مجموع الفتاوى/المجلد الثالث/فصل فيما ينبغي علمه من أن القوم مستضعفون عند المحاقة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل فيما ينبغي علمه من أن القوم مستضعفون عند المحاقة
ابن تيمية

فصل فيما ينبغي علمه من أن القوم مستضعفون عند المحاقة[عدل]

وما ينبغي أن تعلمه أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية ابن مخلوف وغيره وقد أداروا الرأي بينهم وعلموا أنهم عند المحاقة مقهورون متهوكون، والطيرسي طلب مني غير مرة ترك المحاقة فقلت له: أنا ما بغيت على أحد ولا قلت لأحد وافقني على اعتقادي وإلا فعلت بك؛ ولا أكرهت أحدا بقول ولا عمل بل ما كتبت في ذلك شيئا قط إلا أن يكون جواب استفتاء بعد إلحاح السائل واحتراقه وكثرة مراجعته، ولا عادتي مخاطبة في هذا ابتداء.

وهؤلاء هم الذين دعوا الناس إلى ما دعوهم اليه وأكرهوهم عليه، فيبينون للناس ما الذي أمروهم به وما الذي نهوهم عنه فإن كانوا أمروهم بما أمرهم الله به ورسوله فالسمع والطاعة لله ولرسوله ولمن أمر بما أمر الله به ورسوله؛ وإن كانوا أمروا بحق وباطل ونهوا عن حق وباطل وأمروا ونهوا عن أمور لا يعرفون حقيقتها كانوا بذلك من الجاهلين الظالمين وكان الحاكم بذلك من القاضيين الذين في النار ولم تجز طاعتهم في ذلك بل تحرم.

وأنا لو شئت المحاقة كانت أمور عظيمة لكن من أنكر شيئا مما قلته فليقل إني أنكر كذا وكذا ويكتب خطه بما أنكره ويوجه إنكاره له.

وأنا أكتب خطي بالجواب ويعرض الكلامان على جميع علماء المسلمين شرقًا وغربًا، وأنا قائل ذلك وقد قلت قبل ذلك بدمشق هذه الإنكارات المجملة لا تفيد شيئا، بل من أنكر شيئا فليكتب خطه بما أنكره وبحجته، وأنا أكتب خطي بجواب ذلك ويرى أهل العلم والإيمان الكلامين فهذا هو الطريق في الأمور العامة، وأما الألفاظ التي لا تكتب فيكثر فيها التخليط والزيادة والنقصان، كما قد وقع، وقد قلت فيما قلته للطيبرسي: هذا الأمر الذي عملتموه

فساد في ملتكم ودولتكم وشريعتكم والكتاب السلطاني الذي كتب على لسان السلطان فيه من الكذب عليكم ومخالفة الشريعة أمور كثيرة تزيد على عشرة أوجه، وكتاب غازان الذي قرئ على منبر الشام أقرب إلى شريعة الإسلام من هذا الذي كتب على لسان سلطان المسلمين وقرئ على منابر الإسلام، فاذ كان بحضورهم يكتب على الكذب عليكم وعلى القضاة ويبدل دين الإسلام فكيف فيما سوى ذلك مما غاب عنكم، وكذلك أرسلت مع الفتاح إلى نائب السلطان أقول هذا الاعتقاد عندكم وهو الذي بحثه علماء الشام فمن كان منكر منه شيئا فليبينه.

ومما يجب أن يعلم أن الذي يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إلا بحجة وبيان إذ ليس لأحد أن يلزم أحدا بشيء ولا يحظر على أحد شيئا بلا حجة خاصة إلا رسول الله ﷺ المبلغ عن الله الذي أوجب على الخلق طاعته فيما أدركته عقولهم وما لم تدركه وخبره مصدق فيما علمناه وما لم نعلمه وأما غيره إذا قال هذا صواب أو خطأ فإن لم يبين ذلك بما يجب به اتباعه، فأول درجات الإنكار أن يكون المنكر عالما بما ينكره وما يقدر الناس عليه فليس لأحد من خلق الله كائنًا من كان أن يبطل قولا أو يحرم فعلا إلا بسلطان الحجة وإلا كان ممن قال الله فيه: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} [1]، وقال فيه: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [2].

هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل وأجعله مؤتمًا بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس حاكما فيما اختلفوا فيه، قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} [3] وقال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ} [4] الآية وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [5]، وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه والله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [6].

وإن أرادوا أن ينكروا بما شاءوا من حجج عقلية أو سمعية فأنا أجيبهم إلى ذلك كله وأبينه بيانا يفهمه الخاص والعام أن الذي أقوله هو الموافق لضرورة العقل والفطرة وأنه الموافق للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وأن المخالف لذلك هو المخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، فلو كنت أنا المبتدىء بالإنكار والتحديث بمثل هذا لكانت الحجة متوجهة عليهم، فكيف إذا كان الغير هو المبتدئ بالإنكار{وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} [7]، الآيتين {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [8] {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [9]، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى سائر الجماعة، وتخص بدر الدين بأكرم تحية وسلام وتوقفه على هذه الأوراق إن شئت فإنه كان يقول في بعض الأمور ما عن المحبوب سر محجوب وبشر بكل ما يسر الله به عباده المؤمنين وينتقم به من الكافرين والمنافقين فإني أعرف جملا مما يتجرعه هو وذووه من أهل الترؤس بالباطل من ذوي الكذب والمحال والله ناصر دينه وناصر عباده المؤمنين على مناويهم بالباطل، لكن ليس هذا موضع الأخبار بتفاصيل سارة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


هامش

  1. [غافر: 56]
  2. [غافر: 35]
  3. [البقرة: 213]
  4. [النساء: 59]
  5. [الحديد: 25]
  6. [آل عمران120]
  7. [الشورى: 41]
  8. [الصافات: 171 173]
  9. [غافر: 51]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثالث
مجمل اعتقاد السلف | ما قاله الشيخ الإمام في التوحيد والصفات والشرع والقدر | فصل فيمن قال القول في بعض الصفات كالقول في بعض | فصل في إخبار الله لنا بما في الجنة من المخلوقات | فصل في وصف الله بالإثبات والنفي | فصل في وجوب الإيمان بما أخبر به الرسول عن ربه | فصل في ظواهر النصوص ومراداتها | فصل في توهم كثير من الناس أن صفات الله تماثل صفات المخلوقين | فصل في قصور العلم البشري | فصل في معرفة ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات | فصل فيما يسلكه نفاة الصفات | فصل في أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه | فصل في التوحيد في العبادات | فصل في وجوب الإيمان بخلق الله وأمره وبقضائه وشرعه | العقيدة الواسطية | سئل شيخ الإسلام رحمه الله أن يكتب عقيدة تكون عمدة | فصل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه | فصل من الإيمان بالله الإيمان بأنه قريب من خلقه | فصل من الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق | فصل من الإيمان بالله أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانا بأبصارهم | فصل ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم | فصل من أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول وعمل | فصل من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل في استكمال أصول أهل السنة والجماعة | ما قاله رحمه الله تعالى في أمر الاعتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان | فصل فيما أمرنا الله تعالى به من الجماعة والائتلاف وما نهانا عنه من الفرقة والاختلاف | سبب تأليفه العقيدة الواسطية | كتاب عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين | سئل الشيخ رحمه الله عن مسألة القرآن والصوت | ما قاله الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان | باب ذكر الاستواء | فصل في لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن | فصل في ذكرهم أن الشيخ طلب تفويض الحكم إلى شخص معين | فصل فيما ينبغي علمه من أن القوم مستضعفون عند المحاقة | ما قاله الشيخ عند وصول الورقة التي ذكر فيها إخبار الشيخ باجتماع الرسول به | فصل معترض في نفي الشيخ أن يكون قد طلب النظر في المحاضر | ما قاله شيخ الإسلام عن أهل السنة والمبتدعة | فصل من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات | فصل في عدم جواز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ فيه | فصل في كون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حق يجزم به المسلمون | سئل الشيخ هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين | فصل في إعراض كثير من أرباب الكلام والحروف عن القرآن | فصل في تعلق العبادة بطاعة الله ورسوله | سئل شيخ الإسلام عن قوله صلى الله عليه وسلم تفترق أمتي ثلاث وسبعين فرقة | فصل في أن الانحراف عن الوسط واقع بين الناس في أكثر الأمور | ما كتبه شيخ الإسلام إلى المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة | فصل في استكمال ما كتبه الشيخ إلى أهل السنة والجماعة | فصل في أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه | فصل في التحذير من الغلو في بعض المشائخ | فصل في الاقتصاد في السنة واتباعها | فصل في وجوب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة | فصل في أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان