مناهج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مناهج أهل الحق والاتباع
في مخالفة أهل الجهل والابتداع
  ► ويكي مصدر:إسلام ◄  
بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فقد وصل إلي كتابك المشتمل على بعض المسائل التي قد أوضحناها لك في إرشاد الطالب إلى أهم المطالب وذلك في شأن التكفير. وبينا لك فيه أن المبادرة بالتكفير والتفسيق والهجر من غير اطلاع على كلام العلماء لا يتجاسر عليه إلا أهل البدع الذين مرقوا من الإسلام، ولم يحققوا تفاصيل ما في هذه المسائل المهمة العظام، مما قرروه وبينوه من الأحكام. وذكرنا فيه قول شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: "إن من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطّئون ولا يكفّرون" [1] وقول الشافعي رحمه الله تعالى: "لأن أتكلم في علم يقال لي فيه: أخطأت، أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه: كفرت". [2]

إذا فهمت ذلك وتحققته فاعلم أن الكفر الذي يخرج من الإسلام ويصير به الإنسان كافرا هو أن يكفر بما علم أن رسول الله ﷺ جاء به من عند الله جحودا وعنادا، من أسماء الرب وصفاته، وأفعاله وأحكامه، التي أصلها توحيده وحده لا شريك له؛ وهذا مضاد للإيمان من كل وجه. وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى: [3]

فالكفر ليس سوى العناد ورد ما ** جاء الرسول به لقول فلان

إلى أن قال:

والله ما خوفي الذنوب فإنها ** لعلى طريق العفو والغفران

لكنما أخشى انسلاخ القلب عن ** تحكيم هذا الوحي والقرآن

ورضا بآراء الرجال وخرصها ** لا كان ذاك بمنة الرحمن

وإنما قدمت لك هذه المقدمة لتعلم أن كثيرا من المتدينين في هذا الزمان لا يعرفون الكفر الذي يخرج عن الملة، والكفر الذي لا يخرج من الملة؛ خصوصا من ينتسب إلى العلم والمعرفة منهم ممن يذهب إلى البادية يدعوهم إلى الله وهو لا يعرف تفاصيل ما قرره العلماء وأوضحوه في مسائل التكفير، وما يخرج من الملة وما لا يخرج من الملة. وكذلك مسألة الهجرة وأحكامها، ومسألة الهجر وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد. ويستدلون على ما ذكروه بكلام بعض العلماء في مسألة التكفير في الأمور الظاهرة الجلية التي لا يمكن أحدا جهلها ولا يعذر بذلك، مثل الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، مما قد كان يعلم بالضرورة من دين الإسلام أن الرسول ﷺ قد جاء به، فيستدلون بذلك على بعض المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها من الكتاب والسنة على كثير من البرية، وذلك بمجرد ظنونهم وآرائهم القاصرة وأفهامهم الخاسرة. وهذه المسائل الخفية لا يكفر بها من فعلها أو قالها على أصح قولي العلماء حتى تقوم عليه الحجة الرسالية.

فإذا تبين لك ما قد قدمت لك انزاحت عنك شبهات كثيرة مما قد تعرض في هذا المقام، ويتكلم فيه من لا معرفة عنده بأحكام الإسلام ومدارك الأحكام، والله المستعان.

فصل

المسألة الأولى

قال السائل هنا: هنا مسألة، وهي ذات أنواع، وهي التي أخذ بها هؤلاء المتدينون من البدو، وهي أن من يقرأ عليهم بعض عبارات الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في البدو مثل الموضع السادس من السيرة، [4] وما ذكر عن الأعرابي الذي يشهد أنه هو وسائر البدو كفار، وأن المطوع الذي ما يكفر البدو كافر، وأمثال ذلك، فإذا قرأه عليهم قالوا: نعم، هذا قول الشيخ رحمه الله في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون.. [5]

والجواب ومن الله أستمد الصواب أن نقول:

قد بينا لك في المقدمة أن هؤلاء الذين يذهبون إلى البادية ويدعونهم إلى الله وهم لا يعرفون تفاصيل ما قرره العلماء وأوضحوه في مسائل التكفير، بل يقولون بآرائهم الفاسدة وأفهامهم القاصرة الخاسرة، لعدم علمهم ومعرفتهم لمواقع الخطاب وأحوال الناس ومراتبهم في الإسلام في الأحوال والأزمان، وإذا كان ذلك معلوما مشهورا من أحوالهم وأقوالهم تعين أن نبين لك خطأهم وقلة معرفتهم وعلمهم بما كان عليه أهل نجد حاضرتهم وباديتهم قبل ظهور نور هذه الدعوة الإسلامية التي من الله بإظهارها على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى قبل دخولهم في الإسلام، وما هم عليه من الكفر بالله والإشراك به، وما منّ الله به عليهم بعد ذلك من دخولهم في الإسلام ومعرفته والقيام به. فنقول:

قد كان أهل نجد قبل ظهور هذه الدعوة المحمدية على غاية من الجهالة والضلالة، والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا على غاية من الجهالة في أمر دينهم، في جاهلية: يدعون الصالحين، ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران، ويطوفون بقبور الأولياء، يرجون الخير والنصر من جهتها، وفيهم من كفر الاتحادية والحلولية، وجهالة الصوفية ما يرون أنه من الشعب الإيمانية والطريقة المحمدية، وفيهم من إضاعة الصلاة ومنع الزكاة وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور، وغير ذلك من جميع الفواحش والمنكرات التي لا تحصى ولا تستقصى، فهذه هي حال الحاضرة من أهل نجد قبل ظهور الدعوة الإسلامية والطريقة المحمدية.

وأما حال الأعراب من أهل نجد وغيرهم فهم أغلظ كفرا ونفاقا، وأشد إعراضا عن الدين، مع ما هم عليه من قتل النفس ونهب الأموال وارتكاب المحرمات؛ كما قال تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ}. ويصدق عليهم قول الأعرابي الذي وفد على الشيخ في الدرعية لما تبين له الإسلام، وعرف أن ما هم عليه قبل ذلك هو الكفر والإشراك بالله فقال: أشهد بالله أني وسائر البدو كفار، وأن المطوع الذي ما يكفر البدو كافر. وكذلك ما ذكره الشيخ في الموضع السادس من السيرة، من حال الأعراب في ذلك الوقت الذين ذكر علماء أهل زمانهم أن هذا هو الشرك، لكن يقولون: لا إله إلا الله. ومن قالها لا يكفر بشيء. وأعظم من ذلك وأكبر: تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: "لا إله إلا الله" وهم بهذه اللفظة إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم مع إقرارهم أنهم تركوا الإسلام كله... إلى آخر كلامه رحمه الله.

فهذا الكلام الذي قاله الشيخ رحمه الله في الأعراب: إنما هو حال كفرهم وقبل دخولهم في الإسلام. ثم لما فتح الله بصيرة شيخ الإسلام بتوحيد الله الذي بعث الله به رسله وأنبياءه، فعرف الناس ما في كتاب ربهم من أدلة توحيده الذي خلقهم له، وما حرم الله عليهم من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وساعده على القيام بذلك آل سعود؛ فنصروه وآووه وجاهدوا معه القريب والبعيد، حتى أظهر الله الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده، وهدم بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفر من أ نكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفاء، وأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وترك المنكرات والمسكرات، ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين، في الأصول والفروع ومسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن، واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وأقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحُدَّت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد، حتى سارت دعوته مسير الشمس في الآفاق، وثبت النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وجمع الله القلوب بعد شتاتها، وتألفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمته إخوانا، فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور، ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي، والصخور، وفتح الله عليهم الإحساء والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى العراق والشام، ودانت لهم عربها وأعطوا الزكاة، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدنيا والدين، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والتمكين، كما قال عالم الأحساء وشيخها رحمه الله: [6]

لقد رفع المولى به رتبة الهدى ** بوقت به يعلو الضلال ويرفع

وجرت به نجد ذيول افتخارها ** وحق لها بالألمعي ترفع

فهذه هي حال أهل نجد حاضرتهم وباديتهم بعد ما دخلوا في دين الله وتركوا ما كانوا عليه قبل ذلك من الكفر بالله والإشراك به.

وقد حدثني رجل من أعراب أهل بيشة وقد كان أدرك زمن الدرعية ووفد مع من وفد إليها من قومه. فذكر أنهم كانوا في طريقتهم إذا اجتمعوا بمن قدم من الدرعية من وفود الأعراب يسألونهم ما أفادهم به الشيخ من الفوائد، وما علمهم من توحيد الله، وما أمرهم به من ذلك، وما نهاهم عنه مما يخالف دين الإسلام مما كانوا عليه في الجاهلية، ويتذاكرون ويحمدون الله على ما من الله به عليهم من الإسلام.

فمن زعم أن حال الأعراب بعد ما دخلوا في دين الإسلام والتزموا شرائعه العظام هي حالهم قبل أن يدخلوا فيه من الكفر بالله والإشراك به، وأن هذا وصف قائم بهم لا ينفك عنهم، وأنهم على الحالة الأولى: فقد أعظم الفرية على الله وعلى المسلمين ونسبهم إلى ما هم بريئون منه.

ثم لما انقضى زمن الدرعية، وتسلطت عليهم العساكر المصرية، بسبب ما اقترفه أولاد سعود من الذنوب والتقصير في الأوامر الدينية، ونقلوا عبد الله بن سعود إلى مصر، وأتبعوه أولاده وإخوانه وأكابر أولاد الشيخ، ثم تشتت الناس وتضعضع أمرهم وانفلت ولاية أهل الإسلام وبقي الناس في مرجة عظيمة لا والي لهم.

ثم رد الله الكرة للمسلمين، وجمعهم الله على الإمام تركي بن عبد الله رحمه الله تعالى وشيخ الإسلام شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن قدس الله روحه واستقام الأمر على ما كان عليه أهل نجد أولا باديتهم وحاضرتهم على هذا الدين.

ثم حدثت بعد ذلك أمور لا فائدة في ذكرها.

ثم جمعهم الله بعد ذلك بالإمام فيصل بن تركي رحمه الله فاستقامت ولاية الإسلام على ما كانوا عليه أولا. يوضح ذلك: ما ذكره شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن قدس الله روحه في نصيحته للإمام فيصل، قال فيها:

ومن الدعوة الواجبة والفرائض اللازمة: جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه من البادية والحاضرة، وأكثر بادية نجد يكفي فيهم المعلم، وأما من يليهم من المشركين من آل ظفير وأمثالهم فيجب جهادهم ودعوتهم إلى الله.. انتهى.

فذكر رحمه الله أن أكثر بادية نجد يكفي فيهم المعلم؛ لأنهم ملتزمون بشرائع الإسلام الظاهرة، وإنما يحتاجون إلى تعليمهم ما قد يخفى عليهم من حقوقه اللازمة فيه، بخلاف الظفير وأمثالهم من المشركين فإنه يجب جهادهم.

ثم بعد ذلك انثلت ولاية آل سعود، ثم صار الأمر بعد ذلك لآل رشيد، وحصل من أهل نجد إعراض عن الدين، وضعف أمر الإسلام فيهم حتى غلب على أكثرهم الجهل ونسيان ما كانوا عليه أولا؛ فنبذوا شرع الله وراء ظهورهم، وصاروا يتحاكمون إلى الطواغيت وسوالف الآباء والأجداد، وفشت فيهم المنكرات والفواحش وأنواع المعاصي التي يطول عدّها.

ثم رد الله الكرة للمسلمين وجمعهم الله بالإمام عبد الرحمن بن فيصل وابنه عبد العزيز حتى استقامت لهم الأمور. وقد كانت الأعراب الذين هم بين أظهر أهل الإسلام ملتزمين بشعائر الإسلام الظاهرة في هذه الأزمان، ولا يمكن أحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعمهم جميعهم بالكفر، ويطلق عليهم لأجل ما غلب على بعضهم من المكفرات، والتلوث بكثير من المنكرات والمحرمات.

وبهذا التفصيل يزول الإشكال عن من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وكان غاية أمره ونهاية مقصوده طلب الحق.

فإذا تبين لك هذا، فيقال لهؤلاء الجهلة الصعافقة الحمقى، الذين لا علم لهم ولا معرفة لديهم بحقائق الأمور ومدارك الأحكام، الذين يقرؤون على الناس كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهم لا يفهمون مواقع الخطاب وتوقيع الأمور على ما هي عليه، حيث يقول قائلهم: نعم، هذا قول الشيخ في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون.

فيقال لهم: إن كلام الشيخ الذي تقرءونه على الناس في قوم كفار ليس معهم من الإسلام شيء، وذلك قبل أن يدخلوا في الإسلام، ويلتزموا شرائعه، وينقادوا لأوامره، وينزجروا عن زواجره ونواهيه؛ وأما بعد دخولهم في الإسلام فلا يقول ذلك فيهم إلا من هو أضل من حمار أهله وأقلهم دينا وورعا، ومقالته هذه أخبث من مقالة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وهؤلاء يكفرونهم بمحض الإسلام. أما علمَ هؤلاء المساكين أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، [7] بنص رسول الله ﷺ؟

وأما قوله: والمشايخ اليوم يقولون ويقولون. فالجواب أن نقول: نعم المشايخ اليوم يقولون لا نكفر من ظاهره الإسلام، ولا يطلقون الكفر على جميع أهل البادية الذين هم بين أظهر أهل الإسلام، وإنما يقولون: من قام به وصف الكفر منهم فهو كافر؛ كمن يعبد غير الله، ويشرك به أحدا من المخلوقين، أو يتحاكم إلى الطواغيت، ويرى أن حكمهم أحسن وأفضل من حكم الله ورسوله، أو يستهزئ بدين الله ورسوله، أو ينكر البعث.

فمن قام به هذا الوصف الذي ذكرنا من المكفرات وغيرها مما يخرج من الملة في بادية أو حاضرة: فهو كافر. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى. وهذا هو الذي ندين الله به في أي بادية كانت أو حاضرة.

ثم لو ذهبنا نذكر ما أحدثه هؤلاء من البدع والغلو والمجاوزة للحد في الأوامر والنواهي لطال الجواب. والعاقل يسير فينظر، والهداية والتوفيق بيد الله، وإنما عليه الإعذار والإنذار وبيان الحق.

ومن لم يقم به وصف الكفر، وكان ملتزما لشرائع الإسلام الظاهرة فهو مسلم، ولا نكفره بارتكاب الذنوب والمعاصي، ولا بالأعمال التي لا تخرجه من الملة.

ومن لم يسلك طريقة المشايخ في هذه المسائل سلك ولا بد على طريقة الخوارج الذين يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه، فإنهم ولله الحمد والمنة كانوا وسطا بين طرفين، وعلى هدى بين ضلالتين.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه وتعالى بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب له ولأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه، فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وبر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبا الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطي ما يكفيه من بيت المال لحاجته.

هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط، أو مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة وبفضله ورحمته، كما استفاضت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ والله أعلم. انتهى. [8]

وقال رحمه الله في موضع آخر: ومن سلك طريق الاعتدال عظّم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد يكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه آخر، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم كما بسط هذا في موضعه والله أعلم. انتهى. [9]

فانظر رحمك الله إلى ما قرره شيخ الإسلام في مسألة الهجر: أن الرجل الواحد قد يجتمع فيه خير وشر، وبر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة؛ فيستحق من الموالاة والثواب والعقاب بقدر ما فيه من الخير، ويستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبا الإكرام والإهانة، إلى آخر كلامه. فمن أهمل هذا ولم يراعي حقوق المسلم التي يستحق بها الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، وكذلك يراعي ما فيه من الشر والمعصية والفجور والبدعة وغير ذلك فيعامله بما يستحقه من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فمن ترك هذا وأهمله سلك مسلك أهل البدع المخالفين لأهل الإسلام ومن حذا حذوهم ولا بد.

وتأمل قوله: وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب أو مستحقا للعقاب فقط. فإن هذا مخالف لما قاله أهل السنة والجماعة.

ثم انظر إلى ما يقوله هؤلاء المخالفون للمشايخ، هل هم متبعون لما عليه أهل السنة والجماعة، أو متبعون لمن خالفهم، يتبين لك خطأهم فيما ينقلونه وهم لا يعرفون معناه وما يراد به، بل يحكمون على أقوال أهل العلم بمجرد آرائهم وأفهامهم القاصرة. وما أحسن ما قال القائل:

يقولون أشياء ولا يعرفونها ** وإن قيل هاتوا حقِّقوا لم يحققوا

فإن كان ما كان عليه المشايخ هو الحق والصواب الذي كان عليه أهل السنة والجماعة: فهو المطلوب. وعليهم أن يرجعوا عما ارتكبوه من هذه الورطات المفضية بهم إلى المفاوز المهلكات، وإن لم يقبلوا ولم يرجعوا: قيل لهم {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}.

فإذا تقرر هذا وتبين لك أنهم لم يفهموا ما ذكره الشيخ محمد رحمه الله تعالى في الأعراب الذين كانوا في زمنه قبل أن يدخلوا في الإسلام، وأنهم وضعوه في غير موضعه، فجعلوه في الأعراب الذين هم بين ظهور المسلمين وظاهرهم الإسلام؛ فالعجب كل العجب ممن يصغي ويأخذ بأقوال أناس ليسوا بعلماء ولا قرءوا على أحد من المشايخ فيحسنون الظن بهم فيما يقولونه وينقلونه، ويسيئون الظن بمشايخ أهل الإسلام وعلمائهم الذين هم أعلم منهم بكلام أهل العلم، وليس لهم غرض في الناس إلا هدايتهم وإرشادهم إلى الحق الذي كان عليه ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.

وأما هؤلاء المتعالمون الجهال فكثير منهم خصوصا من لم يتخرج على العلماء منهم وإن دعوا الناس إلى الحق فإنما يدعون إلى أنفسهم ليصرفوا وجوه الناس إليهم؛ طلبا للجاه والشرف والترؤس على الناس؛ فإذا سئلوا أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.

وقد قال بعض السلف: "إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون دينكم"، [10] وقال بعض العلماء: "إن من سعادة العجمي والعربي إذا أسلما أن يوفقا لصاحب سنة، ومن شقاوتهما أن يوفقا لصاحب بدعة" أو كما قال.

ولكن الشأن كل الشأن في معرفة صاحب السنة ومعرفة صاحب البدعة. فأما صاحب السنة فمن علاماته التي يعرف بها: الأخذ بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في الأقوال والأعمال والهدي والسمت، ويأخذ بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ وأقوال التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح والأئمة المهتدين، ويعلّم الناس أمر دينهم بالأهم فالأهم، ويربي بصغار العلم قبل كباره، ويسلك طريقة التيسير، كما قال تعالى: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}، وقال ﷺ: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين" [11] وقد قال ﷺ: "إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" [12]، وقال ﷺ لما جاء الحبشة يلعبون يوم العيد في المسجد قام ينظر إليهم، ثم قال: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني بعثت بحنيفية سمحة" [13] ذكر هذا العماد ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره على قوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} إلى غير ذلك من الأمور التي يتصف بها أهل السنة والجماعة.

ومن ذلك: أن يكون الرجل عليما فيما يأمر به، عليما فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه.

ومن علامات صاحب البدعة: التشديد، والغلظة، والغلو في الدين، ومجاوزة الحد في الأوامر والنواهي، وطلب ما يُعَنِّت الأمة ويشق عليهم ويحرجهم ويضيق عليهم في أمر دينهم، وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي، إلى غير ذلك مما هو مشهور مذكور من أحوال أهل البدع.

فهؤلاء هم الذين نخشى على من سلك طريقتهم أن يوقعوا من تدين من الأعراب ممن لم يتمكن من معرفة الدين وتفاصيل الأحكام فيما يخالف طريقة أهل السنة والجماعة من هذه البدع التي تقضي بهم إلى مجاوزة الحد في الأوامر والنواهي.

ولكن الله وله الحمد والمنة قد من على كثير من الإخوان بمعرفة هذا الدين وقبوله والانقياد له وترك ما كانوا عليه أولا من أمور الجاهلية. فنسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالثبات على الإسلام ومعرفته ومحبته وإيثاره، وقبول الحق ممن جاء به، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يتوفانا وإياهم على الإسلام غير خزايا ولا مفتونين.

فصل

المسألة الثانية: قول السائل: إنهم يحتاجون بيانا في فضل المهاجر على الذي ما يهاجر.

والجواب أن نقول:

قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام فضل الهجرة وفضل من هاجر وعلى من لم يهاجر، وهذا مما لا يمتري فيه عاقل ولا يشك فيه مسلم.

قال الله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} وقال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.

ففي هذه الآيات كلها فضيلة الهجرة وفضيلة من هاجر على من لم يهاجر، وفيها بيان ما أعد الله لهم من الأجر والثواب في الدنيا والآخرة. ومن أصدق من الله قيلا؟ ومن أحسن من الله حديثا؟

وقال الله تعالى: {يا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}، قال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره على هذه الآية:

يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: يا عبادي الذين وحدوني وآمنوا برسولي إن أرضي واسعة، لم تضق عليكم، فتقيموا بموضع منها لا يحل لكم المقام فيه، ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فارهبوا منه. وساق بسنده عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} قال: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرج منها. وساق من طريق وكيع عن سعيد بن زيد مثله، قال: اهربوا؛ فإن أرضي واسعة. وعن عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا. وعنه: مجانبة أهل المعاصي. وعن مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} قال: فهاجروا وجاهدوا. انتهى.

وقد توعد الله سبحانه وتعالى من أقام بين أظهر المشركين وهو قادر على الهجرة ولم يهاجر بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو مرتكب حرام بالإجماع وبنص هذه الآية، حيث يقول: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} أي: بترك الهجرة {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} انتهى.

وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى في بعض رسائله، وقد سأله بعض الإخوان عمن كان في سلطان المشركين وعرف التوحيد وعمل به، ولكن ما عاداهم ولا فارق أوطانهم. فأجابه بقوله:

إن هذا السؤال صدر عن عدم تعقل لصورة الأمر، والمعنى المقصود من التوحيد والعمل به، لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين. ومن لم يعادهم لا يقال له: عرف التوحيد وعمل به.

والسؤال متناقض وحسن السؤال مفتاح العلم أظن مقصودك من لم يظهر العداوة ولم يفارق. ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة: فالأول يعذر به مع العجز والخوف، لقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} والثاني لا بد منه، لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حب الله ورسوله تلازم كلي، لا ينفك عن المؤمن؛ فمن عصى الله بترك إظهار العداوة فهو عاص لله. فإذا كان أصل العداوة في قلبه فله حكم أمثاله من العصاة. فإذا انضاف إلى ذلك ترك الهجرة فله نصيب من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الآية. لكنه لا يكفر لأن الآية فيها الوعيد لا التكفير. وأما الثاني الذي لا يوجد في قلبه شيء من العداوة فيصدق عليه قول السائل: لم يعاد المشركين. فهذا هو الأمر العظيم والذنب الجسيم. وأي خير يبقى مع عدم عداوة المشركين. والخوف على النخل والمساكن ليس بعذر يوجب ترك الهجرة. قال الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}. انتهى.

فإذا عرفت هذا وتبين لك فالشأن كل الشأن والخوف كل الخوف على من هاجر من إخواننا الذين دخلوا في هذا الدين وأحبوه، ورغبوا فيما عند الله والدار الآخرة، وتركوا ملاذ أنفسهم وشهواتهم لله، وحصلت لهم هذه الفضائل العظيمة والمواهب الجسيمة، ثم صار بعضهم ممن ليس له علم ولا معرفة بمدارك الأحكام الشرعية يسعى ويكدح في إبطال هجرته أو ما يقدح فيها أو ينقص أجرها وثوابها، مما قد يجري على ألسنة كثير منهم من الأمور التي أحدثها وابتدعها من تجاوز الحد، وغلا في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين.

فمن ذلك قولهم: إنه لا إسلام لمن لم يهاجر من الأعراب، وإن كان قد دخل في الدين وأحبه ووالى أهله، وترك ما كان عليه أولا من أمور الجاهلية إلا أن يهاجر، ومن لم يهاجر فليس بمسلم عندهم.

ومن ذلك أيضا أنه إذا مرت قافلتهم على بعض الأعراب الذين ظاهرهم الإسلام وفيهم من تميز بمعرفة الدين والدخول فيه وترك ما كانوا عليه من أمور الجاهلية لم يسلموا عليهم ابتداء، ولا يردون السلام عليهم، ولا يأكلون ذبائحهم، لأنهم لم يهاجروا معهم. وهذا خلاف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها. ففي صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا عل جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. فقال: "اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله؛ اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين" الحديث بتمامه.

فأخبر ﷺ أن من دعي إلى الإسلام فأجاب إليه وأبى أن يتحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله. فأثبت لهم ﷺ الإسلام، ولم ينفه عنهم، لكونهم لم يهاجروا. فمن جعل حكم أعراب المسلمين الذين لم يهاجروا -وقد تميزوا عن غيرهم بالدخول في هذا الدين ومحبته والانتساب إليه واشتهروا بذلك وعرفوا به- حكم من لم يعرف هذا الدين ولم يدخل فيه ولا أحبه في عدم موالاتهم ومحبتهم وعدم السلام عليهم وامتنع من أكل ذبائحهم فقد أخطأ وتجاوز الحد، وخالف سبيل المؤمنين، واتبع سبيل من خالفهم من المبتدعين.

ومن ذلك أيضا أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين من الأعراب وغيرهم بلبس عصابة، ويسمونها: العمامة. فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في الدين، ومن لم يلبسها فليس من الإخوان؛ لأنه لم يلبس السنة عندهم. وزعموا أن هذه العمامة زي وشعار يتميز به من دخل في هذا الدين عمن لم يدخل فيه. فمن رأوها عليه أحبوه ووالوه وسلموا عليه، ومن لم يروها عليه لم يسلموا عليه ولم يردوا عليه السلام؛ لأنه ليس من الإخوان ولم يلبس السنة.

وقد ذكرنا ما يبطل هذه البدعة ويردها في إرشاد الطالب إلى أهم المطالب مستوفاة بأدلتها. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو تضفيره إذا كان مباحا، كما قيل: كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء - إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. فبين رحمه الله تعالى أنه ليس لأولياء الله المتقين لباس يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين لما ذكر حال أولياء الله المتقين، قال: وهم مستترون عن أعين الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم، لم يجعلوا لطلبهم ولإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني. انتهى.

وهؤلاء الجهال يأمرون الناس أن يلبسوا عمائم يتميزون بها عن الناس، ويشار إليهم، ويعرفون بها.

إذا فهمت هذا فاعلم أنه ليس مقصودنا بإنكار هذه العمائم لبسها فإنها من المباحات والعادات. وإنما الإنكار زعمهم أن الرسول ﷺ سنها وشرعها لأمته، وأنها شعار يتميز به من دخل في هذا الدين عن غيره. وهذا لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا قاله المحققون من أهل العلم.

ومن ذلك أنهم ينكرون على من لبس عقالا من صوف، ولا يسلمون عليه، ويقولون: إنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ولم يلبسه لا هو ولا أصحابه، وهم يلبسون المشالح السود والبيض والحمر والغتر (الشمغ) والرسول ﷺ لم يلبسها لا هو ولا أصحابه، ولم تكن في عهده ولا في عهد أصحابه؛ فكيف يكون لبس هذه حلالا ولبس تلك حراما؟ وهذا من جهلهم وعدم معرفتهم بمواقع الخطاب في الحلال والحرام، وما يترتب عن ذلك من القول على الله بلا علم. والله المستعان.

واعلم أيها الناظر في هذه الأوراق أني لم أقل هذا الكلام طعنا على الإخوان ولا عيبا لهم ولا تتبعا لمساوئهم، ولا يظن هذا بنا إلا رجل سوء أو من أعمى الله بصيرة قلبه لعدم علمه ومعرفته بما يفرق بين الحق والباطل وبين ما شرعه الله ورسوله وما لم يشرعه. وإنما مقصودنا بهذا الكلام نصح للإخوان وشفقة عليهم أن يصدر منهم ما يبطل هجرتهم أو يقدح فيها أو ينقص أجرها وثوابها.

وقد تحققنا أن الإخوان لا يريدون إلا الحق ومتابعة الرسول في أقواله وأفعاله، ولكن قد يُدخِل عليهم بعض هؤلاء الجهال هذه الأمور ظنا منهم أنها من الدين ومما جاء به الرسول ﷺ، وذلك من جهلهم وعدم علمهم، قال بعض العلماء:

والعلم ليس بنافع أربابه ** ما لم يفد نظرا وحسن تبصّر

وقول الآخر:

والعلم للرجل اللبيب زيادة ** ونقيصة للأحمق الطياش

مثل النهار يزيد أبصار الورى ** نورا ويعمي أعين الخفاش

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فصل

المسألة الثالثة: الذي يظهر من البدو بعد ما نزل وبنى بيته ثم خرج إلى البادية، لكن على محبة الإسلام والمسلمين، وليس من نيته الرجوع، ما الذي يلحقه من الوعيد؟

الجواب: الذي هاجر من البدو وبنى بيته ثم خرج إلى البادية وليس من نيته الرجوع فهذا قد فعل كبيرة من الكبائر، وارتكب أمرا محرما، كما ذكر ذلك أهل العلم، ولا يخرجه ذلك من الملة، وله من الحقوق الإسلامية بقدر ما معه منها، فيحب ويوالي على ما التزمه من شرائع الإسلام، ويبغض ويعادى بقدر ما ارتكبه من فعل هذه الكبيرة، واستحق من الوعيد ما يستحقه فاعل الكبيرة من اللعنة، كما روى الطبراني من حديث جابر بن سمرة مرفوعا: "لعن الله من بدا بعد هجرته، إلا في الفتنة". [14] وما رواه النسائي عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: "لعن الله آكل الربا ومؤكله" الحديث، وفيه "والمرتد بعد هجرته أعرابيا" [15]. قال ابن الأثير في النهاية: من رجع بعد هجرته إلى موضع من غير عذر يعدونه كالمرتد. انتهى من الفتح. ومثله ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه لما دخل على الحجاج، قال: يا ابن الأكوع ارتدتّ على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو. [16] انتهى.

وإذا كان المرتد بعد هجرته أعرابيا ملعونا من أجل خوف الجفا ونسيان العلم ولمصالح الإسلام والأعراب إذ ذاك أحسن حالا وأكمل عقولا؛ فكيف الحال بالأعراب الذين لم يتمكنوا من معرفة الدين ومعرفة شرائع الإسلام في هذه الأزمان؛ فهم أحق وأولى بهذه العقوبة.

وأما قول ابن الأثير: كل من رجع بعد هجرته إلى موضع من غير عذر يعدونه كالمرتد. فالمراد بهذه الردة: الردة الصغرى التي لا تخرجه من الملة، بدليل ما تقدم من الأحاديث في الوعيد على من فعل ذلك باللعنة، وبما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره على قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} فقال رحمه الله: قال ابن أبي حاتم: ثنا احمد بن سنان قال: ثنا أبو أحمد يعني الزبيري: ثنا علي بن صالح عن عثمان بن المغيرة، عن مالك بن جرير عن علي رضي الله عنه قال: "الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة" وذكر الحديث بتمامه [17] انتهى. فذكر رضي الله عنه أن التعرب بعد الهجرة من الكبائر.

وكلام السلف رحمهم الله في هذه المسألة معروف مشهرو في كتب الحديث والتفسير، لا يخفى ذلك على من طلب الحق ومقصوده اتباع سبيل المؤمنين. والله المستعان.

فصل

المسألة الرابعة: قول السائل: من خرج في غنمه وقت الربيع ونيته الرجوع، ما الذي له وما الذي عليه؟

الجواب: هذه المسألة قد ذكرنا جوابها في إرشاد الطالب إلى أهم المطالب أنه إذا خرج بعض من نزل في دار الهجرة إلى البادية لأجل غنمه ومن نيته الرجوع إلى مسكنه وداره التي هاجر إليها لا يقع عليه وعيد من تعرب بعد الهجرة لأن رسول الله ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" [18] وهذا الذي خرج إلى غنمه ليصلحها ويتعاهد أحوالها ثم يرجع إلى مهاجره ليس من نيته التعرب بعد الهجرة ولا رغبة عن الإسلام وأهله، فلا يدخل في الوعيد، إلى آخر ما ذكرناه فيه، والله أعلم.

فصل

المسألة الخامسة: قول السائل في الذي نزل في دار الهجرة، ثم بعد ما نزل باع بيته ثم خرج مع البادية، ظاهره رغبته عن الدين وربما سبه. ماذا حاله؟

الجواب: من هاجر إلى بلد من بلاد المسلمين وابتنى بها بيتا ثم بداله أن يرجع إلى البادية فباع منزله وظاهره الرغبة عن الدين وربما سبه فهو كافر مرتد عن الإسلام، وليس حاله كحال من تعرب بعد الهجرة ولم يرغب عن الدين ولا سبه، فإن هذا مرتكب كبيرة من الكبائر بإجماع العلماء. وأما الذي رغب عن الدين أو سبه فهو كافر لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} إلى قوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} وهذا مما لا إشكال فيه ولله الحمد والمنة، كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته للشريف لما سأله الشريف عما تكفرون به الرجل؟ فأجابه بقوله:

نقول: أعداؤنا معنا على أنواع، فذكر الأول، ثم قال: النوع الثاني من عرف ذلك وتبين في سبه دين الرسول ﷺ مع ادعائه أنه عليه وأنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف والأشقر ومن عبد أبا علي والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله وترك الشرك، فهذا أعظم كفرا من الأول. وفيه قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} الآية. وهو ممن قال الله فيهم: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ} الآية انتهى.

والمقصود أن من عرف الدين ثم بعد ما عرفه رغب عنه ورجع إلى البادية، أو سب الدين فهو كافر.

فصل

المسألة السادسة: قول السائل: إذا قدم بعض الزائرين من الإخوان وقف في المسجد، ثم قال: السلام عليكم أيها الإخوان، إخواننا يسلمون عليكم، ثم ثار أهل المسجد للسلام عليه وحصل نوع تشويش وقطع صلاة الذين يصلون الراتبة. هل مثل هذا مشروع أم لا؟

الجواب: هذا الذي يفعله بعض الزائرين من الإخوان إذا قدموا على إخوانهم قاموا بعد الصلاة في المسجد، فقالوا: السلام عليكم أيها الإخوان، إخواننا يسلمون عليكم. أمر محدث مبتدع في الدين، لم يفعله أحد من الصحابة على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد الخلفاء الراشدين من بعده، ولا فعله أحد من التابعين، ولا من بعدهم من أئمة السلف. ولا ذكر هذا عن أحد من العلماء، فكان أمرا مخترعا مبتدعا في الدين، وشرعا لم يأذن الله به. بل هو مما استحسنه هؤلاء الذين لا معرفة لهم بما سنه رسول الله ﷺ وشرعه لأمته، ويظنون أن هذا قربة لله وطاعة، وما علموا أن البدع لا تكون إلا في الدين. فإذا فهمت ما ذكرته لك وانضاف إلى فعل هذه البدع نوع تشويش على المصلين أو قطع صلاتهم، لم يرجعوا بالكفاف، ووقعوا في أمر عظيم ووعيد شديد، كما ورد في الحديث عن أبي جهيم عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال: قال ﷺ: "لو يعلم المار بين يدي المصلين ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يدي المصلي". قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوما أو شهرا أو سنة. رواه البخاري. [19]

وكذلك ورد النهي عن الجهر بقراءة القرآن بين المصلين، لئلا يشوش عليهم صلاتهم. وقد كان من المعلوم أن قراءة القرآن من أفضل الأعمال وهي مشروعة، فنهى عنها لأجل ذلك. فكيف الحال بمن فعل أمرا غير مشروع ولا مأذون فيه؟ فكان أجدر وأولى بان ينهى عن هذا الفعل المبتدع الذي يحصل به قطع صلاة المصلين أو تشويش عليهم.

ثم إنه ليس هذا الأمر بأقل مما فعله بعض المتنطعين المتعمقين الغالين في الدين على عهد الصحابة رضي الله عنهم من الاجتماع على التسبيح والتهليل والتكبير، الذي هو من أفضل الأعمال وأجل العبادة، لكن لما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولم يتعبد به أحد من الصحابة على هذا الوجه الذي فعلوه أنكر ذلك عليهم أفاضل الصحابة رضي الله عنهم كعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، كما ذكر ذلك أهل العلم.

قال الدارمي: أخبرنا الحاكم بن المبارك: أنبأنا عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاء أبو موسى الأشعري فقال: أخرج أبوعبد الرحمن؟ قلنا: لا. فجلس. فلما خرج قال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد أمرا أنكرته، ولم أر ولله الحمد إلا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قوما جلوسا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة. فيكبرون مائة. فيقول هللوا مائة. فيهللون مائة. فيقول: سبحوا مائة. فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء.

ثم مضى حتى أتى حلقة، فقال: ما هذا؟ قالوا له: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تنكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لم يصبه؟ إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم. وايم الله إني لأرى أكثرهم منكم. فقال عمر بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج. انتهى. [20]

وقال أيضا رحمه الله ورضي الله عنه: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ولإظهار دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، وخذوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم. انتهى.

فانظر إلى قوله رضي الله عنه: "وأقلهم تكلفا". وهؤلاء الجهلة لا يقبلون إلا ممن يضيق عليهم ويشدد عليهم، ولا يقبلون رخصة الله في التيسير وعدم التكلف.

وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا. فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا طريق من كان قبلكم". رواه أبو داود. انتهى. [21]

ثم اعلم وفقك الله أنه قد بلغنا وسمعنا أشياء كثيرة من هذه البدع والمنكرات المحدثة في الدين، التي أحدثها من أحدثها من أزمان تتطاول، فلم تنكر حتى فشت في الناس. كما قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله في بعض رسائله: وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا كثيرة لا منكر لها.

فلما لم تنكر هذه البدع ابتداء وتركت تفاقم الأمر، وفشت في كثير من العوام من الأعراب وغيرهم، حتى صعب إخراجها من قلوبهم. ولما أنكرنا شيئا منها، قال بعضهم: هؤلاء يميتون السنن. وقد ذكرت عن بعضهم أنهم يقولون: هذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون، وليس علينا إلا بيان الحق ورد الخلق إلى ما فيه صلاحهم وهدايتهم إلى سلوك الصراط المستقيم المخالف لما عليه أهل الأهواء والبدع. والتوفيق والهداية بيد الله، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

فصل

ثم لما فرغنا من تسويد هذه الأوراق ورد علينا منك رسالة تطلب فيها أن نكتب لك قصة الخوارج مستوفاة من حين خروجهم على علي رضي الله عنه إلى آخر من كان من أمرهم. فقد ذكر ذلك شيخنا الشيخ عبد اللطيف في رده على داود بن جرجيس. وهذا نص ما ذكر، وبه الكفاية. قال رحمه الله: [22]

"إنه لما اشتد القتال يوم صفين قال عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم، قال: نرفع المصاحف، ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم. فإن أبى بعضهم أن يقبلها رأيت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبلها. فتكون فرقة فيهم. فإن قبلوا رفعنا القتال عنا إلى أجل. فرفعوا المصاحف بالرماح، وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ فلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله. فقال لهم علي: عباد الله! امضوا على حقكم وصدقكم، فإنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعلم به منكم، والله ما رفعوها إلا خديعة ووهنا ومكيدة. قالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب فنأبى أن نقبله. وقال لهم علي: إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب، فإنهم قد عصوا الله ونسوا عهده. قال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء: يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك كما فعلنا بابن عفان. فلم يزالوا به حتى نهى الناس عن القتال ووقع السباب بينهم وبين الأشتر وغيره ممن يرى عدم التحكيم. فقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما. فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال: إن الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن، إن شئت أتيت معاوية. قال علي: ائته. فأتاه فقال: لأي شيء رفعوا المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه، تبعثون رجلا ترضون به، ونبعث رجلا نرضى به فنأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدلان عنه. فعاد إلى علي فأخبره. فقال الناس: قد رضينا. قال أهل الشام رضينا عمرو بن العاص. وقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي موسى الأشعري. فراودهم علي على غيره وأراد ابن عباس. قالوا: والله لا نبالي أنت كنت حكمها أم ابن عباس، ولا نرضى إلا رجلا منك ومن معاوية سواء. وأبوا غير أبي موسى، فوافقهم علي كرها. وكتب كتاب التحكيم. فلما قرأه على الناس سمعه عروة بن أمية أخو أبي بلال قال: تحكمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله. وشد بسيفه فضرب دابة من قرأ الكتاب. وكان ذلك أول ما ظهرت الحرورية الخوارح. وفشت العداوة بينهم وبين عسكر علي، وقطعوا الطريق في إيابهم بالتشاتم والتضارب بالسياط، تقول الخوارج: يا أعداء الله! داهنتم في دين الله. ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا ومزقتم جماعتنا. ولم يزالوا كذلك حتى قدموا العراق. فقال بعض الناس من المتخلفين: ما صنع علي شيء. فسمعها علي فقال: وجوه قوم ما رأوا الشام، ثم أنشد شعرا:

أخوك الذي إن أَجْرَضَتْكَ ملمة ** من الدهر لم يبرح لِبَثِّك واجما

وليس أخوك بالذي إن تشعبت ** عليك الأمور ظل يلحاك لائما

فلما دخل الكوفة ذهبت الخوارج إلى حروراء فنزل بها اثنا عشر ألفا، على ما ذكره ابن جرير. ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوَّاء اليشكري. والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلما سمع علي ذلك وأصحابه قامت إليه الشيعة، فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. قالت لهم الخوارج: استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان، أهل الشام بايعوا معاوية على ما أحب. أنتم بايعتم عليا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى. يريدون أن البيعة لا تكون إلا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لأن الطاعة له تعالى. وقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط علي يده فبايعناه قط، إلا على كتاب الله وسنة نبيه، ولكنكم لما خالفتموه جاءت شيعته، فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت، ونحن كذلك وهو على الحق والهدى، ومن خالفه ضال مضل.

وبعث علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس إلى الخوارج فخرج إليهم، فأقبلوا يكلمونه، فقال: نقمتم من المحكمين وقد قال الله عز وجل: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} فكيف بأمة محمد ﷺ؟

قالوا له: ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وما حكم فأمضى فليس للعباد أن ينظروا فيه. في الزنا مائة جلدة وفي السارق قطع يده، فليس للعباد أن ينظروا في هذا.

قال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}

قالوا: تجعل الحكم في الصيد والحرث وبين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول، وقد حكمتم في أمر الله الرجال. قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا، وجعلتم بينكم وبينهم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية.

فجاء علي وابن عباس يخاصمهم فقال: إني نهيتك عن كلامهم حتى آتيك، ثم تكلم رضي الله عنه فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة. وقال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء. فقال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين.

قال: أنشدكم الله، أتعلمون أنهم حين رفعوا المصاحف وملتم بجنبهم قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين، وذكرهم مقالته، ثم قال: وقد اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالفه، إن أبينا فنحن من حكمهما براء.

قالوا: فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء.

قال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، إنما هو خط مسطور بين دفتين، وإنما يتكلم به الرجال.

قالوا: فخبرنا عن الأجل لما جعلته بينكم؟

قال: ليعلم الجاهل ويثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، فادخلوا مصركم رحمكم الله.

فدخلوا من عند آخرهم.

فلما جاء الأجل وأراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا له: لا حكم إلا لله. فقال علي: لا حكم إلا لله. وقالا: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا، نقاتلهم حتى نلقى الله ربنا.

فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، قد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عهودا، وقد قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ}.

فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه.

قال علي: ما هو ذنب، ولكنه عجز من الرأي وقد نهيتكم عنه.

قال زرعة: يا علي لئن حكمتم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله.

فقال له علي: بؤسا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح.

قال: وددت لو كان ذلك.

وخرجا من عنده يقولان: لا حكم إلا لله.

وخطب علي ذات يوم فقالوها في جوانب المسجد. فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل. فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال: الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنى عنه، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله، وذل راجع بأهله إلى سخط الله. يا علي، أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلم أينا أولى بها صليا.

وخطب علي يوما آخر فقال رجال في المسجد: لا حكم إلا لله. يريدون بهذا إنكار المنكر على زعمهم. فقال علي: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل. أما إن لكم علينا ثلاثا: ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا، وإنا ننتظر فيكم أمر الله. ثم عاد إلى مكانه من الخطبة.

ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضا واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فخطبهم وزهدهم في الدنيا وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كهوف الجبال أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة.

فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع في هذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونّكم بزينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنّكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

قال حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم، إن الرأي ما رأيتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسنان وراية تحفون بها وترجعون إليها. فعرضوا ولايتهم على زيد بن حصين الطائي وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبياها، وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، ثم عرضوها على عبد الله بن وهب فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرارا من الموت. فبايعوه لعشر خلون من شوال. وكان يقال له: ذوا الثَّفِنَات. [23] فاجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي. فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها وننفذ حكم الله فإنكم أهل الحق.

قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها ونأخذ بأبوابها ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى أخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين تبعوكم، ولكن اخرجوا وحدانا ومستخفين. فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولا تسيروا حتى تنزلوا بجسر النهروان وتكاتبوا [24] إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرأي.

فكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة، ليعلمهم ما اجتمعوا عليه ويحثهم على اللحاق بهم. فأجابوه. فلما خرجوا صار شريح بن أوفى العبسي يتلو قوله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} إلى قوله: {سَوَاءَ السَّبِيلِ} وخرج معهم طرفة بن عدي إلى عامل علي أمير المدائن. [25] يحذره، فحذر وضبط الأبواب، واستخلف عليها المختار بن أبي عبيد، وخرج بالخيل في طلبهم فأخبر ابن وهب فسار على بغداد ولحقهم سعد بن مسعود أمير المدائن بالكرخ في خمسمائة فارس، فانصرف إليه ابن وهب الخارجي في ثلاثين فارسا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القوم منهم، فلما جن الليل على ابن وهب عبر الدجلة وصار إلى النهروان، ووصل إلى أصحابه، وتفلت رجال من أهل الكوفة يريدون الخوارج، فردهم أهلوهم. ولما خرجت الخوارج من الكوفة عاد أصحاب علي وشيعته إليه وقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم سنة رسول الله ﷺ، فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي. فقال: أبايع على سنة أبي بكر وعمر؟ قال علي: ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله لم يكونا على شيء من الحق، فبايعه، ونظر إليه علي فقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأني بك وقد وطأتك الخيل بحوافرها. فكان ذلك وقتل يوم النهروان مع الخوارج.

وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل جعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي، وعلم بهم ابن عباس فأتبعهم بالأسود الدؤلي، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز دونهم الليل، وأدلج مسعر بأصحابه، وسار حتى لحق بابن وهب.

فلما انقضى أمر التحكيم وخدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وصرح عمرو بولاية معاوية بعد أن عزل أبو موسى عليا خدعه عمرو بذلك فهرب أبو موسى إلى مكة، قام علي في الكوفة فخطبهم وقال في خطبته: الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. أما بعد، فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين -يعني أبا موسى وعمرو بن العاص- وفي هذه الحكومة أمري، ونحلتكم رأيي، لو كان لقصير أمر، ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوزان:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ** فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

إلا أن هذين الرجلين الذين أخرجتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتّبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينه ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. فاستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام. وكتب إلى الخوارج: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس، أما بعد: فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون. فإذا بلغكم كتابي هذا فاقبلوه إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه والسلام.

فكتبوا إليه: أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}.

فلما قرأ كتابهم أيس منهم ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى قتال أهل الشام، فقام في الكوفة فندبهم إلى الخروج معه، وخرج معه أربعون ألف مقاتل وسبعة عشر من الأبناء وثمانية آلاف من الموالي والعبيد. وأما أهل البصرة فتثاقلوا ولم يخرج إلا ثلاثة آلاف.

وبلغ عليا أن الناس يرون قتال الخوارج أهم وأولى. قال لهم علي: دعوا هؤلاء، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذوا عباد الله خولا. فناداه الناس: أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت.

ثم إن الخوارج استعر أمرهم وبدؤا بسفك الدماء وأخذوا الأموال، وقتلوا عبد الله بن خباب صاحبِ رسول الله ﷺ؛ وجدوه سائرا بامرأته على حمار فانتهروه وأفزعوه، ثم قالوا له: ما أنت؟ فأخبرهم.

قالوا: حدثنا عن أبيك الخباب حديثا سمعه عن رسول الله ﷺ تنفعنا به، فقال: حدثني أبي عن رسول الله ﷺ قال: "ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا". [26] قالوا: لهذا سألناك. فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا. فقالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها. قال: إنه كان محقا في أولها وآخرها. قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال أقول: إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقيا على دينه وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا، فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامراته وهي حبلى متم، فنزلوا تحت نخل مثمر، فسقط منه رطبة، فأخذها أحد فلاكها في فيه، فقال له آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن، فألقاها. ثم مر بهم خنزير، فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير وهو من أهل الذمة، فأرضاه. فلما رأى ذلك ابن خبّاب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي بأس، إني لمسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا، ولقد أمّنتموني. فأضجعوه وذبحوه، وأقبلوا إلى امرأته. فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله، فبقروا بطنها. وقتلوا أم سنان الصيداوية وثلاثا من النساء.

فلما بلغ ذلك عليا بعث الحارث بن مرة العبدي يأتيه بالخبر، فلما دنا منهم قتلوه، فألح الناس على علي في قتالهم، وقالوا: نخشى أن يخالفونا في عيالنا وأموالنا، فسر بنا إليهم. وكلمه الأشعث بن قيس الكندي بمثل ذلك، واجتمع الرأي على حربهم، وسار علي يريد قتالهم، فلقيه منجّم في مسيره، فأشار عليه أن يسير في وقت مخصوص، وقال: إن سرت في غيره لقيت أنت وأصحابك ضررا شديدا. فخالفه علي في الوقت الذي نهاه عنه. فلما وصل إليهم قالوا: [27] ادفعوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم ونترككم فلعل الله أن يقبل بقلوبكم، ويردكم إلى خير ما أنتم عليه. فقالوا: [28] كلنا قتلتهم، وكلنا مستحل لدمائهم ودمائكم. وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فقال: عباد الله أخرجوا إلينا طلباتنا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، وتسفكون دماء المسلمين.

فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا، فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر. فقال: ما نعلمه غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها، فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم.

وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، فقال: عباد الله، إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إن بايعناكم اليوم حكمتكم الرجال غدا. قال: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في القابل. وأتاهم علي رضي الله عنه فقال: أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، وطمع بها النّزق، وأصبحت في الخطب العظيم. إنني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر، وبأهضام هذا الغائط، بغير بينة من ربكم ولا برهان، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة ونبأتكم أنها مكيدة، وأن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، فعصيتموني، فلما فعلتم أخذت على الحكمين واستوثقت أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتنا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب، فنبذنا أمرهما، فنحن على الأمر الأول، فمن أين أتيتم؟

قالوا: إنا حكّمنا فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا، فإن تبت فنحن معك ومنك، فإن أبيت فإنا منابذوك على سواء.

قال علي: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم وابر، أبعد إيماني برسول الله ﷺ هجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. وقيل كان من كلامه: يا هؤلاء، إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي بهذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها، وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم إنما طلبوها مكيدة ووهنا، فأبيتم عليّ إباء المخالفين، وعدلتم عنيّ عدول النكداء العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، وأنتم والله معاشر أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام، فلم آت لا أبالكم حراما، والله ما خبلتكم عن أموركم، ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوة، ولا أدنيت لكم ضرا، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بالحق ولا يعدوانه، فتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما والتقية دينهما، حتى خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف، فبينوا لنا بم تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا، وتضعون سيوفكم على عواتقكم ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم، إن هذا هو الخسران المبين، والله لئن قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام. فتنادوا: أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الله، الرّواح الرواح إلى الجنة.

فرجع عليّ عنهم، ثم إنهم قصدوا جسر النهر، فظن الناس أنهم عبروه. فقال عليّ: لم يعبروه، وإن مصارعهم لدون النهر، والله لا يقتلون منكم عشرة ولا يسلم منهم عشرة.

فتعبّأ الفريقان للقتال، فناداهم أبو أيوب فقال: من جاء هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن. فانصرف فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة فارس، وخرجت طائفة أخرى متفرقين، فبقي مع عبد الله بن وهب ألفان وثمانمائة [29]، فزحفوا إلى علي وبدؤوه بالقتال وتنادوا: الرواح الرواح إلى الجنة. فاستقبلهم الرماة من جيش علي بالنبل والرماح والسيوف، ثم عطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، وعليها أبو أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري، فلما عطفت عليهم الخيل والرجال وتداعى عليهم الناس ما لبثوا أن أناموهم فماتوا في ساعة واحدة، فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا، وقتل ابن وهب وحرقوص وسائر سراتهم.

وفتّش علي في القتلى والتمس المخدّج الذي وصفه النبي ﷺ في حديث الخوارج فوجده في حفرة على شاطئ النهر، فنظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمته عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولى، فلما رآها قال: الله أكبر، والله ما كَذَبت، ولا كُذِبت، والله لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ﷺ لمن قاتلهم متبصرا في قتالهم عارفا للحق الذي نحن عليه. وقال حين مر بهم صرعى: بؤسا لكم، لقد ضركم من غركم، قالوا: يا أمير المؤمنين، من غرهم؟ قال: الشيطان ونفس أمارة بالسوء، غرتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون.

هذا ملخص أمرهم. وقد عرفت شبهتهم التي جزموا لأجلها بكفر علي وشيعته، ومعاوية وأصحابه، وبقي معتقدهم في أناس متفرقين بعد هذه الوقعة، وصار غلاتهم يكفرون بالذنوب، ثم اجتمعت لهم شوكة ودولة، فقاتلهم المهلب بن أبي صفرة، وقاتلهم الحجاج بن يوسف، وقاتلهم قبله ابن الزبير زمن أخيه عبد الله. وشاع عنهم التكفير بالذنوب، يعني ما دون الشرك، انتهى ما ذكره شيخنا.

فتأمل رحمك الله: ما في هذه القصة من الأمور، التي خاطبوا بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وما أجابهم به، فمن نصح نفسه وأراد نجاتها، فليتأمل ما في كلامهم من إرادة الخير، وطلبه والعمل به والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهم ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء رضوان الله. ولكن لما كان هذا منهم غلوا في الدين ومجاوزة للحد الذي أمروا به، حتى كفروا معاوية رضي الله عنه ومن معه من الصحابة، والتابعين، وكفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من أفاضل الصحابة والتابعين لما وافقهم في تحكيم الحكمين، ثم زعموا أن تحكيم الرجال في دين الله كفر يخرج عن الملة، وأنهم قد أثموا بذلك وكفروا، فتابوا من هذا الأمر، وقالوا لعلي: "إن تبت فنحن معك ومنك، وإن أبيت فإنا منابذوك على سواء".

فإذا تبين لك أن ما فعلوه إنما هو إحسان ظن بقرّائهم الذين غلو في الدين وتجاوزوا الحد في الأوامر والنواهي، وأساءوا الظن بعلماء الصحابة، الذين هم أبرّ هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ولإظهار دينه، فلما لم يعرفوا فضلهم ولم يهتدوا بهديهم ضلوا عن الصراط المستقيم الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وزعموا أنهم داهنوا في الدين.

والذي حملهم على ذلك أخذهم بظواهر النصوص في الوعيد، ولم يهتدوا لمعانيها وما دلت عليه، فوضعوها في غير مواضعها، وسلكوا طريقة التشديد والتعسير والضيق، وتركوا ما وسع الله لهم من اليسير الذي أمر الله به رسوله ﷺ بقوله: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين". ولهذا كان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يسير فيهم بهذه الطريقة، ويناصحهم في الله ولله، ويتلطف لهم في القول لعل الله أن يقبل بقلوبهم وأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه أولا، ويراجعهم المرة بعد المرة، كما قاله في خطبتهم لما خطبهم. فقالوا: لا حكم إلا لله، يريدون بهذا إنكار المنكر على زعمهم فقال عليّ: الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل، أما إن لكم علينا ثلاثا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا، وإنا ننتظر فيكم أمر الله.

ولما قيل له: يا أمير المؤمنين أكفارٌ هم؟ قال: من الكفر فروا. فقالوا: أفمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا. قالوا: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا.

فهذه سيرته رضي الله عنه مع هؤلاء المبتدعة الضلال مع قوله لأصحابه فيهم: والله لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ﷺ لمن قاتلهم، متبصرا في قتالهم عارفا للحق الذي نحن عليه، ومع علمه بقوله رسول الله ﷺ فيهم: "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فوقه" [30] ومع قوله ﷺ فيهم: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" [31] "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" [32] مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلا، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم إنما تعلموا العلم من الصحابة.

فعلى من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يعرف طريقة هؤلاء القوم وأن يجتنبها، ولا يغتر بكثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وزهدهم في الدنيا، وأن يعرف سيرة أصحاب رسول الله ﷺ معهم وما كانوا عليه من الهدى ودين الحق، الذي فضّلوا به على من بعدهم وعدم تكلفهم في الأقوال والأفعال، لعله أن يسلم من ورطات هؤلاء الضلال. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل.

هذا ما تيسر لي من الجواب، وما كان فيه من حق وصواب من الله فهو المانّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

*


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:

أما بعد: فاعلم يا أخي أنّا لمّا فرغنا من تسويد جواب المسائل التي أوردتها أولا وطالبت الجواب عنها، وقد عنّ لي أولا أن أترك الجواب عنها لوضوحها في كلام العلماء، ثم ترجح عندي آخرا إسعافك بالجواب لما رأيت اعتراض هؤلاء المتعالمين الجهال الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله وتعمقوا وتكلفوا ما لا علم لهم به بمجرد آرائهم وأفهامهم القاصرة، واستحساناتهم ما لم يكن حسنا في الدين، وتحليل ما حرمه الله وتحريم ما أحله الله بغير ما شرع الله ورسوله.

فإذا علمت ذلك فلا بد من ذكر قاعدة تنبني عليها أحكام الشريعة، وينبني عليها الجواب عن هذه المسائل الآتي ذكرها.

وهذه القاعدة قد ذكرها علماء أهل الإسلام الذين هم الأسوة وبهم القدوة وهي قولهم: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما، وترك إحدى المصلحتين لتحصيل أولاهما.

وقد قال الإمام الحافظ محمد بن عبد الهادي في الصارم المنكي بعد أن ذكر كلاما طويلا، قال: "فههنا أمران يمنعان كون الفعل قربة: استلزامه لأمر مبغوض مكروه، وتفويته لمحبوب هو أحب إلى الله من ذلك الفعل. ومن تأمل هذا الموضوع حق التأمل أطلعه على سر الشريعة ومراتب الأعمال وتفاوتها في الحب والبغض والضر والنفع، بحسب قوة فهمه وإدراكه ومواد توفيق الله له، بل مبنى الشريعة على هذه القاعدة، وهي تحصيل خير الخيرين وتعطيل أدناهما، وتفويت شر الشرين باحتمال أدناهما؛ بل مصالح الدنيا كلها قائمة على هذا الأصل". انتهى.

ونضيف إلى هذه القاعدة الشرعية ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في مسألة الهجر، إذ هو من أجل القواعد الشرعية والمباحث الدينية التي لا غنى لأحد ممن يدعو إلى دين الله ورسوله ويعلّم الناس أمر دينهم عن تدبرها ومعرفتها علما وعملا، ليكون فيما يدعو إليه ويعلمه الناس من أمر دينهم على بصيرة.

قال رحمه الله تعالى: وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وبر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب مافيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى ما يكفيه من بيت المال لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة؛ وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبهم، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضله ورحمته، كما استفاضت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ والله أعلم. انتهى. [33]

وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر: ومن سلك طريقة الاعتدال عظّم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد يكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه آخر. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، كما بسط هذا في موضعه، والله أعلم. انتهى. [34]

فمن تأمل هذه القاعدة الشرعية والمباحث الدينية حق التأمل وأعطاها حقها من الإمعان والنظر وتأمل ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تبين له أن أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله وشرعه ودينه وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها سلفا وخلفا في واد وهؤلاء الجهلة في واد آخر، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا في هذه المباحث إلى ركن وثيق من الفهم، وأن اعتراضهم على طلبة العلم ومشايخ أهل الإسلام إنما هو بالجهل وعدم العلم والاطلاع على هذه المباحث الدينية، فمن أجل هذا تكلموا بغير حجة ولا برهان، ولا معرفة لما عليه أهل العلم والعرفان، فالله المستعان.

وقد عمّ الجهل وعظمت الفتنة واشتد البلاء بمن يتكلم في هذه المباحث الدينية، فابتدعوا بدعا، وأحدثوا في الدين ما ليس منه، وشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وهذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح عن ابن عمرو مرفوعا: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" [35] فنعوذ بالله من القول بغير علم، ونسأله العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

فصل

وأما ما ذكره الأخ من المسائل فنجيب عليها بحسب الطاقة والإمكان، على سبيل التنبيه والاختصار، فنقول:

المسألة الأولى: قول السائل في العبارة التي ذكرها الشيخ رحمه الله في الموضع السادس التي نقلها من السيرة. فقال في آخرها: وما أحسن ما قاله بعض البداوي لما حضر مجالسنا وسمع شيئا من الدين، قال: هو يشهد أن البدو كفار، وأن المطوع الذي ما يكفرهم كافر، إلى آخر كلامه. وكذلك ما قاله رحمه الله تعالى في رسالته لعلماء الحرمين لما أفتى بكفر البوادي الذين ينكرون البعث، إلى آخر كلامه. وكذلك ما قاله رحمه الله تعالى في النبذة الحكمية في تكفيره البوادي الذين كانوا في زمانه.

فهذه المسألة [36] قد أجبنا عليها فيما تقدم في المسائل التي أوردتها قبل هذه المسائل، وبينا فيها الشيخ رحمه الله تعالى في تكفير هؤلاء البوادي إنما هو قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية في حال كفرهم وإشراكهم بالله، ثم لما أظهر الله هذا الدين على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ودخل الناس فيه أفواجا حاضرتهم وباديتهم، ولم يبق في نجد ولله الحمد والمنة أحد إلا وقد دخل في الدين وأسلموا بعدما كانوا كفارا مشركين، فمن زعم أنهم بعد إسلامهم ودخولهم في هذا الدين لم يزالوا على الحالة الأولى من الكفر بالله والإشراك به وأنهم لم يسلموا، فهو أضل من حمار أهله.

وذكرنا أحوال أهل نجد من وقت الدرعية إلى وقتنا هذا في شأن البادية وغيرهم على التفصيل الذي ذكرناه فيها، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع فراجعه فيها.

المسألة الثانية: فيما ذكره سليمان بن عبد الوهاب بأن البادية التي نحن نزعم إسلامهم أولا أنهم كفار، وكذا علماء أهل المجمعة وغيرهم، هل هذا الكفر الذي أوقعه هذا الشيخ رحمه الله ومن تبعه على بوادي زمانه يوقع على بوادي زماننا ويطلق عليهم الكفر أم فيهم وفيهم أم لا؟ وماذا يقال فيهم؟ إلى آخر المسألة.

فالجواب أن نقول ما ذكره الشيخ سليمان وعلماء أهل المجمعة وغيرهم من الكفر الذي أوقعه الشيخ على بوادي زمانه لا يوقع على بوادي أهل زماننا الذين التزموا بشرائع الإسلام الظاهرة وقاموا بها، فلا يطلق الكفر على جميعهم، لأن فيهم من قام به وصف الكفر الذي يخرجه من الملة، بل من قال به هذا الوصف فهو كافر، ومن لم يقم به هذا الوصف المخرج من الملة لا يكون كافرا، كما فصلنا ذلك وبيناه في المسألة الأولى التي أجبنا عنها أولا.

وأما قولك: وهل تكون حال العالم الذي لا يقول بكفرهم اليوم كحال العلماء الذين اعترضوا على الشيخ محمد رحمه الله أم لا؟

فنقول: لا تكون حال العالم اليوم الذي لا يقول بكفر من ظاهره الإسلام من بوادي أهل نجد كحال من اعترض على الشيخ محمد رحمه الله علمائهم وباديتهم ليس معهم من الإسلام شيء، بخلاف بوادي أهل زماننا، فإن فيهم المسلم وفيهم من قام به وصف الكفر، فلا يجوز إطلاق الكفر على جميعهم، لما سنبينه إن شاء الله تعالى.

فإذا تحققت هذا وعرفته فاعلم أن مشايخ أهل الإسلام وإخوانهم من طلبة العلم الذين هم على طريقتهم هم الذين ساروا على منهاج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأخذوا بجميع أقواله في حاضرة أهل نجد وبواديهم، الذين كانوا في زمانه، فأخذوا بقوله في الموضع السادس الذي نقله من السيرة في بوادي أهل نجد، حيث قال بهم الوصف المكفر لهم بعد دعوتهم إلى توحيد الله وإقامة الحجة عليهم والإعذار والإنذار منهم، وأخذوا بقوله في الرسالة التي كتبها للشريف لما سأله عما يكفّر به الناس ويقاتلهم عليه، وكذلك ما ذكره في رسالته إلى السويدي وأنه لا يكفر الناس بالعموم، وكذلك ما ذكره أولاده بعده في هذه المسائل، ونحن نسوق ما ذكروه.

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى الشريف بعد أن ذكر ما يكفر الناس به ويقاتلهم عليه مما هو معلوم عنه مشهور قال: "وأما الكذب والبهتان مثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر أن يظهر دينه في بلده، وأنّا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، وأمثال هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون الناس به عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي، لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. بل نكفر تلك الأنواع الأربعة لأجل محادتهم لله ورسوله. إلى آخر كلامه.

وهذا بخلاف ما عليه هؤلاء الجهال، فإنهم يكفرون الناس بالعموم، ويكفرون من لم يهاجر، كما هو معلوم مشهور عنهم لا ينكره إلا من هو مباهت في الحسيات مكابر في الضروريات.

قال رحمه الله في رسالته للسويدي البغدادي: "وما ذكرت أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، فيا عجبا! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ وهل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟ إلى أن قال: وأما التكفير، فأنا أكفر من عرف التوحيد ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك". انتهى.

فانظر رحمك الله إلى ما قاله الشيخ رحمه الله، ثم انظر إلى ما يقوله هؤلاء الجهال، وهل كانوا على ما قاله الشيخ أم لا، يتبين لك أنهم يقولون بأهوائهم ويفتون بآرائهم، لا بما قاله أهل العلم.

وقال الشيخ حسين بن محمد بن عبد الوهاب وأخوه الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما سئلا عن مسائل عديدة فأجابا عنها. ثم قالا:

"وأما المسألة الثامنة عشرة في أهل بلد بلغتهم هذه الدعوة، وأن بعضهم يقول: هذا الأمر حق، ولا غيّر منكرا، ولا أمر بالمعروف، ولا عادى ولا والى، ولا أقر أنه قبل هذه الدعوة على ضلال، وينكر على الموحدين إذا قالوا: تبرأنا من دين الآباء والأجداد، وبعضهم يكفر المسلمين جهارا، أو يسب هذا الدين ويقول: هو دين مسيلمة، والذي يقول: هذا أمر زين لا يمكنه يقوله جهارا. فما تقولون في هذه البلدة على هذه الحال مسلمين أم كفار؟ وما معنى قول الشيخ وغيره: إنا لا نكفر بالعموم؟ وما معنى العموم والخصوص؟ إلى آخره.

الجواب: أن أهل هذه البلد المذكورين إذا كانوا قد قامت عليهم الحجة التي يكفر من خالفها حكمهم حكم الكفار، والمسلم الذي بين أظهرهم ولا يمكنه إظهار دينه تجب عليه الهجرة، إذا لم يكن ممن عذر الله، فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال".

والسامعون كلام الشيخ في قوله: "إنا لا نكفر بالعموم". فالفرق بين العموم والخصوص ظاهر، فالتكفير بالعموم أن يكفر الناس كلهم عالمهم وجاهلهم ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه، وأما التكفير بالخصوص فهو أن لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة بالرسالة التي يكفر من خالفها. وقد يحكم بأن أهل هذه القرية كفار، حكمهم حكم الكفار، ولا يحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه؛ لأنه يحتمل أن يكون منهم من هو على الإسلام، معذور في ترك الهجرة، أو يظهر دينه ولا يعلمه المسلمون، كما قال تعالى في أهل مكة (في حال كفرهم): {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية، وقال تعالى: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا}. وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كنت أنا وأمي من المستضعفين". انتهى.

وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله بعد أن ذكر اختلاف العلماء وتنازعهم في التكفير، وقد سئل عن هذه المسألة فقال في آخر الجواب:

"وبالجملة فيجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين، وقد كفينا بيان هذه المسألة كغيرها، بل حكمها في الجملة أظهر أحكام الدين، فالجواب علينا الاتباع وترك الابتداع، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم". [37]

وأيضا فما تنازع العلماء في كونه كفرا فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ﷺ.

وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفّروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم.

ومن العجب أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء ويفتي بما قالوه، فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرا على مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين، ويا محنته من تينك البليتين، ونسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين". انتهى.

فانظر رحمك الله تعالى إلى ما قاله هذا الإمام الذي هو من أجل علماء أهل الإسلام في وقته حيث قال: "وبالجملة فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين".

وهذا الذي ذكره الشيخ قد نبهناكم على مثله في إرشاد الطالب إلى أهم المطالب، فليكن منك ذلك على بال.

وكذلك قوله رحمه الله: "وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره".

قلت: وهؤلاء كأمثال الذين حكموا بإسلام طائفة الترك وأشباههم، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم. كمثل هؤلاء الذين الكلام بصددهم، حيث زعموا: أن من لم يهاجر وإن كان ملتزما بشرائع الإسلام الظاهرة، أنه ليس بمسلم.

وكذلك قوله رحمه الله: "فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين، ويا محنته من تينك البليتين". فالله المستعان.

المسألة الثالثة: قول السائل: وهل من فرق بين بادية جزيرة العرب جنوبا وشمالا، شرقا ومغربا، ومن في ولاية إمام المسلمين ومن ليس في ولايته؛ وماذا يعامل به من ظاهره الإسلام منهم ومن ظاهره لا إسلام ولا كفر بل جاهل ومن ظاهره الكفر، ومن ظاهره المعاصي دون الكفر؛ ومن الذي تباح ذبيحته منهم ومن الذي لا تباح ذبيحته؛ وما القدر الواجب في الإسلام المبيح للذبيحة؟

الجواب: أن من في جزيرة العرب لا نعلم ما هم عليه جميعهم، بل الظاهر أن غالبهم وأكثرهم ليسوا على الإسلام، فلا نحكم على جميعهم بالكفر لاحتمال أن يكون فيهم مسلم.

وأما من كان في ولاية إمام المسلمين فالغالب على أكثرهم الإسلام، لقيامهم بشرائع الإسلام الظاهرة.

ومن قام به من نواقض الإسلام ما يكونون به كفارا فلا نحكم على جميعهم بالإسلام ولا على جميعهم بالكفر، لما ذكرنا.

وأما من لم يكن في ولاية إمام المسلمين (فلا ندري بجميع أحوالهم وما هم عليه، لكن الغالب على أكثرهم ما ذكرناه أولا من عدم الإسلام) فمن كان ظاهره الإسلام منهم فيعامل بما يعامل به المسلم في جميع الأحكام.

وأما من ظاهره لا إسلام ولا كفر بل هو جاهل، فنقول: هذا الرجل الجاهل إن كان معه الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام فهو مسلم ولو كان جاهلا بتفاصيل دينه، فإنه ليس على عوام المسلمين ممن لا قدرة لهم على معرفة تفاصيل ما شرعه الله ورسوله أن يعرفوا على التفصيل ما يعرفه من أقدره الله على ذلك من علماء المسلمين وأعيانهم فيما شرعه الله ورسوله من الأحكام الدينية، بل عليهم أن يؤمنوا بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، كما قرر ذلك شيخ الإسلام في المنهاج.

وإن لم يوجد معه الأصل الذي يدخل في الإسلام فهو كافر، وكفره هو بسبب الإعراض عن تعلم دينه لا علمه ولا تعلمه ولا عمل به.

والتعبير بأن ظاهره لا إسلام ولا كفر لا معنى له عندي، لأنه لا بد أن يكون مسلما جاهلا أو كافرا جاهلا. فمن كان ظاهره الكفر فهو كافر، ومن ظاهره المعاصي فهو عاص، ولا نكفر إلا من كفر الله ورسوله بعد قيام الحجة عليه.

وأما الذي تباح ذبيحته منهم فهو المسلم. وأما الذي لا تباح ذبيحته فهو الكافر المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه بفعل ناقض من نواقض الإسلام المخرجة من الملة. وقد وضحنا فيما تقدم حكم أعراب أهل نجد أولا.

والعجب كل العجب من هؤلاء الجهال الذين يتكلمون في مسائل التكفير، وهم ما بلغوا في العلم والمعرفة معشار ما بلغه من أشار إليهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين في جوابه الذي ذكرناه قريبا من أن أحدهم لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء ويفتي بما قالوه، فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرا على مجرد فهمه واستحسان عقله؟ فما أشبه الليلة بالبارحة في إقدام هؤلاء على الفتوى في مسائل التكفير بمجرد أفهامهم واستحسان عقولهم، ثم أخذ ذلك عنهم وأفتى به من لا يحسن قراءة الفاتحة، فالله المستعان.

المسألة الرابعة: قول السائل: وما الإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام؟ وما الذي يصدق عليه الإعراض؟

فالجواب أن نقول: قد ذكرنا الجواب عن هذه المسالة فيما تقدم من المسائل التي أجبنا عنها أولا فراجعه منها، ولكن نذكر ههنا ما ذكره شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى لما سئل عن هذه المسألة فقال:

الجواب: "أن أحوال الناس تتفاوت تفاوتا عظيما، وتفاوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان إذا كان أصل الإيمان موجودا، والتفريط والترك إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات والمستحبات. وأما إذا عدم الأصل الذي يدخل به في الإسلام وأعرض عن هذا بالكلية فهذا كفر إعراض فيه قوله تعالى: {ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} الآية وقوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} الآية.

ولكن عليك أن تعلم أن المدار على معرفة حقيقة الأصل وحقيقة القاعدة وإن اختلف التعبير واللفظ، فإن كثيرا يعرف الأصل والقاعدة ويعبر بغير التعبير المشهور.

وتعزيرهم وتوقيرهم كذلك تحته أنواع أيضا أعظمها رفع شأنهم ونصرتهم على أهل الإسلام ومباينه وتصويب ما هم عليه، فهذا وجنسه من المكفرات، ودونه مراتب من التوقير بالأمور الجزئية كلياقة الرواة ونحوه" انتهى.

فتبين من كلام الشيخ أن الإنسان لا يكفر إلا بالإعراض عن تعلم الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، لا ترك الواجبات والمستحبات.

المسألة الخامسة: قول السائل: وما معنى التعرب بعد الهجرة الذي هو كبيرة، وهل يطلق الذم على كل من بدا ولو كان نيته الرجوع إلى منزله بالحاضرة؟

والجواب أن نقول: هذه المسألة قد تقدم الجواب عنها فيما تقدم بما أغنى عن إعادته ههنا، وكذلك قد تقدم الجواب عمن ذهب إلى البادية ومن نيته الرجوع إلى منزله.

المسألة السادسة: قول السائل: وهل يستدل بالحديث: "لا يرث كافر مسلما" على من مات من النازلين من باديتنا اليوم على من لا ينزل منهم أو من هو مع بادية ولايتهم في يد كافر مثلا، أو من هو بين أظهر المشركين؟ هل يحرم إرثه إذا كان مورثه مات مسلما مع المسلمين؟

والجواب أن يقال: من مات من المهاجرين النازلين في بلاد المسلمين وله وارث كافر من أهل البادية أو الحاضرة فلا يحل له إرثه لأنه كافر، بنصّ الحديث، ومن كان وارثه مسلما وكان مسكنه في البادية أو في بلد من بلدان المسلمين، أو كان في بلد كفر أو في بادية ولايتها في يد كافر فلا مانع من إرثه، لأنه مسلم ورث مسلما، والله أعلم.

وأما المسألة السابعة: وهو قول السائل: بادية نجد شمالا أقصاهم عنزة ومن يليهم من بادية الشمال، وجنوبا إلى من المسئول أعلم بهم: هل الهجرة من جميعهم واجبة كوجوبها من بلاد الشرك على من لا يقدر على إظهار دينه أم مستحبة؟ أم فيهم من هو واجبة عليه الهجرة من بين أظهرهم وآخرين مستحبة؟

والجواب أن نقول: تجب الهجرة على من كان مقيما بين أظهر الكفار، سواء كانوا حاضرة أو بادية إذا كان لا يقدر على إظهار دينه بينهم، إذا لم يكن من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وأما من كان قادرا على التمكن من إظهار دينه ومع ذلك يأمن على نفسه من الفتنة فالهجرة في حقه مستحبة لا واجبة. ولكن أين من يقدر على ذلك؟

وقول السائل: وهل بادية نجد على أصلهم في الكفر، لم يسلموا في دعوة الشيخ رحمه الله ولم يعمهم الإسلام كحاضرة نجد؟ أم هم أسلموا كالحاضرة، فيكون من قام به نوع من أنواع الكفر المجمع عليه يكون كفره ظاهرا، وهل يعمّون بالكفر أم لا؟

فنقول: قد قدمنا الجواب على هذه المسألة مفصلا، وبينا فيه أن أهل نجد كانوا قبل دعوة الشيخ على الكفر، وبينا أن جميع باديتهم وحاضرتهم أسلموا بتلك الدعوة، وعمهم الإسلام بما أغنى عن إعادته ههنا. وأما من قام به نوع من أنواع الكفر المخرج من الملة فهو مرتد عن الإسلام. فلا يعمّهم بالكفر بعد أن أسلموا، ولم يقم بهم ناقض من نواقض الإسلام، إلا رجل لا يؤمن بالله واليوم الآخر.

المسألة الثامنة: قول السائل: وهل من كفر منهم كما ذكرنا يطلق عليه الكفر ولو لم تقم عليه الحجة، قبيلة كانت أو شخصا معينا، وما وجه قيام الحجة؟ هل كل تقوم به أم لا بد من إنسان يحسن إقامتها على من أقامها عليه؟

والجواب أن نقول: قد ذكر علماء أهل الإسلام من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم: أن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك ويدين به ومات على ذلك: فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له ولا يضحى له ولا يتصدق عنه. وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى، فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن. وإن كان لم تقم به الحجة فأمره إلى الله تعالى.

وأما سبه ولعنه فلا يجوز سب الأموات مطلقا، كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" إلا إن كان أحد من أئمة الكفر وقد اغترّ الناس به فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية. انتهى.

وأما قول السائل: هل كل تقوم به الحجة أم لا بد من إنسان يحسن إقامتها على من أقامها عليه؟ فالذي يظهر لي والله أعلم أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها: كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه، ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة فيما أعلم، والله أعلم.

وأما قول السائل: في الحديث الذي ورد عنه ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده ما سمع بي من هذه الأمة يهودي أو نصراني" إلى آخر الحديث. [38]

فأقول: الأمة المذكورة في الحديث هم أمة الدعوة، سواء كانوا يهودا أو نصارى أو عربا أو غيرهم من سائر الأعاجم، فمن بلغته دعوة الرسول ﷺ منهم فلم يؤمن به أي لم يصدقه ويتابعه على دينه فيما بلغه من الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ دخل النار. والله أعلم.

المسألة التاسعة: قول السائل: إن رجلين سأل أحدهما الآخر قال: ما مرام الإمام [39] والمشايخ باستدعاء الإخوان تهدّدهم ومنعهم من دعوة البادية والأخذ عليهم من دخول بلاد النازلين منهم حتى حصل بسبب ذلك تجسر على مشايخ المسلمين بالسبّ والثلب وإساءة الظن وقلة الانتفاع بفوائدهم ونصائحهم، وربما توصلوا إلى ولي الأمر بأقوال [40] لا تروج على عاقل، ولكن يغتر بها كل مغرور جاهل، ويأنس بها كل منافق بلاؤه في قلبه داخل.

كقول بعضهم: ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوتهم.

وكقولهم: إن المشايخ داهنوا في دين الله، والإخوان أمروا وأنكروا.

وكقولهم: الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها، والمشايخ كتموها ودفنوها.

وكقولهم: ما أطاع الإمام المشايخ فيها إلا لسكوتهم عند المآكل والأغراض.

وكقولهم: المشايخ يرخصون ويبيحون السفر إلى بلاد المشركين، ويسلمون على المسافرين. [41]

ويقولون [42]: ساكن البادية والنازل منها إلى الحاضرة سواء.

ويقولون: لابس العمامة ولابس العقال سواء.

ويقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا واسكتوا وكفوا عنهم إلى غير ذلك.

ومما يتقاولونه بينهم: ما فعل المشايخ بهم ذلك إلا أنهم مكفرون لهم.

فأجابه الآخر بجواب مجمل، لا يفي بالمقصود، ولكنه أجاب بما هو الحق والصواب في نفس الأمر.

ونحن نجيب على ما قاله هؤلاء المعترضون ونبين ما في كلامهم من الكذب والزور والبهتان وما فيه من الحق الذي قاله المشايخ والإخوان بالتفصيل إن شاء الله تعالى.

فنقول: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن الذي منع هؤلاء من الذهاب إلى هذه الأماكن المذكورة في السؤال هو الإمام أعزه الله بطاعته وأحاطه بحياطته لأمرين:

أحدها: أنهم افتاتوا على منصب الإمامة، فذهبوا إلى البادية من رعيته ومن تحت يده وفي ولايته من غير إذن منه ولا أمر لهم بذلك. وقد كان من المعلوم أن الإمام هو الذي يبعث العمال والدعاة إلى دين الله.

الثاني: ما بلغه عنهم من الغلو والمجازفة والتجاوز للحد في المأمورات والمنهيات، وإحداثهم في دين الله ما لم يشرعه الله ولا رسوله، فمن ذلك:

أنهم كفروا البادية بالعموم، وزعموا أنهم على الحالة التي كانوا عليها قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأنهم لم يسلموا ولم يدخلوا في هذا الدين، ويستدلون على ذلك بما ذكره الشيخ رحمه الله في الموضع السادس الذي نقله من السيرة وبما ذكره في رسالته إلى الشريف من تكفيره البادية الذين كانوا في وقته، وأنه ليس معهم من الإسلام شيء.

ومنها أن من ديّن ودخل في الدين من الأعراب لا يصح لهم إسلام حتى يهاجروا.

ومنها أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه، ويسمونها العمامة، وأنها هي السنة، فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في الدين، ومن لم يلبسها فليس من الإخوان، وأنها شعار وزيّ يتميز به المسلم عن الكافر. وقد أجبنا عن هذا كله فيما تقدم.

ومنها أنهم لا يسلّمون إلا على من يعرفون وتميز بالعمامة، وهم مع ذلك يزعمون أنهم هم الذين على السنة، وأن المشايخ يميتون السنن، وهم يخالفون ما سنه رسول الله ﷺ في السلام بالأمر بالسلام على من عرف ومن لم يعرف.

قال البخاري رحمه الله في الأدب المفرد: باب التسليم بالمعرفة وغيرها: حدثنا قتيبة، قال حدثنا الليث، عن يزيد بن حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" [43] وفيه أن الطفيل بن أبي بن كعب أخبره أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدوا معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله بن عمر على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا يسلم عليه. قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوما فاستتبعني إلى السوق. قلت: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق؟ فاجلس بنا ههنا نتحدث. فقال لي عبد الله: يا أبا بطن -وكان الطفيل ذا بطن- إنما نغدوا لأجل سلام من لقينا.

فرسول الله ﷺ يقول: "اقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"، وابن عمر رضي الله عنه يقول: "إنما نغدوا من أجل السلام على من لقينا".

ومنها أنهم لا يدعون أحدا صلى معهم صلاة الصبح أن يخرج من المسجد إلا بعد طلوع الشمس، وهذا لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا فعله أصحابه بعده.

ومنها أنهم أدخلوا في الدين ما ليس منه، فزعموا أن تدوينه [44] البدو للإبل عند ورودها وصدودها بدعة.

ومن المعلوم أن البدع لا تكون إلا في القربات الشرعية. وتدوية الأعراب لإبلهم من العادات الطبعية، فزعموا أن هذه العادات من العبادات.

وقد بلغني أن رجلا من هؤلاء المتعمقين يقال له: عبد الله بن دامغ؛ أنه يقول: من لبس العمامة ثم تركها ارتد عن الإسلام.

وبلغني أيضا عن رجل من أعيانهم أنه كتب إلى بعض الأعراب ينهاهم عن مباشرة النساء في فروشهن في الحيض، لأن ذلك ذريعة إلى جماعهن في الحيض؛ ويل أمّه أما علم أن ذلك قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من فعله وأمره.

ومن هؤلاء من تجاوز الحد في التأديب عند فوات بعض الصلاة، فضربوا رجلا منهم حتى مات.

وثبت عندنا عن بعضهم أنه فسر قوله ﷺ: "اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور" [45] فزعم أن الكور هي العمامة، وأن الرسول استعاذ بالله من تركها بعد لبسها.

وثبت عن رجل آخر منهم أنه يقول لما انقطعت ناقته وأعيت من الهزال، فنحرها أهلها،. فقال: إنها حرام لا تأكلوها، واستدل بقول الله تعالى: {وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ} فحمل القرآن على لغته الفاسدة. إلى غير ذلك من الأمور التي أحدثوها مما لا يمكن عدّه ولا اسقصاؤه.

فلما اشتهر هذا عنهم وهذا الغلو والتجاوز للحد، خاف الإمام أن يسيروا بسيرة الخوارج، فيمرقون في الدين بعد أن دخلوا فيه، كما مرق منه من غلا في الدين وتجاوز الحد ممن كانوا من أعبد الناس وأزهدهم وأكثر تهليلا، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم؛ وهم تعلموا العلم من الصحابة. فهذا هو المرام الذي أوجب للإمام منع هؤلاء الجهلة عن دخول بلاد النازلين.

وأما المشايخ فلم يمنعوا أحدا من هؤلاء من الدعوة إلى الله، بل هذا من الكذب والعدوان والزور والبهتان، وإن كانوا قد استحسنوا ما فعله الإمام واستصوبوه ورأوا أنه الحق والصواب الذي لا شك فيه ولا ارتياب.

ثم إن الإمام أعزه الله بطاعته اقتضى رأيه بعد مشاورة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف أن يبعث دعاة إلى كل بلد من هذه البلدان، فبعث إليهم دعاة معلمين من أهل المعرفة يعلمونهم أصل دينهم وأحكام صلاتهم ويخبرونهم بما وجب عليهم من حق الله تعالى في الإسلام، وبعث أيضا إلى كل قبيلة من الأعراب الذين هم في ولايته دعاة معلمين يصلون بهم ويعلمونهم أصل دينهم. وهذا من كمال نصحه وشفقته برعيته. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء.

وأما سبّهم المشايخ وثلبهم إياهم وإساءة الظن بهم، وكذلك ما نسبوه إلى ولي الأمر من الأقوال التي تروج على عاقل، ويغتر بها كل مغرور جاهل، فهذا كله مما يرفع الله به درجة الإمام والمشايخ، وحسابهم على الله، وسيجازيهم بما جازى به المفترين، لأن الإمام والمشايخ لم يمنعوهم إلا خوفا على من دخل في هذا الدين أن يسلكوا مسلك الخوارج، الذين مرقوا من دين الإسلام، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

وأما قول بعضهم: ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوتهم؛

فنقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله من الكذب والزور والبهتان. وقد أعاذ الله المشايخ من هذه الظنون الكاذبة الخاسرة، والأماني الخاطئة الفاجرة، التي لا يظنها إلا رجل مغموص بالنفاق، أو مدخول في قلبه مشغوف بالشقاق، متخلق بمساوئ الأخلاق. وهل يدور في عقل عاقل أن المشايخ يحسدونهم على ما أحدثوه من البدع والغلو والمجازفة والتجاوز للحد، وكونهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، كما هو معلوم مشهور عنهم، لا يجحده إلا مكابر في الحسيات، مباهت في الضروريات، كما قيل:

نجازي بني سعد بسوء فعلنا ** جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب

وأما قولهم: إن المشايخ داهنوا في دين الله، والإخوان أمروا وأنكروا؛

فنقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، فلا جرم قد قالها الذين من قبلهم لما نهاهم أهل الحق عن الغلو في الدين، قالوا لمن نهاهم [46]: يا أعداء الله قد داهنتم في الدين. وهم يزعمون أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، تشابهت قلوبهم.

وأما قولهم: الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها، والمشايخ كتموها ودفنوها؛

فنقول: أما قولهم: إن الإخوان علمونا ملة إبراهيم، فإن كان حقا فسيجازيهم الله على ذلك، والله عند لسان كل قائل وقلبه، وهو المطلع على نيته وكسبه، لكنهم مع ذلك قد سلكوا بهم مسالك أهل البدع، وتجاوزوا بهم الحد في الأقوال والأفعال، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، كما قد ذكرنا منه نزرا قليلا مما هو معلوم مشهور عنهم، فإن كان هذا هو ملة إبراهيم فقد أعظموا الفرية على الله وعلى ملة إبراهيم، وكان الحق والواجب الذي أوجبه الله على المشايخ وعلى غيرهم أن يدفنوا هذه المفتريات والأحداث الكاذبة الخاطئة.

وإن كانوا أرادوا أن المشايخ لا يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له ولا ينهون عن الشرك، ولا يكفرون من كفر الله ورسوله، أو لا يكفرون من شك في كفرهم، ولا يحبون في الله، ولا يعادون في الله، ولا يبغضون في الله، ولا يوالون فيه، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، وأنهم دفنوا هذا كله؛ فمن زعم أن هذه طريقة المشايخ وسيرتهم، فقد بهتهم وافترى عليهم، ومن افترى عليهم هذا الكذب فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وفضحه على رؤوس الأشهاد {يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}. لأن المشايخ ولله الحمد والمنة قد بذلوا الجد والاجتهاد في نشر ملة إبراهيم وتعليمها، والقراءة في أصول الدين: كمثل كتاب التوحيد وكشف الشبهات وثلاثة الأصول وجميع ما اشتملت عليه مجموعة التوحيد من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتب الحديث والفقه، ويقرّرونها ويعلّمون طلبة العلم معانيها، ويفقّهونهم في الدين وفي ملة إبراهيم، وعندهم من طلبة العلم في هذا الزمان أكثر من مائة رجل كلهم يقرؤون في هذه الكتب المذكورة، كما هو معلوم مشهور، ولا ينكره إلا مكابر، فكيف يمكنهم مع هذا أنهم دفنوا ملة إبراهيم، وكيف يتصور وقوع هذا عاقل أو عارف أو مجنون؟ ولا يصغي إلى قول هؤلاء الأغبياء إلا رجل مريض القلب، قد داخله نوع من الحقد والحسد، وأما سليم القلب فيقول عند سماع هذه المفتريات: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}.

ومع هذا كله رتب الإمام والمشايخ أناسا من أهل الحسبة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ورتبوا في كل بلد من بلدان المسلمين ولله الحمد والمنة من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فمتى دفنوا ملة إبراهيم لو أنهم يعلمون؟ كما قيل:

سلي إن جهلت الناس عنا وعنهموا ** فليس سواء عالم وجهول

ثم إني ولله الحمد والمنة كتبت في ذلك ما شاء الله أن أكتب نثرا ونظما، وسأذكر من ذلك شيئا قليلا، ليعلم الجاهل بحالنا وما كنا عليه نحن ومشايخنا، وأنا لم ندفن ملة إبراهيم ولم نداهن في نشرها وإظهارها أحدا ولله المنة في ذلك. فمن ذلك ما قلته من النظم في أبيات:

فيا أيها الأخ الأكيد إخاؤه ** تمسك بأصل الدين سامي الشعائر

وكن باذلا للجد في طلب الهدى ** من العلم إن العلم خير الذخائر

وبالعلم ينجو المرء من شرك الردى ** ويسمق بالتقوى لشأو المفاخر

ويرسب في قعر الحضيض مجانب ** لأسبابه اللاتي سمت بالأطاهر

وما العلم إلا الاتباع وضده ** فذاك ابتداع من عضال الكبائر

وتقديمه شرط وقد قيل إنه ** لثالث أركان التوحيد قاهر

وتقديم آراء الرجال وخرصها ** عليه ضلال موبق في النهابر

وملة إبراهيم فاسلك سبيلها ** فمهيعها المنجي لأهل البصائر

هي العروة الوثقى فكن متمسكا ** بجذر عراها عن جهول مقامر

ما الدين إلا الحب والبغض والولا ** كذاك البرا من كل طاغ وكافر

ومن ذلك أيضا ما قلته ونحن إذ ذاك في ولاية آل رشيد لمّا منعونا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وألا نتكلم في شيء من أمور الدين:

على الدين فليبك ذوو العلم والهدى ** فقد طمست أعلامه في العوالم

‍وقد صار إقبال الورى واحتيالهم ** على هذه الدنيا وجمع الدراهم

وإصلاح دنياهم بإفساد دينهم ** وتحصيل ملذوذاتهم والمطاعم

يعادون فيها بل يوالون أهلها ** سواء لديهم ذو التقى والجرائم

إذا انتقص الإنسان منها بما عسى ** يكون له ذخرا أتى بالعظائم

وأبدى أعاجيبا من الحزن والأسى ** على قلة الأنصار من كل حازم

وناح عليها آسفا متظلما ** وباح بما في صدره غير كاتم

فأما على الدين الحنيفي والهدى ** وملة إبراهيم ذات الدعائم

فليس عليها بعد أن ثلّ عرشها ** من الناس من باك وآس ونادم

وقد درست منها المعالم بل عفت ** ولم يبق إلا الاسم بين العوالم

فلا آمر بالعرف يعرف بيننا ** ولا زاجر عن معضلات الجرائم

وملة إبراهيم غودر نهجها ** عفاء فأضحت طامسات المعالم

وقد عدمت فينا وكيف قد سفت ** عليها السوافي في جميع الأقالم

وما الدين إلا الحب والبغض والولا ** كذاك البرا من كل غاو وآثم

وليس لها من سالك متمسك ** بدين النبي الأبطحي ابن هاشم

فلسنا نرى ما حل بالدين وانمحت ** به الملة السمحاء إحدى القواصم

فنأسى على التقصير منا ونلتجي ** إلى الله في محو الذنوب العظائم

فنشكو إلى الله القلوب التي قست ** وران عليها كسب تلك المآثم

ألسنا إذا ما جاءنا متضمّخ ** بأوضار أهل الشرك من كل ظالم

نهشّ إليهم بالتحية والثنا ** ونهرع في إكرامهم بالولائم

وقد برئ المعصوم من كل مسلم ** يقيم بدار الكفر غير مصارم

ولا مظهر للدين بين ذوي الردى ** فهل كان منا هجر أهل الجرائم

ولكنّما العقل المعيشيّ عندنا ** مسالمة العاصين من كل آثم

فيا محنة الإسلام من كل جاهل ** ويا قلة الأنصار من كل عالم

وهذا أوان الصبر إن كنت حازما ** على الدين فاصبر صبر أهل العزائم

فمن يتمسّك بالحنيفيّة التي ** أتتنا عن المعصوم صفوة آدم

له أجر خمسين امرىء من ذوي الهدى ** من الصحب أصحاب النبي الأكارم

فنح وابك واستنصر بربك راغبا ** إليه فإن الله أرحم راحم

لينصر هذا الدين بعد ما عفت ** معالمه في الأرض بين العوالم

وصلّ على المعصوم والآل كلهم ** وأصحابه أهل التقى والمكارم

بعدّ وميض البرق والرّمل والحصا ** وما انهلّ ودق من خلال الغمائم

وأما قولهم: ما أطاع الإمام المشائخ إلا لسكوتهم عنه للمآكل والأغراض؛

فنقول: وهذا أيضا من جنس ما قبله من الطعن على الإمام وعلى المشايخ بالزور والبهتان، والظلم والعدوان، وظن السوء. وقد ذم الله هذا في كتابه وعلى لسان رسوله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} الآية. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}

وعن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: "من قال في أخيه ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال، حتى يخرج مما قال" قيل: يا رسول الله وما ردغة الخبال؟ قال: "عصارة أهل النار" رواه أبو داود بسنده.

ولمسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: "أتدرون ما الغيبة؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".

فإذا تحققت هذا فيما قاله هؤلاء في الإمام وفي المشايخ إن كان حقا وصدقا فقد اغتابوهم، وإن لم يكن حقا ولا صدقا فقد بهتوهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وأما قولهم: والمشايخ يرخصون ويبيحون السفر إلى بلاد المشركين؛

فالجواب أن نقول: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن هذا من أعظم الكذب والفرية على مشايخ المسلمين، أنهم يبيحون السفر إلى بلاد المشركين، ومن نقل هذا عنهم فقد أعظم الفرية عليهم.

فإن كان مراد هؤلاء الذين شبهوا على عوام المسلمين بهذه الشبهات أن السفر إلى بلد الأحساء بعد أن أخرج الإمام الدولة الكفار منها مباح، فهذا لا شك فيه، لأنها صارت دار إسلام بعد أن كانت دار كفر، لجريان أحكام أهل الإسلام على أهلها، والغلبة والظهور فيها لأهل الإسلام على من كان فيها ممن ظاهر أهل الكفر من الروافض وغيرهم، كما نص على ذلك العلماء قديما وحديثا.

وإن كان مرادهم أن السفر إلى بلد الأحساء وإلى بلد الكويت [47] مثلا مباح حال ولاية الكفار عليها، وأن المشايخ إذ ذاك يبيحون السفر إليها، فقد كان من المعلوم أن المشايخ من أعظم الناس تحريما لهذا السفر، وأن ذلك عندهم من أكبر الكبائر، ولا يبيحون السفر إليها إلا لمن كان قادرا على إظهار دينه مع عدم الانبساط إليهم والتلطف لهم. وإظهار الدين عندهم هو التصريح لأعداء الله بالكفر ومبادأتهم بالعداوة والبغضاء، كما قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}.

ثم إنه قد كان من المعلوم عند جميع المسلمين ما جرى بيننا وبين أعدائنا ممن خالفنا وأباح السفر إلى بلاد المشركين من أهل القصيم، كمثل عبد الله بن عمرو وابن جاسر وأتباعهم في حال ولاية آل رشيد من المخاصمات والمحاورات، ورد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف عليهم لما كبروا في ذلك برسالة مشهورة بيّن فيها ضلالهم وأدحض حججهم، فأجابه ابن عمرو عليها بجواب لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعلم أنه موقوف بين يديه مسئول عنه، فأجبته على ذلك بنحو من خمسة عشر كراسا، وجواب آخر قدر تسعة كراريس، وأجابهم الشيخ إسحق ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن على مسائل أوردها عليه في هذا المعنى بنحو من ثلاثة كراريس.

فمتى أباح المشايخ السفر إلى بلاد المشركين والحالة هذه وقد كان تحريمه عنهم أشهر من نار على علم؟

وهؤلاء الذين طعنوا على المشايخ بهذه الأكاذيب يعلمون ذلك ولا ينكرونه، ولكن "لهوى النفوس سريرة لا تعلم" ولولا عمى عين الهوى عن الهدى ولبس الحق بالباطل وإرادة الجاه والشرف والترأس على الناس لما لبّسوا على عوام الناس وخفافيش البصائر الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام، وليس لهم نور يمشون به في غياهب الظلام.

وأما المشايخ ولله الحمد والمنة فقد ساروا على منهاج سلفهم الصالح من علماء المسلمين، وسلكوا على طريقتهم في هذه المباحث.

فمن ذلك ما أفتى به الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما سئل عن السفر إلى بلاد المشركين:

قال السائل: هل يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلد الكفار الحربية لأجل التجارة أم لا؟

فأجاب: الحمد لله، إن كان يقدر على إظهار دينه ولا يوالي المشركين جاز له ذلك، فقد سافر بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر رضي الله عنه وغيره من الصحابة إلى بلدان المشركين لأجل التجارة، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ كما رواه أحمد في مسنده وغيره.

وإن كان لا يقدر على إظهار دينه ولا على عدم موالاتهم لم يجز له السفر إلى ديارهم، كما نص على ذلك العلماء، وعليه تحمل الأحاديث التي تدل على النهي عن ذلك. ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسببا إلى إسقاط ذلك لم يجز. وأيضا قد يجره إلى موافقتهم وإرضائهم، كما هو الواقع كثيرا ممن يسافر إلى بلدان المشركين من فساق المسلمين، نعوذ بالله من ذلك.

المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يجلس في بلد الكفار وشعائر الكفر ظاهرة لأجل التجارة؟

الجواب عن هذه المسألة: هو الجواب عن التي قبلها سواء، ولا فرق في ذلك بين دار الحرب أو دار الصلح، فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها لا يجوز له السفر إليها. انتهى.

ثم لما كان في هذا الزمان إقبال من البادية على الدخول في هذا الدين وسكن كثير منهم في بلدان المسلمين ووفدوا على الإمام في بلد الرياض، سأل كثير منهم المشايخ عن السفر إلى بلد الكويت فأجابوهم بما أفتى به سلفهم الصالح، مما تقدم بيانه قريبا، فمتى أباحوا السفر إلى بلاد المشركين ومن نقل ذلك عنهم ممن يوثق بنقله؟ والله المستعان.

وأما قولهم: ويسلمون على المسافرين؛ فنقول: اعلم يا أخي أنّا قد بينا فيما تقدم براءة المشايخ مما نسبه عنهم هؤلاء المفترون من إباحة السفر إلى بلاد المشركين. وأما السلام على المسافرين فقد بينا في مسألة الهجر أن ذلك من باب التأديب والتعزير لأهل الذنوب والمعاصي، وأن ذلك مشروع إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدته، وأما إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته فليس بمشروع. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه:

وهذا الهجر يختلف باختلاف المهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته (كان مشروعا)، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع (من الهجر)، والهجر لبعض الناس انفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف أقواما ويهجر آخرين. وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حالا في الدين من المهجورين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثيرون. فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم... إلى آخر كلامه.

فإذا تحققت هذا فقد هجر المشايخ المسافرين إلى بلاد المشركين مدة طويلة، فلما لم ينجع فيهم الهجر ولم ينزجروا عن السفر رأوا أن درأ المفسدة التي تفضي إلى المقاطعة والمدابرة والتباغض والتحاسد والشحناء أرجح من مصلحة الهجر، كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا". [48]

وقال ﷺ في الحديث الذي في السنن: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين". [49] وقال في الحديث الصحيح: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". [50] انتهى. [51]

فإذا فهمت هذا فاعلم أن للمسلم على المسلم حقوقا في الإسلام يجب مراعاتها، وله من الذنوب والمعاصي ما يوجب بغضه ومعاداته عليها، فيحب ويوالي ويكرم من وجه، ويبغض ويعادى ويهان من وجه آخر. فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وبر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الرجل الواحد موجبا الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطي ما يكفيه من بيت المال لحاجته.

هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضله ورحمته، كما استفاضت بذلك السنة عن النبي ﷺ كما قرر ذلك شيخ الإسلام في مسألة الهجر. فلما عاملنا المسافرين بهذه المعاملة، أخذنا بقول أئمة الإسلام، أنكر هؤلاء الجهال علينا ذلك وطعنوا به، ورأوا أن ذلك من أعظم المنكرات.

ومراد هؤلاء ومرامهم منا أن نسير في المسلمين بسيرة الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، فنأخذ بالشدة والتضييق والحرج على الأمة، وأن لا نرى للمسلم على المسلم حقوقا في الإسلام، وأن نترك ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، فلا نجعل الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو مستحقا للعقاب فقط. ونحن نبرأ إلى الله من هذا المذهب، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى.

والدليل من السنة على أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح: حديث أبي هريرة المتفق عليه عنه ﷺ أنه قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" فهمّ بتحريق من لم يشهد الصلاة.

وفي المسند وغيره: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام الصلاة" الحديث. [52]

فبين ﷺ أنه همّ بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة، وبين أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية، فإنهم لا يجب عليهم شهود الصلاة، وفي تحريق البيوت قتل ما لا يجوز قتله، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه. [53]

وكذلك لما استأذنه بعض الصحابة في قتل المنافقين، قال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" [54] وكذلك لما استؤذن في قتل رجل آخر منهم قال: "إذا ترعد له أنوف كثيرة بيثرب" [55] إلى غير ذلك من الأحاديث التي قدم فيها درء المفاسد على جلب المصالح، كما قرر ذلك علماء أهل السنة والجماعة، والله أعلم.

وأما قول السائل: ويقولون ساكن البادية والنازل منها إلى الحاضرة سواء؛

فنقول: وهذا أيضا من الكذب على المشايخ، فإنه لم يقل أحد منهم أن من أسلم من البادية ودخل في هذا الدين ولم يهاجر، كمن هاجر منهم وترك جميع ما كان عليه من أمور الجاهلية وسكن مع الحاضرة: أنهم سواء، بل هذا من أعظم الكذب والافتراء. وقد بينا فضل من هاجر على من لم يهاجر فيما تقدم بما أغنى عن إعادته هنا.

وإنما قال المشايخ لمن سألهم منهم عن حكم من أسلم وتبين له الدين وكان متمكنا من إقامة دينه وإظهاره بين من لم يسلم من الأعراب الساكنين في البادية: أن الهجرة لا تجب عليه، بل هي مستحبة في حقه، لأنه لا واجب إلا من أوجبه الله ورسوله، ولا حرام إلا ما حرما الله ورسوله، ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله. وقد أوضحنا هذا مفصلا فيما تقدم. والله أعلم.

وأما قول السائل: ويقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا، واسكتوا وكفوا عنهم؛

فالجواب: أن نقول: إن كان مراد هؤلاء -الذين يطعنون على المشايخ المسلمين تارة بالظلم وتارة بالعدوان والزور والبهتان وتارة بالجهل وعدم العلم بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها وعلماء المسلمين الذين ساروا على منهاج أهل السنة والجماعة- أن المشايخ يقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا على الكفر بالله والإشراك به، فهذا كذب على المشايخ، ولم يقل ذلك أحد منهم.

وإن كان مرادهم بآبائهم وأقاربهم الذين ماتوا وظاهرهم الإسلام ولم نذر ما ماتوا؟ فهذا القول من هؤلاء الجهلة قد قاله قبلهم من بهت شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه بأنه ينهى أتباعه عن الاستغفار والتضحية لمن ماتوا من آبائهم وأقاربهم ولم يدركوا دعوته، كما ذكر ذلك عثمان بن منصور في المطاعن التي طعن بها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث قال: "والويل كل الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه أو ضحى لهم" فأجابه شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله بقوله: "فهذه القولة الضالة كأخواتها السابقة، فيها من نقض عهده الذي جعله على نفسه، وفيها من البهت والكذب وطلب العنت للبراء ما يقضي بفسوق القائل. فنعوذ بالله من استحكام الهوى والضلال بعد الهدى، فمن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال. ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية إلا إذا استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم، بأن مات يدعو لله ندّا، وهذا نص القرآن، قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}. هذا مذهب الشيخ وأهل العلم من أتباعه. وأما التخليط والحكم بالظّنّ والهذيان، فذاك من طوائف الشيطان، يصدهم به عن سبيل العلم والإيمان. وفي قول المعترض: الذين لم يدركوا دعوته؛ أن من تقادم عهده وتطاول عصره داخل في عموم كلامه، وأن الشيخ ينهى عن الاستغفار له. وإطلاق هذا يتناول القرون المفضلة ومن بعدهم، وليس هذا ببدع من كذبه وبهته، وحسابه على الله وأمره إليه، قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}.

لي حيلة فيمن ينمّ ** وليس في الكذاب حيلة

من كان يخلق ما يقول ** فحيلتي فيه قليلة

أين ميثاقه وعهده؟ قال تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}.

حلفت لنا أن لا تخون عهودنا ** فكأنها حلفت (لنا) أن لا تفي

انتهى.

والعهد الذي ذكره شيخنا الشيخ عبد الله عن ابن منصور أنه أخذ على نفسه أن لا ينقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا ما صح عنده بنقل العدول الأثبات.

إذا عرفت هذا، فالبهت الذي بهتوا به الشيخ رحمه الله إنما هو بمجرد الاستغفار والتضحية لوالديهم الذين لم يدركوا دعوته. وأما هؤلاء فأطلقوا لفظ البر وهو أعم من الاستغفار والتضحية، فيدخل فيه جميع أنواع البر.

وأما قولهم: واسكتوا وكفوا عنهم؛ فالجواب عن ذلك أن نقول: قد تقدم في جواب أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذه المسائل ما فيه الكفاية، وفيه: وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى، وأما سبه ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سب الأموات مطلقا كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" إلا أن يكون أحد من أئمة الكفر وقد اغتر الناس به فلا بأس بسبه، إذا كان فيه مصلحة دينية. انتهى. والله أعلم.

وأما قول السائل: ويقولون: لبس العمامة، ولابس العقال سواء؛

فالجواب: أن نقول: نعم قد قال ذلك المشايخ، لأن لبس العمامة من المباحات التي أباحها الله ورسوله، وهي من العادات الطبعية التي اعتاد العرب لبسها في الجاهلية والإسلام، لا من العبادات الشرعية التي شرعها رسول الله ﷺ وسنها لأمته، قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا} وقال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.

وأما لبس العقال فهو أيضا من المباحات، ولم يرد في الأمر به والنهي عنه عن العلماء ما يجب تحريمه ولا كراهته، لأن لبسه من العادات الطبعية كغيره من الملابس التي اعتاد الناس لبسها، كالعمامة والرداء والإزار والقميص وغير ذلك من الملابس العادية.

فبهذا الاعتبار يكون لبس العمامة التي كان رسول الله ﷺ وأصحابه يلبسونها عادة، ولبس العقال الذي يلبسه الناس اليوم من المباحات والعادات، فهما سواء بهذا الاعتبار. وأما هذه العصائب المحدثة التي يزعم من أحدثها أنها من السنة فهي مكروهة، لأنها غير محنكة ولا ساترة لجميع الرأس عند جميع العلماء، كما سننبه على ذلك، وقد نبهنا على عدم مشروعيتها عن إعادته ههنا. ونذكر ههنا مالم نذكره فيها من كلام العلماء.

قال السفاريني في غذاء الألباب في شرحه لمنظومة الآداب لابن عبد القوي، قال:

وعمّة مخلي [56] حلقه من تحنّك ** لدى أحمد مكروهة بتأكّد

لنص أحمد رضي الله عنه على كراهة ذلك، وكذلك الأصحاب، وحكى في الآداب الكبرى الخلاف في أن الكراهة هل هي للتحريم أو التنزيه. وقال في الفروع: وكره أحمد لبس غير المحنكة. ونقل الحسن بن ثواب كراهية شديدة.

وقال شيخ الإسلام: المحكي عن الإمام أحمد الكراهة، والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى التحريم.

وذكر كلاما طويلا عن كثير من العلماء من أهل المذاهب إلى أن قال: وقد أطنب ابن الحاج في المدخل لاستحباب التحنك، ثم قال: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها، من تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد إن كان ممن يلبس جديدا وامتثال السنة في صفة التعميم من فعل التحنيك والعذبة وتصغير العمامة بقدر سبعة أذرع أو نحوها، يخرجون منها التحنك والعذبة، فإن زاد في العمامة قليلا لأجل حر أو برد فيتسامح فيه. إلى آخر ما ذكر رحمه الله.

فانظر إلى قوله: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها، يستبين لك خطأ من زعم أن العمامة سنة سنها رسول الله ﷺ؛ فإن العمامة عند جميع العلماء من باب المباح، لا من باب السنن. والمباح هو الذي لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وأما السنة فيثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.

ثم ذكر رحمه الله أنه لا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها إلى آخر كلامه، ثم ذكر كلاما طويلا إلى أن قال:

العاشر: الاقتعاط هو بهمزة مكسورة فقاف ساكنة فمثناة فوق مكسورة فعين مهملة فألف فطاء مهملة أن يتعمم بغير تحنيك، كما تقدم.

قال ابن الأثير في نهايته: فيه أي الحديث أنه ينهى عن الاقتعاط، وهو أن يعتم بالعمامة، ولا يجعل منها شيئا تحت ذقنه.

ويقال للعمامة: المِقْعَطَة [57]. وفي القاموس: اقتعط: تعمّم. ولم يدر تحت الحنك، وكمكنسة العمامة. انتهى.

وقال علماؤنا: العمامة المحنكة: هي التي يدار منها تحت الحنك كور أو كوران بفتح الكاف سواء كان لها ذؤابة أو لا، وهذه عمامة المسلمين على عهده ﷺ وهي أكثر سترا، ويشق نزعها، فلذلك جاز المسح عليها، والله تعالى أعلم. انتهى.

فهذا ما ورد من الأحاديث وكلام العلماء في هذه العمائم المقتعطة، وهي التي ليس تحت الحنك والذقن منها شيء.

مع انه ليس المقصود بلبس هذه العصائب التي يسمونها العمائم الاقتداء به ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم في هديه في لباسه وما كان يعتاده هو وأصحابه رضي الله عنهم فإنهم لم يقتدوا به في ذلك، ولو كان هذا هو مقصودهم لاقتدوا به في لبس الرداء والإزار وغير ذلك من لباسه، وجعلوا العمامة محنكة مع الذؤابة.

وإنما مقصودهم الأكبر في إحداث هذه العصائب أن تكون زيّا وشعارا يميز به من دخل منهم في هذا الدين ممن لم يدخل فيه، فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في هذا الدين، ومن لم يلبسها فليس منهم، ويقولون: فلان لبس السنة، وفلان لم يلبسها فلا تسلموا عليه، كما صرحوا بذلك.

وهذا الزي والشعار الذي أحدثوه في الإسلام، قد أنكره العلماء، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن من أولياء الشيطان:

فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس من الظاهر في الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحلق شعر ولا تقصيره أو تضفيره إذا كان مباحا كما قيل: كم صديق في قباء، وكم زنديق في عباء. إلى آخر كلاممه رحمه الله. انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين لما ذكر حال أولياء الله المتقين قال: "وهم مستترون عن أعين الناس بأسبابهم وصفاتهم ولباسهم، لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني. فهؤلاء الصادقون، فهؤلاء يكونون مع الناس، والمحجوبون لا يعرفونهم ولا يرفعون بهم رأسهم، ومن سادات أولياء الله صانهم الله عن معرفة الناس لهم لكرامته لهم، لئلا يفتنون بهم" انتهى المقصود منه.

وهؤلاء الجهلة أحدثوا للناس شعارا وزيا يتميزون به عن المسلمين، بخلاف أولياء الله الصالحين، الذين وصف حالهم شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله.

وأما لبس العقال فهو من اللباس المباح، ولم يتكلم فيه العلماء لا في قديم الزمان ولا حديثه؛ لأنه قد كان من المعلوم أن لباس الصوف من الملابس التي كان رسول الله ﷺ يلبسها هو وأصحابه. والعقال من الصوف المباح لبسه.

وقد امتن الله بذلك على عباده، وجعله من النعم التي تفضل بها وأنعم بها عليهم فقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} فقوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا}، فهي للظأن، {وَأَوْبَارِهَا} هي للإبل، {وَأَشْعَارِهَا} للمعز، {أَثَاثًا} من الفرش والأكسية وغيرها، {وَمَتَاعًا} يتمتعون إلى حين.

فيقال لهؤلاء: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} فإن قالوا: إنما حرمنا العقال أو كرهنا لبسه، لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد أصحابه، ولا لبسه أحد منهم، بل هو من زي الجند وشعارهم. قيل لهم: إذا كان لا يجوز لبس شيء من اللباس إلا ما كان يلبسه ﷺ وأصحابه، فهذه الملابس التي يلبسونها من المشالح على اختلاف ألوانها والغتر (الشمغ) وغيرها من شالات الصوف لم يكن الرسول ﷺ وأصحابه يلبسونها، فلأي شيء كانت هذه الملابس المباحة حراما {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.

ثم إن هذه الملابس من المشالح على اختلاف أنواعها والغتر من الشمغ والصوف من أفخر لباس الجند الذين كرهتم لبس العقال من أجل مشابهتهم فيه، فهلا تركتم لبس هذه المشالح وهذه الشمغ لأنها من لباسهم وزيهم وشعارهم إن كنتم صادقين.

وكذلك ما كان يعتاده المسلمون مما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه من المحاربة بهذه الآلات والصنائع التي حدثت بعده ﷺ من المدافع والموازر والصمع وغيرها من آلات الحرب، لأنه قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الملابس والمآكل والمشارب والمراكب وآلات الحرب من العادات الطبيعية لا من العادات الدينية الشرعية. والله أعلم.

وأما قول السائل: ومما يتقاولونه بينهم: ما فعل المشايخ بهم ذلك إلا أنهم مكفرون لهم؛

فالجواب أن نقول: وهذا أيضا من أعظم كذبهم وافترائهم على المشايخ، لأنه قد كان من المعلوم أن المبادرة بالتكفير والجراءة على ذلك بغير بينة من الله ولا برهان من طرائق أهل البدع ومذاهبهم. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن مثالب أهل البدع تكفير بعضهم لبعض، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون". [58]

فإذا فهمت هذا وتحققت أن المشايخ لا يكفرون بما دون الكفر من الذنوب والمعاصي، تبين لك أن هذه الأمور التي زعموا أن المشايخ منعوهم من فعلها إلا أنهم مكفرون لهم بها، كان من المعلوم أنهم هم الذين يكفرون بها لاعتقادهم أنها كفر، والمشايخ يبرءون إلى الله من هذا المعتقد، لان هذا هو حقيقة مذهب الخوارج الذين يكفرون بما دون الكفر من الذنوب، وإذا كان هذا هو معتقدهم وكان هذا القول الذي بهتوا به المشايخ ثابتا عنهم فلا تسأل عنهم وعن معتقدهم، وهذا عين ما نطقوا به وأظهروه علانية إن كان هذا ثابتا عنهم. وهذا هو الذي خاف الإمام والمشايخ بمنعهم أن يتجارى بهم هذا الأمر ويبثوه في عوام البدو الذين ليس عندهم من المعرفة والعلم إلا ما ألقاه هؤلاء إليهم فيصادف قلوبا خالية من غيره، فيصعب إخراجه من قلوبهم، كما قيل:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ** فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وهذا قد وقع في كثير من البدو، لا يقبلون إلا ما قاله هؤلاء لهم، والعاقل يسير وينظر.

والظاهر أنهم في رميهم وبهتانهم المشايخ بأنهم مكفرون لهم مبرئون أنفسهم مما هو معلوم بالضرورة بأن ذلك هي حالتهم وسيرتهم كما قيل: "رمتني بدائها وانسلت".

ثم إن المشايخ ولله الحمد والمنة لا يزكون أنفسهم ولا يبرّئونها من الخطأ والزلل والذنوب والمعاصي، بل هم معترفون بذلك على أنفسهم، وأنهم مقصرون في الأعمال الصالحات، والعصمة إنما هي للرسل، ولكنهم لا يرضون ما يسخط الله من الأقوال والأعمال والغلو والتجاوز والمجاوزة للحد بغير ما شرع الله ورسوله، ولا القول على الله بلا علم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

المسألة العاشرة: قول السائل: صبحك الله بالخير، وكيف أصبحت، وكيف أمسيت، هل بين هذه الألفاظ فرق، وهل فيها مسنون وغير مسنون؟ وما الفرق بين الدعاء والاستفصال؟

والجواب أن نقول: قد كان من المعلوم عند ذوي المعارف والمفهوم أن قول الرجل لأخيه المسلم: صبحك الله بالخير، مسّاك الله بالخير: دعاء له بالخير. وأما قوله: كيف أصبحت، وكيف أمسيت، فهو سؤال له عن حاله وعن حقيقة ما هو عليه.

وقد أمر الله بدعاء المؤمنين لإخوانهم المؤمنين خصوصا وعموما في كتابه وعلى لسان رسوله، كما هو معلوم مشهور، لا ينكره إلا جاهل.

وكان من المعلوم أيضا أن دعاء المسلم لأخيه المسلم أفضل وأحب إلى الله من السؤال عن حاله، هذا لا يشك فيه من كان له أدنى ممارسة وإلمام بالعلوم الشرعية، والفرق بينهما ظاهر ليس به ولله الحمد خفاء على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لأن دعاء المسلم لأخيه المسلم مما أمر الله به. فذنب الناهي عن ذلك خطره عظيم، نعوذ بالله من القول على الله بلا علم.

وأما قوله: وهل فيها مسنون وغير مسنون؛ فنقول: كل من اللفظين جائز مسنون، ونحن نذكر ما ذكره العلماء في ذلك، وما ورد فيه من الأحاديث.

قال في غذاء الألباب: فوائد: الأولى: لا بأس أن يقول لصاحبه: كيف أمسيت؟ وكيف أصبحت؟ قال الإمام أحمد رضي الله عنه لصدقة [59] وهم في جنازة: يا أبا محمد كيف أمسيت؟ فقال: مساك الله بالخير. وقال أيضا للمروذي: كيف أصبحت يا أبا بكر؟ فقال له: صبحك الله بالخير يا أبا عبد الله.

وروى أيضا عبد الله ابن الإمام أحمد رضي الله عنه عن الحسن مرسلا أن رسول الله ﷺ قال لأصحاب الصفة "كيف أصبحتم؟ "

وروى ابن ماجة بإسناد لين من حديث أبي أسيد [60] الساعدي أنه عليه الصلاة والسلام دخل على العباس فقال: "السلام عليكم" فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال: "كيف أصبحتم؟" قالوا: بخير نحمد الله، كيف أصبحت بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله؟ قال: "أصبحت بخير أحمد الله" [61].

وروى أيضا عن جابر، قلت: كيف أصبحت يا رسول الله؟ قال: "بخير من رجل لم يصبح صائما ولم يعد سقيما" [62] وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف.

وفي حواشي تعليق القاضي الكبير عند كتاب النذور، وأبو بكر البرقاني بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لو لقيت رجلا فقال: بارك الله فيك، لقلت: وفيك.

قال في الآداب الكبرى: فقد ظهر من ذلك الاكتفاء بنحو أصبحت، وكيف أمسيت، بدلا من السلام، وأنه يرد على المبتدي بذلك، وإن كان السلام وجوابه أفضل وأكمل. انتهى.

قلت: ما ذكره في الآداب الكبرى من الاكتفاء: بكيف أصبحت وكيف أمسيت، خطأ لمعارضته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من لفظ السلام، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، وقد قال الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} والله أعلم.

المسألة الحادية عشر: قول السائل: ما الرخص المذمومة المذموم الترخص بها التي قيل فيها من تتبع الرخص تزندق أو كاد. فإن أكثر من لدينا إذا سمع ما لم يدره ولا هو على باله عد ذلك رخصة؛

فالجواب أن نقول: الرخص المذمومة التي من ترخص بها تزندق هي ما جاء عن العلماء في بعض المسائل في المعاملات: كالربا وكالأنكحة وغيرها، مما اختلف العلماء فيه: كمن ترخص بقول مالك رضي الله عنه بجواز أكل الكلاب والحشرات وغيرها مما حرم الشرع أكله، مستدلا بقوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} الآية. فمن ترخص بقول مالك في أكل ما عدا هذه المحرمات المذكورات في بعض الآية فقد أخطأ.

وقال بعض العلماء: إنه يجوز للرجل أن يتزوج من النساء تسعا لقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}.

وقول بعضهم: إذا وجبت الزكاة أن للرجل أن يهب ماشيته أو نقوده قبل أن يحل وقت الزكاة بشهر أو شهرين لزوجه أو بعض أقاربه لئلا تجب فيها الزكاة، فإذا ذهبت وقت إخراجها استرجع ماشيته أو نقوده، وهكذا أبدا يفعل عند وجوب الزكاة.

وكما ترخص بعض الحنفية بقول أبي حنيفة بعدم وجوب الطمأنينة في الصلاة مستدلا من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}.

ونظيره دعواهم أن الإيمان واحد والناس فيه سواء، وهو مجرد التصديق، وليست الأعمال داخلة في ماهيته، وإن مات ولم يصل قط في عمره مع قدرته وصحة جسمه وفراغه فهو مؤمن. إلى غير ذلك مما لا يحصى ولا يستقصى مما رخص فيه بعض العلماء بقول متبوعهم.

فإذا أردت مسألة في أمر أو نهي أو معاملة وقد اختلف العلماء فيها بين مانع من ذلك ومرخص في هذه المسألة ومستنده في ذلك حديث ضعيف أو قياس فاسد أو استحسان أو احتياط يخالف ما أصّله العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، فمن ترخص بها ليس عليه دليل شرعي من أقوال من ذكرنا من العلماء في أي مسألة كانت من الفروع. ومع من خالفه في النهي عنها الحق والصواب؛ فقد أخطأ لمخالفته ما جاء عن الرسول ﷺ أو عن أصحابه أو التابعين لهم بإحسان أو من بعدهم من الأئمة المهتدين.

فمن أخذ بشيء من هذه المسائل التي رخّص فيها بعض العلماء من غير دليل شرعي، وقصده في ذلك اتباع ما يهواه، لا ما يحبه الله ويرضاه فقد تزندق، لما في ذلك من المسائل التي جاءت الرخصة فيها عن الشارع عليه الصلاة والسلام، فالأخذ برخصة الله في ذلك هو الأحب إلى الله تعالى، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تجتنب مناهيه" أو كما قال. [63]

وإن كان المراد بالترخص ما ظنه بعض الجهال من العوام أو من أفتاهم به من هؤلاء المتعالمين الجهال، الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام، وليس لهم اطلاع على كلام الأئمة الأعلام، وإنما يقولوون بأهوائهم أو يظنونه باستحسان عقولهم في العقائد في مسائل التكفير التي ذهب الخوارج وغيرهم من أهل البدع من التشديد فيها والتضييق والحرج وعدم التيسير والتسهيل، مما لم يرد فيه نص من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المهتدين من المكفرات التي تخرج من الملة. فأما ما لم يخرج من الملة كارتكاب ما حرمه الله من الذنوب والمعاصي كالظلم والفسق والكذب وقول الزور وغير ذلك مما كفّر به الخوارج وغيرهم من أهل البدع، كالمسائل التي أجبنا عنها أولا، فمن زعم أن ما أجمع عليه الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون هو الترخص المذموم الذي من فعله فقد تزندق فقد أعظم الفرية على الله ورسوله وعلى ما أجمع عليه الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون، وأن ما قاله هؤلاء المتعالمون الحيارى المفتونون والناقصون المنقوصون هو الحق والصواب لأن فيه تضييقا وحرجا على الأئمة فقد غلا وتجاوز الحد واتبع غير سبيل المؤمنين فإن سبيل المؤمنين هو ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإظهار دينه، فخذوا بهديهم واعرفوا لهم فضلهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم" وكذلك ما كان عليه التابعون ومن بعدهم من الأئمة المهتدين.

ومن مسلك سبيل المؤمنين الذي من سلكه كان على الصراط المستقيم ما ذكره الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب رحمه الله في كتابه المحجة في سير الدلجة حيث قال رحمه الله تعالى: "الثاني أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير، دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} كما كان النبي ﷺ يقول: "يسروا ولا تعسروا" [64] "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". [65]

وفي المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما قيل لرسول الله ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة". [66]

وفيه أيضا عن محجن بن الأدرع أن النبي ﷺ دخل المسجد فرأى رجلا قائما يصلي فقال: "أتراه صادقا؟" فقيل: يا نبي الله هذا فلان من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة. فقال: "لا تُسمعه فتهلكه -مرتين أو ثلاثا- إنكم أمة أريد بكم اليسر". وفي رواية أخرى له قال: "إن خير دينكم أيسره". وفي رواية أخرى له: "لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة". وخرج حميد بن زنجوية وزاد، فقال: "واكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، الغدوة والروحة وشيء من الدلجة".

وفي المسند عن بريدة قال: خرجت فإذا رسول الله ﷺ يمشي فلحقته فإذا نحن بين يدي رجل يصلي يكثر الركوع والسجود. قال: "أتراه يرائي؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: من ليده من يدي فجعل يصوبهما ويقول: "عليكم هديا قاصدا. عليكم هديا قاصدا. عليكم هديا قاصدا. فإنه من شاد هذا الدين يغلبه". وقد روي من وجه آخر مرسل، وفيه أن النبي ﷺ قال: "إن هذا آخذ بالعسر، ولم يأخذ باليسر"، ثم دفع في صدره فخرج من المسجد ولم ير فيه بعد ذلك. إلى آخر كلامه.

فهذا ما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها، وفيها أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير، دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وأخبر ﷺ فيما أن أحب الأديان إلى الله عز وجل الحنيفية السمحة، وأخبر فيها أن من شاد هذا الدين يغلبه. إلى آخر ما ذكر فيها من المر بالتيسير وترك التعسير والتكلف والحرج.

فهذا هديه ﷺ وهدي أصحابه وهدي من سلك سبيلهم من المؤمنين. فمن سلك سبيل المؤمنين سلم ونجا، ومن ترك سبيلهم زاغ وهلك. فإذا تبين لك هذا عرفت أنه هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} فمن بلغته هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ ثم زعم أن الأخذ بها من باب الترخص ومن أخذ بالترخص فقد تزندق، فقد أعظم الفرية على الله، وسلك غير سبيل المؤمنين.

قال رحمه الله تعالى: وقوله ﷺ "القصد القصد تبلغوا" حثّ على الاقتصاد في العبادة والتوسط فيها بين الغلو والتقصير، وكذلك كرره مرة بعد مرة. وفي مسند البزار من حديث حذيفة رضي الله عنه مرفوعا: "ما أحسن القصد في الفقر، وما أحسن القصد في الغنى، وما أحسن القصد في العبادة" [67]

وكان لمطرف بن عبد الله بن الشخير ابن قد اجتهد في العبادة فقال له أبوه: خير الأمور أوسطها: الحسنة بين السيئتين، وشر السير الحقحقة. قال أبو عبيد: يعني أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة. قال: والحقحقة أن يلح في السير حتى تقوم عليه راحلته وتعطب، فيبقى منقطعا به سفره. انتهى.

ويشهد لهذا المعنى الحديث عن عبد الله بن عمر مرفوعا: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبتّ لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى، فاعمل عمل امرئ يظن أنه لن يموت إلا هرما، واحذر حذر امرئ يحذر أن يموت غدا" أخرجه حميد بن زنجوية وغيره، إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

فمن تحقق هذا وتأمله حق التأمل، ثم رأى بعد ذلك أن طريقة أهل البدع والأهواء من الخوارج والمعتزلة وغيرهم ممن تشدد في هذا الدين وغلا فيه وتكلف باجتهاده ورأيه وسلك طريقة التعسير والتضييق والعنت والحرج، وظن أنها أهدى وأفضل من هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، وأنها أحسن وأكمل، فقد قام به ناقض من نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. وليبك على نفسه ويجدد إسلامه، فإنه وقع في أمر عظيم وخطب جسيم.

وهذا ما تيسر من الجواب على سبيل الاختصار والاقتصاد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا هدانا الله. وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين وإمام المتقين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

هامش

  1. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
  2. منهاج السنة النبوية
  3. الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
  4. مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: الدليل السادس
  5. يعني أنهم لا يكفرونهم.
  6. حسين بن غنام الأحسائي
  7. قال في مجمع الزوائد ح15890: "رواه أحمد والطبراني.. ورجالهما ثقات. "
  8. مجموع الفتاوى ج28
  9. منهاج السنة النبوية
  10. قاله محمد بن سيرين كما في مقدمة صحيح مسلم وسنن الدارمي ح425
  11. صحيح البخاري/كتاب الأدب
  12. صحيحا النسائي وابن ماجه
  13. أصله في الصحيحين. وحسن إسناده ابن حجر في تغليق التعليق
  14. قال في مجمع الزوائد ح9300: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم"
  15. النسائي: 8/ 147
  16. متفق عليه
  17. تفسير ابن كثير/سورة النساء
  18. متفق عليه
  19. متفق عليه
  20. سنن الدارمي ح206
  21. ذكره الشاطبي في الاعتصام. وقال ابن أبي شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث إنه في سنن ابي داود. لكن قال ناصر الدين في إصلاح المساجد: لم أره في السنن.
  22. منهاج التأسيس والتقديس ناقلا عن الطبري في تاريخه من رواية أبي مخنف. قال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال الدارقطني: أخباري ضعيف.
  23. في اللسان: الثفنة من البعير والناقة: الركبة.. والجمع ثفن وثفنات.. وقيل لعبد الله بن وهب الراسبي رئيس الخوارج ذو الثفنات لكثرة صلاته، ولأن طول السجود كان أثّر على ثفناته.
  24. في الأصل: وتكلموا. والتصحيح من منهاج التأسيس ومن تاريخ الطبري حوادث سنة 37.
  25. في الأصل "إلى عامل علي في المدينة"، والتصحيح من المصدرين السابقين.
  26. رواه الطبري في تاريخه: قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان عن حميد بن هلال. وقد أخرج أحمد في المسند: (5/ 110)، وأبو يعلى في المسند: (13/ 176/ 177)، والطبراني في الكبير: (4/ 68-69) قصة قتل الخوارج لعبد الله بن خباب وفيها روايته لحديث "القاعد فيها -يعني الفتنة- خير من القائم، والقائم خير من الماشي.." كلهم من طريق حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم... قال الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الفتن: ولم أعرف الرجل الذي من عبد القيس، وبقية رجاله رجال الصحيح.
  27. القائل هنا علي وأصحابه.
  28. أي الخوارج
  29. في الأصل"ألف وثمانمائة" والتصويب من المنهاج والتاريخ.
  30. مسند أحمد عن علي
  31. صحيح البخاري
  32. متفق عليه
  33. مجموع الفتاوى ج28
  34. منهاج السنة النبوية
  35. متفق عليه
  36. خلاصة السؤال: هل تنطبق هذه العبارات التي نقلها السائل عن محمد بن عبد الوهاب في البدو على من جاء بعدهم من البدو كالذين في زمن هذا السائل.
  37. البدع والنهي عنها ح13، سنن الدارمي ح207
  38. صحيح مسلم/كتاب الإيمان
  39. هو الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.
  40. في الأصل" أقوالا"
  41. أي القادمين من بلاد المشركين
  42. أي العلماء والمشايخ
  43. والحديث في الصحيحين
  44. التدوية: أن تدعو الإبل فتقول: دأه دأه، بالكسر والتسكين. أو ده ده -بالضم- لتجيء إلى ولدها. كما في القاموس.
  45. في صحيح مسلم/كتاب الحج عن عبد الله بن سرجس قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر يعوّذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكون، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال. وهو في المسند: (5/ 82/ 83) بلفظ "الكور". قال الترمذي بعد ذكر الروايتين: ومعنى قوله: الحور بعد الكور أو الكون -وكلاهما له وجه- إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر.
  46. قالها الخوارج لعلي وأصحابه كما تقدم.
  47. عندما كانت مستعمرة بريطانية قبل الدعوة.
  48. متفق عليه
  49. أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه: (5/ 218)، والترمذي في كتاب صفة القيامة من سننه: (4/ 663) عن أبي الدرداء رضي الله عنه-، وليس في الحديث: "لا أقول تحلق الشعر.." وإنما قال الترمذي بعد حديث أبي الدرداء: هذا حديث صحيح ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" ثم أسند هذه الجملة من حديث الزبير بن العوام مرفوعا: "دبّ إليكم داء المم الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر.." الحديث.
  50. صحيح مسلم/كتاب البر والصلة والآداب
  51. مجموع الفتاوى ج28
  52. قال في مجمع الزوائد ح2162: "رواه أحمد، وأبو معشر ضعيف". وهو في ضعيف الترغيب والترهيب 225
  53. مجموع الفتاوى ج23
  54. متفق عليه
  55. تنظر السيرة الحلبية/غزوة بني المصطلق
  56. في الأصل: "مخل" والتصويب من غذاء الألباب
  57. في الأصل: "المقتعطة" والتصويب من اللسان: 7/ 384
  58. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، شرح قوله: "ولا نكفرأحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله"
  59. هو صدقة بن موسى
  60. في الأصل: "سعيد"
  61. ضعيف ابن ماجه
  62. صحيح ابن ماجه
  63. لفظه في مسند أحمد عن ابن عمر: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته". قال في مجمع الزوائد ح4939: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن". وهو في صحيح الترغيب والترهيب.
  64. متفق عليه
  65. صحيح البخاري
  66. في الصحيحة 881 عن ابن عباس بلفظ: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"
  67. قال في مجمع الزوائد ح17850: "رواه البزار من رواية سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات"