تفسير المراغي/سورة النجم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تفسير المراغي
سورة النجم
أحمد مصطفى المراغي



سورة النجم


هي مكية إلا آية 32 فمدنية، نزلت بعد سورة الإخلاص، وآيها ثنتان وستون.

ومناسبتها لما قبلها من وجوه:

(1) إن السورة قبلها ختمت بقوله: وإدبار النجوم، وبدئت هذه بقوله: والنجم إذا هوى.

(2) إن السورة قبلها ذكر فيها تقوّل القرآن وافتراؤه، وذكر هذا في مفتتح هذه السورة.

(3) إنه ذكر في التي قبلها أن ذرية المؤمنين تبع لآبائهم، وفى هذه ذكر ذرية اليهود في قوله: « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ».

(4) إنه قال هناك في المؤمنين: « أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » وقال هنا في الكفار « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ».

وهي كما أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أول سورة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم قراءتها، فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي « أن أول سورة أنزلت فيها سجدة (والنجم) فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد الناس كلهم إلا رجلا رأيته أخذ كفّا من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافرا وهو أمية بن خلف ».

[سورة النجم (53): الآيات 1 الى 18][عدل]

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18)

تفسير المفردات

المراد بالنجم: جنس النجوم إذا غربت أو صعدت، يقال هوى النجم هويّا (بالفتح) أي سقط وغرب، وهويا: (بالضم) إذا علا وصعد، ما ضلّ: أي ما حاد عن الطريق المستقيم، صاحبكم: أي مصاحبكم، والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم بعنوان المصاحبة لهم إيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم خبرا ببراءته مما نسب إليه، وباتصافه بالهدى والرشاد، فإن طول صحبتهم له، ومشاهدتهم لشئونه العظيمة تقتضى ذلك، ففي هذا تأكيد لإقامة الحجة عليهم، وما غوى: أي وما اعتقد باطلا، والخطاب في هذا لقريش، وما ينطق عن الهوى: أي ما يتكلم بالباطل، والمراد بشديد القوى جبريل عليه السّلام، ذو مرة: أي ذو حصافة عقل وقوة عارضة، قال قطرب: العرب تقول لكل من هو جزل الرأي حصيف العقل: هو ذو مرة. من قولهم أمررت الحبل: أي أحكمت فتله، فاستوى: أي فاستقام على صورته التي خلقه الله عليها عند حراء في مبادى النبوة، وهو بالأفق الأعلى: أي بالجهة العليا من السماء المقابلة للناظر، ثم دنا: أي ثم قرب، فتدلى: أي فنزل من قولهم تدلت الثمرة، ومنه الدوالي وهي الثمر المعلق كعناقيد العنب، والقاب مقدار ما بين المقبض والسّية، ولكل قوس قابان، والعرب تقدر الأطوال بالقوس والرمح وبالذراع والباع والخطوة والشبر والإصبع، أو أدنى: أي أقرب من ذلك، والمراد بالفؤاد فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم، ما رأى أي ما رآه ببصره، أفتمارونه على ما يرى: أي أفتجادلونه على ما يراه معاينة، نزلة أخرى: أي مرة أخرى، سدرة المنتهى: هي شجرة نبق قالوا إنها في السماء السابعة عن يمين العرش، جنة المأوى: أي الجنة التي يأوى إليها المتقون يوم القيامة، يغشى: يغطى، ما زاغ البصر: أي ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومسكّن منها وما مال يمينا ولا شمالا، وما طغى: أي ما جاوز ما أمر به، آيات ربه الكبرى: أي عجائبه الملكية والملكوتية في ليلة المعراج.

المعنى الجملي

أقسم ربنا بخلق من مخلوقاته العظيمة التي لا يعلم حقيقتها إلا هو، وهي نجوم السماء التي تهدى الساري في الفلوات، وترشده إلى البعيد من المسافات - إن محمدا صاحبكم نبي حقا، وما ضلّ عن طريق الرشاد، ولا اتبع الباطل، ولا يتكلم إلا بوحي يوحيه الله إليه، ويعلمه إياه جبريل شديد القوى، ولقد رآه مرتين على صورته التي خلقه الله عليها بأجنحته وأوصافه الملكية: مرة بغار حراء في بدء النبوة، وأخرى ليلة المعراج حين عرج به إلى السماء، ورأى من عجائب صنع الله ما رأى، مما استطاع أن يخبركم به، ومما لم يستطع ذلك، فكيف بكم تجادلونه فيما أخبركم به، وتقولون طورا: إنه مجنون، وطورا آخر إنه كاهن، وطورا ثالثا إنه شاعر، وما كل هذا بالذي ينطبق على أوصافه، وهو صاحبكم وأنتم أعلم بحاله، فحق عليكم أن تسمعوا قوله، وأن تطيعوا أمره، فتفوزوا رضوان من ربه.

الإيضاح

(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) أي قسما بمخلوقاتى العظيمة وهي النجوم التي تسير في مداراتها، ولا تعدو أفلاكها، والتي تهتدون بها في الفيافي والقفار، في حلكم وترحالكم، في سفركم وحضركم، وفى البحار، ولها لديكم منزلة عظمى في حياتكم المعيشية - إن محمدا نبي حقا، وما حاد عن سبيل الحق، ولا سلك سبيل الباطل.

وقد خاطب سبحانه بهذا القسم العرب الذين يعرفون ما للنجوم من جزيل الفضل عليهم، في تعيين المواسم والفصول، ليستعدوا للنّجعة، ويرتادوا الكلأ بعد سقوط المطر، ويزرعوا ما يتسنى لهم أن يزرعوه، وهم يتيامنون ببعضها ويتشاءمون ببعض آخر.

إلى أن القسم بها ينبهنا إلى أن هناك عوالم وأجراما علويّة يجب علينا أن نتعرّف أمرها، لنستدل بها على عظيم قدرة مبدعها وبديع صنعه.

ولقد أثبت العلم حديثا ما يدعو إلى العجب من أحوال هذه الأجرام، وسرعة سيرها، وكبير حجمها، فقد علم أن سير نور الكوكب 300 ألف كيلوم في الثانية، ومثله سير الأمواج اللاسلكية، وكلاهما يجرى حول الأرض في سبع ثانية مرة واحدة، ويجرى حول الكون كله في نحو مائة مليون سنه، فنسبة محيط الكرة الأرضية إلى محيط ما عرف من الكون كنسبة سبع ثانية إلى مائة مليون سنة.

والنظام الشمسى يشتمل على الشمس وتسعة سيارات تدور حول أكثرها أقمار، وهذه الشمس وعالمها جزء من عالم المجرّة، والمجرّة فيها نجوم تبلغ نحو 30 ألف مليون نجم كلهن شموس كشمسنا أو أكبر أو أصغر. ويقدرون عمر الشمس بنحو خمسة ملايين مليون سنة، وعمر الأرض بنحو ألفى مليون سنة، وعمر المياه عليها بنحو 300 مليون سنة، وعمر الإنسان بنحو 300 ألف سنة.

وإن شمسنا التي تزيد على أرضنا ألف ألف مرة وثلاثمائة ألف مرة هي كوكب له توابع وسيارات، وهذا الكواكب وتوابعه واحد من ثلاثين ألف مليون شمس، وهذه كلها تكوّن مجرتنا، وهذه المجرة لها نظائر، فسبحان الخلاق العليم الذي لا يعلم جنوده إلا هو.

والخلاصة - إن الرسول صلى الله عليه وسلم راشد مرشد تابع للحق، ليس بضالّ ولا هو بسالك للطريق بغير علم، ولا هو بغاو يعدل عن الحق قصدا إلى غيره، وبهذا نزه الله رسوله وشرعه عن مشايعة أهل الضلال من اليهود والنصارى الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه، فهو في غاية الاستقامة والاعتدال والسّداد.

ثم بين السبب في عدم ضلاله وغوايته فقال:

(وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) أي كيف يضل ويغوى، وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما يضل من كان كذلك، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: « وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ».

ثم أكد هذا بقوله:

(إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) أي إنما يقول ما أمر أن يبلغه إلى الناس كاملا موفورا بلا زيادة ولا نقصان.

روى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: « كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتنى قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق ».

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا أقول إلا حقا » قال بعض أصحابه فإنك تداعبنا يا رسول الله، قال: « إني لا أقول إلا حقا ».

ويرى بعض المفسرين أن قوله: ما ضل صاحبكم - ردّ لقولهم: إنه مجنون، وقوله: وما غوى - ردّ لقولهم إنه شاعر: أي ليس بينه وبين الغواية تعلق وارتباط، وقوله: والشعراء يتبعهم الغاوون، وقوله: وما ينطق عن الهوى - ردّ لقولهم كاهن، وقوله: إن هو إلا وحي يوحى تأكيد لما تقدم، أي فلا هو بقول كاهن، ولا هو بقول شاعر.

(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) أي علّم صاحبكم جبريل عليه السّلام وهو شديد القوى العلمية والعملية، فيعلم ويعمل، ولا شك أن مدح المعلّم مدح للمتعلم.

وفي هذا رد عليهم في قولهم: إن هو إلا أساطير الأولين، سمعها وقت سفره إلى الشام.

والخلاصة - إنه لم يعلمه أحد من الناس، بل علمه شديد القوى، والإنسان خلق ضعيفا لم يؤت من العلم إلا قليلا - إلى أنه موثوق بقوله، لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل، وكذلك هو موثوق بحفظه وأمانته، فلا ينسى ولا يحرّف.

(ذُو مِرَّةٍ) أي ذو حصافة في العقل، فالوصف الأول إشارة إلى قوة الفعل، وهذا وصف بقوة النظر وظهور الآثار البديعة منه.

والخلاصة - إنه يجمع بين القوى النظرية والقوى الجسمية كما روى أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى وحملها على جناحيه ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وصاح بثمود فأصبحوا جاثمين.

وإنا لنؤمن بهذا على أنه من عالم الغيب ونكتفى بما جاء في كتابه تعالى ولا نزيد عليه.

وإن علماء الأرواح في أوروبا الآن أصبحوا يؤمنون بقوى عالم الروح وبما لها من خوارق العادات بالنظر إلى عالمنا. قال أوليفر لودج: إني أصبحت موقنا بأنا محوطون بعالم نحن بالنسبة إليه كالنمل بالنسبة لنا، وهم يساعدوننا ويحافظون علينا، ثم قال: وقفت على هذا بطريق علمي (يريد تحضير الأرواح) ثم قال: فإذا ما قال القدّيسون إنهم رأوا الملائكة أو أنهم رأوا الله، فكل ذلك حق لا مرية فيه اهـ.

هذا ولا شك من عجائب القرآن، فإن ما جاء فيه مما يتعلق بعالم الأرواح أصبح علوما تدرس وتذاع بين الناس باعتبارها علوما روحية وكشفا حديثا، صدق ربنا « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ».

فالقوى الجسمية والعقلية للعالم الروحي ظهرت بطريق استحضار الأرواح والتنويم المغناطيسى، إذ فيه انخلاع للنفس عن البدن انخلاعا جزئيا أو كليا وهي مربوطة به ولها اتصال بالعوالم الروحية.

(فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى) أي فاستقام جبريل على صورته التي خلقه الله عليها حين أحب رسوله صلى الله عليه وسلم أن يراه كذلك، فظهر له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس، فملأه ثم أخذ يدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتدلى: أي يزيد في القرب والنزول حتى كان منه مقدار قوسين أو أقرب على تقديركم وعلى مقدار فهمكم، فأوحى إلى عبده ورسوله ما شاء أن يوحيه إليه من شئون الدين. ولا غرو فإن ظهور الأرواح في صورة مرئية أصبح الآن معروفا، وقد قص علماء الروح عجائب وغرائب وأصبح في طوقهم أن يظهروا الروح في صور بشرية وصور نورية وتخاطبهم حين التنويم المغناطيسى، وإذا صح ذلك للعلة فليكن ذلك للقدّيسين والأنبياء بالأولى بطريق يشاكل مقامهم، ولا تتجلى الأرواح إلا بالمناسبة بين المتجلّى والمتجلّى عليه، وظهوره في صورة مرئية يرجع إلى قوته وشدته، وقوله: فأوحى إلى عبده ما أوحى، يرجع إلى قوته العلمية.

ولما كان الإنسان كثيرا ما يظن أنه قد تخيل ما رآه ويكذب قلبه ما ظهر له، حتى قال علماء الأرواح: إنهم لما خاطبوا الأرواح قالت لهم، إنكم كثيرا ما يظهر لكم عجائب روحية فتظنونها من الوهم وتنسبونها إلى خداع الحواس - أعقب سبحانه هذا بما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقم بنفسه أن هذا تخيل ولا أنه وهم فقال:

(ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) أي ما كذب فؤاده ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السّلام: أي إن فؤاده صلى الله عليه وسلم ما قال لما رآه ببصره لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره.

والخلاصة - إنه لما قال: إن هو إلا وحي يوحى أكد هذا المعنى وفصله بقوله: علّمه شديد القوى، ليبين أنه ليس من الشعر ولا من الكهانة في شيء، ولما قال: فاستوى وذكر قيامه بصورته الحقيقية أكد أن مجيئه بصورة دحية الكلبي لا يعمّى وصفه، إذ قد عرفه بشكله الحقيقي من قبل، فلا يشتبه عليه، وقوله: ثم دنا فتدلى تتميم لحديث نزوله عليه السّلام وإتيانه بالمنزّل، وقوله: ما كذب الفؤاد ما رأى، بين به أنه لما عرفه وحققه لم يكذّبه فؤاده بعد ذلك في أنه جبريل، ولو تصور بغير تلك الصورة.

(أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى؟) أي أفتكذبونه وتجادلونه فيما رآه بعينه من صورة جبريل عليه السّلام له.

(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) أي ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته التي خلقه الله عليها عند شجرة النبق التي ينتهى إليها علم كل عالم وما وراءها لا يعلمه إلا الله قاله ابن عباس.

وقد يكون المراد بالمنتهى الله عز وجل أي سدرة الله الذي إليه المنتهى كما قال سبحانه « وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » وعند هذه السدرة الجنة التي يأوى إليها المتقون يوم القيامة قاله الحسن البصري.

وعلينا أن نؤمن بهذه الشجرة كما وصفها الله، ولا نعين مكانها ولا نصفها بأوصاف أكثر مما وصفها به الكتاب الكريم، إلا إذا ورد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ما يبين ذلك ويثبت لدينا بالتواتر، لأن ذلك من علم الغيب الذي لم يؤذن لنا بعلمه.

روى أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم أنها في السماء السابعة، نبتها كقلال هجر، وأوراقها مثل آذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين خريفا لا يقطعها.

والمشاهد في الدنيا أن النبات يعيش إذا وجد التراب والماء والهواء، ولكن لاعجب فالله يخلقه في أي مكان شاء، كما أخبر عن شجرة الزقوم أنها تنبت في أصل الجحيم.

وقصارى ما سلف - إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته الحقيقية مرتين: مرة وهو في غار حراء في بدء النبوة، والثانية في ليلة المعراج ولم يكن ذلك في الأرض بل كان عند شجرة نبق عن يمين العرش وهي في منتهى الجنة: أي آخرها، وعلم الملائكة ينتهى إليها.

وقد تقدم أن الصحيح أن الصعود إلى الملإ الأعلى كان روحيا لا جسمانيا كما روى عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم.

(إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى) أي رآه حين غطى السدرة ما غطاها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله، ومن الإشراق والحسن، ومن الملائكة وقد أبهم ذلك الكتاب الكريم، فعلينا أن نكتفى بهذا الإبهام ولا نزيده إيضاحا بلا دليل قاطع، ولا حجة بينة، ولو علم الله الخير لنا في البيان لفعل.

(ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى) أي ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكّن منها، وما جاوزها إلى رؤية ما لم يؤمر برؤيته.

والخلاصة - إنه رأى رؤية المستيقن المحقق لما رأى.

(لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) أي ولقد رأى الآيات الكبرى من آيات ربه وعجائبه الملكوتية.

روى البخاري وابن جرير وابن المنذر في جماعة آخرين عن ابن مسعود أنه قال في الآية: رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق، وعن ابن زيد أنه رأى جبريل بالصورة التي هو بها.

وعلينا ألا نحصر ما رآه في شيء بعينه بعد أن أبهمه القرآن، إذ هو قد رأى من الآيات الكبرى ما يجل عنه الحصر والاستقصاء.

[سورة النجم (53): الآيات 19 الى 26][عدل]

أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (22) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (23) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (26)

تفسير المفردات

اللات والعزى ومناة: أصنام كانت تعبدها العرب في جاهليتها، فاللات كانت لثقيف. وأصل ذلك أن رجلا كان يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه ثم صنعوا له صورة وعبدوها، والعزى: شجرة بغطفان كانوا يعبدونها، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإسلام خالد بن الوليد ليقطعها، فجعل يضربها بفأسه ويقول:

يا عزّ كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك

ومناة: صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وكانت دماء النسائك تمنى عندها: أي تراق، والأخرى: أي المتأخرة الوضيعة القدر كما جاء في قوله: « قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ »

أي وقال وضعاؤهم لأشرافهم ورؤسائهم، وقد جاء لفظ (الأخرى) بهذا المعنى بين المصريين فيقول: هو الآخر وهي الأخرى، يريدون الضعة وتأخر القدر والشرف، ضيزى: من ضزته حقه (بالضم والكسر) أي نقصته، والمراد أنها قسمة جائرة غير عادلة، قال امرؤ القيس:

ضازت بنو أسد بحكمهم إذ يجعلون الرأس كالذنب

المعنى الجملي

بعد أن بين ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم من العجائب ليلة المعراج - قال للمشركين ماذا رأيتم في هذه الأصنام؟ وكيف تحصرون أنفسكم في العالم المادي وأصنامه، وتقطعون على أنفسكم طريق التقدم والارتقاء، وإن النفس لا ترقى إلا بما استعدت له، فإذا وقفت النفوس عند هذه المادة وتلك الأصنام لم يكن لها عروج إلى السماء، ولا سيما أن هذه الأصنام لا تشفع لهم عند ربهم ولا تجديهم نفعا.

الإيضاح

(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى؟) أي أفبعد أن سمعتم ما سمعتم من آثار كمال الله عز وجل وعظمته في ملكه وملكوته، وجلاله وجبروته، وأحكام قدرته ونفاذ أمره، وأن الملائكة على رفعة مقامهم وعلوّ قدرهم ينتهون إلى السدرة ويقفون عندها - تجعلون هذه الأصنام على حقارة شأنها شركاء لله مع ما علمتم من عظمته.

وفي هذا تقريع شديد، وتوبيخ عظيم، وتأنيب لا إلى غاية، وإن عاقلا لا ينبغي أن يخطر بباله مثل هذا، ويمتهن رأيه إلى هذا الحد.

روي أن أبا سفيان قال يوم أحد: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.

وبعد أن أنّبهم على سخف عقولهم، وسفاهة أحلامهم، بعبادتهم الأصنام التي كانوا يزعمون أنها هياكل للملائكة، والملائكة بنات الله - وبخهم على نسبة البنات إليه سبحانه وهم لا يرضونها لأنفسهم فقال:

(أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى؟) أي أتجعلون له ولدا وتجعلون هذا الولد أنثى؟ وتختارون لأنفسكم الذكران، على علم منكم أن البنات ناقصات والبنين كاملون، والله كامل العظمة، فكيف تنسبون إليه الناقص، وأنتم على نقصكم تنسبون إلى أنفسكم الكامل.

(تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى) أي تلك قسمة جائرة غير مستوية، ناقصة غير تامة، لأنكم جعلتم لربكم ما تكرهونه لأنفسكم، وآثرتم أنفسكم بما ترضون لها.

ثم أنكر عليهم ما ابتدعوه من الكذب والافتراء في عبادة الأصنام وتسميتها آلهة فقال:

(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ) أي إن هذه الأصنام التي تسمونها آلهة - هي أسماء فحسب وليس لها مسميات هي آلهة البتة، كما تزعمون وتعتقدون أنها تستحق أن يعكف على عبادتها وتقديم القرابين إليها، وليس لكم من حجة ولا برهان تؤيدون به ما تقولون، وإنما قلّد فيها الآخر الأول، وتبع في ذلك الأبناء الآباء.

ولا يخفى ما في ذلك من التحقير، كما تقول: ما هو إلا اسم إذا لم يكن مشتملا على صفة معتبرة لها شأن وقدر.

ونحو الآية قوله تعالى « ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً » الآية.

ثم أكد ما سلف بقوله:

(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ) أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظوظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين.

والخلاصة - إنكم تعبدون هذه الأصنام توهما منكم أن ما عليه آباؤكم حق، وإشباعا لشهوات أنفسكم.

ثم بين أنه ما كان ينبغي لهم ذلك، لأنه قد جاءهم ما ينبههم إلى سوء رأيهم وعظيم غفلتهم فقال:

(وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى) أي هم يتبعون ما كان عليه أسلافهم وينقادون إلى آرائهم، وقد أرسل الله إليهم الرسول بالحق المنير، والحجة الواضحة، وقد كان ينبغي أن يكون لهم في ذلك مزدجر، لكنهم أعرضوا عنه وتولوا « كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ».

وبعد أن بين أن جعلهم الأصنام شركاء لله لا يستند إلى دليل، بل لا يستند إلا إلى التشهي والهوى واتباع الظن - ذكر أنها مع هذا لا تجديهم نفعا، فهي لا تشفع لهم عند الله، ولا يظفرون منها بجدوى فقال:

(أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى؟ فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى) أي بل ألهم ما يتمنونه من شفاعة الآلهة يوم القيامة كلا إن هذا لن يكون، ولن يجديكم ذلك فتيلا ولا قطميرا، فإن كل ما في الدنيا والآخرة فهو ملك له تعالى، ولا دخل لهذه الأصنام في شيء منه.

وهذا تيئيس لهم من أن ينالوا خيرا من عبادتها والتقرب إليها، ولا تكون وسيلة لهم عند ربهم.

ثم حرمهم فائدة عبادتها من وجه آخر فقال:

(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) أي وكثير من الملائكة لا تفيد شفاعتهم شيئا إلا إذا أذن بها ربهم لمن يشاء ويرضى عنهم ممن أخلصوا له في القول والعمل، وإذا كان هذا حال الملائكة وهم عالم روحى لهم القرب من ربهم والزلفى لديه، فما بالكم بأصنام أرضية ميتة لا روح فيها ولا حياة، فهي بعيدة كل البعد عن الذات الأقدس.

وخلاصة ذلك - إنه لا مطمع لهم في شفاعة هذه الأصنام، ولا تجديهم نفعا في هذا اليوم.

[سورة النجم (53): الآيات 27 الى 30][عدل]

إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (27) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (29) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (30)

المعنى الجملي

بعد أن عاب عليهم عبادتهم للأصنام والأوثان، وادعاءهم أن لله ولدا من الملائكة، ورد عليهم بأن هذه الأصنام التي جعلوها آلهة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فما هي إلا أسماء ليس لها مسميات هي آلهة كما تدّعون، فلا هي تشفع لهم، ولا تجديهم فتيلا ولا قطميرا، فإن الملائكة الكرام لا يشفعون عند ربهم إلا إذا أذن لهم، ورضى عمن يشفعون له، فأجدر بمثل هؤلاء ألا يستطيعوا شفاعة عنده.

عاد فعاب عليهم هنة أخرى، وهي تسميتهم الملائكة بنات الله، وأبان لهم أن هذه مقالة شنعاء لا تصدر إلا عمن لا يؤمن بالآخرة والحساب والعقاب، فمن أين أتاهم أن لله أولادا هن ملائكته؟ والولد إنما يطلب للمساعدة وقت الحاجة، ولحسن الأحدوثة، ولحفظ الصيت، والله غني عن كل ذلك، ولو صح ما يقولون، فلم اختاروا له البنات دون البنين؟ أفلا يساوونه بأنفسهم ويجعلون له ولدا من الذكور لا من الإناث؟ فما هذا منهم إلا أباطيل لا تغنى عن الحق شيئا، وعليك أيها الرسول أن تعرض عن هؤلاء الذين لا همّ لهم إلا جمع حطام الدنيا، والتمتع بزخرفها، وإن ربك هو العليم بحالهم، وما تخفى صدورهم، وسيحاسبهم على النقير والقطمير، ويجازيهم بما يقولون ويعتقدون جزاء وفاقا.

الإيضاح

(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى) أي إن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث وما بعده من أحوال الدار الآخرة على الوجه الذي بيّنته الرسل يضمون إلى كفرهم مقالة شنعاء وجهالة جهلاء وهي قولهم: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وإنما جعلها مقالة من لا يؤمن، للاشارة إلى أنها بلغت من الفظاعة حدا لا يمكن معه أن تصدر من موقن بالجزاء والحساب، فقد اشتملت على جريمتين أولاهما نسبة الولد إلى الله، ثانيتهما أن الولد أنثى تفضيلا لأنفسهم على بارئهم وموجدهم من العدم.

(وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) أي وليس لهم بذلك برهان، ولا أتى لهم به وحي حتى يقولوا ما قالوا.

ثم أكد نفى علمهم الحق بذلك فقال:

(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أي إن معرفة الشيء معرفة حقيقية يجب أن تكون عن يقين لا عن ظن وتوهم، وأنتم لا تتبعون فيما تقولون في هذه التسمية إلا الظن والتوهم، وليس هذا من سبيل العلم في شيء، وقد جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ».

ونحو الآية قوله تعالى: « وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ».

والخلاصة - إن مثل هذا الاعتقاد إما أن يكون عن دليل عقلى والعقل لا يركن إليه في مثل هذا، وإما عن وحي ولم يصل إليهم شيء منه يخبرهم بما يقولون.

ثم أمر رسوله بالإعراض عنهم فقال:

(فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) أي فأعرض عن مثل هؤلاء الذين أعرضوا عن كتابنا ولم يأخذوا بما فيه مما يوصل إلى سعادتهم في المعاش والمعاد من المعتقدات الحقة وقصص الأولين المذكّرة بأمور الآخرة وما فيها من نعيم مقيم أو عذاب أليم، واقتصروا على شئون الدنيا ورضوا بزخرفها وجدّوا في بلوغ أسمى المراتب فيها كما فعل النضر بن الحارث والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

والخلاصة - لا تبالغ في الحرص على هدى من تولى عن ذكرنا وانهمك في أمور الدنيا، وجعلها منتهى همته، وأقصى أمنيته، وقصارى سعيه، فلا سبيل إلى إيمان مثله، فلا تبخع نفسك على مثله أسفا وحزنا كما قال: « لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ».

ثم أكد ما مضى من أن همتهم مقصورة على الحياة الدنيا بقوله:

(ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي إن منتهى علمهم أن يتفهموا شئون الحياة الدنيا، ويتمتعوا باللذات، ويتصرفوا في التجارات، ليحصلوا على ما يكون لهم فيها من بسطة في المال، وسعة في الرزق، ويكونوا ممن يشار إليهم بالبنان، وما به يذكرون لدى الناس، ولا يعنون بما وراء ذلك، فشئون الآخرة دبر أذنهم، ووراء ظهورهم، لا يعرفون منها قبيلا من دبير.

روى أحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له »

وفي الدعاء المأثور « اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ».

ثم ذكر السبب في الأمر بالإعراض عنهم فقال:

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى) أي إن ربك هو العليم بمن واصل ليله بنهاره، وصباحه بمسائه، مفكرا في آياته في الكون، وفيما جاء على ألسنة رسله، حتى اهتدى إلى الحق الذي ينجيه في آخرته، ويبلغه رضوان ربه، ويبلغه سعادة الدنيا بالسير على السنن التي وضعها في خليقته، فاحتذى حذوها، وسار على إثرها - وبمن حاد عن طريق النجاة وجعل إلهه هواه وركب رأسه، فلم يلو على شيء مما جاء به الداعي الناصح الأمين، وإنه لمجاز كلّا بما كسب واكتسب، وسيجزيه على الجليل والحقير، والصغير والكبير، بحسب ما أحاط به واسع علمه، وبمقدار فضله على من أخبت إليه كما قال: « لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ » ونكاله بمن دسّى نفسه واجترح السيئات، مصداقا لقوله: « نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ».

والخلاصة - إن هؤلاء قوم لا تجدى فيهم الذكرى، ولا تؤثر فيهم العظة، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون.

[سورة النجم (53): الآيات 31 الى 32][عدل]

وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (32)

تفسير المفردات

بما عملوا: أي بالعقاب على عملهم، بالحسنى: أي بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، كبائر الإثم: ما يكبر عقابه كالزنا وشرب الخمر، والفواحش: واحدها فاحشة وهي ما عظم قبحها من الكبائر، واللمم: ما صغر من الذنوب كالنظرة والقبلة، وهو في اللغة اسم لما قلّ قدره ومنه لمّة الشعر، وقيل اللمم: الدنو من الشيء دون ارتكابه من قولهم ألممت بكذا: أي قاربت منه، وعليه فالمراد به الهمّ بالذنب وحديث النفس دون حدوث فعل، ومن ثم قال سعيد بن المسيّب: هو ما خطر على القلب، والأجنة: واحدها جنين، وهو الولد ما دام في البطن.

المعنى الجملي

بعد أن أمر سبحانه رسوله بالإعراض عن المشركين مع شدة ميله إلى إيمانهم، وتطلعه إلى هدايتهم، وتعلقه بصلاحهم وإرشادهم وهم قومه وعشيرته، وأبان له أن هؤلاء قوم انصرفوا عن النظر إلى الحق، ووجهوا همّهم إلى زخرف الدنيا، وأن منتهى علمهم التصرف في شئونها، فهي قبلتهم التي إليها يحجون، ومطمح أنظارهم الذي إليه يرنون، وذكر أنه هو العليم باستعدادهم، وأنهم قوم ضالون لا يصل الحق إلى شغاف قلوبهم، ولا يلتفتون إليه بعيونهم.

ذكر هنا أنه لا يهملهم، بل سيجزيهم بسوء صنيعهم، وهو العليم بما في السموات والأرض، فلا يترك عباده هملا، بل يجازيهم بعدله، فيثيب المحسن بالجنة، ويعاقب المسيء على سوء صنيعهم بما هو أهله، ثم أردف ذلك ذكر أوصاف المحسنين وأنهم هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، ولا يقع منهم إلا اللمم من صغائر الذنوب الفينة بعد الفينة، ويتوبون منه ولا يصرّون عليه، ثم حذّر عباده بأنه لا تخفى عليه خافية من أمورهم من حين أن كانوا أجنة في بطون أمهاتهم إلى أن يموتوا، فيعلم المطيع من المعاصي، فلا حاجة للعبد إذا إلى مدح نفسه بفعل الطاعات، واجتناب السيئات.

الإيضاح

(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) أي إن ما في السموات وما في الأرض تحت قبضته وسلطانه، وله التصرف فيه خلقا وملكا وتدبيرا، فهو العليم به لا تخفى عليه خافية من أمره، فلا تظنوا أنه يهمل أمركم، كلا، فإنه مجاز كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وهذا ما عناه سبحانه بقوله:

(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) أي فهو يجازى بحسب علمه المحيط بكل شيء - المحسن بالإحسان ويدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، ويمتعه بنعيم لا يخطر على قلب بشر، والمسيء بصنيع ما أساء، وبما دسّى به نفسه من ضروب الشرك والمعاصي، وبما ران على قلبه من كبائر الذنوب والآثام، وقد أضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة.

ثم ذكر أوصاف المحسنين فقال:

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) أي إن المحسنين هم الذين يبتعدون عما عظم شأنه من كبائر المعاصي كالشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله بغير حق والزنا، ولا تقع منهم إلا صغائرها، فيتوبون إلى ربهم ويندمون على ما فرط منهم.

ونحو الآية قوله: « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ».

والمشهور أن الكبائر سبع وروى ذلك عن علي كرم الله وجهه واستدلوا عليه بما روى في الصحيحين « اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله تعالى والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ».

وروى الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا قال له: الكبائر سبع، فقال هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار اهـ.

وقيل الكبيرة: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب أو حدّ في الدنيا، أو أقدم صاحبه عليه من غير استشعار خوف أو ندم، أو ترتب عليه مفاسد كبيرة، ولو كان في نظر الناس صغيرا، فمن أمسك إنسانا ليقتله ظالم، أو دل العدو على عورات البلاد فقد فعل أمرا عظيما، فيكون أكل مال اليتيم إذا قيس على هذين قليلا مع أنه من الكبائر.

ثم ذكر ما يدفع اليأس عن صاحب الكبيرة في غفران ذنبه فقال:

(إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ) فيغفر الصغائر باجتناب الكبائر، وله أن يغفر ما يشاء من الذنوب بعد التوبة الصادقة، والندم على ما فرط من مرتكبها إذا أخبت لربه وتجافى عن ذنبه.

ونحوه قوله تعالى: « قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ».

ثم أكد ما قبله وقرره بقوله:

(هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) أي هو بصير بأحوالكم، عليم بأقوالكم وأفعالكم حين ابتدأ خلقكم من التراب، وحين صوّركم في الأرحام، على أطوار مختلفة، وصور شتى.

(فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) أي فإذا علمتم ذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة من المعاصي، أو بزكاة العمل وزيادة الخير، بل اشكروا لله على فضله ومغفرته، فهو العليم بمن اتقى المعاصي، ومن ولغ فيها ودنّس نفسه باجتراحها.

والنهي عن تزكية النفس إنما يكون إذا أريد بها الرياء أو الإعجاب بالعمل، وإلا فلا بأس بها ولا تكون منهيا عنها، ومن ثم قيل: المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر.

ونحو الآية قوله: « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ».

أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن مردويه وابن سعد عن زينب بنت أبى سلمة أنها سمّيت (برّة) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تزكّوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البرّ منكم، سمّوها زينب ».

[سورة النجم (53): الآيات 33 الى 54][عدل]

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42) وأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (47) وأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (50) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (52) والْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (53) فَغَشَّاها ما غَشَّى (54)

تفسير المفردات

تولى: أي أعرض عن اتباع الحق والثبات عليه، وأكدى: أي قطع العطاء من قولهم: حفر فأكدى. أي بلغ إلى كدية أي صخرة تمنعه من إتمام العمل، ينبأ: أي يخبر، وصحف موسى هي التوراة، وصحف إبراهيم ما نزل عليه من الشرائع، ووفّى: أي أتم ما أمر به، أن لا تزر وازرة وزر أخرى: أي لا تحمل نفس حمل نفس أخرى، يرى: أي يراه حاضرو القيامة ويطلعون عليه تشريفا للمحسن، وتوبيخا للمسىء، يجزاه: أي يجزى سعيه يقال جزاه الله بعمله، وجزاه على عمله، وجزاه عمله، المنتهى: أي المعاد يوم القيامة والجزاء حين الحشر، تمنى: أي تدفع في الرحم من قولهم: أمنى الرجل ومنى: أي صبّ المني، والنشأة الأخرى: هي إعادة الأرواح إلى الأجساد حين البعث، أغنى وأقنى: أي أغنى من شاء وأفقر من شاء، والشعرى: هي الشعرى العبور وهي ذلك النجم الوضاء الذي يقال له مرزم الجوزاء وقد عبدته طائفة من العرب، وعاد الأولى: هم قوم هود وهم ولد عاد بن إرم بن عوف بن سام بن نوح، وعاد الأخرى: من ولد عاد الأولى، والمؤتفكة هي قرى قوم لوط، سميت بذلك، لأنّها ائتفكت بأهلها: أي انقلبت بهم، ومنه الإفك لأنه قلب الحق، أهوى: أي أسقط في الأرض، غشاها: أي غطّاها.

المعنى الجملي

بعد أن بين سبحانه علمه وقدرته، وأن الجزاء واقع على الإساءة والإحسان، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم، وهذا لا يعرف إلا بالوحي من الله تعالى. ذكر هنا أن من العجب العاجب بعد هذا أن يسمع سامع، ويرجو عاقل أن غيره يقوم مقامه في تحمل وزره ويعطيه جعلا، لكنه ما أعطاه إلا قليلا حتى وقف عن العطاء، ومن ثم وبخه على ذلك، بأن علم هذا لا يكون إلا بوحي، فهل علم منه صحة ما اعتقد؟ كلا فجميع الشرائع المعروفة لكم كشريعة موسى وإبراهيم على غير هذا، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، فمن أين وصل له أن ذلك مجز له.

قال مجاهد وابن زيد: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه فلان قلبه للإسلام فطمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطينى كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما همّ به من الإسلام، وضل ضلالا بعيدا، وأعطى بعض المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح.

وقد ذكر سبحانه ما تضمنته صحف إبراهيم وموسى:

(1) ألا يؤاخذ امرؤ بذنب غيره.

(2) ألا يثاب امرؤ إلا بعمله.

(3) إن العامل يرى عمله في ميزانه، خيرا كان أو شرا.

(4) إنه يجازى عليه الجزاء الأوفى فتضاعف له حسناته إلى سبعمائة ضعف، ويجازى بمثل سيئاته.

(5) إن الخلائق كلهم راجعون يوم المعاد إلى ربهم، ومجازون بأعمالهم.

(6) إنه تعالى خلق الضحك والبكاء والفرح والحزن.

(7) إنه سبحانه خلق الذكر والأنثى من نطفة تصب في الأرحام.

(8) إنه تعالى خلق الموت والحياة.

(9) إنه هو الذي أعطى الغنى والفقر، وكلاهما بيده وتحت قبضته.

(10) إنه هو رب الشعرى، وكانت خزاعة تعبدها (11) إنه أهلك عادا الأولى، وقد كانوا أول الأمم هلاكا بعد قوم نوح.

(12) إنه أهلك ثمود فما أبقاهم، بل أخذهم بذنوبهم.

(13) إنه أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، وقد كانوا أظلم من الفريقين.

(14) إنه أهلك المؤتفكة وهي قرى قوم لوط وقد انقلبت بأهلها، وغطّاها بحجارة من سجيل.

الإيضاح

(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى. أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى؟) أي أعلمت شأن هذا الكافر؟ وهل بلغك شأنه العجيب، فقد أشرف على الإيمان واتباع هدى الرسول، فوسوس له شيطان من شياطين الإنس بألا يقبل نصح الناصح، ويرجع إلى دين آبائه، ويتحمل ما عليه من وزر إذا هو أعطاه قليلا من المال، فقبل ذلك منه، لكنه ما أعطاه إلا قليلا حتى امتنع من إعطائه شيئا بعد ذلك، أفعنده علم بأمور الغيب، فهو يعلم أن صاحبه يتحمل عنه ما يخاف من أوزاره يوم القيامة؟.

وقصارى ذلك - أخبرني بأمر هذا الكافر وحاله العجيبة، إذ قبل أن سواه يحمل أوزاره إذا أدّى له أجرا معلوما، أأنزل عليه وحي فرأى أن ما صنعه حق؟

ثم أكد هذا الإنكار فذكر أن الشرائع التي يعرفونها على غير هذا فقال:

(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى) أي ألم يخبر بما نصت عليه التوراة، وما ذكر في شرائع إبراهيم الذي وفّى بما عاهد الله عليه، وأتم ما أمر به، وأدى رسالته على الوجه المرضى، يدل على ذلك قوله: « وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا ».

قال ابن عباس: وفّى بسهام الإسلام كلها وهي ثلاثون سهما لم يوفّها أحد غيره، منها عشرة في براءة « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ » الآيات، وعشرة في الأحزاب « إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ » الآيات، وستة في « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ » الآيات، وأربعة في سأل سائل « وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ » الآيات.

وتخصيصه عليه السلام بهذا الوصف لاحتماله ما لم يحتمل غيره، وفى قصة الذبح ما فيه الغناء في ذلك.

وإنما ذكر ما جاء في شريعتى هذين النبيين فحسب، لأن المشركين كانوا يدّعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم، وأهل الكتاب كانوا يدعون أنهم متبعون ما في التوراة وصحفها قريبة العهد منهم.

ثم فصل ما جاء في هاتين الشريعتين فقال:

(1) (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) أي لا تحمل نفس ذنوب نفس أخرى، فكل نفس اكتسبت إثما بكفر أو معصية فعليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال: « وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى »، (2) (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) أي كما لا يحمل على الإنسان وزر غيره، لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب لنفسه، ومن هذا استنبط مالك والشافعي ومن تبعهما أن القراءة لا يصح إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، وهكذا جميع العبادات البدنية كالصلاة والحج والتلاوة، ومن ثم لم يندب إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليها ولا أرشدهم إليها بنص ولا إيماء، ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، أما الصدقة فإنها تقبل وما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية من بعده، وعلم ينتفع به » فهي في الحقيقة من سعيه وكدّه وعمله، كما جاء في الحديث: « إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد الرجل من كسبه »

والصدقة الجارية كالوقف ونحوه على أعمال البرهى من آثار عمله، وقد قال تعالى: « إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ » الآية، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدوا به واتبعوه - هو من سعيه، فقد ثبت في الصحيح « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا ».

ومذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء أن ثواب القراءة يصل إلى الموتى إن لم تكن القراءة بأجر، أما إذا كانت به كما يفعله الناس اليوم من إعطاء الأجر للحفاظ للقراءة على المقابر وغيرها - فلا يصل إلى الميت ثوابها، إذ لا ثواب لها حتى يصل إليهم، لحرمة أخذ الأجر على قراءة القرآن وإن لم يحرم على تعليمه.

(3) (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى) أي إن عمله سيعرض يوم القيامة على أهل المحشر ويطلعون عليه، فيكون في ذلك إشادة بفضل المحسنين، وتوبيخ للمسيئين.

ونحو هذا قوله: « وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ».

(4) (ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) أي ثم يجزى بعمله أوفى الجزاء وأوفره، فيضاعف الله له الحسنة ويبلغها سبعمائة ضعف، ويجازى بالسيئة مثلها أو يعفو عنها كما قال: « نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ».

(5) (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) أي وأن مرجع الأمور يوم الميعاد إلى ربك، فيحاسبهم على النقير والقطمير، ويثيبهم أو يعاقبهم بالجنة أو النار.

وفي هذا تهديد بليغ للمسىء، وحث شديد للمحسن، وتسلية لقلبه صلى الله عليه وسلم، كأنه يقول له: لا تحزن أيها الرسول، فإن المنتهى إلى الله.

ونحو الآية قوله: « فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ. إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ » إلى أن قال في آخر السورة « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » وأمثال ذلك كثيرة في القرآن.

(6) (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) أي وأنه خلق في عباده الضحك والبكاء وسببهما، والمراد أنه خلق ما يسرّ وما يحزن من الأعمال الصالحة، والأعمال الطالحة.

(7) (وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا) أي وأنه خلق الموت والحياة كما جاء في قوله: « الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ » فهو يميت من يشاء موته، ويحيى من يشاء حياته، فينفخ الروح في النطفة الميتة فيجعلها حية.

(8) (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى. مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى) أي وأنه خلق الذكر والأنثى من الإنسان وغيره من الحيوان من المني الذي يدفق في الأرحام.

(9) (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى) أي وأن عليه الإحياء بعد الإماتة، ليجازى كل من المحسن والمسيء على ما عمل.

(10) (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى) أي وأنه تعالى يغنى من يشاء من عباده، ويفقر من يشاء بحسب ما يرى من استعداد كل منهما ومقدرته على كسب المال بحسب السنن المعروفة في هذه الحياة.

وفي هذا تنبيه إلى كمال القدرة، فإن النطفة جسم متناسب الأجزاء في الظاهر، ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة، وطباعا متباينة من ذكر وأنثى، ومن ثم لم يدّع أحد خلق ذلك، كما لم يدّع خلق السموات والأرض كما قال: « وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ».

ونحو الآية قوله: « أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً؟ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى؟ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟ ».

(11) (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) أي وأنه تعالى رب هذا الكوكب الوهاج الذي تطلع خلف الجوزاء في شدة الحر.

وإنما خصها بالذكر من بين الأجرام السماوية، وفيها ما هو أكبر منها جرما وأكثر ضوءا، لأنها عبدت من دون الله في الجاهلية، فقد عبدتها حمير وخزاعة، وأول من سن عبادتها أبو كبشة وكان من أشراف العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي كبشة تشبيها له به، لمخالفته دينهم كما خالفهم أبو كبشة، وكان من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمه، ومن ذلك قول أبي سفيان حين دخوله على هرقل: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة. ومن العرب من كانوا يعظمونها، ويعتقدون أن لها تأثيرا في العالم ويتكلمون على المغيبات حين طلوعها. وهي شعريان إحداهما شامية، وثانيتهما يمانية وهي المرادة هنا وهي التي كانت تعبد من دون الله.

(12) (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى) وهي قوم هود عليه السلام، وعاد الأخرى هي إرم بن سام بن نوح كما قال: « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ؟ » وقد كانوا من أشد الأمم وأقواهم وأعتاهم على الله ورسوله، فأهلكهم « بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا » أي متتابعة.

وقال المبرد: وعاد الأخرى هي ثمود، وقيل عاد الأخرى من ولد عاد الأولى.

(13) (وَثَمُودَ فَما أَبْقى) أي وأهلك ثمود فما أبقى عليهم، بل أخذهم بذنوبهم أخذ عزيز مقتدر.

ونحو الآية قوله: « فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ».

(14) (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى) أي وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود، وكانوا أظلم من هذين، لأنهم بدءوا بالظلم، و« من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها » وأطغى منهما وأكثر تجاوزا للحد، لأنهم سمعوا المواعظ وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم بقوله: « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا ».

وقد كان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه ويمشى إلى نوح يحذره منه ويقول يا بني إن أبى مشى بي إلى هذا وأنا مثلك يومئذ، فإياك أن تصدّقه، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه، لا يتأثر من دعائه له.

(15) (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى، فَغَشَّاها ما غَشَّى) أي وأهلك قوم لوط بانقلاب قريتهم عليهم وجعل عاليها سافلها ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود كما قال: « وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ » وهذا ما عناه سبحانه بقوله: فغشاها ما غشى.

وفي هذا الأسلوب تهويل للأمر الذي غشاها به، وتعظيم له.

[سورة النجم (53): الآيات 55 الى 62][عدل]

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (55) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)

تفسير المفردات

الآلاء: النعم واحدها ألى (بالفتح والكسر) وتتمارى: تمترى وتشك، والخطاب للانسان، هذا نذير من النذر: أي إن محمدا بعض من أنذر، أزفت: قربت، والآزفة: الساعة، وسميت بذلك لقرب قيامها، أو لدنوها من الناس كما جاء في قوله: « اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ » من دون الله: أي من غيره، كاشفة: أي نفس تكشف وقت وقوعها وتبينه، لأنها من أخفى المغيبات، والحديث: القرآن، سامدون: أي لاهون غافلون من سمد البعير في سيره إذا رفع رأسه، فاسجدوا: أي اشكروا على الهداية، واعبدوا: أي اشتغلوا بالعبادة والطاعة.

المعنى الجملي

بعد أن ذكر قبل ما جاء في صحف موسى وإبراهيم، من أن الإحياء والإماتة بيد الله، وأنه هو الذي يصرّف أمور العالم خلقا وتدبيرا وملكا، فيفقر قوما ويغنى آخرين، وأن أمر المعاد تحت قبضته، وأن الخلق إذ ذاك يرجعون إليه، وأن بعض الأمم كذبت رسلها وأنكرت الخالق فأصابها ما أصابها - قفى على هذا بالتعجيب من أمر الإنسان، وأنه كيف يتشكك في هذا ويجادل فيه منكرا له، وقد جاء النذير به، فعليكم أن تصدّقوه وتؤمنوا به قبل أن يحل بكم عذاب يوم عظيم قد أزف، ولا يقدر على كشفه أحد إلا هو، فلا تعجبوا من القرآن منكرين، ولا تضحكوا منه مستهزئين، وابكوا حزنا على ما فرّطتم في جنب الله، وعلى غفلتكم عن مواعظه وحكمه التي فيها سعادتكم في دنياكم وآخرتكم، واسجدوا شكرا لبارئ النسم، الذي أوجدها من العدم، واعبدوه بكرة وعشيا شكرا على آلائه، وتقلبكم في نعمائه.

الإيضاح

(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى) أي فبأي نعم ربك عليك أيها الإنسان تمترى وتشك؟

ونحو الآية قوله: « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟ » وقوله: « وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا » وقوله: « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ».

والمراد بالنعم ما عدده من قبل، وجعلت كلها نعما، وبعضها نقم، لما في النقم من المواعظ والعبر للمعتبرين، من الأنبياء والمؤمنين.

والخلاصة - إنها كلها دالة على وحدانية ربك وربوبيته، ففي أيها تتشكك على وضوحها للناظرين، ووجوه دلالتها للمعتبرين؟.

(هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى) أي إن محمدا صلى الله عليه وسلم منذر من حاد عن طريق الهدى، وسلك طريق الضلال والهوى، بسىء العواقب، في العاجل والآجل، وهو كمن قبله من الرسل الذين أرسلهم ربهم لهداية خلقه، فكذبوهم فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وحل بهم البوار والنكال، كفاء تكذيبهم وجحودهم آلاء ربهم، ونعمه التي تترى عليهم.

ونحو الآية قوله: « إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ » وقوله صلى الله عليه وسلم « أنا النذير العريان » أي الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس شيئا، وبادر إلى إنذار قومه وجاءهم مسرعا.

(أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) أي اقتربت الساعة، ونصب الميزان، وستجازى كل نفس بما عملت من خير أو شر، فاحذروا أن تكونوا من الهالكين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون.

ونحو الآية قوله: « إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ » وفي الحديث « مثلى ومثل الساعة كهاتين » وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلى الإبهام.

(لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ) أي ليس هناك من يعرف وقت حلول الآزفة إلا هو، فاستعدوا لهذا اليوم قبل أن تأخذكم الساعة بغتة وأنتم لا تشعرون، فتندموا ولات ساعة مندم، وجدّوا للعمل قبل حلول الأجل.

وقد أشار في هذه الآيات إلى أصول الدين الثلاثة.

(1) وحدانية الله بقوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى؟).

(2) إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (هذا نذير) (3) إثبات الحشر والبعث بقوله: (أزفت الآزفة).

ثم أنكر على المشركين تعجبهم من القرآن واستهزاءهم به وإعراضهم عنه فقال:

(أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) أي أفينبغي لكم بعد ذلك أن تعجبوا من هذا القرآن وقد جاءكم بما فيه هدايتكم إلى سواء السبيل، وإرشادكم إلى الطريق المستقيم، وكيف تسخرون منه وتستهزئون به، ولا تكونوا كالموقنين الذين وصفهم الله بقوله: « وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا » وكيف تلهون عن استماع عبره، وتغفلون عن مواعظه، وتتلقونها تلقى اللاهي الساهي المعرض عما يسمع، غير المكترث بما يلقى إليه.

أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: لما نزلت « أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ » الآية بكى أصحاب الصّفّة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينهم بكى معهم، فبكينا ببكائه، فقال عليه الصلاة والسلام: « لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم »

ثم بيّن ما يجب عند سماع القرآن من الإجلال والتعظيم فقال:

(فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) أي فاخضعوا وأخلصوا له العمل حنفاء غير مشركين به، فهو الذي أنزله على عبده ورسوله هاديا وبشيرا لكم لعلكم ترحمون، ودعوا ما أنتم فيه من عبادة الأوثان والأصنام التي لا تغنى عنكم شيئا، فلا تدفع عنكم ضرّا، ولا تجديكم نفعا كما قال آمرا رسوله أن يقول لهم: « قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ؟ ».

ما تضمنته السورة الكريمة من الأسرار والأحكام[عدل]

(1) إنزال الوحي على رسوله.

(2) إن الذي علمه إياه هو جبريل شديد القوى.

(3) قرب رسوله من ربه.

(4) إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته الملكية مرتين.

(5) تقريع المشركين على عبادتهم للأصنام.

(6) توبيخهم على جعل الملائكة إناثا وتسميتهم إياهم بنات الله.

(7) مجازاة كل من المحسن والمسيء بعمله.

(8) أوصاف المحسنين.

(9) إحاطة علمه تعالى بما في السموات والأرض.

(10) النهي عن تزكية المرء نفسه.

(11) الوصايا التي جاءت في صحف إبراهيم وموسى.

(12) النعي على المشركين في إنكارهم الوحدانية والرسالة والبعث والنشور.

(13) التعجب من استهزاء المشركين بالقرآن حين سماعه، وغفلتهم عن مواعظه.

(14) أمر المؤمنين بالخضوع لله والإخلاص له في العمل.

تفسير المراغي
مقدمة التفسير | الفاتحة | البقرة | آل عمران | النساء | المائدة | الأنعام | الأعراف | الأنفال | التوبة | يونس | هود | يوسف | الرعد | إبراهيم | الحجر | النحل | الإسراء | الكهف | مريم | طه | الأنبياء | الحج | المؤمنون | النور | الفرقان | الشعراء | النمل | القصص | العنكبوت | الروم | لقمان | السجدة | الأحزاب | سبأ | فاطر | يس | الصافات | ص | الزمر | غافر | فصلت | الشورى | الزخرف | الدخان | الجاثية | الأحقاف | محمد | الفتح | الحجرات | ق | الذاريات | الطور | النجم | القمر | الرحمن | الواقعة | الحديد | المجادلة | الحشر | الممتحنة | الصف | الجمعة | المنافقون | التغابن | الطلاق | التحريم | الملك | القلم | الحاقة | المعارج | نوح | الجن | المزمل | المدثر | القيامة | الإنسان | المرسلات | النبأ | النازعات | عبس | التكوير | الانفطار | المطففين | الانشقاق | البروج | الطارق | الأعلى | الغاشية | الفجر | البلد | الشمس | الليل | الضحى | الشرح | التين | العلق | القدر | البينة | الزلزلة | العاديات | القارعة | التكاثر | العصر | الهمزة | الفيل | قريش | الماعون | الكوثر | الكافرون | النصر | المسد | الإخلاص | الفلق | الناس | خاتمة التفسير | فهارس الأجزاء