مجموع الفتاوى/المجلد الثالث/فصل في تعلق العبادة بطاعة الله ورسوله

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في تعلق العبادة بطاعة الله ورسوله
ابن تيمية

فصل في تعلق العبادة بطاعة الله ورسوله[عدل]

وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين، وفرعه، وسائر دعائمه، وشعبه داخلة فيهما، فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ} [1] وقال في الآية المشروعة في خطبة الحاجة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [2].

وفي الخطبة: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا» وقال: {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [3]، {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ومن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [4].

وكذلك علق الأمور بمحبة الله ورسوله، كقوله: { أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ } [5]، وبرضا الله ورسوله، كقوله: { وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [6] وتحكيم الله ورسوله، كقوله: { وَإِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [7]، وقوله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ } [8]، وأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، فقال: {أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ} [9]، وجعل المغانم لله والرسول، فقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لله وَالرَّسُولِ} [10] ونظائر هذا متعددة.

فتعليق الأمور من المحبة والبغضة، والموالاة والمعاداة، والنصرة والخذلان، والموافقة والمخالفة، والرضا والغضب، والعطاء والمنع، بما يخالف هذه الأصول المنزلة من عند الله مما هو أخص منها أو أعم منها أو أعم من وجه وأخص من وجه.

فالأعم: ما عليه المتفلسفة، ومن اتبعهم من ضلال المتكلمة والمتصوفة والممالك المؤسسة على ذلك، كملك الترك وغيرهم، في تسويغ التدين بغير ما جاء به محمد رسول الله. وإن عظم محمدًا وجعل دينه أفضل الأديان، وكذلك من سوغ النجاة والسعادة بعد مبعثه بغير شريعته.

والأعم من وجه الأخص من وجه: مثل الأنساب، والقبائل، والأجناس العربية، والفارسية، والرومية، والتركية أو الأمصار والبلاد.

والأخص مطلقًا الانتساب إلى جنس معين من أجناس بعض شرائع الدين كالتجند للمجاهدين، والفقه للعلماء، والفقر والتصوف للعباد. أو الانتساب إلى بعض فرق هذه الطوائف كإمام معين، أو شيخ، أو ملك، أو متكلم من رؤوس المتكلمين، أو مقالة، أو فعل تتميز به طائفة، أو شعار هذه الفرق من اللباس من عمائم أو غيرها، كما يتعصب قوم للخرقة، أو اللبسة، يعنون الخرقة الشاملة للفقهاء، والفقراء، أو المختصة بأحد هذين أو بعض طوائف أحد هؤلاء أو لباس التجند، أو نحو ذلك، كل ذلك من أمور الجاهلية المفرقة بين الأمة وأهلها، خارجون عن السنة والجماعة، داخلون في البدع والفرقة، بل دين الله تعالى أن يكون رسوله محمد ﷺ هو المطاع أمره، ونهيه، المتبوع في محبته ومعصيته، ورضاه، وسخطه، وعطائه، ومنعه، وموالاته، ومعاداته، ونصره وخذلانه.

ويعطى كل شخص أو نوع من أنواع العالم من الحقوق ما أعطاهم إياه الرسول، فالمقرب من قربه، والمقصي من أقصاه، والمتوسط من وسط، ويحب من هذه الأمور أعيانها وصفاتها، ما يحبه الله ورسوله منها، ويكره منها ما كره الله ورسوله منها، ويترك منها لا محبوبًا ولا مكروها ما تركه الله، ورسوله كذلك لا محبوبًا ولا مكروهًا.

ويؤمر منها بما أمر الله به ورسوله، وينهي عما نهى الله عنه ورسوله، ويباح منها ما أباحه الله ورسوله، ويعفي عما عفا الله عنه ورسوله، ويفضل منها ما فضله الله ورسوله، ويقدم ما قدمه الله ورسوله. ويؤخر ما أخره الله ورسوله، ويرد ما تنوزع منها إلى الله ورسوله، فما وضح اتبع، وما اشتبه بين فيه.

وما كان منها من الاجتهاديات المتنازع فيها التي أقرها الله ورسوله، كاجتهاد الصحابة في تأخير العصر عن وقتها يوم قريظة، أو فعلها في وقتها، فلم يعنف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين، وكما قطع بعضهم نخل بني النضير، وبعضهم لم يقطع، فأقر الله الأمرين. وكما ذكر الله عن داود وسليمان: أنهما حكما في الحرث، ففهم الحكومة أحدهما، وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم به، وكما قال ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر».

فما وسعه الله ورسوله وسع، وما عفى عنه ورسوله عفى عنه. وما اتفق عليه المسلمون من إيجاب، أو تحريم، أو استحباب، أو إباحة، أو عفو بعضهم لبعض عما أخطأ فيه، وإقرار بعضهم لبعض فيما اجتهدوا به فهو مما أمر الله به ورسوله؛ فإن الله ورسوله أمر بالجماعة، ونهى عن الفرقة.

ودل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، على ما هو مسطور في مواضعه.


هامش

  1. [النساء: 69]
  2. [الأحزاب: 70، 71]
  3. [النور: 52]
  4. [النساء: 13، 14]
  5. [التوبة: 24]
  6. [التوبة: 62]
  7. [النور: 48]
  8. [النساء: 61]
  9. [النساء: 59]
  10. [الأنفال: 1]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثالث
مجمل اعتقاد السلف | ما قاله الشيخ الإمام في التوحيد والصفات والشرع والقدر | فصل فيمن قال القول في بعض الصفات كالقول في بعض | فصل في إخبار الله لنا بما في الجنة من المخلوقات | فصل في وصف الله بالإثبات والنفي | فصل في وجوب الإيمان بما أخبر به الرسول عن ربه | فصل في ظواهر النصوص ومراداتها | فصل في توهم كثير من الناس أن صفات الله تماثل صفات المخلوقين | فصل في قصور العلم البشري | فصل في معرفة ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات | فصل فيما يسلكه نفاة الصفات | فصل في أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه | فصل في التوحيد في العبادات | فصل في وجوب الإيمان بخلق الله وأمره وبقضائه وشرعه | العقيدة الواسطية | سئل شيخ الإسلام رحمه الله أن يكتب عقيدة تكون عمدة | فصل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه | فصل من الإيمان بالله الإيمان بأنه قريب من خلقه | فصل من الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق | فصل من الإيمان بالله أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانا بأبصارهم | فصل ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم | فصل من أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول وعمل | فصل من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل في استكمال أصول أهل السنة والجماعة | ما قاله رحمه الله تعالى في أمر الاعتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان | فصل فيما أمرنا الله تعالى به من الجماعة والائتلاف وما نهانا عنه من الفرقة والاختلاف | سبب تأليفه العقيدة الواسطية | كتاب عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين | سئل الشيخ رحمه الله عن مسألة القرآن والصوت | ما قاله الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان | باب ذكر الاستواء | فصل في لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن | فصل في ذكرهم أن الشيخ طلب تفويض الحكم إلى شخص معين | فصل فيما ينبغي علمه من أن القوم مستضعفون عند المحاقة | ما قاله الشيخ عند وصول الورقة التي ذكر فيها إخبار الشيخ باجتماع الرسول به | فصل معترض في نفي الشيخ أن يكون قد طلب النظر في المحاضر | ما قاله شيخ الإسلام عن أهل السنة والمبتدعة | فصل من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات | فصل في عدم جواز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ فيه | فصل في كون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حق يجزم به المسلمون | سئل الشيخ هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين | فصل في إعراض كثير من أرباب الكلام والحروف عن القرآن | فصل في تعلق العبادة بطاعة الله ورسوله | سئل شيخ الإسلام عن قوله صلى الله عليه وسلم تفترق أمتي ثلاث وسبعين فرقة | فصل في أن الانحراف عن الوسط واقع بين الناس في أكثر الأمور | ما كتبه شيخ الإسلام إلى المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة | فصل في استكمال ما كتبه الشيخ إلى أهل السنة والجماعة | فصل في أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه | فصل في التحذير من الغلو في بعض المشائخ | فصل في الاقتصاد في السنة واتباعها | فصل في وجوب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة | فصل في أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان