إغاثة اللهفان/الباب الثالث عشر/18

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
الباب الثالث عشر
ابن قيم الجوزية

المثال السابع والثلاثون: إذا نكح أمة حيث يجوز له نكاح الإماء وخاف أن يسترق سيدها ولده

فالحيلة في ذلك: أن يسأل سيد الأمة أن يقول: كل ولد تلده منك فهو حر فإذا قال هذا فما ولدته منه فهم أحرار

المثال الثامن والثلاثون: إذا قال لامرأته: إن سألتيني الخلع فأنت طالق ثلاثا إن لم أخلعك وقالت المرأة: كل مملوك لها حر إن لم أسألك الخلع اليوم

فسئل أبو حنيفة عنها فقال للمرأة: سليه الخلع فقالت: أسألك أن تخلعني فقال للزوج: قل خلعتك على ألف درهم فقال ذلك فقال أبو حنيفة للمرأة قولي: لا أقبل فقالت: لا أقبل فقال أبو حنيفة: قومي مع زوجك فقد بر كل منكما في يمينه

المثال التاسع والثلاثون: سئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجا أختين فزفت امرأة كل واحد منهما إلى الآخر فوطئها ولم يعلموا بذلك حتى أصبحوا فقيل له: ما الحيلة في ذلك فقال: أكل منهما راض بالتي دخل بها قالوا: نعم فقال: ليطلق كل واحد منهما امرأته طلقة ففعلا فقال: ليتزوج كل منهما المرأة التي وطئها فطابت أنفسهما

المثال الأربعون: إذا كان لرجل على رجل مال وللذي عليه المال عقار فأراد أن يحعل عقاره في يد غريمه يستغله ويقبض غلته من دينه جاز ذلك لأنه توكيل له فيه فإن خاف الغريم أن يعزله صاحب العقار عن الوكالة

فالحيلة: أن يسترهنه منه ويستديم قبضه ثم يأذن له في قبض أجرته من دينه ولو لم يأذن له فله أن يقبضها قصاصا

وله حيلة أخرى: أن يستأجره منه بمقدار دينه فما وجب له عليه من الأجرة سقط من دينه بقدره قصاصا

المثال الحادي والأربعون: إذا كان له جارية فأراد وطأها وخاف أن تحبل منه فتصير أم ولد لا يمكنه بيعها

فالحيلة: أن يبيعها لأبيه أو أخيه أو أخته فإذا ملكها سأله أن يزوجه إياها فيطأها بالنكاح ويكون ولده منها أحرارا يعتقون على البائع بالرحم وهذا إذا كان ممن يجوز له نكاح الإماء بأن لا يكون تحته حرة عند أبي حنيفة أو يكون خائفا للعنت عادما لطول حرة عند الجمهور

المثال الثاني والأربعون: إذا بانت منه إمرأته بينونة صغرى وأراد أن يجدد نكاحها فخاف إن أعلمها لم تتزوج به فله في ذلك حيل: إحداها: أن يقول: قد حلفت بيمين ثم استفتيت فقيل لي: جدد نكاحك فإن كانت قد بانت منك عاد النكاح وإلا لم يضرك فإن كان لها ولي جدد نكاحها وإلا فالحاكم أو نائبه

ومنها: أن يظهر أنه يريد سفرا وأنه يريد أن يجعل لها شيئا من ماله وأن الاحتياط أن يجعله صداقا بعقد يظهره

ومنها: أن يظهر مرضا وأنه يريد أن يقر لها بمال أو يوصي لها به وأن ذلك لا يتم والأحوط أن أظهر عقد نكاح وأجعل ذلك صداقا فيه فإن قيل: إذا بانت منه ملكت نفسها ولم يصح نكاحها إلا برضاها ولعلها لو علمت الحال لم ترض بالنكاح الثاني

قيل: رضاها بتجديد العقد للغرض الذي يريده يتضمن رضاها بالنكاح وهي لو هزلت بالإذن صح إذنها وصح النكاح مع أنها لم تقصده كما لو هزل الزوج بالقبول صح نكاحه وههنا قد قصدت بقاء النكاح ورضيت به فهو أولى بالصحة

فإن قيل: فالرجل قاصد إلى النكاح والمرأة غير قاصدة له

قيل: بل قصدت إلى تجديد نكاح يتم به غرضها فلم تخرج بذلك عن القصد والرضا

ولو قال رجل لرجل هزلا ومزاحا: زوجني ابنتك على مائة درهم أو قال: زوجني موليتك وهي تسمع فقال له مزاحا وهزلا: قد زوجتكها انعقد النكاح وحل له وطؤها لحديث أبي هريرة الذي رواه أهل السنن عن النبي ﷺ ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة

المثال الثالث والأربعون: إذا كان الرجل حسن التصرف في ماله غير مبذر له

فرفع إلى الحاكم وشهد عليه أنه مبذر فخاف أن يحجر عليه فقال: إن حجرت علي فعبيدي أحرار ومالى صدقة على المساكين لم يملك القاضي أن يحجر عليه بعد ذلك لأنه إنما يحجر عليه صيانة لماله وفي الحجر عليه إتلاف ماله فهو يعود على مقصود الحجر بالإبطال

المثال الرابع والأربعون: يصح الصلح عندنا وعند أبي حنيفة ومالك على الإنكار فإذا ادعى عليه شيئا فأنكره ثم صالحه على بعضه جاز والشافعي لا يصحح هذا الصلح لأنه لم يثبت عنده شيء فبأي طريق يأخذ ما صالحه عليه بخلاف الصلح على الإقرار فإنه إذا أقر له بالدين والعين فصالحه على بعضه كان قد وهبه أو أبرأه من البعض الآخر

والجمهور يقولون: قد دل الكتاب والسنة والقياس على صحة هذا الصلح فإن الله سبحانه تعالى ندب إلى الإصلاح بين الناس وأخبر أن الصلح خير وقال: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم وقال النبي ﷺ الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا

وأما القياس: فإن المدعى عليه يفتدي مطالبته باليمين وإقامةالبينة وتوابع ذلك: بشيء من ماله يبذله ليتخلص من الدعوى ولوازمها وذلك غرض صحيح مقصود عند العقلاء وغاية ما يقدر أن يكون المدعي كاذبا فهو يتخلص من تحليفه له وتعريضه للنكول فيقضي عليه به أو ترد اليمين بل عند الخرقي: لا يصح الصلح إلا على الإنكار ولا يصح مع الإقرار قال: لأنه يكون هضما للحق

فإذا صالحه مع الإنكار فخاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل الصلح فالحيلة في تخلصه من ذلك: أن يصالح أجنبي عن المنكر على مال ويقر الأجنبي لهذا المدعي بما ادعاه على غريمه ثم يصالحه من دعواه على مال ولا يفتقر إلى إذن المدعى عليه ولا وكالته إن كان المدعى دينا لأنه يقول: إن كان كاذبا فقد استنقذته من هذه الدعوى وذلك بمنزلة فكاك الأسير وإن كان صادقا فقد قضيت عنه بعض دينه وأبرأه المدعي من باقيه وذلك لا يفتقر إلى إذنه وإن كان المدعي عينا لم يصح حتى يقول: قد وكلني المنكر لأنه يقول: قد اشتريت له هذه العين المدعاة بالمال الذي أصالحك عليه فإن لم يعترف أنه وكله وإلا لم يصح

فإن لم يعترف بوكالته فطريق الصحة: أن يصالح الأجنبي لنفسه فيكون بمنزلة شراء العين المغصوبة فإن اعترف بها المدعي باطنا صار هو الخصم فيها وإن لم يعترف بها له لم يسعه أن يخاصم فيها المدعي عليه ويكون اعترافه له بها ظاهرا حيلة على تصحيح الصلح

وعلى هذا فإذا كان المدعي دارا خلفها الميت لابنه وامرأته فادعاها رجل فصالحاه من دعواه على مال فإن كان صلحا على الإنكار فالدار بينهما على ثمانية أسهم على المرأة الثمن وعلى الابن سبعة أثمان وإن كان على الإقرار فالمال بينها نصفان والدار لهما نصفان فإذا أراد لزوم الصلح على الإنكار صالح عنهما أجنبي على الإقرار فلزوم الصلح وكان المال بينهما على سبعة أثمان وكذلك الدار فإنهما لم يقرا له بالدار وإقرار الأجنبي لا يلزمهما حكمه المثال الخامس والأربعون: إذا ادعى عليه أرضا في يده أو دارا أو بستانا فصالحه على عشرة أذرع أو أقل أو أكثر جاز وكذلك لو صالحه على عشرة أذرع من أرض أو دار أخرى جاز لأنه يقول: قد أخذت بعض حقي وأسقطت البعض فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم حنفي لا يرى جواز ذلك بناء على أنه لا يجوز بيع ذراع ولا عشرة من أرض أو دار فطريق الجواز: أن يذرع الدار التي صالحه على هذا القدر منها ثم ينسبه إلى المجموع فما أخرجته النسبة أوقع عقد الصلح عليه ويصح ذلك ويلزم

المثال السادس والأربعون: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده مدة معينة أو ما عاش جاز ذلك فإذا أراد الوارث أن يشتري من الموصى له خدمة العبد لم يصح لأن الحق الموصى له به إنما هو في المنافع وبيع المنافع لا يجوز

والحيلة في الجواز: أن يصالحه الوارث من وصيته على مال معين فيجوز ذلك

وكذلك لو أوصى له بحمل شاته أو أمته أو بما يحمل شجره عاما فإذا أراد الوارث شراءه منه لم يصح وله أن يصالحه عليه فإن الصلح وإن كان فيه شائبة من البيع فهو أوسع منه

المثال السابع والأربعون: لو شجه رجل فعفا المشجوج عن الشجة وما يحدث منها ثم مات منها لم يلزم الشاج شيئا ولو قال: عفوت عن هذه الجراحة أو الشجة ولم يقل: وما يحدث منها فكذلك في إحدى الروايتين وفي الأخرى: تضمن بقسطها من الدية

ولو قال: عفوت عن هذه الجناية فلا شيء له في السراية رواية واحدة

وعند أبي حنيفة له المطالبة بالدية في ذلك كله إلا إذا قال: عفوت عنها وعما يحدث منها

فالحيلة في تخلص المعفو عنه: أن يشهد على المجني عليه: أنه عفا عن هذه الجناية أو الشجة وما يحدث منها فيتخلص عند الجميع

المثال الثامن والأربعون: إذا مات وترك زوجة وورثة فأرادت الزوجة أن يصالحها الورثة عن حقها نظرنا في التركة وفي الذي وقع عليه الصلح فإن كان في التركة أثمان: ذهب وفضة فصالحتهم على شيء من الأثمان لم يصح لإفضائه إلى الربا فإن صلحها بيع نصيبها منهم وإن صالحتهم على عرض أو عقار أو كان في التركة دراهم فصالحتهم بدنانير أو بالعكس جاز ولا تضر جهالة حقها لأن عقد الصلح أوسع من البيع كما تقدم

فإن كان في التركة ديون لم يصح الصلح لأن بيع الدين من غير الذي هو في ذمته لا يصح ويحتمل أن يقول بصحته كما يصح عن المجهول وإن لم يصح بنفسه

فالحيلة في صلحها عن الدين أيضا: أن يعجل لها حصتها من الدين يقرضها الورثة ذلك وتوكلهم في اقتضائه ثم تصالحهم من الأعيان على ما اتفقوا عليه لأنهم إذا أقرضوها حصتها من الدين ثم وكلتهم بقبض حصتها من الدين فإذا قبضوا حصتها من الدين فقد حصل في أيديهم بمالها من جنس مالهم عليها فيتقاصان ويكون عقد الصلح قد وقع على العروض والمتاع خاصة

فإن لم تطب أنفسهم أن يقرضوها قدر حصتها من الدين وأحبت تعجيل الصلح صالحتهم عن حقها من المتاع والعروض دون الديون وكلما قبض من الدين شيء أخذت حقها منه فإن تعسر ذلك وشق عليها وأحبت الخلاص حاسبوها في الصلح من الأعيان بأكثر من حقها منها وأقرت أن الدين حق للورثة دونها من ثمن متاع باعه الميت لهم فإن أرادوا قسمة الدين في الذمم فالمشهور: أنه لا يصح لأن الذمم لا تتكافأ وفيه رواية أخرى تجوز قسمته وهي الصحيحة فإنه قد تكون مصلحة الورثة والغرماء في ذلك وتفاوت الذمم لا يمنع القسمة فإن التفاوت في المحل والمقسوم واحد متماثل وإن اختلفت محاله وإذا كان الغرماء كلهم موسرين أو معسرين أو بعضهم موسرا وبعضهم معسرا فأخذ كل من الورثة موسرا ومعسرا كان هذا عدلا غير ممتنع وقد تراضوا به فلا وجه لبطلانه وبالله التوفيق

المثال التاسع والأربعون: إذا كان لرجل على رجل دين فقال: تصدق به عني ففعل لم يبرأ وكان الصدقة عن المخرج ودينه باق قاله أصحابنا لأنه لم يتعين ولأنه لا يكون مبرئا لنفسه بفعله قالوا: وطريق الصحة أن يقول: تصدق عني بكذا بقدر دينه ويكون ذلك إقراضا منه فإذا فعل ثبت له في ذمته ذلك القدر وعليه له مثله فيتقاصان

وكذلك لو قال له: ضارب بالمال الذي عليك والربح بيننا لم يصح

والحيلة في صحته: أن يقول: أذنت لك في دفعه إلى ابنك أو زوجتك وديعة ثم وكلتك في أخذه والمضاربة به

والظاهر: أنه لا يحتاج إلى شيء من ذلك ويكفي قبضه من نفسه لرب المال وإذا تصدق عنه بالذي قال كان عن الآمر هذا هو الصحيح وهو تخريج لبعض أصحابنا ولا حاجة به إلى هذه الحيلة فإذا عينه بالنية تعين وكان قابضا من نفسه لموكله وأيمحذور في ذلك

المثال الخمسون: يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا وكذلك الدابة بعلفها وكذلك المرضعة وهو مذهب مالك وقال الشافعي: لا يجوز فيهما وجوزه أبو حنيفة في الظئر خاصة

فإذا عقد الإجارة كذلك ثم خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانها فيلزمه بأجرة مثله فالحيلة في تصحيح ذلك أن يستأجر بنقد معلوم يكون بقدر الطعام والكسوة ثم يشهد عليه أنه وكله في إنفاق ذلك على نفسه وكسوته وكذلك في الدابة المثال الحادي والخمسون: يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره المؤجره كما يجوز لغيره وأبو حنيفة يبطل هذه الإجارة فالحيلة في لزومها: أن يؤجر ذلك لأجنبي غير المؤجر ثم يؤجره إياها الأجنبي

المثال الثاني والخمسون: إذا كفل اثنان واحدا فسلمه أحدهما برىء الآخر كما لو ضمنا دينا فقضاه أحدهما فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم لا يرى ذلك ويلزم الآخر بتسليمه

فالحيلة في خلاصه: أن يكفلا هذا المكفول به على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعا بريئان أو يشهدا عليهما أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع المكفول به إلى الطالب والتبرئة إليه منه فيبرآن على قول الجميع

المثال الثالث والخمسون: يصح ضمان المجهول وضمان ما لم يجب عندنا كما يصح ضمان الدرك فإذا قال: ما أعطيت لفلان فأنا ضامن له صح ولزمه وقال الشافعي: لا يصح

فالحيلة في صحته لئلا يبطل ذلك حاكم يرى بطلانه: أن يقول: ما أعطيت لفلان من درهم إلى ألف فأنا ضامن له

فإن ضمنه اثنان وأطلقا جاز واستويا في الغرم فإن ضمناه على أن على أحدهما الثلث وعلى الآخر الثلثين جاز ذلك لأن المال إنما يجب على كل منهما بالتزامه فإذا التزماه على هذا الوجه صح

فإن أراد أحد الضامنين أن يضمن الآخر ما لزمه من هذا الضمان فيصير ضامنا جاز ذلك أيضا لأن المال قد ثبت في ذمة كل واحد منهما فإذا ضمنه أحدهما جاز كما يجوز في الأصل

المثال الرابع والخمسون: إذا اشترك رجلان شركة عنان فسافر أحدهما بالمال بإذن شريكه فخاف أن يموت المقيم فيشتري بالمال بعد موته متاعا فيضمن لأنه قد انتقل إلى الورثه وبطلت الشركة

فالحيلة في تخلصه من ذلك: أن يشهد على شريكه المقيم أن حصته في المال الذي بينه وبينه لولده الصغار وقد أوصى إلى شريكه بالتصرف فيه وأمره أن يشتري بها ما أحب في حياته وبعد وفاته فإن كان ولده كبارا أشهد على نفسه أن هذا المال لهم ثم يأمر ولده الكبار هذا الشريك أن يعمل لهم في مالهم هذا بما يرى ويشتري لهم ما أحب

المثال الخامس والخمسون: إذا كان لرجلين على امرأة ألف درهم مثلا فتزوجها أحدهما على نصيبه في المال الذي عليها صح النكاح وبرئت ذمة المرأة من ذلك المقدار ولم يلزم الزوج أن يضمن لصاحبه شيئا منه لأنه لم يقبض شيئا من نصيبه ولم يحصل في ضمانه فجرى مجرى إبرائها له منه

وبعض الفقهاء يضمنه نصيب شريكه من المهر ويجعله كالمقبوض لأنه عاوض عليه بالبضع فهو كما لو اشترى منها به سلعة فإنها تكون بينهما وههنا تعذرت مشاركته في البضع فيشاركه في بدله وهو المهر فكأنها وفته نصيبه من الدين

وطريق الحيلة في تخليصه من ذلك: أن يهب لها نصيبه مما عليها ثم يتزوجها بعد ذلك على خمسمائة في ذمته ثم تهب له المرأة ما لها عليه من الصداق فإن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لشريكه شيئا لأنه متبرع

فإن خاف أن يهبها أو يبرئها فتعذر به ولا تتزوج به فالحيلة له: أن يشهد على إقرارها أنه يستحق عليها ذلك المبلغ ما دامت أجنبية منه وأنه لا يستحق على زوجته فلانة شيئا من ذلك المال

وأكثر ما فيه: أنه يسميها زوجة قبل العقد فإذا تم العقد برئت من الدين

فإن خاف أن لا تبرئه من الصداق وتطالبه به ويسقط حقه من المال الذي عليها فالحيلة له: أن يشهد عليها في العقد: أنه برىء إليها من الصداق وأنها لا تستحق المطالبة به

المثال السادس والخمسون: إذا أراد أن يشتري جارية وعرض له آخر يريد شراءها فاستحلف أحدهما صاحبه: أنه إن اشتراها فهي بينه وبينه نصفين فأراد أن يشتريها وتكون له تأول في يمينه: أنه إن اشتراها بنفسه فهي بينه وبينه فإذا وكل من يشتريها له كانت له وحده

فإن استحلفه أنه إن ملكها فهو شريكه فيها بطلت هذه الحيلة فله أن يأمر من يثق به أن يشتريها لنفسه ويؤدي هو عنه الثمن ثم يزوجه إياها فإذا أراد بيعها استبرأها ثم أمر ذلك الرجل أن يبيعها ويرجع ثمنها إليه

المثال السابع والخمسون: إذا كان بينهما عرض من العروض فاشتراه منهما أجنبي بمائة درهم وقبضه ثم إن المشترى أراد أن يصالح أحدهما من جميع الثمن على بعضه على أن يضمن له الدرك من شريكه حتى يخلصه منه أو يرد عليه جميع الثمن الذي وقع العقد عليه

فقال القاضي: لا يجوز ذلك لأن الضمان على شريكه إنما يجب بقبضه المال وذلك لم يوجد فلا يكون مضمونا عليه

فالحيلة للمشتري: أن يكون بريئا وإن أدركه درك من شريكه رجع به على الذي صالحه أن يحط الشريك المصالح عن المشتري نصيبه كله من الثمن ثم يدفع المشتري إليه نصيب صاحبه فصالحه على أنه ضامن لما أدركه من شريكه حتى يخلصه منه أو يرد عليه ما قبضه منه ويبرئه هو من نصيبه لأنه إذا أبرأه من نصيبه لم يبق من الدين إلا نصيب صاحبه فإذا قبضه كان مضمونا عليه لأنه قبض دين الغير بغير أمره

المثال الثامن والخمسون: إذا كان عبد بين شريكين موسرين فأراد كل منهما عتق نصيبه وأن لا يغرم لشريكه شيئا

فالحيلة: أن يوكلا رجلا فيعتقه عنهما ويكون ولاؤه بينهما المثال التاسع والخمسون: إذا سأله عبده أن يزوجه أمته فحلف أن لا يفعل ثم بدا له في تزويجه

فالحيلة: أن يبيع العبد والأمة لمن يثق به ثم يزوجه المشتري فإذا تم العقد أقاله في البيع

ولا بأس بمثل هذه الحيلة فإنها لا تتضمن إبطال حق ولا تحليل محرم وذلك غير ممتنع على أصلنا لأن الصفة وهي عقد النكاح قد وجدت في حال زوال ملكه فلا يتعلق بها حنث ولا يحنث أيضا باستدامة التزويج بعد ملكهما لأن التزويج عبارة عن العقد وقد انقضى وإنما بقي حكمه ولهذا لو حلف لا يتزوج فاستدام التزويج لم يحنث وهذا بخلاف ما إذا حلف على عبده أنه لا يدخل الدار فباعه ودخلها ثم ملكه فإن دخلها حنث لأنه ابتدأ الدخول واليمين باقية ولو دخلها في حال زوال ملكه ثم ملكه وهو داخل فيها حنث لأن الدخول الأول عبارة عن الكون وذلك موجود بعد الملك الثاني فيحنث به كما لو كان موجودا في الملك الأول

وقد قال أحمد في رواية مهنا في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن رهنت كذا وكذا فإذا هي قد رهنته قبل يمينه فقال: أخاف أن يكون حنث

قال القاضي: وهذا محمول على أنه قال إن كنت رهنته وهذا تأويل منه لكلام أحمد: فظاهر كلامه أنه جعل استدامة الرهن بمنزلة ابتدائه كالدخول

المثال الستون: إذا كان له عليه مال فمرض المستحق وأراد أن يبرئه منه وهو يخرج من ثلثه فخاف أن تكتم الورثة ماله ويقولوا: لم يدع إلا الدين الذي على هذا

فالحيلة في خلاصه: أن يخرج المريض من ماله بقدر الدين الذي على غريمه فيملكه إياه ثم يستوفيه منه ويشهد على ذلك وكذلك إذا أراد المريض أن يعتق عبدا وله مال يخرج من ثلثه ويملكه ماله فخاف أن يقول الورثة: لم يخلف الميت شيئا غير هذا العبد وماله

فالحيلة: أن يبيع المريض العبد من رجل يثق به ويقبض الثمن فيهبه للمشتري ثم يعتقه المشتري

فإن كان على الميت دين وله وفاء وفضل يخرج العبد من ثلثه فخاف المريض أن يغيب الورثة ماله ثم يقولوا: أعتق العبد ولا مال له غيره فلا نجيز له ما صنع من ذلك

فالحيلة فيه: أن يبيع العبد من نفسه ويقبض الثمن منه بمحضر من الشهود ثم يهب المريض للعبد ما قبض منه في السر فيأمن حينئذ من اعتراض الورثة فإن لم يكن للعبد مال يشترى به نفسه وهبه مالا في السر وأقبضه إياه فيشتري به العبد نفسه من سيده

فإن لم يرد السيد عتقه وأراد بيعه من بعض ورثته بمال على المريض ليست له به بينة

فالحيلة في ذلك: أن يقبض وارثه ماله عليه في السر ثم يبيعه العبد ويشهد له على ذلك ويقبض الثمن بمحضر من الشهود فيتخلص من اعتراض الورثة

المثال الحادي والستون: إذا أوصى إلى رجل فخاف أن لا يقبل فقال: إن لم يقبل فلان وصيتي فهي لفلان صح ذلك بسنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة التي لا تجوز مخالفتها حيث علق الإمارة بالشرط فتعليق الوصية أولى لأنه يستفيد بالإمارة أكثر مما يستفيد بالوصية

وبعض الفقهاء يبطل ذلك

فالحيلة في ذلك: أن يشهد المريض أنهما جميعا وصياه فإن لم يقبل أحدهما وقبل الآخر فالذي قبل منهما وصي وحده فإن قبلا جميعا فلكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف عن صاحبه لأنه رضي بتصرف كل واحد منهما قاله القاضي

فإن خاف أن يمنع ذلك من لا يرى انفراد أحدهما بالتصرف ويقول: قد شرك بينهما وجعلهما بمنزلة وصي واحد:

فالحيلة في الجواز: أن يقول: أوصيت إليهما على الاجتماع والانفراد

المثال الثاني والستون: إذا تصرف الوصي وباع واشترى وأنفق على اليتيم فللحاكم أن يحاسبه ويسأله عن وجوه ذلك ولا يمنعه من محاسبته كونه أمينا فإن النبي ﷺ حاسب عماله كما ثبت في صحيح البخاري أنه بعث ابن اللتبية عاملا على الصدقة فلما جاء حاسبه

فإن أراد الوصي أن يتخلص من ذلك فالحيلة له: أن يجعل غيره هو الذي يتولى بيع التركة وقبض الدين والإنفاق ولا يشهد على نفسه بوصول شيء من ذلك إليه فإذا سأله الحاكم قال: لم يصل إلى شيء من التركة ولا تصرفت فيها فإن كانت التركة قد بيعت بأمره وقبض ثمنها بأمره وصرف بأمره فحلفه الحاكم إنه لم يقبض ولم يوكل من قبض وتصرف وأنفق فإن كان محسنا قد وضع التركة موضعها ولم يخن وسعه أن يتأول في يمينه وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله

المثال الثالث والستون: يصح وقف الإنسان على نفسه على أصح الروايتين ويجوز اشتراط النظر لنفسه ويجوز أن يستثني الإنفاق منه على نفسه ما عاش أو على أهله وغيرنا ينازعنا في ذلك فإذا خاف من حاكم يبطل الوقف على هذا الوجه فالحيلة له: أن يملكه لولده أو زوجته أو أجنبي يقفه عليه ويشترط له النظر فيه وأن يقدم على غيره من الموقوف عليهم بغلته أو بالإنفاق عليه فيصح حينئذ ولا يبقى للاعتراض عليه سبيل

المثال الرابع والستون: إذا اشترى جارية وقبضها فوجد بها عيبا ولم يكن نقد ثمنها فأراد ردها فصالحه البائع على أن يأخذ الجارية بأقل من الثمن الذي اشتراها به

فقال القاضي: لا يجوز ذلك لأن هذا الصلح في معنى البيع وبيع المبيع من بائعه بأقل من ثمنه لا يجوز لأنه ذريعة إلى الربا وهو كمسألة العينة فإن كان قد حدث بالجارية عيب عند المشتري جاز ذلك لأن مقدارالحط يكون بإزاء العيب الذي حدث عند المشتري فلا يؤدي إلى مسئلة العينة

والحيلة في جواز ذلك في الصورة الأولى على وجه لا يشبه العينة: أن يخرج الجارية من ملكه فيبيعها الرجل بالثمن الذي يأخذها به البائع فيصالح الذي في يده الجارية البائع على أن يقبلها بدون الثمن الذي وقع عليه العقد ويجعل هذا الثمن الذي يأخذ به الجارية قضاء عن مشتري الجارية لأن المشتري الثاني متى صالح البائع على أن يقبل الجارية بدون الثمن الذي اشتريت به فهو عقد جرى بينهما مبتدأ من غير بناء أحد العقدين على الآخر فإذا اشتراها البائع من هذا الثاني حصل ثمنها في ذمته له وله هو على المشتري الأول ثمنها فإذا طالبه البائع بالثمن أحاله على المشتري الأول فيتقاصان

المثال الخامس والستون: الضمان لا تبرأ ذمة المضمون عنه بمجرده حيا كان المضمون عنه أو ميتا

وفيه رواية أخرى: أنه يبرىء ذمة الميت دون الحي وهي مذهب أبي حنيفة

وفيه قول ثالث: أنه يبرىء ذمة الحي والميت كالحوالة وهو مذهب داود

فإذا أراد الضامن أن يكون ضمانه مبرئا لذمة المضمون عنه فالحيلة في ذلك: أن يقول: لا أضمن دينه إلا بشرط أن تبرئه منه فمتى أبرأته منه فأنا ضامن له ويصح تعليق الضمان بالشرط في أقوى الوجهين فإذا أبرأه صحت البراءة ولزم الدين الضامن وحده

فإن خاف رب الدين أن يرفعه إلى حاكم لا يرى صحة الضمان المعلق فيبطل دينه من ذمة الأصيل بالإبراء ولا يثبت له في ذمة الضامن

فالحيلة له: أن يكتب ضمانه ضمانا مطلقا ويشهد عليه به من غير شرط بعد إقراره ببراءة الأصيل فيحصل مقصودهما

المثال السادس والستون: الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فلا يملك مطالبة المحيل بعد ذلك إلا في صورة واحدة وهي: أن يشترط ملاءة المحال عليه فيتبين مفلسا

وعند أبي حنيفة: إذا توى المال على المحال عليه بأن جحده حقه إذ قرار المحال على المحال عليه فإن جحده حقه وحلف عليه أو مات مفلسا رجع على المحيل

وعند مالك: إن ظن ملاءته فبان مفلسا رجع وإن طرأ عليه الفلس لم يكن له الرجوع

فإذا أراد صاحب الحق التوثق لنفسه وأنه إن توى ماله على المحال عليه رجع على المحيل

فالحيلة له في ذلك: أن يحتال حوالة قبض لا حوالة استيفاء فيقول للمحيل: أحلني على غريمك أن أقبض لك ما عليه من الدين فيجيبه إلى ذلك فما قبضه منه كان على ملك المحيل فيأذن له في استيفائه

فإن خاف المحيل أن يهلك هذا المال في يد القابض ولا يغرمه لأنه وكيل في قبضه

فالحيلة أن يقول له: ما قبضته فهو قرض في ذمتك فيثبت في ذمته نظير ماله عليه فيتقاصان

فالحوالة ثلاثة أنواع: حوالة قبض محض فهي وكالة وحوالة استيفاء وهي التي تنقل الحق وحوالة إقراض

فالأولى لا تثبت المقبوض في ذمة المحال والثانية تجعل حقه في ذمة المحال عليه والثالثة تثبت المأخوذ في ذمته بحكم الاقتراض المثال السابع والستون: إذا ضمن الدين ضامن فلمستحقه مطالبة أيهما شاء

وعن مالك روايتان إحداهما: كذلك والثانية: أنه ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر مطالبة الأصيل

فإن أراد الضامن أن يضمن على هذا الوجه فالحيلة أن يقول: إن تعذر مالك قبله فأنا ضامن له ويصح تعليق الضمان على الشرط على الأصح

فإن أراد أن يصحح ذلك على كل قول ويأمن رفعه إلى من يرى بطلان ذلك

فالحيلة فيه: أن يقول: ضمنت لك ما يتوى لك على فلان أو يعجز عن أدائه فيصح ذلك ولا يتمكن من مطالبته إلا إذا توى المال على الأصيل أو عجز عنه

المثال الثامن والستون: إذا بذت عليه امرأته فقال: الطلاق يلزمني منك لا تقولين لي شيئا إلا قلت لك مثله فقالت: أنت طالق ثلاثا فقال بعضهم: يقول لها: أنت طالق ثلاثا بفتح التاء ولا تطلق لأن الخطاب لا يصلح لها وهذا ضعيف جدا لأن قوله: أنت طالق إما أن يعنيها به أو يعني غيرها فإن لم يعنها لم يكن قد قال لها مثل ما قالت بل يكون القول لغيرها فلا يبر به وإن عناها به طلقت للمواجهة وفتح التاء لا يمنع صحة الخطاب والمعنى: أنت أيها الشخص أو الإنسان

ثم ما يقول هذا القائل: إذا قالت له: فعل الله بك كذا فقال لها: فعل الله بك وفتح الكاف هل يكون بارا في يمينه بذلك فإن قال: لا يبر لزمه مثله في الطلاق وإن قال: يبر كان قائلا لها مثل ذلك فيكون مطلقا لها

وأجود من هذا أن يكون قوله على التراخي ما لم يقيده بالفور بلفظه أو نيته

وقالت طائفة: يقول لها: أنت طالق ثلاثا إن لم أفعل كذا وكذا أو إن فعلت لما لا تقدر هي عليه فيكون قد قال لها مثل ما قالت وزاد عليه وفي هذا ضعف لا يخفى لأن هذه الزيادة تنقص الكلام فهي زيادة في اللفظ ونقصان في المعنى فإنه إذا علق الطلاق بشرط خرج من التنجيز إلى التعليق وصار كله كلاما واحدا وهي لم تعلق كلامها وإنما نجزته فالمماثلة تقتضي تنجيزا مثله

وأجود من هذا كله أن يقال: لا يدخل هذا الكلام الذي صدر منها في يمينه لأنه لم يرده قطعا ولا خطر بباله فيمينه لم يتناوله فهو غير محلوف عليه بلا شك واللفظ العام يختص بالنية والعرف والعرف في مثل هذا لا يدخل فيه قولها له ذلك والأيمان يرجع فيها إلى العرف والنية والسبب وهذا مطرد ظاهر على أصول مالك وأحمد في اعتبارهم عرف الحالف ونيته وسبب يمينه والله أعلم

المثال التاسع والستون: يجوز أن يستأجر الشاة والبقرة ونحوهما مدة معلومة للبنها ويجوز أن يستأجرها لذلك بعلفها وبدراهم مسماة والعلف عليه هذا مذهب مالك وخالفه الباقون وقوله هو الصحيح واختاره شيخنا لأن الحاجة تدعو إليه ولأنه كاستئجار الظئرللبها مدة ولأن اللبن وإن كان عينا فهو كالمنافع في استخلافه وحدوثه شيئا بعد شيء ولأن إجارة الأرض لما نبت فيها من الكلأ والشوك جائزة وهو عين ولأن اللبن4 حصل بعلفه وخدمته فهو كحصول المغل ببذره وخدمته ولا فرق بينهما فإن تولد اللبن من العلف كتولد المغل من البذر فهذا من أصح القياس وأيضا فإنه يجوز أن يقفها فينتفع الموقوف عليها بلبنها وحق الواقف إنما هو في منفعة الموقوف مع بقاء عينه

وأيضا فإنه يجوز أن يمنحها غيره مدة معلومة لأجل لبنها وهي باقية على ملك المانح فتجري منحتها مجرى إعارتها والعارية إباحة المنافع فإذا كان اللبن يجري مجرى المنفعة في الوقف والعارية جرى مجراها في الإجارة

وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [ الطلاق: 6 ] فسمى ما تأخذه المرضعة في مقابلة اللبن أجرا ولم يسمه ثمنا

وأيضا فيجوز أن يستأجر بئرا مدة معلومة لمائها والماء لم يحصل بعمله فلأن يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أولى

وأيضا فإنه يجوز أن يستأجر بركة يعشعش فيها السمك لأجله فهذا أولى بالجواز لأنه معلوم بالعرف وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان

وقياس المنع على تحريم بيع اللبن في الضرع قياس فاسد فإن ذاك بيع مجهول لا يعرف قدره وما يتحصل منه وهو بيع معدوم فلا يجوز والإجارة أوسع من البيع ولهذا يجوز على المنافع المعدومة المستخلفة شيئا بعد شيء فاللبن في ذلك كالمنفعة سواء وإن كان عينا فهذا القول هو الصحيح

فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل هذا العقد.

فالحيلة في لزومه: أن يؤجره الحيوان مدة بدارهم مسماة ثم يأذن له في علفه بها ويبيحه اللبن

وهذه الحيلة تتأتي في إجارة البقرة والناقة والجاموس إذ يمكن الحرث عليها وركوبها وأما الشاة فلا يراد منها إلا الدر والنسل فلا تتهيأ الإجارة على منفعتها فالطريق في ذلك: أن يستأجرها لرضاع سخلة له مدة معلومة ويوكله في النفقة عليها بأجرتها أو ببعضها ويبيحه اللبن

المثال السبعون: إذا دفع إليه ثوبه وقال: بعه بعشرة فما زاد فلك فنص أحمد على صحته تبعا لعبد الله بن عباس ووافقه إسحاق ومنعه أكثرهم

ووجه الخلاف: أن في هذا العقد شائبة الوكالة والإجارة والمضاربة فمن رجح جانب الوكالة صحح العقد ومن رجح جانب الإجارة أو المضاربة أبطله لأن الأجرة والربح الذي جعل له مجهول

والصحيح: الجواز لأن العشرة تجري مجرى رأس المال في المضاربة وما زاد فهو كالربح فإذا جعله كله له كان بمنزلة الإبضاع إذا دفع إليه مالا يضارب به وقال: ما ربحت فهو لك فليس العقد من باب الإجارات بل هو بالمشاركات أشبه

فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانه

فالحيلة في ذلك: أن يقول: وكلتك في بيعه بعشرة: فإن بعته بأكثر فلا حق لي في الزيادة فيصح هذا وتكون الزيادة للوكيل

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية
مقدمة المؤلف | الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت | الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب | الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية | الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته كل شر وفتنة فيه | الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره | الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه | الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه | الباب الثامن: في زكاة القلب | الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه | الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته | الباب الحادي عشر: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه | الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان | الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34