القوالب.

ونحو الآية قوله: « خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ » وقد جاء « خلق آدم على أطوار مختلفة فكان أولا ترابا » كما قال: « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » ثم كان طبنا كما قال: « إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ » ثم كان صلصالا من حمأ مسنون كما جاء في هذه الآية وإنما خلقه على ذلك الوضع، ليكون خلقه أعجب وأتم في الدلالة على القدرة.

(وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ) أي وخلقنا هذا الجنس من قبل خلق آدم من نار الريح الحارة التي لها لفح وتقتل من أصابته.

وعن ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان ثم قرأ: (والجان خلقناه من قبل من نار السموم)

وقد ورد في الصحيح « خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ».

وفي الآية إيماء إلى شرف آدم عليه السلام وطيب عنصره وطهارة محتده، وعلينا أن نؤمن بأن الجن خلقت من النار، ولكنا لا نعرف كنه ذلك ولا حقيقته، فذلك ما لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق الوحي.

وبعد أن ذكر سبحانه في معرض الدليل على قدرته - خلق الإنسان الأول، ذكر بعد مقاله للملائكة والجن بشأنه فقال:

(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ. قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) أي واذكر أيها الرسول لقومك حين نوّه ربكم بذكر أبيكم آدم في ملائكته قبل خلقه، وتشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، وتخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسدا وعنادا واستكبارا بالباطل فقال: « لم أكن لأسجد » إلخ.

وحكى عنه في آية أخرى أنه قال: « أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » وتقدم هذا القصص في سورة الأعراف وقلنا هناك: إن الأمر بالسجود أمر تكليفى، وأنه قد وقع حوار بين إبليس وربه، ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، إذ جعل الملائكة وهم المدبّرون لأمور الأرض بإذن ربهم مسخرون لآدم وذريته، وجعل هذا النوع مستعدا للانتفاع بالأرض كلها لعله بسنن الله فيها وعمله بهذا السنن، فانتفع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها، وبذا أظهر حكمة الله في خلقها، واصطفى بعض أفراده وخصهم بوحيه ورسالته وجعلهم مبشرين ومنذرين، وجعل الشيطان عاصيا متمردا على الإنسان وعدوّا له، وجعل النفوس البشرية وسطا بين النفوس الملكية المفطورة على طاعة الله وإقامة سننه في صلاح الخلق، وبين أرواح الجن الذين يغلب على شرارهم - الشياطين - التمرد والعصيان.

وقد ذكر سبحانه حجاج إبليس وذكر سبب امتناعه عن السجود لآدم بأنه خير منه، فإنه خلق من النار وآدم من الطين، والنار خير من الطين وأشرف منه، والشريف لا يعظّم من دونه ولو أمره ربه بذلك.

وفي هذا ضروب من الجهالة وأنواع من الفسق والعصيان فإنه:

(1) اعترض على خالقه بما تضمنه جوابه.

(2) احتج عليه بما يؤيد به اعتراضه.

(3) إنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه وموافقته لهواه، وهذا رفض لطاعة الخالق وترفّع عن مرتبة العبودية.

(4) استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية المواد بعضها على بعض أمر اعتباري تختلف فيه الآراء، إلى أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم.

(5) إنه قد جهل ما خصّ به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة والطاعة لربهم.

(قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ. قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) أمره سبحانه أمرا كونيا لا يخالف بالخروج من المنزلة التي كانت فيها من الملا الأعلى، ثم جعله مرجوما مطرودا وأتبعه لعنة لا تزال متواصلة لاحقة به متواترة عليه إلى يوم القيامة، وهو يبعث الخلق من قبورهم، فيحشرون لموقف الحساب وهو وقت النفخة الأولى، فلما تحقق النّظرة.

(قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) أي قال إبليس: رب بسبب إغوائك إياي وإضلالى لأزينن لذرية آدم واحببنّ إليهم المعاصي وأرغّبنّهم فيها ولأغوينّهم كما أغويتنى وقدّرت علي ذلك إلا من أخلص منهم لطاعتك، ووفقته لهدايتك، فإن ذلك ممن لا سلطان لي عليه ولا طاقة لي به.

ثم هدده سبحانه وأوعده بقوله:

(قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) أي قال هذا طريق مرجعه إلي، فأجازى كل امرئ بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، كما يقول القائل لمن يتوعده ويتهدده: طريقك علي. وأنا على طريقك: أي لا مهرب لك مني، ونظير الآية قوله تعالى: « إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ».

وهذا رد لما جاء في كلام إبليس حيث قال: « لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم.ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم » الآية.

(إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) أي إن عبادي لا سلطان لك على أحد منهم سواء أكانوا مخلصين أم غير مخلصين، لكن من اتبعك باختياره صار من أتباعك.

وقال سفيان بن عيينة: ليس لك عليهم قوة ولا قدرة على أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي.

والخلاصة - إن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا بقوله لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، فأكذبه الله بقوله إن عبادي إلخ.

ونحو الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس: « وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي » وقوله « إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ».

(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) أي وإن جهنم موعد جميع من اتبع إبليس وهي مقرهم وبئس المهاد جزاء ما اجترحوا من السيئات وكفاء ما دنّسوا به أنفسهم من قبيح المعاصي.

(لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ) أي لها سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في الغواية والضلالة.

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها: جهنم والسعير ولظى والحطمة وسقر والجحيم والهاوية وهي أسفلها.

(لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) أي كتب لكل باب منها فريق معين من أتباع إبليس يدخلونه ولا محيد لهم عند بحسب أعمالهم واختلاف مراتبهم في النار.

قال ابن جريج: النار سبع دركات وهي جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية فأعلاها للعصاة الموحدين، والثانية لليهود، والثالثة للنصارى، والرابعة للصابئين، والخامسة للمجوس، والسادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، فجهنم أعلى الطبقات ثم ما بعدها تحتها وهكذا.

وروي عن ابن عباس أن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين العصاة، وهؤلاء يرجى لهم ولا يرجى لغيرهم أبدا. وليس في هذا أثر مرفوع يمكن أن يركن إليه ويجعل حجة فيه.

[سورة الحجر (15): الآيات 45 الى 48][عدل]

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (47) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (48)

تفسير المفردات

المتقون: هم الذين اتقوا الكفر والفواحش ولهم ذنوب من الصغائر تكفرها الصلوات وغيرها، جنات: أي بساتين، وعيون: أي أنهار جارية، بسلام: أي بسلامة من الآفات، وأمن من المخافات، والغل: الحقد الكامن في القلب، والسرر: واحدها سرير وهو مجلس رفيع مهيأ للسرور، والنصب: الإعياء والتعب.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه حال أهل الغواية، وبين أنهم في نار جهنم يخلّدون فيها أبدا، وأنهم يكونون في طبقات بعضها أسفل من بعض، بمقدار ما اجترحوا من السيئات، واقترفوا من المعاصي - أردفه ذكر حال أهل الجنة وما يتمتعون به من نعيم مقيم، ووفاق بعضهم مع بعض، لا ضغن بينهم ولا حقد، وهم يتحدثون على سرر متقابلين ولا يجدون مس التعب والنصب، ولا يخرجون منها أبدا.

الإيضاح

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) أي إن الذين اتّقوا الله وخافوا عقابه، فأطاعوا أوامره واجتنبوا نواهيه - يمتعون في جنات تجرى من تحتها الأنهار كما قال: « مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ » الآية.

(ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ) أي ويقال لهم: ادخلوها وأنتم سالمون من الآفات والمنغصات، آمنون من سلب تلك النعم التي أنعم بها ربكم عليكم وأكرمكم بها، ولا تخافون إخراجا ولا فناء ولا زوالا.

(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) أي وأخرجنا ما في صدور هؤلاء المتقين الذين ذكرت صفتهم - من الحقد والضغينة من بعضهم لبعض.

روى القاسم عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا توافوا وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل ثم قرأ: (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ).

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي كرم الله وجهه أنه قال لابن طلحة: إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ) الآية. فقال رجل من همدان: إن الله سبحانه أعدل من ذلك، فصاح علي صيحة تداعى لها القصر، وقال. فمن إذا إن لم نكن نحن أولئك.

والخلاصة - إن الله طهّر قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع منها كل غل وألقى فيها التوادّ والتحاب والتصافي.

والمراد بكونهم على سرر متقابلين أنهم في رفعة وكرامة.

وقد روى أن الأسرّة تدوربهم حيثما داروا، فهم في جميع أحوالهم متقابلين، لا ينظر بعضهم إلى أقفية بعض، وهم يجتمعون ويتنادمون ويتزاورون ويتواصلون.

(لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ) أي لا يلحقهم في تلك الجنات مشقة ولا أذى، لأنهم ليسوا في حاجة إلى ما يوجب ذلك من السعي في تحصيل ما لا بدّ لهم منه، لحصول كل ما يشتهون من غير مزاولة عمل.

روى الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أمرني أن أبشّر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

(وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) أي وهم خالدون فيها أبدا لا يبرحونها، يشعرون بلذة النعيم ودوامه، فهم في خلود بلا زوال، وكمال بلا نقصان، وفوز بلا حرمان.

والخلاصة - إن المسرة بالنعيم لا تتم إلا إذا توافرت فيه أمور:

(1) أن يكون مقرونا بالتعظيم، وإلى ذلك الإشارة بقوله (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ).

(2) أن يكون خالصا من شوائب الضرر، روحانية كانت كالحقد والحسد والغضب، وإلى ذلك الإشارة بقوله (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا) أو جسمانية كالإعياء والتعب، وإلى ذلك الإشارة بقوله (لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ).

(3) أن يكون دائما غير قابل للزوال، وإلى ذلك الإشارة بقوله (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ).

[سورة الحجر (15): الآيات 49 الى 84][عدل]

نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (50) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (55) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (56) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (60) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (68) واتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (69) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (70) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (81) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (84)

تفسير المفردات

تقول: أنبأت القوم إنباء ونبّأتهم تنبئة: إذا أخبرتهم، والأفصح في كلمة الضيف: ألا تثنى ولا تجمع حين تستعمل للمثنى والجمع والمؤنث بل تستعمل بلفظ واحد لكل ذلك، والوجل: اضطراب النفس لخوفها من توقع مكروه يصيبها، عليم: أي ذي علم كثير، بالحق: أي بالأمر المحقق الذي لا شك في وقوعه، وقنط من كذا: أي يئس من حصوله والضالون: الكفار الذين لا يعرفون كمال قدرته تعالى وسعة رحمته، وخطبكم: أي أمركم وشأنكم الذي لأجله أرسلتم، قدرنا: أي قضينا وكتبنا يقال قضى الله عليه كذا وقدّره عليه: أي جعله على مقدار الكفاية في الخير والشر، وقدر الله الأقوات: جعلها على مقدار الحاجة، والغابرين: أي الباقين مع الكفار ليهلكوا معهم، وأصله من الغبرة وهي بقية اللبن في الضّرع، منكرون: أي لا أعرفكم ولا أعرف من أي الأقوام أنتم؟ ولأي غرض دخلتم علي؟ ويمترون: أي يشكّون ويكذبون به، فأسر بأهلك: أي اذهب بهم ليلا، والقطع من الليل: الطائفة منه كما قال:

افتحي الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع ليل بهيم

اتبع أدبارهم: أي كن على إثرهم لتسرع بهم وتطّلع على أحوالهم، وقضينا: أي أوحينا، ودابر: آخر، ومقطوع: أي مهلك مستأصل، مصبحين: أي في وقت الصباح، والمدينة: هي سذوم (بالذال المعجمة) مدينة قوم لوط، والاستبشار: إظهار السرور، والفضيحة: إظهار ما يوجب العار، والخزي: الذل والهوان، والعمر والعمر (بالفتح والضم): الحياة، وهو حين القسم بالفتح لا غير، سكرتهم: غوابتهم: يعمهون أي يتحيرون، والصيحة: الصاعقة، وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة أخرجه ابن المنذر عن ابن جرير، مشرقين: أي داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس، والسجيل: الطين المتحجر وهو معرّب لا عربي في المشهور، للمتوسمين. أي المتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم ليعرفوا سمة الشيء وعلامته، يقال توسمت في فلان خيرا: أي ظهرت لي منه علاماته، قال عبد الله بن رواحة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:

إني توسمت فيك الخير أعرفه والله يعلم إني ثابت البصر

لبسبيل مقيم: أي لبطريق واضح معلم ليس بخفي ولا زائل، وأصحاب الأيكة: قوم شعيب عليه السلام، والأيكة: الغيضة، وهي الشجر الملتف بعضه على بعض وقد كانوا في مكان كثير الأشجار كثيف الغبار، لبإمام مبين: أي لبطريق واضح وأصل الإمام ما يؤتم به سمى به الطريق لأنه يؤتم ويتّبع، وأصحاب الحجر: هم ثمود، والحجر: واد بين المدينة والشام كانوا يسكنونه، ويسمى كل مكان أحيط بالحجارة حجرا ومنه حجر الكعبة، وآياتنا: هي الناقة وفيها آيات كثيرة كعظم خلقها، وكثرة لبنها، وكثرة شربها، والإمام: ما يؤتم به ومن جملة ذلك الطريق التي تسلك.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه ما أوعد به أهل الغواية في يوم القيامة من دخول جهنم، وذكر أنها دركات لأولئك الغاوين بحسب اختلاف أحوالهم بمقدار ما دنّسوا به أنفسهم من اتخاذ الانداد والشركاء وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ثم أعقبه بذكر ما أعدّ لعباده المؤمنين من الجنات والعيون والنعيم المقيم والراحة التي لا نصب بعدها ولا تعب، وجلوس بعضهم مع بعض، يتنادمون ويتجاذبون أطراف الأحاديث، وهم في سرور وحبور على سرر متقابلين - أردف ذلك فذلكة وخلاصة لما سبق، فأمر نبيه أن يبلغ عباده أنه غفار لذنوب من تابوا وأنابوا إلى ربهم، وأن عذابه مؤلم لمن أصرّوا على المعاصي ولم يتوبوا منها، ثم فصل ذلك الوعد والوعيد فذكر البشارة لإبراهيم بغلام عليم، وذكر إهلاك قوم لوط بما اجترحوا من كبرى الموبقات، وفظيع الجنايات، بفعلهم فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين، حتى صاروا كأمس الدابر، وأصبحوا أثرا بعد عين، وإهلاك أصحاب الأيكة قوم شعيب جزاء ظلمهم بشركهم بالله ونقصهم للمكاييل والموازين، فانتقم الله منهم بعذاب يوم الظلة، وإهلاك أصحاب الحجر وهم ثمود الذين كذبوا صالحا وكانوا ذوي حول وطول، وغنى ومال، وقوة وبطش، فأعرضوا عن آيات ربهم حينما جاءتهم على يدي رسوله، فأخذتهم الصيحة وقت الصباح ولم يغن عنهم مالهم من دون الله شيئا حين جاء أمره.

أخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: « طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: (ألا تراكم تضحكون) ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: إني لما خرجت من الباب جاء جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله يقول لك: لم تقنط عبادي (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ) ».

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال في قوله (نَبِّئْ عِبادِي) الآية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورّع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله لبخع نفسه ».

وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله سبحانه خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر كل الذي عنده من رحمة لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله تعالى من العذاب لم يأمن من النار ».

الإيضاح

(نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أي أخبر أيها الرسول عبادي إني أنا الذي أيستر ذنوبهم إذا تابوا منها وأنابوا، بترك فضيحتهم بها وعقوبتهم عليها، الرحيم بهم أن أعذبهم بعد توبتهم منها.

وفي قوله (نَبِّئْ عِبادِي) إيماء إلى أنه ينبىء كل من كان معترفا بعبوديته، فيشمل ذلك المؤمن المطيع والعاصي، وغير خاف ما في ذلك من تغليب جانب الرحمة من قبله تعالى على جانب العقاب.

(وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ) أي وأخبرهم أيضا بأن عذابى لمن أصر على معاصي وأقام عليها ولم يتب منها - هو العذاب المؤلم الموجع الذي لا يشبهه عذاب آخر، وفى هذا تهديد شديد وتحذير لخلقه أن يقدموا على معاصيه، ومن الأمر لهم بالإنابة والتوبة.

والخلاصة - إن الله جمع لعباده بين التبشير والتحذير، ليكونوا على قدمى الرجاء والخوف، وحال الأنس والهيبة.

ثم ذكر سبحانه قصصا تقدم مثله بأسلوب آخر في سورة هود وبدأ بقصص إبراهيم عليه السلام فقال:

(وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا) أي أخبر عبادي عن ضيوف إبراهيم خليل الرحمن وهم الملائكة الذين أرسلهم الله إلى قوم لوط ليستأصلوا شأفتهم ويبيدوهم على ظلمهم، فقالوا حين دخلوا عليه سلاما: أي سلمت من الآفات والآلام سلاما.

(قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) أي قال إبراهيم للضيف: إنا خائفون منكم، لأنهم دخلوا عليه بلا إذن وفى وقت لا يجىء في مثله طارق، أو لأنه حين قرّب إليهم العجل الحنيذ لم يأكلوا منه، والضيف إذا لم يأكل مما يقدم له من الطعام يظنّ أنه لم يأت لخير، ويؤيد هذا قوله في سورة هود: « فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ».

(قالُوا لا تَوْجَلْ) أي قال الضيف لإبراهيم: لا تخف ولا يحم حول ساحتك الخوف والهلع.

ثم عللوا النهي عن الوجل بقولهم:

(إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) أي إنا جئناك بالبشرى بعلام ذي علم وفطنة وفهم لدين لله، وسيكون له شأن، لأنه سيصير نبيا.

ونحو الآية قوله « وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا ».

ثم قال إبراهيم متعجبا من مجىء ولد من شيخ وعجوز:

(أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ؟) أي أبشرتموني بذلك مع مس الكبر وتأثيره في، وتلك حال تنافي هذه البشرى.

(فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) أي فبأي أعجوبة تبشرون؟ إذ لا سبيل في العادة إلى مثل ذلك، وكأنه عليه السلام أراد أن يعرف: أيعطى هذا الولد مع بقائه على حاله من الشيخوخة التامة، أو يرجع شابا ثم يعطى الولد، لما جرت به العادة من أن الولد لا يكون إلا حين الشباب.

فأجابوه مؤكدين ما بشروه به، تحقيقا لما قالوا وليكون بشارة بعد بشارة:

(قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ) أي قال ضيف إبراهيم له:

بشرناك بما يكون حقا، وإنا لنعلم أن الله قد وهب لك غلاما، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل الله فييأسوا من خرق العادة، بل أبشر بما بشرناك به واقبل البشرى.

والخلاصة - إنه عليه السلام استعظم نعمة الله عليه، فاستفهم هذا الاستفهام التعجبي المبنى على السنن التي أجراها الله بين عباده، لا أنه استبعد ذلك على قدرة الله، فهو أجل من ذلك قدرا، ويؤيد هذا جوابه عليه السلام.

(قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) أي قال إبراهيم للضيف: لا ييأس من رحمة الله إلا من أخطأ سبيل الصواب، وغفل عن رجاء الله الذي لا يخيب من رجاه، فضلّ بذلك عن الرأي القيّم، وهذا كقول يعقوب: « لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ».

وخلاصة مقاله - إنه نفى القنوط عن نفسه على أتم وجه، فكأنه قال: ليس بي قنوط من رحمته تعالى، لكن حالى تنافى فيض تلك النعم الجليلة التي غمرنى بها، وتوالي المكرمات التي شملت آل هذا البيت.

وبعد أن تحقق عليه السلام مصداق هذه البشرى ورأى أنهم أتوا مختفين على غير ما عهد عليه ملك الوحي؟ سألهم عن أمرهم ليزول عنه الوجل.

(قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) أي قال لهم: ما الأمر العظيم الذي جئتم لأجله سوى البشرى؟ وكأنه عليه السلام فهم من مجرى حديثهم في أثناء الحوار أن ليست هذه البشرى هي المقصودة، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا. لأنهم كانوا عددا والبشارة لا تحتاج إلى مثل هذا العدد، ومن ثم اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم عليهما السلام وأيضا لو كانت البشارة هي المقصودة لابتدءوا بها، فأجابوه:

(قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) أي قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين من قوم لوط، واكتفوا بهذا القدر من الجواب، لأن إبراهيم يعلم أن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لهلاكهم وإبادتهم. ومما يرشد إلى هذا الفهم قولهم:

(إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ) أي إلا أتباع لوط في الدين فلن نهلكهم، بل ننجيهم من العذاب الذي أمرنا أن نعذب به قوم لوط.

(إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) أي لا نهلك آل لوط وأتباعه إلا امرأته فقد قضى الله أنها من الباقين مع الكفرة، ثم هي مهلكة بعد ذلك معهم، وقد أضاف الملائكة هذا التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله تعالى، بيانا لمزيد قربهم من ربهم، واختصاصهم به تعالى كما يقول خاصة الملك: دبّرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر الآمر هو الملك.

وبعد أن بشّروا إبراهيم عليه السلام بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون بعذاب قوم مجرمين - ذهبوا إلى لوط وآله كما قال سبحانه.

(فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أي فلما خرج المرسلون من عند إبراهيم وجاءوا قرية لوط أنكرهم لوط ولم يعرفهم وقال لهم: من أي الأقوام أنتم، ولأي غرض جئتم؟ وإني أخاف أن تمسونى بمكروه.

ونحو الآية قوله: « وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِي ءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا » وإنما قال هذه المقالة، لأنه لم يشاهد من المرسلين حين مقاساة الشدائد ومعاناة المكايد من قومه الذين يريدون بهم ما يريدون - إعانة ولا مساعدة فيما يأتي وما يدرحين تجشم الأهوال في تخليصهم، فأنكر خذلانهم له، وتركهم نصره حين المضايقة التي حلت به بسببهم حتى اضطر إلى أن يقول: « لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ » كما جاء في سورة هود.

(بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي قال له الرسل: ما جئناك بما خطر ببالك من المكروه، بل بما فيه سرورك وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه وهم يكذبونك فيه قبل مجيئه، فأنّى لك بعد هذا أن تعتريك مساءة وضيق ذرع؟

وخلاصة ما أرادوا أن يقولوا - ما خذلناك، وما خلّينا بينك وبينهم، بل جئناك بما يدمّرهم ويهلكهم، من العذاب الذي كنت تتوعدهم به وهم يكذبونك.

واختاروا هذا الأسلوب ولم يقولوا جئناك بعذابهم لإفادة ذلك شيئين: تحقق عذابهم وتحقق صدقه عليه السلام بعد أن كابد منهم كثيرا من الإنكار والتكذيب.

(وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) أي وجئناك بالأمر المحقق المتيقن الذي لا محال فيه للامتراء والشك، وهو العذاب الذي كتب وقدّر لقوم لوط، وإنا لصادقون فيما أخبرناك به.

ثم شرعوا يرتبون له مبادئ النجاة قبل حلول العذاب بقومه فقالوا له:

(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) أي فسر بأهلك ببقية من الليل، وأهله على ما روي هما ابنتاه

(وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ) أي وكن من وراء أهلك الذين تسرى بهم، وعلى إثرهم لتذود عنهم، وتسرع بهم، وثراقب أحوالهم، حتى لا يتخلّف منهم أحد لغرض، فيصيبه العذاب.

(وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) فيرى ما ينزل بقومه فيرق قلبه لهم، وليوطن نفسه على الهجرة، ويطيب نفسا بالانتقال إلى المسكن الجديد.

ثم أكدوا هذا النهى بقولهم (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) أي وامضوا حيث يأمركم ربكم غير ملتفتين إلى ماوراءكم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه، فلا يزال يلوى له أخادعه كما قال أبو تمام:

تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخذعا

والخلاصة - إنهم أمروا بمواصلة السير ونهوا عن التواني والتوقف ليكون ذلك أقطع للعوائق، وأحق بالإسراع للوصول إلى المقصد الحقيقي وهو بلاد الشام.

ثم بين العلة في الأمر بالإسراء السريع فقال:

(وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ) أي وأوحينا إليه أن ذلك الأمر مقضى مبتوت فيه:

ثم فصّل ذلك الأمر فقال:

(أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) أي إن آخر قومك وأولهم مجذوذ مستأصل صباح ليلتهم، ولا يبقى منهم أحد ونحو الآية قوله: « فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ».

ثم شرع يذكر ما صدر من القوم حين علموا بقدوم الأضياف وما ترتب عليه بما أشير إليه أولا على سبيل الإجمال فقال:

(وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ) أي وجاء أهل سدوم حين سمعوا أن ضيفا قد ضاقوا لوطا - مستبشرين بنزولهم مدينتهم طمعا في ركوب الفاحشة منهم.

وفي هذا إيماء إلى فظاعة فعلهم، إذ هم خالفوا ما جرى به العرف، وركب في الأذواق السليمة، من إكرام الغريب وحسن معاملته، وقصدوا بهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين.

روي أن امرأة لوط أخبرتهم بأنه نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح منهم وجها ولا أحسن شكلا، فذهبوا إلى دار لوطا طلبا لهم، مظهرين اغتباطا وسرورا بهم.

ثم أخبر عن مقالة لوط لقومه حين رآهم يقصدون بهم السوء.

(قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ) أي قال لوط لقومه: إن هؤلاء الذين جئتموهم تريدون منهم الفاحشة ضيفى، وحقّ على الرجل إكرام ضيفه، فلا تفضحونى فيهم، وأكرمونى بترك التعرض لهم بمكروه.

ثم زاد النهى توكيدا بقوله:

(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ) أي وخافوا الله في وفى أنفسكم أن يحل بكم عقابه، ولا تهينوئى فيهم بالتعرض لهم بالسوء، وهذه الجملة آكد في الغرض من سابقتها، إذ التعرض للجار بعد حمايته والذبّ عنه أجلب للعار، ومن ثم عبر عن لجاجهم ومجاهرتهم بمخالفته بالخزي، وأمرهم بتقوى الله في ذلك.

قأبانوا له أنه السبب في الفضيحة وفى هذا الخزي:

(قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ؟) أي قال قومه له: أولم ننهك أن تضيف أحدا من العالمين أو تؤويه في قريتنا؟ إذ هم كانوا يتعرضون لكل غريب بالسوء، وكان لوط ينهاهم عن ذلك على قدر حوله وقوته ويحول بينهم وبين من يعرضون له، وكانوا قد نهوه عن التعرض لهم في مثل ذلك.

وخلاصة مقالهم - إن ما ذكرت من الخزي والفضيحة أنت مصدره، والجالب له، فلولا تعرضك لنا، ما أصابك ما أصابك.

ولما رآهم متمادين في غيهم، لا يرعون عن غوايتهم، ولا يقلعون عما هم عليه.

(قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) أي قال لوط لقومه: تزوجوا النساء ولا تفعلوا ما قد حرم الله عليكم من إتيان الرجال إن كنتم فاعلين ما آمركم به، منتهين إلى أمري، وقد سمى نساء قومه بناته، لأن رسول الأمة كالأبّ لهم كما قال تعالى: « النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ».

ثم أبان له الرسول أنه لا أمل في ارعوائهم عن غيهم فقالوا:

(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي قالت الملائكة للوط: وحياتك أيها الرسول إن قومك لفى ضلالتهم التي جعلتهم حيارى لا يعرفون ما أحاط بهم من البلاء، ولا ماذا يصيبهم من العذاب المنتظر، لما أصابهم من عمى البصيرة، فهم لا يميزون الخطأ من الصواب، ولا الحسن من القبيح.

ثم ذكر سبحانه عاقبة أمرهم فقال:

(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) أي فنزل بهم العذاب المنتظر، وأخذتهم الصاعقة وقت الشروق، وكان ابتداؤها من الصبح وانتهاؤها حين الشروق، ومن ثم قال أوّلا مصبحين وقال هنا مشرقين، وأخذ الصيحة قهرها لهم وتمكنها منهم، ومن ثمّ يقال للأسير أخيذ.

ثم بيّن كيفية أخذها لهم ولقريتهم فقال:

(فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) أي فجعلنا عالى المدينة وهو ما على وجه الأرض سافلها فانقلبت عليهم وأمطرنا عليهم أثناء ذلك حجارة من طين متحجر، وقد تقدم ذكر ذلك في سورة هود.

وخلاصة ذلك - إنه تعالى أرسل عليهم ثلاثة ألوان من العذاب:

(1) الصيحة المنكرة الهائلة، والصوت المفزع المخيف.

(2) إنه قلب عليهم القرية، فجعل عاليها سافلها.

(3) إنه أمطر عليهم حجارة من سجيل.

ثم ذكر أن في هذا القصص عبرة لمن اعتبر فقال:

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) أي إن فيما فعلناه بقوم لوط من الهلاك والعذاب لدلالات للمفكرين الذين يعتبرون بما يحدث في الكون من عظات وعبر، ويستدلون بذلك على ما يكون لأهل الكفر والمعاصي من عقاب بئيس بما كانوا يكسبون.

أخرج البخاري في التاريخ والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله تعالى، ثم قرأ: إن في ذلك لآيات للمتوسمين ».

والفراسة على نوعين:

(1) ما يوقعه الله في قلوب الصلحاء فيعلمون بذلك أحوال الناس بالحدس والظن (2) ما يحصل بدلائل التجارب والأخلاق.

وقد صنّف الناس في القديم والحديث كتبا في ذلك، وبعض العلماء يجعلها دليلا يحكم به كما فعل إياس بن معاوية (كان قاضيا ذكيا في عهد التابعين).

ثم لفت أنظار أهل مكة إلى الاعتبار بها لو أرادوا فقال:

(وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) أي وإن هذه المدينة - مدينة سدوم - التي أصابها ما أصابها من العذاب - لبطريق واضح لا تخفى على السالكين، فآثارها باقية إلى اليوم لم تندثر ولم تخف، فالذين يمرون عليها من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثارها كما قال في الآية الأخرى: « وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ».

ثم أيأس من اعتبارهم بها، إذ هي لا يعتبر بها إلا المؤمنون فقال:

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي إن فيما فعلناه بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله - لدلالة جلية للمؤمنين المصدقين بالله ورسله، إذ هم يعرفون أن ذلك إنما كان انتقاما من الله لأنبيائه من أولئك الجهال الذين عصوا أمر ربهم، وكفروا برسله ولم يرعوا عن غيّهم وضلالهم بعد إنذارهم ونصحهم.

أما الذين لا يؤمنون بالله فيجعلون ذلك حوادث كونية، لأسباب فلكية، وشؤون أرضية، جعلت الأرض تنهار لحدوث فراغ في بعض أجزائها. كما يشاهد اليوم في البلاد ذات البراكين من اختفاء بلاد في باطن الأرض وابتلاع الأرض لها كما حدث في مدينة مسينا بإيطاليا سنة 1909، وظهور جزائر في وسط المحيطات لم تكن من قبل.

وبعد أن ذكر قصص قوم لوط أتبعه بقصص قوم شعيب عليه السلام فقال:

(وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ) أي وإن أصحاب الأيكة كانوا بجبلّتهم ظالمين كفارا، ليس لديهم استعداد للإيمان بالله ورسله، أرسل الله إليهم وإلى أهل مدين شعيبا فكذبوه.

أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا ».

(فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ) جزاء ما دنسوا به أنفسهم من الكفر والمعاصي.

فسلطّ على أصحاب الأيكة الحر سبعة أيام لا يظل منه ظلّ، ولا يمنعهم منه شيء، ثم أرسلت عليهم سحابة فحلّوا تحتها يلتمسون الرّوح منها، فبعثت عليهم منها نار فاضطرمت عليهم فأكلتهم، فذلك عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم.

وأما أهل مدين فقد أخذتهم الصيحة ثم ذكر عز اسمه أنه قد كان من حق قريش أن يعتبروا بهما فقال:

(وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ) أي وإن مدينة أصحاب الأيكة ومدينة قوم لوط لبطريق واضح يأتمون به في سفرهم ويهتدون به في مسيرهم.

ثم ذكر سبحانه قصة صالح فقال:

(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) أي ولقد كذبت ثمود نبيهم صالحا عليه السلام ومن كذب رسولا من رسل الله فكأنما كذب الجميع، لاتفاق كلمتهم على التوحيد والأصول العامة التي لا تختلف باختلاف الأمم والأزمان.

(وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) أي وأريناهم حججنا الدالة على نبوة صالح عليه السلام من الناقة وغيرها، فأعرضوا عنها ولم يعتبروا بها.

(وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ) من هدمها ونقب اللصوص لها أو تخريب الأعداء لقوة أسرها وبديع إحكامها، وقد تقدم تفصيل ذلك في سورة الأعراف.

ثم ذكر ميقات هلاكهم فقال:

(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ) أي فأخذتهم صيحة الهلاك حين كانوا في ضحوة اليوم الرابع من اليوم الذي أوعدوا فيه بالعذاب كما جاء في قوله: « فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ».

(فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي فما دفع عنهم ما نزل بهم ما كانوا يكسبون من تحت البيوت وجمع الأموال وكثرة العدد وجمع العدد، بل خرّوا حاثمين هلكى حين حل بهم قضاء الله.

وروى البخاري وغيره عن ابن عمر « أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بالحجر وهو ذاهب إلى تبوك، فقنّع رأسه، وأسرع براحلته، وقال لأصحابه: لا تدخلوا بيوت القوم المعذّبين إلا أن تكونوا باكين: فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم ».

وأخرج ابن مردويه عنه قال: « نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور وعلف العجين للإبل:

ثم ارتحل عن البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذّبوا وقال: إني أخشى عليكم أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم ».

[سورة الحجر (15): الآيات 85 الى 86][عدل]

وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (86)

تفسير المفردات

بالحق: أي بالحكمة والمصلحة، والساعة يوم القيامة، والصفح: ترك التثريب واللوم، والصفح الجميل: ما خلا من العتب.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر في القصص السالف إهلاك الأمم المكذبة لرسلها، وعذابها بشتى أنواع العذاب، كفاء ما دنسوا به أنفسهم من فظائع الشرك، وأنواع المعاصي التي تقوّض دعائم الإخلاص لبارئ النسم، وتهدّ أركان نظم المجتمع بعبادة الأصنام والأوثان، وتطفيف الكيل والميزان، وإتيان الفاحشة التي تشمئز منها النفوس، وتنقر منها الأذواق السليمة - أرشد هنا إلى أنهم بعملهم هذا قد تركوا ما قضت به الحكمة والمصلحة، من خلق السموات والأرض لعبادة خالقها وطاعته واستقرار نظم المجتمع على وجه صالح صحيح، ودأبوا على عبادة غيره من الأصنام والأوثان، فكان من العدل تطهير الأرض منهم، دفعا لشرورهم وإصلاحا لمن يأتي بعدهم.

الإيضاح

(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ) أي وما خلقنا الخلائق، مما في الأرض والسماء وما بينهما، إلا بالعدل والإنصاف لا بالظلم والجور، فإهلاكنا للأمم التي كذبت رسلها وقصصنا عليك قصصها، وتعجيل النقمة لهم لم يكن ظلما بل كان عدلا وحكمة.

وفي هذا إيماء إلى أن ما يصيب غيرهم من المكذبين لك من العذاب في الآخرة فيه عدل ومصلحة للبشر.

ثم هدد العصاة وتوعدهم فقال:

(وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) أي وإن يوم القيامة لآت لا ريب فيه، وحينئذ ينتقم الله ممن يستحق العذاب، ويحسن إلى من يستحق الإحسان، فارض بما يكون لهم من شديد العقاب.

(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) أي فأعرض عنهم إعراضا جميلا، واحتمل أذاهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم.

وخلاصة ذلك - خالقهم بخلق حسن، وتأنّ عليهم واحلم عنهم، وأنذرهم، وادعهم إلى ربك قبل أن تقاتلهم.

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) أي إن ربك هو الذي خلقهم وخلق كل شيء، وهو العليم بهم ومما يألفون وما يذرون، وهو المدبّر لأمورهم، والمقدّر لها على وجه الحكمة والمصلحة وقصارى ذلك - إنه خالقك وخالقهم، وعليم بأحوالك وأحوالهم، ولا يخفى عليه شيء مما جرى بينك وبينهم، فخليق بك أن تكل الأمور إليه، ليحكم بينك وبينهم، وقد علم أن الصفح الجميل أولا أولى بهم إلى أن يحكم السيف بينك وبينهم.

[سورة الحجر (15): الآيات 87 الى 99][عدل]

وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)

ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)

تفسير المفردات

المثاني: واحدها مثنى من التثنية وهو التكرير والإعادة، ومد عينيه إلى حال فلان: اشتهاه وتمناه، والأزواج: واحدها زوج وهو الصّنف، وخفض الجناح: إذ به التواضع واللين، وأصل ذلك أن الطائر إذا أراد أن يضم فرخه إليه بسط جناحه له، والجناحان من الإنسان: جانباه، والنذير: المخوّف بعقاب الله من لم يؤمن به، وعضين: أي أجزاء واحدها غضة من عضيت الشاة جعلتها أعضاء وأقساما، فاصدع بما تؤمر: أي اجهر به من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا، يضيق صدرك: أي ينقبض من الحسرة والحزن، والساجدين: أي للمصلّين، واليقين: الموت وسمى به لأنه أمر متيقن لا شك فيه.

المعنى الجملي

بعد أن أمر رسوله أن يصبر على أذى قومه، وأن يصفح عنهم الصفح الجميل - أردف ذلك ذكر ما أولاه من النعم، وما أغدق عليه من الإحسان، ليسهل عليه الصفح ويكون فيه سلوة له على احتمال الأذى، فذكر أنه آتاه السبع المثاني - الفاتحة - والقرآن العظيم الجامع لما فيه هدى البشر وصلاحهم في دنياهم وآخرتهم.

وبعد أن ذكر له تظاهر نعمه عليه، نهاه عن الرغبة في الدنيا، ومد العينين إليها، يتمنى ما فيها من متاع ونهاه عن الحسرة على الكفار أن لم يؤمنوا بالقرآن وبما جاء به وأمره بالتواضع لفقراء المسلمين، وبإنذار قومه المشركين بتبليغهم ما أمر به الدين وما نهى عنه، بالبيان الكافي، والإعذار الشافي، وبيان عاقبة أمرهم بتحذيرهم أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين « اليهود والنصارى » الذين جعلوا القرآن أقساما، فآمنوا بما وافق التوراة وكفروا بما عدا ذلك، ويبين لهم أن ربهم سيسألهم عن جريرة أعمالهم.

ثم أمره أن يعلن ما أمر به من الشرائع، ولا يلتفت إلى لوم المشركين وتثريبهم له، ولا يبال بما سيكون منهم، فالله تعالى كفاه أمر المستهزئين به وأزال كيدهم، وإذا ساوره ضيق الصدر من سماع سفههم واستهزائهم كما هو دأب البشر، فليسبح ربه وليحمده وليكثر الطاعة له، فالعبد إذا حزبه أمر نزع إلى طاعة ربه، وقد كفل سبحانه أن يكشف عنه ما أهمه.

الإيضاح

(وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) أي ولقد أكرمناك بسبع آيات هي الفاتحة التي تثنى وتكرر في كل صلاة، وهذا قول عمر وعلى وابن مسعود لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أم القرآن السبع المثاني التي أعطيتها » أو لأنها قسمت قسمين: ثناء ودعاء، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين »

وأكرمناك أيضا بالقرآن العظيم.

وتخصيص الفاتحة بالذكر من بين القرآن الكريم لمزيد فضلها على نحو ما جاء في قوله تعالى: « وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ».

وبعد أن عرّف سبحانه رسوله عظيم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين - نهاه عن الرغبة في الدنيا فقال:

(لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ) أي لا تتمنّين أيها الرسول ما جعلنا من زينة الدنيا متاعا للأغنياء من اليهود والنصارى والمشركين، فإن من وراء ذلك عقابا غليظا.

والخطاب وإن كان موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم - تعليم لأمته كما تقدم مثله كثيرا، يؤيد هذا ما روى أنه أنت من بصرى وأذرعات سبع قوافل لقريظة والنّضير في يوم واحد فيها أنواع من البزّ (الأقمشة) والطيب والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت لنا لتقوينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله.

وخلاصة ذلك - لقد أوتيت النعمة العظمى التي إذا قيست بها كل النعم كانت حقيرة، فقد أوتيت سبع آيات هي خير من السبع القوافل.

(وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) إذ لم يؤمنوا، ليقوى بمكانهم الإسلام، وينتعش بهم المؤمنون.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يود أن يؤمن به كل من بعث إليه، ويتمنى لمزيد شفقته عدم إصرار الكفار على كفرهم.

وبعد أن نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين فقال:

(وَاخْفِضْ جَناحَكَ للْمُؤْمِنِينَ) أي وألن جانبك، وارفق بمن آمن بك واتبعك، ولا تجف بهم، ولا تغلظ عليهم.

ونحو الآية قوله تعالى: « أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ » وقوله في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم » ثم بين وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:

(وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) أي أنا النذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تماديهم في غيهم، كما حل بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها، فانتقم الله منهم بإنزال العذاب بهم.

وفي الصحيحين عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إنما مثلى ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال يا قوم: إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان، فالنّجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق ».

(كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) أي ولقد آتيناك سبعا من المثاني كما آتينا من قبلك من اليهود والنصارى التوراة والإنجيل، وهم الذين اقتسموا القرآن وجزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه الذي وافق كتابيهما، وكفروا ببعضه وهو ما خالقهما - أخرج ذلك البخاري وسعيد بن منصور والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس من طرق عدة.

وبعد أن بين وظيفة الرسول ذكر أن الحساب على الأعمال موكول إلى الله لا إليه فقال:

(فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) أي فلنسألن الكفار جميعا سؤال تأنيب وتوبيخ لهم على ما كانوا يقولون ويفعلون فيما بعثناك به إليهم وفيما دعوناهم إليه من الإقرار بي وبتوحيدي والبراءة من الأنداد والأوثان، روى أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية في تفسير الآية قال: يسأل الله العباد كلهم عن خلّتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون، وعماذا أجابوا المرسلين.

وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينّك يوم القيامة وأحد غيرك أسعد بما آتاك الله منك ».

وبعد أن ذكر أن وظيفته التبليغ شدّد عليه في الجهر به جهد المستطاع فقال:

(فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) أي فاجهر بإبلاغ ما أمرت به من الشرائع وواجه به المشركين، ولا تلتفت إلى ما يقولون، ولا تبال بهم ولا تخفهم. فإن الله كافيكهم، وحافظك منهم.

ولما كان هذا الصدع شديدا عليه لكثرة ما يلاقيه من أذى المشركين ذكر أنه حارسه وكالئه منهم فلا يخشى بأسهم فقال:

(إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) أي إنا كفيناك شر المستهزئين الذين كانوا يسخرون منك ومن القرآن، وهم طائفة من المشركين لهم قوة وشوكة، كانوا كثيرى السفاهة والأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرونه أو يمر بهم، أفناهم الله وأبادهم وأزال كيدهم وقد اختلف في عدتهم، فقوم يقولون هم خمسة: الوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل وعدي بن قيس والأسود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب، وقد ماتوا جميعا بأهون الأسباب، فتعلق بثوب الوليد سهم فتكبر أن يبعده عنه فأصاب عرقا في عقبه فمات، ومات العاص بشوكة في أخمص قدمه، وأصاب عدي بن قيس مرض في أنفه فمات، وأصيب الأسود بن عبد يغوث بداء وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات (هذه أعراض حمى التيفوس فيغلب أن يكون قد أصيب بها) وعمى الأسود بن عبد المطلب.

وقوم يقولون هم سبعة من أشراف قريش ومشركيها.

ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال:

(الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ) أي هم الذين اتخذوا إلها آخر مع الله يعبدونه.

وفي وصفهم بهذا الوصف تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم وتهوين للخطب عليه، إذ أنهم لم يقتصروا على الاستهزاء بمقام النبوة، بل تعدوه إلى الإشراك بربهم، المدبر لأمورهم والمحسن إليهم.

تم توعدهم على ما كانوا يصنعون فقال:

(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة أمرهم حين يحل بهم عذاب ربهم، يوم تجزى كل نفس بما عملت، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

وبعد أن سلاه بكفاية شرهم ودفع مكرهم ذكر تسلية أخرى له فقال:

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ) من كلمات الشرك والاستهزاء، كما هو دأب الطبيعة البشرية حين ينوب الإنسان ما يؤلمه ويحزنه، أن يرى في نفسه انقباضا وضيقا في الصدر وأسى وحسرة على ما حل به.

تم أمره سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله وحمده فقال:

(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي إذا نزل بك الضيق ووجمت نفسك فافزع إلى ربك، ونزّهه عما يقولون، حامدا له على توفيقك للحق، وهدايتك إلى سبيل الرشاد، وصلّ آناء الليل وأطراف النهار، فإن في مناجاة ربك ما يقرّبك إلى حضرة القدس، ويسمو بنفسك إلى الملإ الأعلى كما ورد في الحديث « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد »

ودم على ما أنت عليه طالبا المزيد من فضله، حتى يأتيك الموت، فهناك الجزاء بلا عمل، وهنا العمل ولا جزاء.

وقصارى ذلك - إنه تعالى أرشده إلى كشف ما يجده في نفسه من الغم بفعل الطاعات، والإكثار من العبادات، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، واشتد عليه خطب، فزع إلى الصلاة.

روى أحمد عن ابن عمار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « قال الله تعالى يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره ».

وقد حكى الله عن أهل النار أنهم يقولون: « لم نك من المصلّين. ولم نك نطعم المسكين. وكنّا نخوض مع الخائضين. وكنّا نكذّب بيوم الدّين. حتّى أتانا اليقين ».

وفي هذا دلالة على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على المرء ما دام ثابت العقل.

روى البخاري عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ».

اللهم وفقنا لطاعتك، واهدنا لعبادتك، واجعلنا من المتقين الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

خلاصة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من الحكم والأحكام[عدل]

(1) وصف القرآن الكريم.

(2) الإعراض عن المشركين حتى يحل بهم ريب المنون.

(3) استهزاء المشركين وإنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم لما يرونه من الآيات.

(4) إقامة الأدلة على وجود الله بما يرونه من الآيات في خلق السموات والأرض وفى خلق الإنسان.

(5) عصيان إبليس أمر ربه في السجود لآدم وذكر الحوار بينه وبين ربه، وطلبه الإنظار إلى يوم الدين.

(6) بيان حالى أهل الجنة وأهل النار يوم القيامة.

(7) قصص بعض الأنبياء وذكر ما أهلك الله به كل أمة من الأمم المكذبة لرسلها.

(8) بيان أن الحكمة في خلق السموات والأرض هي عبادة الله وحده وإقامة العدل والنظام في المجتمع.

(9) ذكر ما أنعم الله به على نبيه من السبع المثاني والقرآن العظيم (10) نهى نبيه والمؤمنين عن تمنى زخرف الدنيا وزينتها.

(11) أمره صلى الله عليه وسلم بخفض الجناح والرفق بمن اتبعه من المؤمنين.

(12) التذكير بنعمة الله عليه بإهلاك أعدائه المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين.

(13) الأمر بالدعوة للدين جهرا والصدع بها وعدم المبالاة بالمشركين.

(14) أمره صلى الله عليه وسلم بالتسبيح والعبادة إذا ضاق صدره باستهزاء المشركين والطعن فيه وفى كتابه الكريم.

تفسير المراغي
مقدمة التفسير | الفاتحة | البقرة | آل عمران | النساء | المائدة | الأنعام | الأعراف | الأنفال | التوبة | يونس | هود | يوسف | الرعد | إبراهيم | الحجر | النحل | الإسراء | الكهف | مريم | طه | الأنبياء | الحج | المؤمنون | النور | الفرقان | الشعراء | النمل | القصص | العنكبوت | الروم | لقمان | السجدة | الأحزاب | سبأ | فاطر | يس | الصافات | ص | الزمر | غافر | فصلت | الشورى | الزخرف | الدخان | الجاثية | الأحقاف | محمد | الفتح | الحجرات | ق | الذاريات | الطور | النجم | القمر | الرحمن | الواقعة | الحديد | المجادلة | الحشر | الممتحنة | الصف | الجمعة | المنافقون | التغابن | الطلاق | التحريم | الملك | القلم | الحاقة | المعارج | نوح | الجن | المزمل | المدثر | القيامة | الإنسان | المرسلات | النبأ | النازعات | عبس | التكوير | الانفطار | المطففين | الانشقاق | البروج | الطارق | الأعلى | الغاشية | الفجر | البلد | الشمس | الليل | الضحى | الشرح | التين | العلق | القدر | البينة | الزلزلة | العاديات | القارعة | التكاثر | العصر | الهمزة | الفيل | قريش | الماعون | الكوثر | الكافرون | النصر | المسد | الإخلاص | الفلق | الناس | خاتمة التفسير | فهارس الأجزاء