إغاثة اللهفان/الباب الثالث عشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

__الفهرس__

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
الباب الثالث عشر
ابن قيم الجوزية

الباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم=

قال الله تعالى إخبارا عن عدوه إبليس لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه بأنه خير منه وإخراجه من الجنة أنه سأله أن ينظره فأنظره ثم قال عدو الله: فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين [ الأعراف: 17 ]

قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف على فانتصب الفعل والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك والظاهر: أن الفعل مضمر فإن القاعد على الشيء ملازم له فكأنه قال: لألزمنه ولأرصدنه ولأعوجنه ونحو ذلك

قال ابن عباس: دينك الواضح وقال ابن مسعود: هو كتاب الله وقال جابر: هو الإسلام وقال مجاهد: هو الحق

والجميع عبارات عن معنى واحد وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى وقد تقدم حديث سبرة بن الفاكه: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها الحديث فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك

وقوله: ثم لآتينهم من بين أيديهم [ الأعراف: 17 ] قال ابن عباس في رواية عطية عنه: من قبل الدنيا وفي رواية علي عنه أشككهم في آخرتهم

وكذلك قال الحسن: من قبل الآخرة تكذيبا بالبعث والجنة والنار

وقال مجاهد: من بين أيديهم: من حيث يبصرون

ومن خلفهم قال ابن عباس أرغبهم في دنياهم وقال الحسن: من قبل دنياهم أزينها لهم وأشهيها لهم

وعن ابن عباس رواية أخرى: من قبل الآخرة

وقال أبو صالح أشككهم في الآخرة وأباعدها عليهم وقال مجاهد أيضا: من حيث لا يبصرون

وعن أيمانهم قال ابن عباس: أشبه عليهم أمر دينهم وقال أبو صالح الحق أشككهم فيه وعن ابن عباس أيضا: من قبل حسناتهم

قال الحسن من قبل الحسنات أثبطهم عنها

وقال أبو صالح أيضا: من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم: أنفقه عليهم وأرغبهم فيه

وقال الحسن: وعن شمائلهم السيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ويزينها في أعينهم

وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ولم يقل من فوقهم لأنه علم أن الله من فوقهم قال الشعبي: فالله تعالى أنزل الرحمة عليهم من فوقهم

وقال قتادة: أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله

قال الواحدي: وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات والشمائل كناية عن السيئات حسن لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك تريد: اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين وأنشد لابن الدمينة:

ألبنى أفي يمني يديك جعلتني... فأفرح أم صيرتني في شمالك

وروى أبو عبيد عن الأصمعي: هو عندنا باليمين: أي بمنزلة حسنة وبضد ذلك: هو عندنا بالشمال وأنشد:

رأيت بني العلات لما تظافروا... يحوزون سهمي بينهم في الشمائل

أي ينزلوني بالمنزلة السيئة

وحكى الأزهري عن بعضهم في هذه الآية لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة ومن خلفهم بأمر البعث وعن أيمانهم وعن شمائلهم: أي لأضلنهم فيما يعملون لأن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت يداك وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئا لأنهما الأصل في التصرف فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل بغيرهما

وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشري واللفظ لأبي إسحاق ذكر هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد أي: لآتينهم من جميع الجهات والحقيقة والله أعلم أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم

وقال الزمخشري: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه كقوله: واستفزز من استطعت منهم بسوطك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك [ الاسراء: 64 ]

وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك وهذا القول أعم فائدة ولا يناقض ما قال السلف فإن ذلك على جهة التمثيل لا التعيين

قال شقيق: ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم فأقرأ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [ طه: 82 ] وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على من أخلفه فاقرأ: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها [ هود: 6 ] ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء فاقرأ: والعاقبة للمتقين [ الأعراف: 128 ] ومن قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ: وحيل بينهم وبين ما يشتهون [ سبأ: 24 ]

قلت: السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه وتارة على شماله وتارة أمامه وتارة يرجع خلفه فأي سبيل سلكلها من هذه وجد الشيطان عليها رصدا له فإن سلكها في طاعة وجده عليها يثبعطه عنها ويقطعه أو يعوقه ويبطئه وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له وخادما ومعينا وممنيا ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك

ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم [ فصلت: 25 ]

قال الكلبي: ألزمناهم قرناء من الشياطين وقال مقاتل هيأنا لهم قرناء من الشياطين

وقال ابن عباس: ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة

والمعنى زينوا لهم الدنيا حتى آثروها ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها

وقال الكلبي: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة ولا نار ولا بعث وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالة وهذا اختيار الفراء

وقال ابن زيد: زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم وما يستقبلون منها والمعنى على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ينوون تركه

فنقول عدو الله تعالى: ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم [ الأعراف: 17 ] يتناول الدنيا والآخرة وقوله: وعن أيمانهم وعن شمائلهم [ الأعراف: 17 ] فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه عنه وإن ملك الشيئات عن الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها وهذا يفصل ما أجمله في قوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين [ ص: 82 ] وقال تعالى: إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأنخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنعيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [ النساء: 118 ] قال الضحاك: مفروضا أي معلوما وقال الزجاج: أي نصيبا افترضته على نفسي قال الفراء: يعني ما جعل له عليه السبيل من الناس فهو كالمفروض قلت: حقيقة الفرض هو التقدير والمعنى: أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض وحظعه المقسوم فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه فالناس قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه وأولياء الله وحزبه وخاصته

وقوله: ولأضلنهم يعني عن الحق ولأمنينهم قال ابن عباس: يريد تعويق التوبة وتأخيرها

وقال الكلبي: أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث

وقال الزجاج: أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من الآخرة

وقيل: لأمنينهم ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدع

قيل: أمنيهم طول البقاء في نعيم الدنيا فأطيل لهم الأمل ليؤثروها على الآخرة

وقوله: ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام البتك القطع وهو في هذا الموضع: قطع آذان البحيرة عن جميع المفسرين ومن ههنا كره جمهور أهل العلم تثقيب أذني الطفل للحلق ورخص بعضهم في ذلك للأنثى دون الذكر لحاجتها إلى الحلية واحتجوا بحديث أمع زرع وفيه أناس من حلي أذنى وقال النبي ﷺ كنت لك كأبي زرع لأمع زرع ونص أحمد رحمه الله على جواز ذلك في حق البنت وكراهته في حق الصبي

وقوله: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله قال ابن عباس: يريد دين الله وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتاة والسدى وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومعنى ذلك: هو أن الله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة وهي ملة الإسلام كما قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه [ الروم: 30 ] ولهذا قال ﷺ ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء فهل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ثم قرأ أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها الآية [ الروم: 30 ] متفق عليه

فجمع ﷺ بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير وتغيير الخلقة بالجدع وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لابد أن يغيرهما فغير فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها وغير الصورة بالجدع والبتك فغير الفطرة إلى الشرك والخلقة إلى البتك والقطع فهذا تغيير خلقة الروح وهذا تغيير خلقة الصورة

ثم قال: يعدهم ويمنيعهم فوعده: ما يصل إلى قلب الإنسان نحو: سيطول عمرك وتنال من الدنيا لذتك وستعلو على أقرانك وتظفر بأعدائك والدنيا دول ستكون لك كما كانت لغيرك ويطول أمله ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه ويمنيه الأماني الكاذبة على اختلاف وجوهها والفرق بين وعده وتمنيته أنه يعد الباطل ويمنى المحال والنفس المهينة التي لا قدر لها تغتذي بوعده وتمنيته كما قال القائل:

منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأماني الباطلة والوعود الكاذبة وتفرح بها كما يفرح بها النساء والصبيان ويتحركون لها فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيته فإن الشيطان يمنى أصحابها الظفر بالحق وإدراكه ويعدهم الوصول إليه من غير طريقه فكل مبطل فله نصيب من قوله: يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا

ومن ذلك قوله تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا [ البقرة: 268 ] قيل: يعدكم الفقر يخوفكم به يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم ويأمركم بالفحشاء قالوا: هي البخل في هذا الموضع خاصة ويذكر عن مقاتل والكلبي: كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلا في هذا الموضع فإنها البخل

والصواب: أن الفحشاء على بابها وهي كل فاحشة فهي صفة لموصوف محذوف فحذف موصوفها إرادة للعموم: أي بالفعلة الفحشاء والخلة الفحشاء ومن جملتها البخل فذكر سبحانه وعد الشيطان وأمره: يأمرهم بالشر ويخوفهم من فعل الخير وهذان الأمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان فإنه إذا خوفه من فعل الخير تركه وإذا أمره بالفحشاء وزينها له ارتكبها وسمى سبحانه تخويفه وعد الانتظار الذي خوفه إياه كما ينتظر الموعود ما وعد به ثم ذكر سبحانه وعده على طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وهي المغفرة

والفضل فالمغفرة: وقاية الشر والفضل: إعطاء الخير وفي الحديث المشهور: إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد ثم قرأ: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء الآية [ البقرة: 268 ] فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره وآخر بضده ومنهم من يكون زمنه نهارا كله وآخر بضده نستعيذ بالله تعالى من شر الشيطان

فصل

ومن كيده للإنسان: أنه يورده الموارد التي يخيل إليه أن فيها منفعته ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به ويضحك منه فيأمره بالسرقة والزنا والقتل ويدل عليه ويفضحه قال تعالى: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب [ الأنفال: 48 ] فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك وقال: أنا جار لكم من بني كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فر عنهم وأسلمهم كما قال حسان:

دلاهم بغرور ثم أسلمهم... إن الخبيث لمن والاه غرار

وكذلك فعل بالراهب الذي قتل المرأة وولدها أمره بالزنا ثم بقتلها ثم دل أهلها عليه وكشف أمره لهم ثم أمره بالسجود له فلما فعل فر عنه وتركه وفيه أنزل الله سبحانه: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين [ الحشر: 16 ] وهذا السياق لا يختص بالذي ذكرت عنه هذه القصة بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر لينصره ويقضي حاجته فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار ويقول لهم: إني كفرت بما أشركتمون من قبل. فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة

وتكلم الناس في قول عدو الله إني أخاف الله فقال قتادة وابن إسحق: صدق عدو الله في قوله إني أرى ما لا ترون وكذب في قوله إني أخاف الله والله ما به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم وكذلك عادة عدوالله بمن أطاعه وقالت طائفة: إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه لا أنه خاف عقابه في الآخرة وهذا أصح وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة

قال الكلبي: خاف أن يأخذه جبريل فيعرضهم حاله فلا يطيعونه

وهذا فاسد فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك وتكلف غير المراد

وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه

وقال الزجاج وابن الانباري: ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر زاد ابن الانباري قال: أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الانظار قد انقضى فقال ما قال إشفاقا على نفسه

فصل

ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان وقد أخبرنا الله تعالى سبحانه عنه بهذا قال: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوفم وخافون إن كنتم مؤمنين [ آل عمران: 175 ]

المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه قال قتادة: يعظمهم في صدوركم ولهذا قال فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم

ومن مكايده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء وينفر من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له حتى يخيل له أنه يضره فلا إله إلا الله كم فتن بهذا السحر من إنسان وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة وكم بهرج من الزيوف على الناقدين وكم روج من الزغل على العارفين فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة وسلك بهم من سبل الضلال كل مسلك وألقاهم من المهالك في مهلك بعد مهلك وزين لهم عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام ووأد البنات ونكاح الأمهات ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان وأبرز لهم الشرك في صورة التعظيم والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه وتكلمه بكتبه في قالب التنزيه وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس وحسن الخلق معهم والعمل بقوله: عليكم أنفسكم [ المائده: 105 ] والإعراض عما جاء به الرسول ﷺ في قالب التقليد والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم والنفاق والإدهان في دين الله في قالب العقل المعيشي الذي يندرج به العبد بين الناس

فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة وصاحب قابيل حين قتل أخاه وصاحب قوم نوح حين أغرقوا وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة وصاحب امة سيدنا لوط علية السلام حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا الأخذة الرابية وصاحب عباد العجل حين جرى عليهم ما جرى وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر وصاحب كل هالك ومفتون

فصل

وأول كيده ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة قال تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وورى عنهما من سوءاتهما وقال ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور [ الأعراف: 20 ] فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي وبه سمي صوت الحلي وسواسا ورجل موسوس بكسر الواو ولا يفتح فإنه لحن وإنما قيل له: موسوس لأن نفسه توسوس إليه قال تعالى: ونعلم ما توسوس به نفسه [ ق: 16 ]

وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما فإنها معصية والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة ولهذا رأى النبي ﷺ في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة فإنه يدل على فساد في دينه قال الشاعر:

إني كأني أرى من لا حياء له... ولا أمانة وسط الناس عريانا

فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها ولباسا باطنا من التقوى يجمل العبد ويستره فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها

ثم قال مانها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين وكراهة أن تخلدا في الجنة ومن ههنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطه ويسألها عما تحبه وتؤثره فإذا عرفه استعان بها على العبد ودخل عليه من هذا الباب وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود وهو عن طريق مقصده مصدود

فشام عدو الله الأبوين فأحس منهما إيناسا وركونا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين وقال: مانها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين

وكان عبد الله بن عباس يقرؤها ملكين بكسر اللام ويقول لم يطمعا أن يكونا من الملائكة ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [ طه: 130 ]

وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله ولا سيما مما نهاه الله تعالى عنه

فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلا وإنما كذبهما عدو الله وغرهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها فسموا الخمر: أم الأفراح وسموا أخاها بلقيمة الراحة وسموا الربا بالمعاملة وسمو المكوس بالحقوق السلطانية وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان وسموا أبلغ الكفر وهو جحد صفات الرب تنزيها وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة فلما سماها شجرة الخلد قال: مانها كما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد واشتهى الخلود في الجنة وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه أنه ناصح لهما فاجتمعت الشبهة والشهوة وساعد القدر فأخذتهما سنة الغفلة واستيقظ لهما العدو كما قيل:

واستيقظوا وأراد الله غفلتهم... لينفذ القدر المحتوم في الأزل

إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله أو تكونا من الخالدين

فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله واعتذار عنه وإنما يعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع والآخر: ممكن وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده فقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى. فلم يدخل أداة الشك ههنا كما أدخلها في قوله: إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين [ الأعراف: 20 ] فتأمله ثم قال: وقاسمهما إني لكما من الناصحين [ الأعراف: 21 ]

فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد:

أحدها: تأكيده بالقسم

الثاني: تأكيده بإن

الثالث: تقديم المعمول على العامل إيذانا بالاختصاص أي نصيحتي مختصة بكما وفائدتها إليكما لا إلي

الرابع: إتيانه باسم الفاعل على الثبوت واللزوم دون الفعل الدال على التجدد: أي النصح صفتي وسجيتي ليس أمرا عارضا لي

الخامس: إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين فكأنه قال لهما: الناصحون لكما في ذلك كثير وأنا واحد منهم كما تقول لمن تأمره بشىء: كل أحد معي على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به

سعى نحوها حتى تجاوز حده... وكثر فارتابت ولو شاء قللا

وورث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله ﷺ إذا جاءوه: نشهد إنك لرسول الله [ المنافقون: 1 ] فأكدوا خبرهم بالشهادة وبإن وبلام التأكيد وكذلك قوله سبحانه: ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم [ التوبة: 56 ]

ثم قال تعالى: فدلاهما بغرور. قال أبو عبيدة: خذلهما وخلاهما من تدلية الدلو وهو إرسالها في البئر

وذكر الأزهري لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: أصله الرجل العطشان يتدلى في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدي نفعا فيقال: دلاه إذا أطمعه ومنه قول أبي جندب الهذلي:

أحص فلا أجير ومن أجره... فليس كمن تدلى بالغرور أحص: أي أقطع

الثاني: فدلاهما بغرور أي جرأهما على أكل الشجرة وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهي الجراءة قال شمر: يقال: مادللك علي: أي ماجرأك علي وأنشد لقيس ابن زهير:

أظن الحلم دل علي قومي... وقد يستجهل الرجل الحليم

قلت: أصل التدلية في اللغة الإرسال والتعليق يقال: دلى الشىء في مهواة إذا أرسله بتعليق وتدلى الشيء بنفسه ومنه قوله تعالى: فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه [ يوسف: 19 ] قال عامة أهل اللغة يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر ودلاها بالتخفيف إذا نزعها من البئر فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا أرسلها ودلاها يدلوها دلوا إذا نزعها وأخرجها ومنه الإدلاء وهو التوصل إلى الرجل برحم منه ويشاركه في الاشتقاق الأكبر الدلالة وهي التوصل إلى الشيء بإبانته وكشفه ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله وكان عبد الله ابن مسعود يشبه برسول الله ﷺ في هديه ودله وسمته فالهدى الطريقة التي عليها العبد من أخلاقه وأعماله والدل ما يدل من ظاهره على باطنه والسمت هيأته ووقاره ورزانته

والمقصود: ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين

قال مطرف بن عبد الله: قال لهما إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما وحلف لهما وإنما يخدع المؤمن بالله قال قتادة: وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم وفي الصحيح أن عيسى بن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق فقال: سرقت فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت بصري

وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله فظنه المسيح سرقة وهذا تكلف وإنما كان الله سبحانه وتعالى في قلب المسيح عليه السلام أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له في اليمين كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له بالله تعالى وقال: ما ظننت أحدا يحلف بالله تعالى كاذبا

فصل

ومن كيده العجيب: أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة

فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به وثقله عليه فهون عليه تركه حتى يتركه جملة أو يقصر فيه ويتهاون به وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به ويوهمه أنه لا يكفيه وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة فيقصر بالأول ويتجاوز الثاني كما قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو ولا يبالي بأيهما ظفر

وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه

فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد بالوسواس

وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما في أيديهم وقعدوا كلا على الناس مستشرفين إلى ما بأيديهم

وقوم قصر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا بقلوبهم وأبدانهم

وكذلك قصر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم

وقصر بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام

وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور او شاة ليأكله وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء المعصومة

وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به

وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص

وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة رسول الله ﷺ من النكاح فرغبوا عنه بالكلية وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام

وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح وأعرضوا عنهم ولم يقوموا بحقهم وتجاوز بأخرين حتى عبدوهم مع الله تعالى

وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إليها بالكلية وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة

وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده ولا شاءها منهم ولكنهم يعملونها بدون مشيئة الله تعلى وقدرته وتجاوز بآخرين حتى قالوا: إنهم لا يفعلون شيئا البته وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقيقة فهي نفس فعله لا أفعالهم والعبيد ليس لهم قدرة ولا فعل ألبتة

وقصر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمين ليس داخلا في خلقه ولا بائنا عنهم ولا هو فوقهم ولا تحتهم ولا خلفهم ولا أمامهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم وتجاوز بآخرين حتى قالوا: هو في كل مكان بذاته كالهواء الذي هو داخل في كل مكان

وقصر بقوم حتى قالوا: لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة وتجاوز بآخرين حتى قالوا: لم يزل أزلا وأبدا قائلا: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ويقول لموسى اذهب إلى فرعون فلا يزال هذا الخطاب قائما به ومسموعا منه كقيام صفة الحياة به

وقصر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يشفع أحدا في أحد البته ولا يرحم أحدا بشفاعة أحد وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده بغير إذنه كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم

وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل فضلا عن أبي بكر وعمر وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة

وقصر بقوم حتى نفوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطلوه منها وتجاوز بآخرين حتى شبهوه بخلقة ومثلوه بهم وقصر بقوم حتى عادوا أهل بيت رسول الله ﷺ وقاتلوهم واستحلوا حرمتهم وتجاوز بقوم حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة: من العصمة وغيرها وربما ادعوا فيهم الإلهية

وكذلك قصر باليهود في المسيح حتى كذبوه ورموه وأمه بما برأهما الله تعالى منه وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله وجعلوه إلها يعبد مع الله

وقصر بقوم حتى نفوا الأسباب والقوى والطبائع والغرائز وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمرا لازما لا يمكن تغييره ولا تبديله وربما جعلها بعضهم مستقلة بالتأثير

وقصر بقوم حتى تعبدوا بالنجاسات وهم النصاري وأشباههم وتجاوز بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال وهم أشباه اليهود

وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ما يسقطون به جاههم عندهم وسموا أنفسهم الملامتية

وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها وعدوها فضلا أو فضولا وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح وقالوا: العارف لا يسقط وارده لورده

وهذا باب واسع جدا لو تتبعناه لبلغ مبلغا كثيرا وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية
مقدمة المؤلف | الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت | الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب | الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية | الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته كل شر وفتنة فيه | الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره | الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه | الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه | الباب الثامن: في زكاة القلب | الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه | الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته | الباب الحادي عشر: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه | الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان | الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34