إغاثة اللهفان/الباب الثالث عشر/27

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
الباب الثالث عشر
ابن قيم الجوزية

فصل

ثم كاد أحد ولدي آدم ولم يزل يتلاعب به حتى قتل أخاه وأسخط أباه وعصى مولاه فسن للذرعية قتل النفوس وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل فكاد العدو هذا القاتل بقطيعة رحمه وعقوق والديه وإسخاط ربه ونقص عدده وظلم نفسه وعرضه لأعظم العقاب وحرمه حظه من جزيل الثواب

فصل

ثم جرى الأمر على السداد والاستقامة والأمة واحدة والدين واحد والمعبود واحد فقال تعالى: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون وقال تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه

قال سعيد عن قتادة: ذكر لنا: أنه كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله تعالى نوحا وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض وبعث عند الاختلاف بين الناس وترك الحق وقال ابن عباس: كان الناس أمة واحدة: كانوا على الإسلام كلهم وهذا هو القول الصحيح في الآية وقد روى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا أمة واحدة كانوا كفارا وهذا قول الحسن وعطاء قالا: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح عليهما السلام أمة واحدة على ملة واحدة وهي الكفر كانوا كفارا كلهم أمثال البهائم فبعث الله نوحا وإبراهيم والنبيين وهذا القول ضعيف جدا وهو منقطع عن ابن عباس والصحيح عنه خلافه قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا على الإسلام كلهم وهذا هو الصواب قطعا فإن قراءة أبي بن كعب فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ويشهد لهذه القراءة: قوله تعالى في سورة يونس وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا

والمقصود: أن العدو كادهم وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين كفارا ومؤمنين فكادهم بعبادة الأصنام وإنكار البعث

وكان أول ما كاد به عباد الأصنام من جهة العكوف على القبور وتصاوير أهلها ليتذكروهم بها كما قص الله سبحانه قصصهم في كتابه فقال: وقالوا لا تزرن آلهتكم ولا تزرن ودآ ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت

وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: كانوا قوما صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم

وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أخبرني أبي قال: أول ما عبدت الأصنام أن آدم عليه السلام لما مات جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند ويقال للجبل: نود وهو أخصب جبل في الأرض قال هشام: فأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فكان بنو شيث عليه السلام يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل إن لبنى شيث دوارا يدورون حوله ويعظمونه وليس لكم شيء فنحت لهم صنما فكان أول من عملها قال هشام: وأخبرني أبي قال: كان ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر: قوما صالحين فماتوا في شهر فجزع عليهم ذوو أقاربهم فقال رجل من بني قابيل: يا قوم هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام على صورهم غير أني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحا قالوا: نعم فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم فكان الرجل يأتي أخاه وعمه وابن عمه فيعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذلك القرن الأول وكانت عملت على عهد برد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأول ثم جاء من بعدهم القرن الثالث فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا يرجون شفاعتهم عند الله تعالى فعبدوهم وعظموا أمرهم واشتد كفرهم فبعث الله إليهم إدريس عليه السلام نبيا فدعاهم فكذبوه فرفعه الله إليه مكانا عليا ولم يزل أمرهم يشتد فيما قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: حتى أدرك نوح [ بن لمك بن متو شلح بن أخنوخ ] عليه السلام فبعثه الله تعالى نبيا وهو يومئذ ابن أربعمائة وثمانين سنة فدعاهم إلى الله تعالى في نبوته عشرين ومائة سنة فعصوه وكذبوه فأمره الله تعالى أن يصنع الفلك ففرغ منها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ومكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة وكان بين آدم ونوح ألفا سنة ومائتا سنة فأهبط الماء هذه الأصنام [ من جبل نوذ إلى الأرض وجعل الماء يشتد جريه وعبابه ] من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جده فلما نضب الماء وبقيت على الشط فسفت الريح عليه حتى وارتها قلت: ظاهر القرآن يدل على خلاف هذا وأن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وأن الله تعالى أهلكهم بالغرق بعد أن لبث فيهم هذه المدة

قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنا وله رئي من الجن [ وكان يكنى أبا ثمامة ] فقال له: عجل المسير والظعن من تهامة بالسعد والسلامة [ قال: جير ولا إقامة قال ]: ائت [ ضف ] جدة تجد فيها أصناما معدة فأوردها تهامة ولا تهب ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب فأتى نهر جدة فاستثارها ثم حملها حتى ورد تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات [ ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ] فدفع إليه ودا فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل وسمى ابنه عبد ود فهو أول من سمي به وجعل عوف ابنه عامرا [ الذي يقال له: عامر الأجدار سادنا له فلم يزل بنوه يسدنونه حتى جاء الله بالإسلام

قال الكلبي: فحدثني مالك بن حارثة أنه رأى ودا قال: وكان أبي يبعثني باللبن إليه فيقول: اسقه إلهك فأشربه قال: ثم رأيت خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد كسره فجعله جذاذا وكان رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد لهدمه فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود وبنو عامر الأجدار فقاتلهم فقتلهم وهدمه وكسره قال الكلبي: فقلت لمالك بن حارثة: صف لي ودا حتى كأني أنظر إليه قال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال قد دبر أي نقش عليه حلتان متزر بحلة مرتد بأخرى عليه سيف قد تقلده وقد تنكب قوسا وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل يعني جعبة

[ قال: ورجع الحديث قال: ] وأجابت عمرو بن حيي مضر بن نزار فدفع إلى رجل من هذيل يقال له: الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر: سواعا فكان بأرض يقال لها: وهاط من بطن نخلة يعبده من يليه من مضر وفي ذلك يقول رجل من العرب:

تراهم حول قبلتهم عكوفا... كما عكفت هذيل على سواع

تظل جنابه صرعى لديه... عتائر من ذخائر كلع راع

وأجابته مذحج فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها

وأجابته همدان فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم [ بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان ]: يعوق فكان بقرية يقال لها: خيوان تعبده همدان ومن والاها من اليمن

وأجابت حمير: فدفع إلى رجل من ذي رعين يقال له: معد يكرب نسرا فكان بموضع من أرض سبإ يقال له: بلخع تعبده حمير ومن والاها فلم يزل يعبدونه حتى هودهم ذو نواس

فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي ﷺ فهدمها وكسرها

قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل وأما يغوث فكان لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ وأما يعوق فكانت لهمدان وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح وذكر ما تقدم

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب، وفي لفظ وغير دين إبراهيم.

وقال ابن إسحق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله قال: لا إنك مؤمن وهو كافر إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحام

قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ابن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي تعبدون فقالوا: نستمطر بها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال: أفلا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له: هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه قال هشام: وحدثني أبي وغيره: أن إسماعيل عليه السلام لما سكن مكة وولد بها أولاده فكثروا حتى ملئوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم وصبابة بمكة فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت حبا للبيت وصبابة به وهم على ذلك يعظمون البيت ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح عليه السلام [ منها على إرث ما بقى من ذكرها فيهم وفيهم على ذلك بقايا ] من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وإهداء البدن [ مع إدخالهم فيه ما ليس منه ] وكانت نزار تقول في إهلالها: لبيك اللهم لبيك * لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك * تملكه وما ملك

[ ويوحدونه التلبية ويدخلون معه آلهتهم ويجعلون ملكها بيده يقول الله تعالى لتبيه ﷺ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. أي ما يوحدونني بمعرفة حقى إلا جعلوا معي شريكا من خلقي

وكانت تلبية عك إذا خرجوا حجاجا قدموا أمامهم غلامين أسودين فكانا أمام ركبهم فيقولان: نحن غرابا عك فتقول عك من بعدهما: عك إليك عانيه... عبادك اليمانيه

وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت في المواقف نفرت في النفر الأول ولم تقم إلى آخر التشريق ] وكان أول من غير دين إسمعيل فنصب الأوثان وسيب السائبة [ وبحر البحيرة ] ووصل الوصيلة وحمى الحامي: عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وهو أبو خزاعة وكانت أم عمرو فهيرة بنت عامر بن الحرث [ ويقال قمعة بنت مضاض ] وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة فلما بلغ عمرو بن لحي نازعه في الولاية وقاتل جرهما بني إسماعيل فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة ونفاهم من بلاد مكة وتولى حجابة البيت [ بعدهم ] ثم إنه مرض مرضا شديدا فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت فأتاها فاستحم فيها فبرأ ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة واتخذت العرب الأصنام فكان أقدمها مناة [ وقد كانت العرب تسمى: عبد مناة وزيد مناة ] وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعها تعظمه وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب

من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له [ وكان أولاد معد على بقية من دين إسماعيل وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه ] ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج

قال هشام: وحدثنا رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: كانت الأوس والخزرج ومن جاورهم من عرب أهل يثرب وغيرها يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا أتوه فحلقوا عنده رؤوسهم وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك وكانت مناة لهذيل وخزاعة فبعث رسول الله ﷺ عليا فهدمها عام الفتح ثم اتخذوا اللات بالطائف وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة [ وكان يهودي يلت عندها السويق ] وكان سدنتها من ثقيف [ بنو عتاب بن مالك ] وكانوا قد بنوا عليها وكانت قريش وجميع العرب تعظمها وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم فلم تزل كذلك

حتى أسلمت ثقيف فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات ومناة اتخذها ظالم بن أسعد وكانت بواد من نخلة [ الشآمية يقال له: حراض بإزاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة وذلك ] فوق ذات عرق وبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منه الصوت

قال هشام: وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فقال: ائت بطن نخلة فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئا قال: لا قال: فاعضد الثانية فأتاها فعضدها ثم أتى النبي ﷺ فقال: هل رأيت شيئا قال: لا قال فاعضد الثالثة فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها وخلفها [ دبية بن حرمى الشيباني ثم السلمي وكان ] سادنها [ فلما نظر إلى خالد قال:

أعزاء شدى شدة لا تكذبي... على خالد ألقى الخمار وشمعري

فإنك إلا تقتلى اليوم خالدا... تبوئي بذل عاجلا وتنصري فقال خالد:

يا عزى كفرانك لا سبحانك... إني رأيت الله قد أهانك

ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة ثم عضد الشجرة وقتل دبية السادن ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب [ أما إنها لن تعبد بعد اليوم ]

قال هشام: وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وأعظمها عندهم: هبل وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر [ وكان يقال له: هبل خزيمة ] وكان في جوف الكعبة وكان قدامه [ سبعة ] قداح مكتوب في أحدها صريح وفي الآخر ملصق فإذا شكوا في مولود أهدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح فإن خرج صريح ألحقوه وإن خرج ملصق دفعوه [ وقدح على الميت وقدح على النكاح وثلاثة لم تفسر لى علام كانت ] وكانوا إذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده [ فما خرج عملوا به وانتهوا إليه وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله والد النبي ﷺ وهو الذي قال له أبو سفيان يوم أحد: أعل هبل فقال رسول الله ﷺ قولوا له: الله أعلى وأجل

وكان لهم إساف ونائلة قال هشام: فحدث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن إسافا رجل من جرهم يقال له: إساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم وكان يتعشقها في أرض اليمن فأقبلوا حجاجا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها في البيت فمسخا حجرين فأصبحوا فوجدوهما مسخين فأخرجوهما فوضعوهما موضعهما فعبدتهما خزاعة وقريش ومن حج البيت بعد من العرب قال هشام: لما مسخا حجرين وضعا عند الكعبة ليتعظ بهما الناس فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها وكان أحدهما ملصقا بالكعبة والآخر في موضع زمزم فنقلت قريش الذي كان ملصقا بالكعبة إلى الآخر فكانوا يذبحون وينحرون عندهما

وكان من تلك الأصنام ذو الخلصة وكان مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج وكان له بيت بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة [ وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر ] وكانت تعظمها وتهدى لها خثعم وبجبيلة [ وأزد السراة ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن ] فقال رسول الله ﷺ لجرير: ألا تكفيني ذا الخلصة فسار إليه بأحمس فقاتلته خثعم وباهلة دونه فظفر بهم وهدم بيت ذي الخلصة وأضرم فيه النار فاحترق

وذو الخلصة اليوم عتبة باب مسجد تبالة

وكان لدوس صنم يقال له ذو الكفين فلما أسلموا بعث رسول الله ﷺ الطفيل بن عمرو فحرقه

وكان لبني الحارث بن يشكر [ بن مبشر من الأزد ] صنم يقال له ذو الشرى

وكان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام يقال له الأقيصر

وكان لمزينة صنم يقال له نهم وبه كانت تسمى عبد نهم [ وكان لأزد السراة صنم يقال له عائم ]

وكان لعنزة صنم يقال له سعير

وكان لطييء صنم يقا له الفلس

وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم كان يعبدونه فإذا أراد أحدهم السفر كانآخر ما يصنع في منزله: أن يتمسح به وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله: أن يتمسح به قال ابن إسحاق: وكان لخولان صنم يقال له: عم أنس بأرض خولان يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله بزعمهم فما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه وما دخل في حق الصنم من حق الله الذي سمو له تركوه له وفيهم أنزل الله سبحانه وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هكذا لله بزعمهم وهكذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون

قال ابن إسحق: وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له: سعد صخرة بفلاة من الأرض طويلة فأقبل رجل من بني ملكان بإبل مؤبلة ليقفها عليه ابتغاء بركته فيما يزعم فلما رأته الإبل [ وكانت مرعية لا تركب ] وكان يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه فغضب ربها فأخذ حجرا فرماه به ثم قال: لا بارك الله فيك نفرت عني إبلي ثم خرج في طلبها حتى جمعها فلما اجتمعت له قال:

أتينا إلى سعد ليجمع شملنا... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد

وهل سعد إلا صخرة بتنوفة... من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد

قال ابن إسحق: وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يقال له مناة [ كما كان الأشراف يصنعون يتخذه إلها يعظمه ويظهره ] فلما أسلم فتيان بني سلمة معاذ بن جبل وابنه معاذ بن عمرو وغيرهم ممن أسلم وشهد العقبة وكانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذرات الناس منكسا على رأسه فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة قال: ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه ثم قال: والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه فإذا أمسى ونام غدوا ففعلوا بصنمه مثل ذلك فيغدو فيلتمسه فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطهره ويطيبه فيغدون عليه إذا أمسى فيفعلون به ذلك فلما طال عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له: والله إني لا أعلم من يصنع بك ما ترى فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك فلما أمسى ونام غدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو فلم يجده في مكانه الذي كان به فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلامه فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله إذ أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول:

والله لو كنت إلها لم تكن... أنت وكلب وسط بئر في قرن

أف لملقاك إلها مستدن... الآن فتشناك عن سوء الغبن

الحمد لله العلي ذي المنن... الواهب الرزاق ديان الدين

هو الذي أنقذني من قبل أن... أكون في ظلمة قبر مرتهن

قال ابن إسحق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد رجل منهم سفرا تمسح به وإذا قدم من سفر تسمح به فيكون آخر عهده به وأول عهده به فلما بعث الله محمدا ﷺ بالتوحيد قالت قريش: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب

وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب وتهدى لها كما تهدى للكعبة وتطوف بها كما تطوف بالكعبة وتنحر عندها كما تنحر عند الكعبة

وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعل الثلاثة أثا في لقدره فإذا ارتحل تركه فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك

قال حنبل: حدثنا حسن بن الربيع قال: حدثنا مهدي بن ميمون قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: لما بعث النبي ﷺ فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار قال: وكنا نعبد الحجر في الجاهلية فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به وقال أبو رجاء: كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانا ثم نلقيه وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الحجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: كنا في الجاهلية نعبد حجرا فسمعنا مناديا ينادي: يا أهل الرحال إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربا قال: فخرجنا على كل صعب وذلول فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمناد ينادي: إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه فإذا حجر فنحرنا عليه الجزر

وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني الحجاج بن صفوان عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة قال: كنت امرأ ممن يعبد الحجارة فينزل الحى ليس معهم إلكه فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلكها يعبده ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره

ولما فتح رسول الله ﷺ مكه وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما فجعل يطعن بسية قوسه في وجوهها وعيونها ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وهي تتساقط على رؤوسها ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت

فصل

وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة، تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم

فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح عليه السلام ولهذا لعن النبي ﷺ المتخذين على القبور المساجد والسرج ونهى عن الصلاة إلى القبور وسأل ربه سبحانه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا وقال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأمر بتسوية القبور وطمس التماثيل

فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلا وإما عنادا لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين

وأما خواصهم فإنهم اتخذوها بزعمهم على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجابا وحجا وقربانا ولم يزل هذا في الدنيا قديما وحديثا

فمنها: بيت على رأس جبل بإصبهان كان به أصنام أخرجها بعض ملوك المجوس وجعله بيت نار

ومنها بيت ثان وثالث ورابع بصنعاء بناه بعض المشركين على اسم الزهرة فخر به عثمان ابن عفان رضي الله تعالى عنه

ومنها بيت بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فرغانة فخر به المعتصم

وأشد الأمم في هذا النوع من الشرك: الهند

قال يحيى بن بشر: إن شريعة الهند وضعها لهم رجل يقال له برهمن ووضع لهم أصناما وجعل أعظم بيوتها بيتا بمدينة من مدائن السند وجعل فيه صنمهم الأعظم وزعم أنه بصورة الهيولى الأكبر وفتحت هذه المدينة في أيام الحجاج واسمها الملتان فأراد المسلمون قلع الصنم فقيل: إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا لكم ثلث ما يجتمع له من المال فأمر عبد الملك بن مروان بتركه فالهند تحج إليه من نحو ألفي فرسخ ولا بد لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف لا يكون أقل من هذا ولا أكثر فيلقيه في صندوق هناك عظيم ويطوف بالصنم فإذا ذهبوا ورجعوا إلى بلادهم قسم ذلك المال فثلثه للمسلمين وثلثه لعمارة المدينة وحصونها وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه

وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة وهم قوم إبراهيم عليه السلام الذين ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده فطلبوا تحريقه

وهو مذهب قديم في العالم وأهله طوائف شتى فمنهم عباد الشمس زعموا أنها ملك من الملائكة لها نفس وعقل وهي أصل نور القمر والكواكب وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها وهي عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم والسجود والدعاء ومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنما بيده جوهرة على لون النار وله بيت خاص قد بنوه باسمه وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع وله سدنة وقوام وحجبة يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات في اليوم ويأتيه أصحاب العاهات فيصومون لذلك الصنم ويصلون ويدعون ويستسقون به وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها وإذا غربت وإذا توسطت الفلك ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة لتقع عبادتهم وسجودهم له ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحري الصلاة في هذه الأوقات قطعا لمشابهة الكفار ظاهرا وسدا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام

فصل

وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما وزعموا أنه يستحق التعظيم

والعبادة وإليه تدبير هذا العالم السفلي

ومن شريعة عباده: أنهم اتخذوا له صنما على شكل عجل يجره اربعة وبيد الصنم جوهرة ويعبدونه ويسجدون له ويصومون له أياما معلومة من كل شهر ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه

ومنهم من يعبد أصناما اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم وبنوا لها هياكل ومتعبدات لكل كوكب منها هيكل يخصه وصنم يخصه وعبادة تخصه

ومتى أردت الوقوف على هذا فانظر في كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم المنسوب إلى ابن الخطيب الري تعرف سر عبادة الأصنام وكيفية تلك العبادة وشرائطها

وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص خاص على شكل خاص ينظرون إليه ويعكفون عليه

ومن ههنا اتخذ اصحاب الروحانيات والكواكب أصناما زعموا أنها على صورتها

فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبا منابه وقائما مقامه وإلا فمن المعلوم أن عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده ومن أسباب عبادتها أيضا: أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض المغيبات وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم وهم لا يشاهدون الشياطين فجهلتهم وسقطهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب وعقلاؤهم يقولون: إن تلك روحانيات الأصنام وبعضهم يقول: إنها ملائكة وبعضهم يقول: إنها العقول المجردة وبعضهم يقول: هي روحانيات الأجرام العلوية وكثير منهم لا يسأل عما عهد بل إذا سمع الخطاب من الصنم اتخذه إلكها ولا يسأل عما وراء ذلك

وبالجملة فأكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان ولم يتخلص منها إلا الحنفاء أتباع ملة إبراهيم عليه السلام وعبادتها في الأرض من قبل نوح عليه السلام كما تقدم وهيا كلها ووقوفها وسدنتها وحجابها والكتب المصنفة في شرائع عبادتها طبق ذلك كله الأرض قال إمام الحنفاء واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس والأمم التي أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم وكانوا يعبدون الأصنام كما قص الله تعالى ذلك عنهم في القرآن وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين ويكفي في معرفة كثرتهم وأنهم أكثر أهل الأرض: ما صح عن النبي ﷺ أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وقد قال تعالى: فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقال: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله وقال: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وقال 7: 101 وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين

ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها فهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم ولا يزيدهم ذلك إلا حبا لها وتعظيما ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها وتحمل أنواع المكاره في نصرتها وعبادتها وهم يسمعون أخبار الأمم التي فتنت بعبادتها وما حل بهم من عاجل العقوبات ولا يثنيهم ذلك عن عبادتها

ففتنة عبادة الأصنام أشد من فتنة عشق الصور وفتنة الفجور بها والعاشق لا يثنيه

عن مراده خشية عقوبة في الدنيا ولا في الآخرة وهو يشاهد ما يحل بأصحاب ذلك من الآلام والعقوبات والضرب والحبس والنكال والفقر غير ما أعد الله له في الآخرة وفي البرزخ ولا يزيده ذلك إلا إقداما وحرصا على الوصول والظفر بحاجته

فهكذا الفتنة بعبادة الأصنام وأشد فإن تأله القلوب لها أعظم من تألهها للصور التي يريد منها الفاحشة بكثير

والقرآن بل وسائر الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا الدين وكفر أهله وأنهم أعداء الله ورسله وأنهم أولياء الشيطان وعباده وأنهم هم أهل النار الذين لا يخرجون منها وهم الذين حلت بهم المثلات ونزلت بهم العقوبات وأن الله سبحانه بريء منهم هو وجميع رسله وملائكته وأنه سبحانه لا يغفر لهم ولا يقبل لهم عملا

وهذا معلوم بالضرورة من الدين الحنيف

وقد أباح الله تعالى لرسوله وأتباعه من الحنفاء دماء هؤلاء وأموالهم ونساءهم وأبناءهم وأمرهم بتطهير الأرض منهم حيث وجدوا وذمهم بسائر أنواع الذم وتوعدهم بأعظم أنواع العقوبة فهؤلاء في شق ورسل الله تعالى كلهم في شق

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية
مقدمة المؤلف | الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت | الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب | الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية | الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته كل شر وفتنة فيه | الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره | الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه | الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه | الباب الثامن: في زكاة القلب | الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه | الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته | الباب الحادي عشر: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه | الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان | الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34