إغاثة اللهفان/الباب الثالث عشر/21

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
الباب الثالث عشر
ابن قيم الجوزية

فصل

وقد عرف بما ذكرنا الفرق بين الحيل التي تخلص من الظلم والبغي والعدوان والحيل التي يحتال بها على إباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإن جمعهما اسم الحيلة والوسيلة وعرف بذلك أن العينة لا تخلص من الحرام وإنما يتوسل بها إليه وهو المقصود الذي اتفقا عليه ويعلمه الله تعالى من نفوسهما وهما يعلمانه ومن شاهدهما يعلمه وكذلك تمليك ما له لولده عند قرب الحول فرارا من الزكاة لا يخلص من الإثم بل يغمسه فيه لأنه قصد إلى إسقاط فرض قد انعقد سببه ولكن عذر من جوز ذلك أنه لم يسقط الواجب وإنما أسقط الوجوب وفرق بين الأمرين فإن له أن يمنع الوجوب وليس له أن يمنع الواجب

وهكذا القول في التحيل على إسقاط الشفعة قبل البيع فإنه يمنع وجوب الاستحقاق

ولا يمنع الحق الذي وجب بالبيع فذلك لا يجوز وهو نظير منع الزكاة بعد وجوبها فذلك لا يجوز بحيلة ولا غيرها

وكذلك التحيل على منع وجوب الجمعة عليه بأن يسكن في مكان لا يبلغه النداء أو لا يمكنه الذهاب منه إلى الجمعة والرجوع في يومه أو السفر قبل دخول وقتها ولا يجوز له التحيل على تركها بعد وجوبها عليه

وكذلك التحيل على منع وجوب الإنفاق على القريب بأن لا يكتسب مالا يجب فيه الإنفاق ولا يجوز له التحيل على إسقاط ما وجب من ذلك فهذا سر الفرق الذي اعتمده أصحاب الحيل وأما المانعون فيجيبون عن ذلك:

بأن هذا لو أجدى على المتحيلين لم يعاقب الله سبحانه تعالى أصحاب الجنة الذين عزموا على صرامها ليلا لئلا يحضرهم المساكين فهؤلاء قصدوا دفع الوجوب بعد انعقاد سببه وهو نظير التحيل لإسقاط الزكاة بعد ثبوت سببها

وبأن هذا يبطل حكمة الإيجاب فإن الله سبحانه إنما أوجبها في أموال الأغنياء طهرة لهم وزكاة ورحمة للمساكين وسدا لفاقتهم فالتحيل على منع وجوبها يعود على ذلك كله بالإبطال

وبأن الشارع لو جوز التحيل على منع الإيجاب بعد انعقاد سببه لم يكن في الإيجاب فائدة إذ ما من أحد إلا ويمكنه التحيل بأدنى حيلة على الدفع فيكون الإيجاب عديم الفائدة فإنه إذا أوجبه وجوز إسقاطه بعد انعقاد سبب الإيجاب عاد ذلك بنقض ما قصده

وبأنه إذا انعقد سبب الوجوب فقد تعلق الوجوب بالمكلف فلا يمكنه الشارع من قطع هذا التعليق ولا سيما إذا شارف وقت الوجوب وحضر حتى كأنه داخل فيه كما إذا بقي من الحول يوم أو ساعة فالإسقاط ههنا في حكم الإسقاط بعد الحول سواء ومفسدته كمفسدته فإن المصلحة الفائتة بالمنع بعد تلك الساعة كالمفسدة الحاصلة بالتسبب إلى المنع قبلها من كل وجه

وبأن الحكم بعد انعقاد سببه كالثابت الذي قد صح ووجد

وبأن الوجوب قد تحقق بانعقاد سببه وإنما جوز له التأخير إلى تمام الحول توسعة عليه ولهذا يجوز له أداء الواجب قبل الحول ويكون واقعا موقعه ولأن الفرار من الإيجاب إنما يقصد به الفرار من أداء الواجب وأن يسقط ما فرضه الله عليه عند مضي الحول وليس هذا كمن ترك اكتساب المال الذي يجب فيه الزكاة فرارا من وجوبها عليه أو ترك بيع الشقص فرارا من أخذ الشفيع له أو ترك التزوج فرارا من وجوب الإنفاق ونحو ذلك فإن هذا لم ينعقد في حقه السبب بل ترك ما يفضي إلى الإيجاب ولم يتسبب إليه وهذا تحيل بعد السبب على إسقاط ما تعلق به من أداء الواجب واحتال على قطع سببيته بعد ثبوتها

وأيضا فإن قطع سببية السبب تغيير لحكم الله وإسقاط للسببية بالتحيل وليس ذلك للمكلف فإن الله سبحانه هو الذي جعل هذا سببا بحكمه وحكمته فليس له أن يبطل هذا الجعل بالحيلة والمخادعة وهذا بخلاف ما إذا وهبه ظاهرا وباطنا أو أنفقه فإنه لم يحتل بإظهار أمر وإبطان خلافه على منع الإيجاب وأداء الواجب

وأيضا فإنه إذا احتال على منع الإيجاب تضمن ذلك الحيلة على منع أداء الواجب ومعلوم أن منعه أداء الواجب فقط أيسر من تحيله على الأمرين جميعا

وأيضا فإنه لا يصح فراره من الوجوب مع إتيانه بسببه فإن الفار من الشيء فار من أسبابه وهذا أحرص شيء على الملك الذي هو سبب وجوب الحق عليه ومن حرصه عليه: تحيل على ترك الإخراج حرصا وشحا فهو فار من أداء الواجب ظانا أنه يفر من وجوبه عليه والأول حاصل له دون الثاني

ونكتة الفرق من جهة الوسيلة والمقصود فإن المحتال على المحرمات وإسقاط الواجبات مقصوده فاسد ووسيلته باطلة فإنه توسل بالشيء إلى غير مقصوده وتوسل به إلى مقصود محرم فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسيلة إلى المودة والرحمة والمصاهرة والنسل وغض البصر وحفظ الفرج والتمتع والإيواء وغير ذلك من مقاصد النكاح والمحلل لم يتوسل به إلى شيء من ذلك بل إلى تحليل ما حرمه الله تعالى فإنه سبحانه حرمها على المطلق ثلاثا عقوبة له فتوسل هذا بنكاحها إلى تحليل ما حرمه الله تعالى له ولم يتوسل به إلى ما شرع له فكان القصد محرما والوسيلة باطلة

وكذلك شرع الله البيع وسيلة إلى انتفاع المشتري بالعين والبائع بالثمن فتوسل به المرابي إلى محض الربا وأتى به لغير مقصوده فإنه لا غرض له في تملك تلك العين ولا الانتفاع بها وإنما غرضه الربا فتوسل إليه بالبيع

وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعا للضرر عن الشريك فتوسل المبطل لها بإظهار الصرف الذي لا حقيقة له إلى إبطالها فكانت وسيلته باطلة ومقصوده محرما وكذلك الزكاة فرضها رحمة منه بالمساكين وطهرة للأغنياء فتوسل المسقط لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقد لا حقيقة له من بيع أو هبة وكذلك القرض شرع الله سبحانه فيه العدل وأن لا يزداد على مثل ما أقرض فإذا احتال المقرض على الزيادة فقد احتال على مقصود محرم بطريق باطلة

وكذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحها باطل لما يفضي إليه من أكل المال بالباطل فإذا احتال عليه بأن شرط القطع ثم تركه حتى يكمل كان قد احتال على مقصود محرم بشرط غير مقصود بل قد علم المتعاقدان وغيرهما أنه لا يقطعه ولا سيما إن كان مما لا ينتفع به قبل الصلاح بوجه كالتوت والفرسك وغيرهما فاشتراط قطعه خداع محض

وكذلك سائر الحيل التي تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال غاياتها محرمة ووسائلها باطلة لا حقيقة لها

وكذلك الفدية والخلع التي شرعها الله يخلص كلا من الزوجين من الآخر إذا وقع الشقاق بينهما فجعلوه حيلة للحنث في اليمين وبقاء النكاح والله سبحانه إنما شرعه لقطع النكاح حيث يكون قطعه مصلحة لهما

وبهذا يتبين لك الفرق بين الحيل التي يتوصل بها إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله وإقامة دينه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصر المحق وكسر المبطل والحيل التي يتوصل بها إلى خلاف ذلك فتحصيل المقاصد المشروعة بالطرق التي جعلت موصلة إليها شيء وتحصيل المقاصد الفاسدة بالطرق التي جعلت لغيرها شيء آخر

فالفرق بين النوعين ثابت من جهة الوسيلة والمقصود اللذين هما: المحتال به والمحتال عليه

فالطرق الموصلة إلى الحلال المشروع هي الطرق التي لا خداع في وسائلها ولا تحريم في مقاصدها وبالله التوفيق

فصل

وأما قولكم: إن من حلف بطلاق زوجته: ليشربن هذا الخمر أو ليقتلن هذا الرجل أو نحو ذلك كان في الحيلة تخليصه من هذه المفسدة ومن مفسدة وقوع الطلاق

فيقال: نعم والله قد شرع الله له ما يتخلص به ولخلاصه طرق عديدة فلا تتعين الحيلة التي هي خداع ومكر لتخليصه بل ههنا طرق عدة قد سلك كل طريق منها طائفة من الفقهاء من سلف الأمة وخلفها الطريق الأولى: طريقة من قال: لا تنعقد هذه اليمين بحال ولا يحنث فيها بشيء سواء كانت بصيغة الحلف كقوله الطلاق يلزمني لأفعلن أو بصيغة التعليق المقصود كقوله إن طلعت الشمس أو إن حضت أو إن جاء رأس الشهر فأنت طالق أو التعليق المقصود به اليمين من الحض والمنع والتصديق والتكذيب كقوله إن لم أفعل كذا وإن فعلت كذا فامرأتي طالق وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعي الذين جالسوه أو من هو من أجلهم: أبي عبد الرحمن وهو أجل من أصحاب الوجوه المنتسبين إلى الشافعي وهذا مذهب أكثر أهل الظاهر

فعندهم أن الطلاق لا يقبل التعليق كالنكاح ولم يرد مخالفوا هؤلاء عليهم بحجة تشفي

الطريق الثانية: طريق من يقول: لا يقع الطلاق المحلوف به ولا العتق المحلوف به ويلزمه كفارة اليمين إذا حنث فيه وهذا مذهب ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وزينب بنت أم سلمة وحفصة في الحلف بالعتق الذي هو قربة إلى الله تعالى بل من أحب القرب إلى الله ويسري في ملك الغير فما يقول هؤلاء في الحلف بالطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله تعالى وأحب الأشياء إلى الشيطان والسائل لهؤلاء الصحابة إنما كان امرأة حلفت بأن كل مملوك لها حرك إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته فقالوا لها: كفري عن يمينك وخلي بين الرجل وبين امرأته وهؤلاء الصحابة أفقه في دين الله وأعلم من أن يفتوا بالكفارة في الحلف بالعتق ويرونه يمينا ولا يرون الحلف بالطلاق يمينا ويلزمون الحانث بوقوعه فإنه لا يجد فقيه شم رائحة العلم بين البابين والتعليقين فرقا بوجه من الوجوه

وإنما لم يأخذ به أحمد لأنه لم يصح عنده إلا من طريق سليمان التيمي واعتقد أنه تفرد به وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصاري وأشعث الحمراني ولهذا لما ثبت عند أبي ثور قال به وظن الإجماع في الحلف بالطلاق على لزومه فلم يقل به

الطريق الثالثة: طريق من يقول: ليس الحلف بالطلاق شيئا وهذا صحيح عن طاوس وعكرمة

أما طاوس فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا وقد رد بعض المتعصبين لتقليدهم ومذاهبهم هذا النقل بأن عبد الرزاق ذكره في باب يمين المكره فحمله على الحلف بالطلاق مكرها وهذا فاسد فإن الحجة ليست في الترجمة وإنما الاعتبار بما يروى في أثناء الترجمة ولا سيما المتقدمين كابن أبي شيبة وعبد الرزاق ووكيع وغيرهم فإنهم يذكرون في أثناء الترجمة آثارا لا تطابق الترجمة وإن كان لها بها نوع تعلق وهذا في كتبهم لمن تأمله أكثر وأشهر من أن يخفى وهو في صحيح البخاري وغيره وفي كتب الفقهاء وسائر المصنفين ثم لو فهم عبد الرزاق هذا وأنه في يمين المكره لم تكن الحجة في فهمه بل الأخذ بروايته وأي فائدة في تخصيص الحلف بالطلاق بذلك بل كل مكره حلف بأي يمين كانت فيمينه ليست بشيء

أما عكرمة فقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول عن عكرمة: في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مائة سوط فامرأتي طالق قال: لا يجلد غلامه ولا يطلق امرأته هذا من خطوات الشيطان

فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبيه إلى أثر ابن عباس فيمن قالت لمملوكها: إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لي حتر إلى الآثار المستفيضة عن ابن عباس في الحلف بتحريم الزوجة: أنها يمين يكفرها تبين لك ما كان عليه ابن عباس وأصحابه في هذا الباب

فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة في الحلف بالتعليقات كالحج والصوم والصدقة والهدي والمشي إلى مكة حافيا ونحو ذلك: أنها أيمان مكفرة تبين لك حقيقة ما كان عليه الصحابة في ذلك فإذا ضممت ذلك إلى القياس الصحيح الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع: تبين لك توافق القياس وهذه الآثار

فإذا ارتفعت درجة أخرى ووزنت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة تبين لك الراجح من المرجوح ومع هذا كله فلا يدان لك بمقاومة السلطان ومن يقول: حكمت وثبت عندي فالله المستعان

الطريق الرابعة: طريق من يفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو على فعل نفسه أو على غير الزوجة فيقول: إن قال لامرأته: إن خرجت من الدار أو كلمت رجلا أو فعلت كذا فأنت طالق فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك وإن حلف على فعل نفسه أو غير امرأته وحنث لزمه الطلاق

وهذا قول أفقه أصحاب مالك على الإطلاق وهو أشهب بن عبد العزيز ومحله من الفقه والعلم غير خاف ومأخذ هذا: أن المرأة إذا فعلت ذلك لتطلق نفسها لم يقع به الطلاق معاقبة لها بنقيض قصدها وهذا جار على أصول مالك وأحمد ومن وافقهما في معاقبة الفار من التوريث والزكاة وقاتل مورثه والموصي له ومن دبره بنقيض قصده وهذا هو الفقه لا سيما وهو لم يرد طلاقها إنما أراد حضها أو منعها وأن لا تتعرض لما يؤذيه فكيف يكون فعلها سببا لأعظم أذاه وهو لم يتملكها ذلك بالتوكيل والخيار ولا ملكها الله إياه بالفسخ فكيف تكون الفرقة إليها إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته بمجرد حضها ومنعها وأي شيء أحسن من هذا الفقه وأطرد على قواعد الشريعة

الطريق الخامسة: طريق من يفصل بين الحلف بصيغة الشرط والجزاء والحلف بصيغة الالتزام

فالأول: كقوله: إن فعلت كذا أو إن لم أفعله فأنت طالق

والثاني: كقوله: الطلاق يلزمني أو لي لازم أو علي الطلاق إن فعلت أو إن لم أفعل فلا يلزمه الطلاق في هذا القسم إذا حنث دون الأول

وهذا أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب الشافعي وهو المنقول عن أبي حنيفة وقدماء أصحابه ذكره صاحب الذخيرة وأبو الليث في فتاويه قال أبو الليث: ولو قال: طلاقك علي واجب أو لازم أو فرض أو ثابت فمن المتأخرين من أصحابنا من قال: يقع واحدة رجعية نواه أو لم ينوه ومنهم من قال: لا يقع وإن نوى والفارق: العرف

قال صاحب الذخيرة: وعلى هذا الخلاف: إذا قال: إن فعلت كذا فطلاقك علي واجب أو قال: لازم ففعلت وذكر القدوري في شرحه: أن على قول أبي حنيفة: لا يقع الطلاق في الكل وعند أبي يوسف: إن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد: أنه يقع في قوله: لازم ولا يقع في: واجب

واختار الصدر الشهيد الوقوع في الكل وكان ظهير الدين المرغيناني يفتي بعدم الوقوع في الكل هذا كله لفظ صاحب الذخيرة

وأما الشافعية: فقال ابن يونس في شرح التنبيه: وإن قال: الطلاق والعتاق لازم لي ونواه لزمه لأنهما يقعان بالكناية مع النية وهذا اللفظ محتمل فجعل كناية وقال الروياني: الطلاق لازم لي: صريح وعد ذلك في صرائح الطلاق ولعل وجهه غلبة استعماله لإرادة الطلاق وقال القفال في فتاويه: ليس بصريح ولا كناية حتى لا يقع به الطلاق وإن نواه لأن الطلاق لابد فيه من الإضافة إلى المرأة ولم يتحقق هذا لفظه

وحكى شيخنا هذا القول عن بعض أصحاب أحمد

فقد صار الخلاف في هذا الباب في المذاهب الأربعة بنقل أصحابها في كتبهم

ولهذا التفريق مأخذ آخر أحسن من هذا الذي ذكره الشارح وهو أن الطلاق لا يصح التزامه وإنما يلزم التطليق فإن الطلاق هو الواقع بالمرأة وهو اللازم لها وإنما الذي يلتزمه الرجل: هو التطليق فالطلاق لازم لها إذا وقع

إذا تبين هذا فالتزام التطليق لا يوجب وقوع الطلاق فإنه لو قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلقك أو فلله علي أن أطلقك أو فتطليقك لازم لي أو واجب علي وحنث لم يقع عليه الطلاق فهكذا إذا قال: إن فعلت كذا فالطلاق يلزمني لأنه إنما التزم التطليق لا يقع بالتزامه والموقعون يقولون: هو قد التزم حكم الطلاق وهو خروج البضع من ملكه وإنما يلزمه حكمه إذا وقع فصار هذا الالتزام مستلزما لوقوعه فقال لهم الآخرون: إنما يلزمه حكمه إذا أتى بسببه وهو التطليق فحيئنذ يلزمه حكمه وهو لم يأت بالتطليق منجزا بلا ريب وإنما أتى به معلقا له والتزام التطليق بالتنجيز لا يلزم فكيف يلزم بالتعليق والمنصف المتبصر لا يخفى عليه الصحيح وبالله التوفيق

فصل

وممن ذكر الفرق بين الطلاق وبين الحلف بالطلاق: القاضي أبو الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي القرطبي في كتابه مفيد الحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام فقال في كتاب الطلاق من ديوانه وقد ذكر اختلاف أصحاب مالك في الأيمان اللازمة ثم قال: ولا ينبغي أن تتلقى هذه المسألة هكذا تلقيا تقليديا إلا أن يشمها نور الفهم ويوضحها لسان البرهان وأنا أشير لك إلى نكتة تسعد بالغرض فيها إن شاء الله تعالى منها: الفرق بين الطلاق إيقاعا وبين اليمين بالطلاق وفي المدونة كتابان موضوعان: أحدهما لنفس الطلاق والثاني للأيمان بالطلاق ووراء هذا الفن فقه على الجملة وذلك أن الطلاق صورته في الشرع: حل وارد على عقد واليمين بالطلاق عقد فليفهم هذا وإذا كان عقدا لم يحصل منه حل إلا أن تنقله من موضع العقد إلى موضع الحل نية ليخرج بها اللفظ من حقيقته إلى كنايته فقد نجمت هذه المسألة في أيام الحجاج بعد أن استقل الشرع بأصوله وفروعه وحقائقه ومجازاته في أيمان البيعة وليس في أيمان الطلاق إلا ما أذكره لك وذلك أن الطلاق على ضربين: صريح وكناية

فالصريح: كل لفظ استقل بنفسه في إثبات حكمه تحديدا

والكناية: على ضربين كناية غالبة وكناية غير غالبة

فالغالبة: كل ما أشعر بثبوت الطلاق في موضوع اللغة أو الشرع كقوله: الحقي بأهلك واعتدي

وغير الغالبة: كل ما لا يشعر بثبوت الطلاق في وضع اللغة والشرع كقوله: ناوليني الثوب وقال: أردت بذلك الطلاق

فإذا عرضنا لفظ الأيمان على صريح الطلاق لم تكن من قسمه وإن عرضناها على الكناية لم تكن من قسيمها إلا بقرينة من شاهد حال أو جارى عرف أو نية تقارن اللفظ فإن اضطرب شاهد الحال أو جاري العرف باحتمال يحتمله فقد تعذر الوقوف على النية ولا ينبغي لحاكم ولا لغيره أن يمد القلم في فتوى حتى يتأمل مثل هذه المعاني فإن الحكم إن لم يقع مستوضحا عن نور فكري مشعر بالمعنى المربوط اضمحل ثم قال: وأنا ذاكر لك ما بلغني في هذه اليمين من كلام العلماء ورأيته من أقوال الفقهاء وهي يمين محدثة لم تقع في الصدر الأول

ثم ذكر اختلاف أهل العلم في الحلف بالأيمان اللازم والمقصود: أنه ذكر الفرق الفطري العقلي الشرعي بين إيقاع الطلاق والحلف بالطلاق وأنهما بابان مفترقان بحقائقهما ومقاصدهما وألفاظهما فيجب افتراقهما حكما أما افتراقهما بالحقيقة فما ذكره من أن الطلاق حل وفسخ واليمين عقد والتزام فهما إذن حقيقتان مختلفتان قال تعالى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان

ثم أشار إلى الافتراق في الحكم بقوله: وإذا كانت اليمين عقدا لم يحصل بها حل إلا أن ينقل من موضع العقد إلى موضع الحل ومن البين أن الشارع لم ينقلها من العقد إلى الحل فيجب بقاؤها على ما وضعت عليه نعم لو قصد الحالف بها إيقاع الطلاق عند الحنث فقد استعملها في العقد والحل فتصير كناية في الوقوع وقد نواه فيقع به الطلاق لأن هذا العقد صالح للكناية وقد اقترنت به النية فيقع الطلاق أما إذا نوى مجرد العقد ولم ينو الطلاق البتة بل هو أكره شيء إليه فلم يأت بما ينقل اليمين من موضوعها الشرعي ولا نقلها عنه الشارع فلا يلزمه غير موجب الأيمان

فليتأمل المنصف العالم هذا الفرق ويخرج قلبه ساعة من التصعب والتقليد واتباع غير الدليل

والمقصود: أن باب اليمين وباب الإيقاع مختلفان في الحقيقة والقصد واللفظ فيجب اختلافهما في الحكم أما الحقيقة فما تقدم

وأما القصد فلأن الحالف مقصوده الحض والمنع أو التصديق أو التكذيب والمطلق مقصوده التخلص من الزوجة من غير أن يخطر بباله حض ولا منع ولا تصديق ولا تكذيب فالتسوية بينهما لا يخفى حالها

وأما اختلافهما لفظا فإن لفظ اليمين لابد فيها من التزام قسمي يأتي فيه بجواب القسم أو تعليق شرطي يقصد فيه انتفاء الشرط والجزاء أو وقوع الجزاء على تقدير وقوع الشرط وإن كان يكرهه ويقصد انتفاءه فالمقدم في الصورة الأولى مؤخر في الثانية والمنفي في الأولى ثابت في الثانية ولفظ الإيقاع لا يتضمن شيئا من ذلك ومن تصور هذا حق التصور جزم بالحق في هذه المسألة والله الموفق

الطريقة السادسة: أن يزول المعنى الذي كانت اليمين لأجله فإذا فعل المحلوف عليه بعد ذلك لم يحنث لأن امتناعه باليمين إنما كان لعلة فيزول بزوالها وهذا مطرد على أصول الشرع وقواعد مذهب أحمد وغيره ممن يعتبر النية والقصد في اليمين تعميما وتخصيصا وإطلاقا وتقييدا فإذا حلف: لا أكلم فلانة وكان سبب اليمين الذي هيجها كونها أجنبية يخاف الوقوع في عرضه بكلامها فتزوجها لم يحنث بكلامها إعمالا لسبب اليمين وما هيجها في التقييد بكونها أجنبية هذا إذا لم يكن له نية ما دامت كذلك أما إذا كانت له نية فلا إشكال في تقييد اليمين بها ونظيره: أن يحلف: لا يكلم فلانا ولا يعاشره لكونه صبيا فصار رجلا وكان نيته وسبب يمينه لأجل صباه ونظيره: أن يحلف: لا دخلت هذه الدار لأجل من يظن به التهمة لدخولها فمات أو سافر فدخلها لم يحنث وبذلك أفتى أبو حنيفة وأبو يوسف: من حلف: لادخلت دار فلان هذه ولا كلمت عبده هذا فباع فلان العبد والدار

ونظير هذا: أن يحلف لا يكلم فلانا والحامل له على اليمين كونه تاركا للصلاة أو مرابيا أو خمارا أو واليا فتاب من ذلك كله وزالت الصفة التي حلف لأجلها لم يحنث بكلامه

وكذلك إذا حلف لاتزوجت فلانة والحامل له على اليمين صفة فيها مثل كونها بغيا أو غير ذلك فزالت تلك الصفة لم يحنث بتزوجها

كل هذا مراعاة للمقاصد التي الالفاظ دالة عليها فإذا ظهر القصد كان هو المعتبر ولهذا لو حلف: ليقضينه حقه في غد وقصده أو السبب: أن لا يجاوزه فقضاه قبله لم يحنث ولو حلف: لا يبيع عبده إلا بألف فباعه بأكثر لم يحنث ولو حلف: أن لا يخرج من البلد إلا بإذن الوالي والنية أو السبب: يقتضي التقييد ما دام كذلك فعزل لم يحنث بالخروج بغير إذنه

وكذلك لو حلف على زوجته أو عبده أو أمته: أن لا تخرج إلا بإذنه فطلق أو أعتق أو باع لم يحنث بخروجهم بغير إذنه لأن اقتضاء السبب والقصد بتقييد في غاية الظهور

ونظائر ذلك كثيرة جدا

وسائر الفقهاء يعتبرون ذلك وإن خالفوه في كثير من المواضع وهذا هو الصواب لأن الألفاظ إنما اعتبرت لدلاتها على المقاصد فإذا ظهر القصد كان الاعتبار له وتقيد اللفظ به ولهذا لو دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى تقيدت يمينه بذلك الغداء وحده لأن النية والسبب ومناط اليمين لا يقتضي غيره

وقد أخبر النبي ﷺ أن الأعمال بالنيات: وإنما لكل امرىء ما نوى وما لم ينوه بيمينه أو كان السبب لا يقتضيه لا يجوز أن يلزم به مع القطع بأنه لم يرده ولا خطر على باله

وقد أفتى غير واحد من الفقهاء منهم ابن عقيل وشيخنا وغيرهما: فيمن قيل له: إن امرأتك قد خرجت من بيتك أو قد زنت بفلان فقال: هي طالق ثم تبين له أنها لم تخرج من البيت وأن الذي رميت به في بلد بعيد لا يمكن وصوله إليها أو أنه حين رميت به كان ميتا ونحو ذلك مما يعلم به أنها لم تزن فإنه لا يقع عليه الطلاق لأنه إنما طلقها بناء على هذا السبب فهو كالشرط في طلاقها

وهذا الذي قالوه هو الذي لا يقتضي المذهب وقواعد الفقه غيره فإنهم قد قالوا: لو قال: لها أنت طالق وقال: أردت إن قمت دين ولم يقع به الطلاق فهذا مثله سواء ونظير هذا: ما قالوه: إن المكاتب لو أدى إلى سيده المال فقال: أنت حر فبان أن المال الذي أعطاه مستحق أو زيوف لم يقع العتق وإن كان قد صرح به ذكره أصحاب أحمد والشافعي لأنه إنما أعتقه بناء على سلامة العوض ولم يسلم له وقواعد الشريعة كلها مبنية على أن الحكم إذا ثبت لعلة يزول بزوالها

وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصر

فهذه الطريقة تخلص من كثير من الحنث

وإذا تأملت هذه الطرق لرأيت أيتها سلكت أحسن من طرق الحيل التي يتحيلون بها على عدم الحنث وهي أنواع

أحدها التسريح

الثاني: خلع اليمين

الثالث: التحيل لفساد النكاح إما بكون الولي كان قد فعل ما يفسق به أو الشهود كانوا جلوسا على مقعد حرير ونحو ذلك فيكون النكاح باطلا فلا يقع فيه الطلاق

الرابع: الاحتيال على فعل المحلوف عليه بتغيير اسمه أو صفته أو نقله من مالك إلى مالك ونحو ذلك

فإذا غلبوا عن شيء من هذه الحيل الأربعة فزعوا إلى التيس المستعار فاستأجروه ليسفد ويأخذ على سفاده أجرا فليوازن من يعلم أنه موقوف بين يدي الله تعالى ومسئول بين هذه الطرق وتلك الطرق التي قبلها وليقم لله ناظرا ومناظرا متجردا من العصبية والحمية فإنه لا يكاد يخفى عليه الصواب والله ولي التوفيق

فصل

وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث فمن العجب أن يحتج بهذه الآية من يقول: إنه لو حلف: ليضربنه عشرة أسواط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه

هذا قول أصحاب أبي حنيفة ومالك وأصحاب أحمد وقال الشافعي: إن علم أنها مسته كلها بر في يمينه وإن علم أنها لم تمسه لم يبر وإن شك لم يحنث ولو كان هذا موجبا لبر الحالف لسقط عن الزاني والقاذف والشارب تعدد الضرب بأن يجمع له مائة سوط أو ثمانين ويضرب بها ضربة واحدة وهذا إنما يجزى في حق المريض كما قال الإمام أحمد في المريض عليه الحد: يضرب بعثكال يسقط عنه الحد واحتج بما رواه عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج فلم يرع الحي إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها قال: فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ وكان ذلك الرجل مسلما فقال: اضربوه حده فقالوا: يا رسول الله: إنه أضعف مما تحسب لو ضربناه مائة قتلناه فقال: خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ ثم اضربوه به ضربة واحدة ففعلوا

وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته وخلاصه من دائه تلتمس له الدواء بما تقدر عليه فلما لقيها الشيطان وقال ما قال: أخبرت أيوب عليه السلام بذلك فقال: إنه الشيطان ثم حلف: لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة سوط فكانت معذورة محسنة في شأنه ولم يكن في شرعهم كفارة فإنه لو كان في شرعهم كفارة لعدل إلى التكفير ولم يحتج إلى ضربها فكانت اليمين موجبة عندهم كالحدود وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورا خفف عنه بأن يجمع له مائة شمراخ أو مائة سوط فيضرب بها ضربة واحدة وامرأة أيوب كانت معذورة لم تعلم أن الذي خاطبها الشيطان وإنما قصدت الإحسان فلم تكن تستحق العقوبة فأفتى الله نبيه أيوب عليه السلام أن يعاملها معاملة المعذور هذا مع رفقها به وإحسانها إليه فجمع الله له بين البر في يمينه والرفق بامرأته المحسنة المعذورة التي لا تستحق العقوبة

فظهر موافقة نص القرآن في قصة أيوب عليه السلام لنص السنة في شأن الضعيف الذي زنى فلا يتعدى بها عن محلها

فإن قيل: فقولوا هذا في نظير ذلك ممن حلف ليضربن امرأته أو أمته مائة وكانا معذورين لاذنب لهما: أنه يبر بجمع ذلك في ضربة بمائة شمراخ

قيل: قد جعل الله له مخرجا بالكفارة ويجب عليه أن يكفر عن يمينه ولا يعصي الله بالبر في يمينه ههنا ولا يحل له أن يبر فيها بل بره فيها هو حنثه مع الكفارة ولا يحل له أن يضربها لا مفرقا ولا مجموعا فإن قيل: فإذا كان الضرب واجبا كالحد هل تقولون: ينفعه ذلك قيل: إما أن يكون العذر مرجو الزوال كالحر والبرد الشديد والمرض اليسير فهذا ينتظر زواله ثم يحد الحد الواجب كما روى مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: أحسنت اتركها حتى تماثل

فصل

وأما حديث بلال في شأن التمر وقول النبي ﷺ له: بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا

فقال شيخنا: ليس فيه دلالة على الاحتيال بالعقود التي ليست مقصودة لوجوه:

أحدها: أن النبي ﷺ أمره أن يبيع سلعته الأولى ثم يبتاع بثمنها سلعة أخرى ومعلوم أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح ومتى وجد البيعان على الوجه الصحيح جاز ذلك بلا ريب ونحن نقول: كل بيع صحيح يفيد الملك لكن الشأن في بيوع قد دلت السنة وأقوال الصحابة على أن ظاهرها وإن كان بيعا فإنها ربا وهي بيع فاسد ومعلوم أن مثل هذا لا يدخل في الحديث ولو اختلف رجلان في بيع مثل هذا هل هو صحيح أو فاسد وأراد أحدهما إدخاله في هذا اللفظ لم يمكنه ذلك حتى يثبت أنه بيع صحيح ومتى أثبت أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا الحديث

فتبين أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع البتة

قلت: ونظير ذلك: أن يحتج به محتج على جواز بيع الغائب أو على البيع بشرط الخيار أكثر من ثلاث أو على البيع بشرط البراءة وغير ذلك من أنواع البيوع المختلف فيها ويقول المنازع: الشارع قد أطلق الإذن في البيع ولم يقيده

وحقيقة الأمر أن يقال: إن الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح ونحن لا نسلم له أن هذه الصورة التي تواطآ فيها على ذلك بيع صحيح

الوجه الثاني: أن الحديث ليس فيه عموم لأنه قال: وابتع بالدراهم جنيبا والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرا بشيء من قيودها لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد والقدر المشترك ليس هو ما يميز كل واحد من الأفراد عن الآخر ولا هو مستلزما له فلا يكون الأمر بالمشترك أمرا بالمميز بحال نعم: هو مستلزم لبعض تلك القيود لا بعينه فيكون عاما لها على سبيل البدل لكن ذلك لا يقتضي العموم بالأفراد على سبيل الجمع وهو المطلوب فقوله: بع هذا الثوب لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو ولا بكذا وكذا ولا بهذه السوق أو هذا فإن اللفظ لا دلالة له على شيء من ذلك لكن إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلا من جهة وجود تلك الحقيقة لا من جهة وجود تلك القيود إذا تبين ذلك فليس في الحديث أنه أمره أن يبتاع من المشتري ولا أمره أن يبتاع من غيره ولا بنقد البلد ولا غيره ولا بثمن حال أو مؤجل فإن هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ ولو زعم زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلا لكن اللفظ لا يمنع الأجزاء إذا أتى بها

وقد قال بعض الناس: إن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الأجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة وهذا غلط بين فإن اللفظ لا تعرض فيه للقيود بنفي ولا إثبات ولا الإتيان بها ولا تركها من لوازم الامتثال وإن كان المأمور به لا يخلو عن واحد منهما ضرورة وقوعه جزئيا مشخصا فذلك من لوازم الواقع لا أنه مقصود الأمر وإنما يستفاد الأمر بتلك اللوازم أو النهي عنها من دليل منفصل

وقد خرج بهذا الجواب عن قول من قال: لو كان الابتياع من المشتري حراما لنهى عنه فإن مقصوده ﷺ إنما هو بيان الطريق التي يحصل بها اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدا ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه فلا معنى للاحتجاج بهذا الحديث على نفي شرط مخصوص كما لا يحتج به على نفي سائر الشروط وهذا بمنزلة الاحتجاج بقوله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر على جواز أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وعلى حل ما اختلف فيه من الأشربة ونحو ذلك فالاستدلال بذلك استدلال غير صحيح بل هو من أبطل الاستدلال إذ لا تعرض في اللفظ لذلك ولا أريد به تحليل مأكول ومشروب وإنما أريد به بيان وقت الأكل والشرب وانتهائه وكذلك من استدل بقوله تعالى: وأنكحوا الأيامى منكم على جواز نكاح الزانية قبل التوبة وصحة نكاح المحلل وصحة نكاح الخامسة في عدة الرابعة أو نكاح المتعة أو الشغار أو غير ذلك من الأنكحة الباطلة كان استدلاه باطلا

وكذلك من استدل بقوله تعالى: وأحل الله البيع على حل بيع الكلب أو غيره مما اختلف فيه فاستدلاله باطل فإن الآية لم يرد بها بيان ذلك وإنما أريد بها الفرق بين عقد الربا وبين عقد البيع وأنه سبحانه حرم هذا وأباح هذا فأما أن يفهم منه أنه أحل بيع كل شيء فهذا غير صحيح وهو بمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفو على حل كل مأكول ومشروب

وبمنزلة الاستدلال بقوله ﷺ من استطاع منكم الباءة فليتزوج على حل الأنكحة المختلف فيها

وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن على جواز جمع الثلاث ونفوذه وعلى صحة طلاق المكره والسكران

وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن على صحه النكاح بلا ولي وبلا شهود وغير ذلك من الصور المختلف فيها

وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء على حل كل نكاح اختلف فيه فيستدل به على صحة نكاح المتعة والمحلل والشغار والنكاح بلا ولي وبلا شهود ونكاح الأخت في عدة أختها ونكاح الزانية والنكاح المنفي فيه المهر وغير ذلك وهذا كله استدلال فاسد في النظر والمناظرة

ومن العجب أن ينكر من يسلكه على ابن حزم استدلاله بقوله تعالى: وعلى الوارث مثل ذكلك على وجوب نفقة الزوج على زوجته إذا أعسر بالنفقة وكان لها ما تنفق منه فإنها وارثة له وهذا أصح من تلك الاستدلالات فإنه استدلال بعام لفظا ومعنى وقد علق الحكم فيه بمعنى مقصود يقتضي العموم وتلك مطلقة لا عموم فيها لفظا ولا معنى ولم يقصد بها تلك الصور التي استدلوا بها عليها إذا عرف هذا فالاستدلال بقوله: بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا لا يدل على جواز بيع العينة بوجه من الوجوه فمن احتج به على جوازه وصحته فاحتجاجه باطل

وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال: هذه الصورة غالبة بل الغالب أن من يفعل ذلك يعرضه على أهل السوق عامة أو حيث يقصد أو ينادى عليه وإذا باعه لواحد منهم فقد تكون عنده السلعة التي يريدها وقد لا تكون

ومثل هذا: إذا قال الرجل فيه لوكيله: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب قطن أو بع هذه الحنطة العتيقة واشتر بثمنها جديدة لا يكاد يخطر بباله الاشتراء من ذلك المشتري بعينه بل يشتري من حيث وجد غرضه ووجود غرضه عند غيره أغلب من وجوده عنده

فإن قيل: فهب أن الأمر كذلك فهلا نهاه عن تلك الصورة وإن لم يدخل في لفظه فإطلاقه يقتضي عدم النهي عنه

قيل: إطلاق اللفظ لا يقتضي المنع منها ولا الإذن فيها كما تقدم بيانه فحكمها إذنا ومنعا يستفاد من مواضع أخر فغاية هذا اللفظ: أن يكون قد سكت عنها فقد علم تحريمها من الأدلة الدالة على تحريم العينة

الوجه الثالث: أن قوله: بع الجمع بالدراهم إنما يفهم منه البيع المقصود الخالي عن شرط يمنع كونه مقصودا بخلاف البيع الذي لا يقصد فإنه لو قال: بع هذا الثوب أو بعت هذا الثوب لم يفهم منه بيع المكره ولا بيع الهازل ولا بيع التلجئة وإنما يفهم منه البيع الذي يقصد به نقل ذلك العوض وقد تقدم تقرير هذا يوضحه: أن مثل هذين قد يتراوضان أولا على بيع التمر بالتمر متفاضلا ثم يجعلان الدراهم محللا غير مقصودة والمقصود إنما هو بيع صاع بصاعين ومعلوم أن الشارع لا يأذن في مثل هذا فضلا عن أن يأمر به ويرشد إليه

الوجه الرابع: أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة ومتى تواطآ عل أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة فلا يكون داخلا في الحديث إذ المنهى عنه لا يتناوله المأذون فيه

يبين ذلك الوجه الخامس: وهو أنه ﷺ قال: بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا وهذا يقتضي بيعا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول ومتى واطأه من أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معا فلا يكون داخلا في حديث الإذن بل في حديث النهي

الوجه السادس: أنه لو فرض أن في الحديث عموما لفظيا فهو مخصوص بصور لا تعد فإن كل بيع فاسد فهو غير داخل فيه فتضعف دلالته وتخص منه الصورة التي ذكرناها بالأدلة التي هي نصوص أو كالنصوص فاخراجها من العموم من أسهل الأشياء وبالله التوفيق

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية
مقدمة المؤلف | الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت | الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب | الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية | الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته كل شر وفتنة فيه | الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره | الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه | الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه | الباب الثامن: في زكاة القلب | الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه | الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته | الباب الحادي عشر: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه | الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان | الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34