إغاثة اللهفان/الباب الثالث عشر/16

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
الباب الثالث عشر
ابن قيم الجوزية

فصل

وقد استدل البخاري في صحيحه على بطلان الحيل بقوله ﷺ لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة

فإن هذا النهي يعم ما قبل الحول وما بعده

واحتج بقوله ﷺ في الطاعون: إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه

وهذا من دقة فقهه رحمه الله فإنه إذا كان قد نهى ﷺ عن الفرار من قدر الله تعالى إذا نزل بالعبد رضا بقضاء الله تعالى وتسليما لحكمه فكيف بالفرار من أمره ودينه إذا نزل بالعبد

واحتج بأنه ﷺ نهى عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ

فدل على أن الشيء الذي هو في نفسه غير محرم إذا قصد به أمر محرم صار محرما

واحتج أحمد رحمه الله على بطلان الحيل وتحريمها بلعنة رسول الله ﷺ للمحلل وبقوله: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل

واحتج على تحريم الحيل لإسقاط الشفعة بقوله: فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه

واحتج ابن عباس وبعده أيوب السختياني وغيره من السلف: بأن الحيل مخادعة لله تعالى وقد قال تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم. قال ابن عباس: ومن يخادع الله يخدعه

ولا ريب أن من تدبر القرآن والسنة ومقاصد الشارع جزم بتحريم الحيل وبطلانها فإن القرآن دل على أن المقاصد والنيات معتبرة في التصرف والعادات كما هي معتبرة في القربات والعبادات فيجعل الفعل حلالا أو حراما وصحيحا أو فاسدا وصحيحا من وجه فاسدا من وجه كما أن القصد والنية في العبادات تجعلها كذلك

وشواهد هذه القاعدة كثيرة جدا في الكتاب والسنة فمنها: قوله تعالى في آية الرجعة ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا. وذلك نص في أن الرجعة إنما تثبت لمن قصد الصلاح دون الضرار فإذا قصد الضرار لم يملكه الله تعالى الرجعة

ومنها: قوله تعالى في آية الخلع: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به. وهذا دليل على أن الخلع المأذون فيه إنما هو إذا خاف الزوجان أن لا يقيما حدود الله وأن النكاح الثاني إنما يباح إذا ظنا أن يقيما حدود الله فإنه شرط في الخلع عدم خوف إقامة حدوده وشرط في العود ظن إقامة حدوده

ومنها: قوله تعالى في آية الفرائض من بعد وصية يوصى بها أودين غير مضار. فإنه سبحانه وتعالى إنما قدم على الميراث وصية من لم يضار الورثة فإذا كانت الوصية وصية ضرار كانت حراما وكان للورثة إبطالها وحرم على الموصى له أخذ ذلك بدون رضا الورثة وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله: تلك حدود الله فلا تعتدوها.

وتأمل كيف ذكر سبحانه وتعالى الضرار في هذه الآية دون التي قبلها لأن الأولى تضمنت ميراث العمودين والثانية تضمنت ميراث الأطراف: من الزوجين والإخوة والعادة أن الميت قد يضار زوجته وإخوته ولا يكاد يضار والديه وولده

والضرار نوعان: جنف وإثم فإنه قد يقصد الضرار وهو الإثم وقد يضار من غير قصد وهو الجنف فمن أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار قصد أو لم يقصد فللوارث رد هذه الوصية وإن أوصى بالثلث فما دون ولم يعلم أنه قصد الضرار وجب إمضاؤها

فإن علم الموصى له أن الموصى إنما أوصى ضرارا لم يحل له الأخذ ولو اعترف الموصي أنه إنما أوصى ضرارا لم تجز إعانته على إمضاء هذه الوصية

وقد جوز سبحانه وتعالى إبطال وصية الجنف والإثم وأن يصلح الوصي أو غيره بين الورثة والموصى له فقال تعالى: فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه. وكذلك إذا ظهر للحاكم أو الوصى الجنف أو الإثم في الوقف ومصرفه أو بعض شروطه فأبطل ذلك كان مصلحا لا مفسدا وليس له أن يعين الواقف على إمضاء الجنف والإثم ولا يصحح هذا الشرط ولا يحكم به فإن الشارع قد رده وأبطله فليس له أن يصحح ما رده الشارع وحرمه فإن ذلك مضادة له ومنقاضة

ومن ذلك: قوله تعالى: ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. فهذا دليل على أنه إذا عضلها لتفتدي نفسها منه وهو ظالم لها بذلك لم يحل له أخذ ما بذلته له ولا يملكه بذلك

ومن ذلك: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. فحرم سبحانه وتعالى أن يأخذ مها شيئا مما آتاها إذا كان قد توسل إليه بالعضل

ومن ذلك: أن جداد النخل عمل مباح أي وقت شاء صاحبه لكن لما قصد به أصحابه في الليل حرمان الفقراء عاقبهم الله تعالى بإهلاكه ثم قال: ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون. ثم جاءت السنة بكراهة الجداد بالليل لكونه ذريعة إلى هذه المفسدة ونص عليه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره

فصل

قال أصحاب الحيل: قد أسمعتمونا على بطلان الحيل وتحريمها ما فيه كفاية فاسمعوا الآن على جوازها واستحبابها ما نقيم به عذرنا

قال الله سبحانه وتعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم فالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم.

ووجه الاستدلال: أنه سبحانه وتعالى إنما عذرهم بتخلفهم وعجزهم إذ لم يستطيعوا حيلة يتخلصون بها من المقام بين أظهر الكفار وهو حرام فعلم أن الحيلة التي تخلص من الحرام مستحبة مأذون فيها وعامة الحيل التي تنكرونها علينا هي من هذا الباب فإنها حيل تخلص من الحرام ولهذا سمى بعض من صنف في ذلك كتابه المخارج الحرام والتخلص من الآثام واعتبر هذا بحيلة العينة فإنها تخلص من الربا المحرم

وكذلك الجمع بن الإجارة والمساقاة يخلص من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وهو حرام

وكذلك خلع اليمين يخلص من وقوع الطلاق الذي هو حرام أو مكروه أو من مواقعة المرأة بعد الحنث وهو حرام وكذلك هبة الرجل ماله قل الحول لولده أو امرأته يخلصه من إثم منع الزكاة كما يتخلص من إثم المنع بإخراجها فهما طريقان للتخلص

فالحيل تخلعص من الحرج وتخلص من الإثم والله تعالى قد نفى الحرج عنا وعن ديننا وندبنا إلى التخلص منه ومن الآثام فمن أفضل الأشياء معرفة ما يخلصنا من هذا وهذا وتعليمه وفتح طريقه

ألا ترى أن الرجل إذا حلف بالطلاق: ليقتلن أباه أو ليشربن الخمر أو ليزنين بامرأة ونحو ذلك كانت الحيلة تخليصه من مفسدة فعل ذلك ومن مفسدة خراب بيته ومفارقة أهله فإن من لا يرى الحيلة ليس له عنده مخرج إلا بوقوع الطلاق فإذا علم أنه يقع به الطلاق فزال فعل المحلوف عليه فأي شيء أفضل من تخلصيه من هذا وهذا

وكذلك من وقع عليه الطلاق الثلاث ولا صبر له عن امرأته ويرى اتصالها بغيره أشد من موته فاحتلنا له بأن زوجناها بعبد فوطئها ثم وهبناه منها فانفسخ نكاحه وحلت لزوجها المطلق بعد انقضاء عدتها

قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام وقد حلف ليجلدن امرأته مائة: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث. قال سعيد عن قتادة: كانت امرأته قد عرضت له بأمر وأرادها إبليس على شيء فقال لها: لو تكلمت بكذا وكذا إنما حملها عليها الجوع فحلف نبي الله لئن شفاه الله تعالى ليجلدنها مائة جلدة قال: فأمر بأصل فيه تسعة وتسعون قضيبا والأصل تكملة المائة فيضربها به ضربة واحدة فأبر الله تعالى نبيه وخفف عن أمته

وقال عبد الرحمن بن جبير: لقيها إبليس فقال لها: والله لو تكلم صاحبك بكلمة واحدة لكشف عنه كل ضر ولرجع إليه ماله وولده فأخبرت أيوب فقال: ويلك ذاك عدو الله إنما مثلك مثل المرأة الزانية إذا جاءها صديقها بشيء قبلته وأدخلته وإن لم يأتها بشيء طردته وأغلقت بابها عنه لما أعطانا الله تعالى المال والولد آمنا به وإذا قبض الذي له منا نكفر به إن أقامني الله تعالى من مرضي لأجلدنك مائة فأفتاه الله بما أخبر به: أن يأخذ ضغثا وهو الحزمة من الشيء مثل الشماريخ الرطبة والعيدان ونحوها مما هو قائم على ساق فيضربها ضربة واحدة وهذا تعليم منه سبحانه لعباده التخلص من الآثام والمخرج من الحرج بأيسر شيء وهذا أصلنا في باب الحيل فإنا قسنا على هذا وجعلناه أصلا قالوا: وقد أرشد النبي ﷺ إلى التخلص من صريح الربا بأن يبيع التمر بدراهم ثم يشتري بتلك الدراهم تمرا وروى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برنيي فقال له النبي ﷺ من أين هذا قال: كان عندنا تمر ردىء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ عند ذلك: أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر بالدراهم ثم اشتر به متفق عليه

وفي لفظ آخر بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا والجمع والجنيب نوعان من التمر

وفي لفظ لمسلم بعه بسلعة ثم ابتع بسلعتك أي التمر شئت فقد أمره أن يبيع التمر بالدراهم أو السلعة ثم يبتاع بها تمرا وهذا ضرب من الحيلة ولم يفرق بين بيعه ممن يشتري منه التمر أو من غيره وقد جاء قوله تعالى إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم. وهذا إرشاد إلى حيلة العينة وما يشبهها فإن السلعة تدور بين المتعاقدين للتخلص من الربا

قالوا: وقد دلت السنة على أنه يجوز للإنسان أن يتخلص من القول الذي يأثم به أو يخاف: بالمعاريض وهي حيلة في الأقوال كما أن تلك حيلة في الأعمال

فروى قيس بن الربيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب

وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم

وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول لم أسمع رسول الله ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث: الرجل يصلح بين الناس والرجل يكذب لامرأته والكذب في الحرب ومعنى الكذب في ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب

وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا وقد لقي رسول الله ﷺ طليعة للمشركين وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: ممن أنتم فقال النبي ﷺ نحن من ماء ! فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثير لعلهم منهم وانصرفوا وأراد ﷺ بقوله نحن من ماء قوله تعالى: خلق من ماء دافق.

ولما وطىء عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته فوجدته قد قضى حاجته فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها في عنقك فقال: ما فعلت فقالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فقال:

شهدت بأن وعد الله حق... وأن النار مثوى الكافرينا

وأن العرش فوق الماء طاف... وفوق العرش رب العالمينا

وتحمله ملائكة شداد... ملائكة الإله مسومينا

فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه

قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة

ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض كيف يكذب

ودعي أبو هريرة رضي الله عنه إلى طعام فقال: إني صائم ثم رأوه يأكل فقالوا: ألم تقل: إني صائم فقال: ألم يقل رسول الله ﷺ صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر

وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى فيظن أنه أراد يومه والذي يليه وإنما أراد يومي الدنيا والآخرة

وذكر الأعمش عن إبراهيم أنه قال له رجل: إن فلانا أمرني أن آتي مكان كذا وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان فكيف الحيلة فقال له: قل: والله ما أبصر إلا ما سددني غيري يعني إلا ما بصرك ربك

وقال حماد عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: أن لي معك حقا فقال: لا فقال: احلف بالمشي إلى بيت الله فقال: احلف بالمشي إلى بيت الله واعن مسجد حيكوذكر هشام بن حسان عن ابن سيرين أن رجلا كان يصيب بالعين فرأى بغلة شريح فأراد أن يعينها ففطن له شريح فقال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام فقال الرجل: أف أف وسلمت بغلته وإنما أراد: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقيمها

وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه سئل عن الرجل يبلغه عن الرجل الشيء يقوله فيه فيسأله عنه فقال: قل: والله إن الله ليعلم ما من ذلك من شيء يعني بـ(ما) الذي

وقال عقبة بن المغيرة: كنا نأتي إبراهيم وهو خائف من الحجاج فكنا إذا خرجنا من عنده يقول: إن سئلتم عني وحلفتم فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا ولا لنا به علم ولا في أي موضع هو واعنوا أنكم لا تدرون أي موضع أنا فيه قائم أو قاعد وقد صدقتم

وجاءه رجل فقال: إني اعترضت على دابة فنفقت فأخذت غيرها ويريدون أن يحلفوني أنها الدابة التي اعترضت عليها فقال: اركبها واعترض عليها على بطنك راكبا ثم احلف أنها الدابة التي اعترضت عليها

وقال أبو عوانة عن أبي مسكين: كنت عند إبراهيم وامرأته تعاقبه في جارية له وبيده مروحة فقال: أشهدكم أنها لها فلما خرجنا قال: علام شهدتم قلنا: شهدنا أنك جعلت الجارية لها قال: أما رأيتموني أشير إلى المروحة إنما قلت لكم: اشهدوا أنها لها وأنا أعني المروحة وقال محمد بن الحسن عن عمر بن ذر عن الشعبي: من حلف على يمين لا يستثنى فالبر والإثم فيها على علمه قلت: ما تقول في الحيل قال: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز وإنما الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام ويخرج به إلى الحلال فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به وإنما نكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق لرجل حتى يبطله أو يحتال في باطل حتى يموهه أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة وأما ما كان على السبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك

وكان حماد رحمه الله إذا جاءه من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ثم قال: ضرسي ضرسي

ووجه الرشيد إلى شريك رجلا ليحضره فسأله شريك أن ينصرف ويدافع بحضوره ففعل فحبسه الرشيد ثم أرسل إليه رسولا آخر فأحضره وسأله عن تخلفه لما جاءه رسوله فحلف له بالأيمان المغلظة أنه ما رأى الرسول في اليوم الذي أرسله فيه وعنى بذلك الرسول الثاني فصدقه وأمر بإطلاق الرجل وأحضر الثوري إلى مجلس المهدي فأراد أن يقوم فمنع فحلف بالله أنه يعود فترك نعله وخرج ثم رجع فلبسها ولم يعد فقال المهدي: ألم يحلف أنه يعود؟ فقالوا: إنه عاد فأخذ نعله

قالوا: وليس مذهب من مذاهب الأئمة المتبوعين إلا وقد تضمن كثيرا من مسائل الحيل

فأبعد الناس عن القول بها مالك وأحمد وقد سئل أحمد عن المروزي وهو عنده ولم يرد أن يخرج إلى السائل فوضع أحمد إصبعه في كفه وقال: ليس المروزي ههنا وماذا يصنع المروزي ههنا !

وقد سئل أحمد عن رجل حلف بالطلاق: ليطأن امرأته في نهار رمضان فقال: يسافر بها ويطؤها في السفر

وقال صاحب المستوعب: وجدت بخط شيخنا أبي حكيم: حكى أن رجلا سأل أحمد عن رجل حلف أن لا يفطر في رمضان فقال له: اذهب إلى بشر بن الوليد فاسأله ثم ائتني فأخبرني فذهب فسأله فقال له بشر إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا تفطر فإذا كان وقت السحر فكل واحتج بقول النبي ﷺ هلم إلى الغداء المبارك فاستحسنه أحمد

قالوا: وقد علم الله سبحانه نبيه يوسف عليه السلام الحيلة التي توصل بها إلى أخذ أخيه بإظهار أنه سارق ووضع الصواع في رحله ولم يكن كذلك حقيقة لكن أظهر ذلك توصلا إلى أخذ أخيه وجعله عنده وأخبر الله سبحانه أن ذلك كيد كاده سبحانه ليوسف ليأخذ أخاه ثم أخبر سبحانه وتعالى أن ذلك من العلم الذي رفع به درجات من يشاء وأن الناس متفاوتون فيه ففوق كلع ذي علم عليم

فصل

قال منكرو الحيل: الحيل ثلاثة أنواع:

نوع هو قربة وطاعة وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى

ونوع هو جائز مباح لا حرج على فاعله ولا على تاركه وترجح فعله على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته

ونوع هو محرم ومخادعة لله تعالى ورسوله متضمن لإسقاط ما أوجبه وإبطال ما شرعه وتحليل ما حرمه وإنكار السلف والأئمة وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع فإن الحيلة لا تذم مطلقا ولا تحمد مطلقا ولفظها لا يشعر بمدح ولا ذم وإن غلب في العرف إطلاقها على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة

وأخص من هذا: تخصيصها بما يذم من ذلك وهذا هو الغالب على عرف الفقهاء المنكرين للحيل فإن أهل العرف لهم تصرف في تخصيص الألفاظ العامة ببعض موضوعاتها وتقييد مطلقها ببعض أنواعه

فإن الحيلة فعلة من الحول وهو التصرف من حال إلى حال وهي من ذوات الواو وأصلها حولة فسكنت الواو وانكسر ما قبلها فقلبت ياء كميزان وميقات وميعاد

قال في المحكم: الحول والحيل والحول والحولة والحيلة والحويل والمحالة والمحال والاحتيال والتحول والتحيل: كل ذلك: الحذق وجودة النظر والقدرة على وجه التصرف قال: والحول والحيل والحيلات: جمع حيلة ورجل حول وحولة وحول وحولة وحوالي وحوالي وحولول وحولي: شديد الاحتيال وما أحوله وأحيله وهو أحول منك وأحيل انتهى

فالحيلة: فعلة من الحول وهو التحول من حال إلى حال وكل من حاول أمرا يريد فعله أو الخلاص منه فما يحاول به: حيلة يتوصل بها إليه

فالحيلة: معتبرة بالأمر المحتال بها عليه إطلاقا ومنعا ومصلحة ومفسدة وطاعة ومعصية فإن كان المقصود أمرا حسنا كانت الحيلة حسنة وإن كان قبيحا كانت الحيلة قبيحة وإن كان طاعة وقربة كانت الحيلة عليه كذلك وإن كانت معصية وفسوقا كانت الحيلة عليه كذلك

ولما قال النبي ﷺ لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت: يقصد بها الحيل التي تستحل بها المحارم كحيل اليهود وكل حيلة تتضمن إسقاط حقي لله تعالى أو لآدمي فهي مما يستحل بها المحارم

ونظير ذلك لفظ الخداع، فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم فإن كان بحق فهو محمود وإن كان بباطل فهو مذموم

ومن النوع المحمود: قوله ﷺ الحرب خدعة وقوله في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها ورجل كذب بين اثنين ليصلح بينهما ورجل كذب في خدعة حرب ومن النوع المذموم: قوله في حديث عياض بن حمار الذي رواه مسلم في صحيحه: أهل النار خمسة ذكر منهم رجلا لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك

وقوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. وقوله تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله.

ومن النوع المحمود: خدع كعب بن الأشرف وأبي رافع، عدوَّي رسول الله ﷺ حتى قتلا وقتل خالد بن سفيان الهذلي

ومن أحسن ذلك: خديعة معبد بن أبي معبد الخزاعي لأبي سفيان وعسكر المشركين حين هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين وردهم من فورهم

ومن ذلك: خديعة نعيم بن مسعود الأشجعي ليهود بني قريظة ولكفار قريش والأحزاب حتى ألقى الخلف بينهم وكان سبب تفرقهم ورجوعهم ونظائر ذلك كثيرة

وكذلك المكر ينقسم إلى محمود ومذموم فإن حقيقته إظهار أمر وإخفاء خلافه ليتوصل به إلى مراده

فمن المحمود: مكره تعالى بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم بجنس عملهم قال تعالى: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. وقال تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون.

وكذلك الكيد ينقسم إلى نوعين قال تعالى: وأملي لهم إن كيدي متين. وقال تعالى: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله. وقال تعالى: إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا.

فصل

إذا عرف ذلك فلا إشكال أنه يجوز للإنسان أن يظهر قولا أو فعلا مقصوده به مقصود صالح وإن كان ظاهره خلاف ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية مثل دفع الظلم عن نفسه أو غيره أو إبطال حيلة محرمة

وإنما المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله تعالى ورسوله له فيصير مخادعا لله تعالى ورسوله ﷺ كائدا لدينه ماكرا بشرعه فإن مقصوده حصول الشيء الذي حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحيلة وإسقاط الذي أوجبه بتلك الحيلة

وهذا ضد الذي قبله فإن ذلك مقصوده التوصل إلى إظهار دين الله تعالى ودفع معصيته وإبطال الظلم وإزالة المنكر فهذا لون وذاك لون آخر

ومثال ذلك: التأويل في اليمين فإنه نوعان: نوع لا ينفعه ولا يخلصه من الإثم وذلك إذا كان الحق عليه فجحده ثم حلف على إنكاره متأولا فإن تأويله لا يسقط عنه إثم اليمين الغموس والنية للمستحلف في ذلك باتفاق المسلمين بل لو تأول من غير حاجة لم ينفعه ذلك عند الأكثرين

وأما المظلوم المحتاج فإنه ينفعه تأويله ويخلصه من الإثم وتكون اليمين على نيته فإذا استحلفه ظالم بأيمان البيعة أو أيمان المسلمين فتأول الأيمان بجمع يمين وهي اليد أو حلفه بأن كل امرأة له طالق فتأول أنها طالق من وثاق أو طالق عند الولادة أو طالق من غيري ونحو ذلك

أو استحلفه بأن كل مملوك له حر أو عتيق فتأول أنه عتيق أو كريم من قولهم: فرس عتيق

أو استحلفه بأن تكون امرأته عليه كظهر أمه فتأول ظهر أمه بمركوبها فإن ضيق عليه وألزمه أن يقول: إنه مظاهر من امرأته تأول بأنه قد ظاهر بين ثوبين أو جبتين من عند امرأته

وإن استحلفه بالحرام تأول أن الحرام الذي حرمه الله تعالى عليه يلزمه تحريمه فإن ضيق عليه بأن يلزمه أن يقول: الحرام يلزمني من زوجتي أو أن تكون علي حراما قيد ذلك بنية: إذا أحرمت أو صامت أو قامت إلى الصلاة ونحو ذلك

وإن استحلفه بأن كل ماله أو كل ما يملكه صدقة تأول بأنه صدقة من الله سبحانه وتعالى عليه

وإن قال له: قل: وأن جميع ما أملكه: من دار وعقار وضيعة وقف على المساكين تأول الفعل المضارع بما يملكه في المستقبل بعد كذا وكذا سنة

فإن ضيق عليه وقال قل: جميع ما هو جار في ملكي الآن نوى إضافة الملك إلى الآن لا إلى نفسه والآن لا يملك شيئا فإن قال: مما هو في ملكي في هذا الوقت يكون وقفا أخرج معنى لفظ الوقف عن المعهود إلى معنى آخر والعرب تسمي سواء العاج وقفا

وإن استحلفه بالمشي إلى بيت الله نوى مسجدا من مساجد المسلمين

فإن قال قل: علي الحج إلى بيت الله نوى بالحج القصد إلى المسجد فإن قال: إلى البيت العتيق نوى المسجد القديم فإن قال: البيت الحرام نوى الحرام هدمه واتخاذه دارا أو حماما ونحو ذلك

وإن استحلفه بالأمانة نوى بها الوديعة أو اللقطة ونحو ذلك

وإن استحلفه بصوم سنة نوى بالصوم الإمساك عن كلام يمكنه الإمساك عنه سنة أو دائما

هذا كله في المحلوف به وأما المحلوف عليه فيجري هذا المجرى

فإذا استحلفه: ما رأيت فلانا نوى ما ضربت رئته أو ما كلمته نوى ما جرحته أو ما عاشرته ولا خالطته نوى بالمعاشرة والمخالطة معاشرة الزوجة والسرية أو ما بايعته ولا شاريته نوى بذلك ما بايعته بيعة اليمين ولا شاريته من المشاراة وهي اللجاج أو الغضب تقول: شري على مثال علم إذا لج واستشاط غضبا

وإن استحلفه لصك أنه لا يدل عليه ولا يعلم به ولا يخبر به أحدا نوى أنه لا يفعل ذلك ما دام معه وإن ضيق عليه وقال: ما عاش أو ما بقي أو ما دام في هذه البلدة نوى قطع الظرف عما قبله وأن لا يكون متعلقا به أو نوى بما: الذي أي لا أدل عليك الذي عاش أو بقي بعد أخذك

وإن استحلفه أن لا يطأ زوجته نوى وطأها برجله

وإن استحلفه أن لا يتزوج فلانة نوى أن لا يتزوجها نكاحا فاسدا

وكذلك إذا استحلفه أن لا يبيع كذا أو لا يشتريه أو لا يؤجره ونحو ذلك

وكذلك إذا استحلفه أن لا يدخل هذه الدار أو البلد أو المحلة قيد الدخول بنوع معين بالنية

وكذلك لو استحلفه: أنك لا تعلم أين فلان نوى مكانه الخاص من داره أو بلده أو سوقه

ولو استحلفه: أنه ليس عنده في داره نوى أنه ليس عنده إذا خرج من الدار فإن ضيق عليه وقال: الآن نوى أنه ليس حاضرا معه الآن وقد بر وصدق

وإن استحلفه ليس لي به علم نوى أنه ليس لي علم بسره وما ينطوي عليه وما يضمره أو ليس لي علم به على جهة التفصيل فإن هذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وحده

فصل

وللمظلوم المستحلف مخرجان يتخلص بهما: مخرج بالتأويل حال الحلف فإن فاته فله مخرج يتخلص به بعده إن أمكنه كما إذا استحلفه قطاع الطريق أو اللصوص أن لا يخبر بهم أحدا فالحيلة في ذلك أن يجمع الوالي المتهمين ثم يسأله عن واحد واحد فيبرىء البرىء ويسكت عن المتهم وهذا المخرج أضيق من الأول

فإذا استحلفه ظالم أن لا يشكو غريمه ولا يطالبه بحقه فحلف ولم يتأول أحال عليه بذلك الحق من يطالبه به ولم يحنث في يمينه

وإذا استحلفه ظالم أن يبيعه شيئا فله أن يملكه زوجته أو ولده فإذا باعه بعد ذلك كان قد بر في يمينه ويمنع من تسليمه من ملكه إياه

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية
مقدمة المؤلف | الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت | الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب | الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية | الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته كل شر وفتنة فيه | الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره | الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه | الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه | الباب الثامن: في زكاة القلب | الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه | الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته | الباب الحادي عشر: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه | الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان | الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34