إغاثة اللهفان/الباب الثالث عشر/34

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
الباب الثالث عشر
ابن قيم الجوزية

فصل

وقد اختلفت أقوال الناس في التوراة التي بأيديهم: هل هي مبدلة أم التبديل والتحريف وقع في التأويل دون التنزيل على ثلاثة أقوال: طرفين ووسط

فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها أو أكثرها مبدلة مغيرة ليست التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام وتعرض هؤلاء لتناقضها وتكذيب بعضها لبعض وغلا بعضهم فجوز الاستجمار بها من البول

وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام فقالوا: بل التبديل وقع في التأويل لا في التنزيل

وهذا مذهب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري

قال في صحيحه يحرفون: يزيلون وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى ولكنهم يحرفونه: يتأولونه على غير تأويله

وهذا اختيار الرازي في تفسيره

وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع في هذه المسألة بين بعض الفضلاء فاختار هذا المذهب ووهن غيره فأنكر عليه فأحضر لهم خمسة عشر نقلا به

ومن حجة هؤلاء: أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها وانتشرت جنوبا وشمالا ولا يعلم عدد نسخها إلا الله تعالى ومن الممتنع أن يقع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ بحيث لا يبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة مغيرة والتغيير على منهاج واحد وهذا مما يحيله العقل ويشهد ببطلانه

قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ محتجا على اليهود بها: قل فائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم ولم يمكنهم تغييرها من التوراة ولهذا لما قرؤها على النبي ﷺ وضع القارىء يده على آية الرجم فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك عن آية الرجم فرفعها فإذا هي تلوح تحتها فلو كانوا قد بدلوا ألفاظ التوراة لكان هذا من أهم ما يبدلونه قالوا: وكذلك صفات النبي ﷺ ومخرجه هو في التوراة بين جدا ولم يمكنهم إزالته وتغييره: وإنما ذمهم الله تعالى بكتمانهم وكانوا إذا احتج عليهم بما في التوراة من نعمته وصفته يقولون: ليس هو ونحن ننتظره

قالوا: وقد روى أبو داود في سننه عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم فوضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها ثم قال: ائتوني بالتوراة فأتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثم قال: آمنت بك وبمن أنزلك ثم قال: ائتوني بأعلمكم فأتي بفتى شاب ثم ذكر قصة الرجم

قالوا: فلو كانت مبدلة مغيرة لم يضعها على الوسادة ولم يقل: آمنت بك وبمن أنزلك قالوا: وقد قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} والتوراة من كلماته

قالوا: والآثار التي في كتمان اليهود صفة رسول الله ﷺ في التوراة ومنعهم أولادهم وعوامهم الاطلاع عليها مشهورة ومن اطلع عليها منهم قالوا له: ليس به فهذا بعض ما احتجت به هذه الفرقة

وتوسطت طائفة ثالثة وقالوا: قد زيد فيها وغير ألفاظ يسيرة ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه والتبديل في يسير منها جدا وممن اختار هذا القول شيخنا في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح

قال: وهذا كما في التوراة عندهم: أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: اذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحق، فإسحق زيادة منهم في لفظ التوراة قلت: وهي باطلة قطعا من عشرة أوجه

أحدها: أن بكره ووحيده هو إسماعيل باتفاق الملل الثلاث فالجمع بين كونه مأمورا بذبح بكره وتعيينه بإسحق جمع بين النقيضين

الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل عن سارة ويسكنها في برية مكة لئلا تغير سارة فأمر بابعاد السرية وولدها عنها حفظا لقلبها ودفعا لأذى الغيرة عنها فكيف يأمر الله سبحانه وتعالى بعد هذا بذبح ابن سارة وإبقاء ابن السرية فهذا مما لا تقتضيه الحكمة

الثالث: أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيرا للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده.

الرابع: أن الله سبحانه بشر سارة أم إسحق بإسحق ومن وراء إسحاق يعقوب فبشرها بهما جميعا فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحق وقد بشر أبويه بولد ولده

الخامس: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قصة الذبيح وتسليمه نفسه لله تعالى وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها: {وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين} فشكر الله تعالى له استسلامه لأمره وبذل ولده له وجعل من إثابته على ذلك: أن آتاه إسحق فنجى إسماعيل من الذبح وزاده عليه إسحق.

السادس: أن إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه سأل ربه الولد فأجاب الله دعاءه وبشره فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه قال تعالى: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم}.

فهذا دليل على أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولدا وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن وأما إسحق فإنما بشر به من غير دعوة منه بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة ولهذا تعجبت من حصول الولد منها ومنه قال تعالى: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله}

فتأمل سياق هذه البشارة وتلك تجدهما بشارتين متفاوتتين مخرج إحداهما غير مخرج الأخرى

والبشارة الأولى كانت له والثانية كانت لها

والبشارة الأولى هي التي أمر بذبح من بشر فيها دون الثانية السابع: أن إبراهيم عليه السلام لم يقدم بإسحاق إلى مكة البتة ولم يفرق بينه وبين أمه وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرتها في بلدها ويدع ابن ضرتها

الثامن: أن الله تعالى لما اتخذ ابراهيم خليلا والخلة تتضمن أن يكون قلبه كله متعلقا بربه ليس في شعبة لغيره فلما سأله الولد وهبه اسماعيل فتعلق به شعبة من قلبه فأراد خليله سبحانه أن تكون تلك الشعبة له ليست لغيره من الخلق فامتحنه بذبح ولده فلما أقدم على الامتثال خلصت له تلك الخلة وتمحضت لله وحده فنسخ الأمر بالذبح لحصول المقصود وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال

ومن المعلوم: أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها فلما حصل هذا المقصود من الولد الأول لم يحتج في الولد الآخر إلى مثله فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر الخلة لأمر بذبحه كما أمر بذبح الأول فلو كان المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره في الأول على مزاحمة الخلة به مدة طويلة ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك وهذا خلاف مقتضى الحكمة فتأمله

التاسع: أن إبراهيم عليه السلام إنما رزق إسحاق عليه السلام على الكبر وإسماعيل عليه السلام رزقه في عنفوانه وقوته والعادة أن القلب أعلق بأول الأولاد وهو إليه أميل وله أحب بخلاف من يرزقه على الكبر ومحل الولد بعد الكبر كمحل الشهوة للمرأة

العاشر: أن النبي ﷺ كان يفتخر بقوله: أنا ابن الذبيحين يعني أباه عبد الله وجده إسماعيل

والمقصود: أن هذه اللفظة مما زادوها في التوراة

ونحن نذكر السبب الموجب لتغيير ما غير منها والحق أحق ما اتبع فلا نغلو غلو المستهينين بها المتمسخرين بها بل معاذ الله من ذلك، ولا نقول: إنها باقية كما أنزلت من كل وجه كالقرآن

فنقول وبالله التوفيق:

علماء اليهود وأحبارهم يعتقدون أن هذه التوراة التي بأيديهم ليست هي التي أنزلها الله تعالى على موسى بن عمران بعينها لأن موسى عليه السلام صان التوراة عن بني إسرائيل خوفا من اختلافهم من بعده في تأويلها المؤدي إلى تفرقهم أحزابا وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوي

ودليل ذلك قوله في التوراة وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى بني إسرائيل إلى الأئمة من بني لاوي وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقوفة عليهم ولم يبذل موسى عليه السلام من التوراة لبني إسرائيل إلا نصف سورة وهي التي قال فيها: وكتب موسى هذه السورة وعلمها بني إسرائيل

هذا نص التوراة عندهم قال: وتكون لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل وفيها: قال الله تعالى: إن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم

يعني أن هذه السورة مشتملة على ذم طبائعهم وأنهم سيخالفون شرائع التوراة وأن السخط يأتيهم بعد ذلك وتخرب ديارهم ويسبون في البلاد فهذه السورة تكون متداولة في أفواهم كالشاهد عليهم الموقف لهم على صحة ما قيل لهم

فلما نصت التوراة أن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم دل ذلك على أن غيرها من السور ليس كذلك وأنه يجوز أن ينسى من أفواههم

وهذا يدل على أن موسى عليه السلام لم يعط بني إسرائيل من التوراة إلا هذه السورة فأما بقيتها فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمن سواهم وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها قتلهم بختنصر على دم واحد يوم فتح بيت المقدس ولم يكن حفظ التوراة فرضا عليهم ولا سنة بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيديهم ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة

فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح العراق لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم

وغلا بعضهم فيه حتى قال: هو ابن الله ولذلك نسب الله تعالى ذلك إلى اليهود إلى جنسهم لا إلى كل واحد منهم

فهذه التوراة التي بأيديهم في الحقيقة كتاب عزرا وفيها كثير من التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى ﷺ ثم تداولتها أمة قد مزقها الله تعالى كل ممزق وشتت شملها فلحقها ثلاثة أمور

أحدها: بعض الزيادة والنقصان

الثاني: اختلاف الترجمة

الثالث: اختلاف التأويل والتفسير

ونحن نذكر من ذلك أمثلة تبين حقيقة الحال

المثال الأول: ما تقدم من قوله ولحم فريسة في الصحراء لا تأكلوه وللكلب ألقوه

وتقدم بيان تحريفهم هذا النص وحمله على غير محمله المثال الثاني قوله في التوراة نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك به فليؤمنوا فحرفوا تأويله إذ لم يمكنهم أن يبدلوا تنزيله وقالوا: هذه بشارة بني من بني إسرائيل وهذا باطل من وجوه

أحدها: أنه لو أراد ذلك لقال: من أنفسهم كما قال في حق محمد ﷺ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} ولم يقل: من إخوتكم

الثاني: أن المعهود في التوراة: أن إخوتهم غير بني إسرائيل ففي الجزء الأول من السفر الخامس قوله: أنتم عابرون في تخوم إخوتكم بني العيص المقيمين في سيعير إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم

فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق والروم هم بنو العيص واليهود هم بنو إسرائيل وهم إخوتهم فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم

الثالث: أن هذه البشارة لو كانت بشمويل أو غيره من بني إسرائيل لم يصح أن يقال: بنو إسرائيل إخوة بني إسرائيل وإنما المفهوم من هذا أن بني إسماعيل أو بني العيص هم إخوة بني إسرائيل

الرابع: أنه قال: سأقيم لهم نبيا مثلك وفي موضع آخر: أنزل عليه توراة مثل توراة موسى

ومعلوم أن شمويل وغيره من أنبياء بني إسرائيل لم يكن فيهم مثل موسى لا سيما وفي التوراة لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى وأيضا فليس في بني إسرائيل من أنزل عليه توراة مثل توراة موسى إلا محمد والمسيح عليهم الصلاة والسلام والمسيح كان من أنفس بني إسرائيل لا من إخوتهم بخلاف محمد ﷺ فإنه من إخوتهم بني إسماعيل

وأيضا فإن في بعض ألفاظ هذا النص كلكم له تسمعون وشموئيل لم يأت بزيادة ولا بنسخ لأنه إنما أرسل ليقوي أيديهم على أهل فلسطين وليردهم إلى شرع التوراة فلم يأت بشريعة جديدة ولا كتاب جديد وإنما حكمه حكم سائر الأنبياء من بني إسرائيل فإنهم كانوا يسوسهم الأنبياء كلما مات نبي قام فيهم نبي فإن كانت هذه البشارة لشمويل فهي بشارة بسائر الأنبياء الذي بعثوا فيهم ويكونون كلهم مثل موسى عليه السلام وكلهم قد أنزل عليهم كتاب مثل كتاب موسى عليه السلام

المثال الثالث: قوله في التوراة جاء الله تعالى من طور سيناء وأشرق نوره من سيعير واستعلن من جبال فاران ومعه ربوات المقدسين

وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل السراة الذي يسكنه بنو العيص الذين آمنوا بعيسى ويعلمون أن في هذا الجبل كان مقام المسيح ويعلمون أن سيناء هو جبل الطور

وأما جبال فاران فهم يحملونها على جبال الشأم وهذا من بهتهم وتحريف التأويل

فإن جبال فاران هي جبال مكة وفاران اسم من أسماء مكة وقد دل على هذا نص التوراة: أن إسماعيل لما فارق أباه سكن برية فاران وهي جبال مكة ولفظ التوراة أن إسماعيل أقام في برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر

فثبت بنص التوراة أن جبال فاران مسكن لولد إسماعيل وإذا كانت التوراة قد أشارت إلى نبوة تنزل على جبال فاران لزم أنها تنزل على ولد إسماعيل لأنهم سكانها

ومن المعلوم بالضرورة أنها لم تنزل على غير محمد ﷺ من ولد إسماعيل عليه السلام

وهذا من أظهر الأمور بحمد الله تعالى

فصل

ومما يدل على غلظ أفهام هذه الأمة الغضبية وقلة فقههم وفساد رأيهم وعقولهم كما في التوراة أنهم شعب عادم الرأي فليس فيهم فطانة: أنهم سمعوا في التوراة يكون ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك ولا ينضج الجدي بلبن أمه

والمراد بذلك: أنهم أمروا عقيب افتراض الحج إلى بيت المقدس عليهم: أن يستصحبوا معهم إذا حجوا أبكار أغنامهم وأبكار مستغلات أرضهم لأنه كان فرض عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة الغنم والبقر وراء أمها سبعة أيام وفي اليوم الثامن فصاعدا يصلح أن تكون قربانا فأشار في هذا النص بقوله: لا ينضج الجدى بلبن أمه إلى أنهم لا يبالغون في إطالة مكث باكور أولاد البقر والغنم وراء أمها بل يستصحبون أبكارهم اللاتي قد عبرت سبعة أيام منذ ميلادهن معهم إذا حجوا إلى بيت المقدس ليتخذوا منها القرابين

فتوهم المشايخ البله أن الشرع يريد بالإنضاج إنضاج الطبيخ في القدر وأنهم نهوا أن يطبخوا لحم الجدي باللبن ولم يكفهم هذا الغلط في تفسير هذه اللفظة حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن فألغوا لفظ الجدى وألغوا لفظ أمه وحملوا النص مالا يحتمله وإذا أراد أن يأكلوا اللحم واللبن أكلوا كلا منهما على حدة والأمر في هذا ونحوه قريب

فصل

ولا يستبعد اصطلاح كافة هذه الأمة على المحال واتفاقهم على أنواع الضلال

فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها وأخذها انطمست معالم دينها واندرست آثارها فإن الدولة إنما يكون زوالها بتتابع الغارات والمصافات وإخراب البلاد وإحراقها ولا تزال هذه الأمور متواترة عليها إلى أن يعود علمها جهلا وعزها ذلا وكثرتها قلة

وكلما كانت الأمة أقدم واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالذل والصغار كان حظها من اندراس معالم دينها وآثارها أوفر

وهذه الأمة أوفر الأمم حظا من هذا الأمر لأنها من أقدم الأمم ولكثرة الأمم التي استولت عليها: من الكلدانيين والبابليين والفرس واليونان والنصارى وآخر ذلك المسلمون وما من هذه الأمم إلا من طلب استئصالهم وبالغ في إحراق بلادهم وكتبهم وقطع آثارهم إلا المسلمين فإنهم أعدل الأمم فيهم وفي غيرهم حفظا لوصية الله تعالى بهم حيث قال: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ويقول: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن قم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى وصادف الإسلام هذه الأمة تحت ذمة الفرس وذمة النصارى بحيث لم يبق لهم مدينة ولا جيش

وأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة يهود خيبر والمدينة وما جاورها

فإنهم إنما قصدوا تلك الناحية لما كانوا وعدوا به من ظهور رسول الله ﷺ وكانوا يقاتلون المشركين من العرب فيستنصرون عليهم بالإيمان برسول الله ﷺ قبل ظهوره ويعدونهم بأنه سيخرج نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما بعث الله تعالى نبيه ﷺ سبقهم إليه من كانوا يحاربونهم من العرب فحملهم الحسد والبغي على الكفر به وتكذيبه

وأشد ما على هذه الأمة الغضبية من ذلك ما نالهم من ملوك العصاة وغيرهم من ملوك الإسرائيليين الذين قتلوا الأنبياء وبالغوا في تطلبهم وعبدوا الأصنام وأحضروا من البلاد سدنتها ليعلموا رسومها في العبادة وبنوا لها البيع والهياكل وعكفوا على عبادتها وتركوا أحكام التوراة أعصارا متصلة

فإذا كان هذا تواتر الآفات على دينهم من قبل ملوكهم ومن قبل أنفسهم فما الظن بالآفات التي نالتهم من غير ملوكهم وقتلهم أئمتهم وإحراقهم كتبهم ومنعهم من القيام بدينهم

فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختان وكثيرا ما منعوهم من الصلاة لمعرفتهم بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار وعلى العالم بالخراب [ سوى بلادهم التي هي أرض كنعان ]

فلما رأت هذه الأمة الجد من الفرس في منعهم من الصلاة اخترعوا أدية [ زعموا أنها فصول من صلاتهم ] سموها الحزانة وصاغوا لها ألحانا عديدة وصاروا يجتمعون في أوقات صلاتهم على تلحينها وتلاوتها وسموا القائم بها الحزان

والفرق بينها وبين الصلاة: أن الصلاة بغير لحن والمصلي يتلو الصلاة وحده ولا يجهر معه غيره والحزان يشاركه غيره في الجهر بالحزانة ويعاونونه في الألحان

فكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم قالت اليهود: إنا ننعى أحيانا وننوح على أنفسنا فيتركونهم وذلك

فلما قام الإسلام وأقرهم على صلاتهم استصحبوا تلك الحزانة ولم يعطلوها فهذه فصول مختصرة في كيد الشيطان وتلاعبه بهذه الأمة يعرف بها المسلم الحنيف قدر نعمة الله تعالى تعالى عليه وما من به عليه من نعمة العلم والإيمان ويهتدي بها من أراد الله تعالى هدايته من طالبي الحق من هذه الأمة

ومن الله التوفيق والإرشاد إلى سواء الطريق والحمد لله رب العالمين

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية
مقدمة المؤلف | الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت | الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب | الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية | الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته كل شر وفتنة فيه | الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره | الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه | الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه | الباب الثامن: في زكاة القلب | الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه | الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته | الباب الحادي عشر: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه | الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان | الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34