مجموع الفتاوى/المجلد العشرون/فصل في المتكلم باللفظ العام لا بد أن يقوم بقلبه معنى عام

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في المتكلم باللفظ العام لا بد أن يقوم بقلبه معنى عام
ابن تيمية

فصل في المتكلم باللفظ العام لا بد أن يقوم بقلبه معنى عام[عدل]

وقال رحمه الله تعالى:

المتكلم باللفظ العام لا بد أن يقوم بقلبه معنى عام، فإن اللفظ لا بد له من معنى ومن قال: العموم من عوارض الألفاظ دون المعاني فما أراد - والله أعلم - إلا المعاني الخارجة عن الذهن كالعطاء والمطر على أن قوله مرجوح فإذا حكم بحكم عام لمسمى من أمر أو نهي، أو خبر سلب أو إيجاب فهذا لا بد أن يستشعر ذلك المعنى العام والحكم عليه ولا يجب أن يتصور الأفراد من جهة تميز بعضها عن بعض بل قد لا يتصور ذلك إذا كانت مما لا ينحصر للبشر وإنما يتصورها ويحكم عليها من جهة المعنى العام المشترك بينها سواء كانت صيغة العموم اسم جمع، أو اسم واحد فإنه لا بد أن يعم الاسم تلك المسميات لفظا ومعنى فهو يحكم عليها باعتبار القدر المشترك العام بينها وقد يستحضر أحيانا بعض آحاد ذلك العام بخصوصه أو بعض الأنواع بخصوصه وقد يستحضر الجميع إن كان مما يحصر وقد لا يستحضر ذلك بل يكون عالما بالأفراد على وجه كلي جملة لا تفصيلا ثم إن ذلك الحكم يتخلف عن بعض تلك الآحاد لمعارض.

مثل أن يقول: أعط لكل فقير درهما فإذا قيل له: فإن كان كافرا أو عدوا فقد ينهى عن الإعطاء.

فهذا الذي أراد دخوله في العموم إما أن يريد دخوله بخصوصه، أو لمجرد شمول المعنى له من غير استشعار خصوصه، بحيث لم يقم به ما يمنع الدخول مع قيام المقتضي للدخول.

وأما الأول فقد أراد دخوله بعينه فهذا نظير ما ورد عليه اللفظ العام من السبب وهذا إحدى فوائد عطف الخاص على العام وهو: ثبوت المعنى المشترك فيه من غير معارض وإن كان من فوائده أن يتبين دخوله بعموم المعنى المشترك: وبخصوص المعنى المميز وإن لم يكن الحكم ثابتا للمشترك.

وأما الذي لم يرد دخوله في العموم: فإما أن يكون حين التكلم بالعموم قد استشعر قيام المعارض فيه فذاك يمنعه عن أن يكون أراد دخوله في حكم المعنى العام مع قيام المقتضي فيه، وهو المعنى العام وإما أن يكون قد استشعر ذلك قبل التكلم بالعام وذهل وقت التكلم بالعموم عن دخوله وخروجه.

فالأول كالمخصص المقارن وهذا كالمخصص السابق وإما أن يستشعر ذلك المعنى بعد تكلمه بالعام مع علمه بأنه لا يريد بالعموم ما قام فيه ذلك المعارض فهنا قد يقال: قد دخل في اللفظ العام من غير تخصيص واستشعار المانع من إرادته فيما بعد يكون نسخا، لأن المقتضي للدخول في الإرادة هو ثبوت ذلك المعنى فيه وهو حاصل.

وهذا المعنى إنما يصلح أن يكون مانعا من الإرادة إذا استشعر حين الخطاب، ولم يكن مستشعرا.

ومن قال هذا فقد يقول في استشعار المانع السابق: لا يؤثر إلا إذا قارن بل إذا غفل وقت التعميم عن إخراج شيء دخل في الإرادة العامة كما دخل في استشعار المعنى العام، إذ التخصيص بيان ما لم يرد باللفظ العام وهذا الفرد قد أريد باللفظ العام، لأنه لا يشترط إرادته بخصوصه وإنما يراد إرادة القدر المشترك، وذاك حاصل.

وقد يقال: بل هذا لم يرده بالاسم العام، لأنه إنما أراد بالاسم العام ما لم يقم فيه معارض وكل من الأمرين وإن كان لم يتصور المعارض مفصلا ذلك المعنى فمراده أن ذلك المعنى مقتض لإرادته لا موجب لثبوت الحكم فيه بمجرد ذلك المعنى من غير التفات إلى المعارض وإذا كان مراده أن ذلك المعنى مقتض: فإذا عارض ما هو عنده مانع لم يكن قد أراده فمدار الأمر على أن ثبوت المعنى العام يقتضي ثبوت الإرادة في مراده إلا أن يزول عن بعضها أو ثبوت المقتضي لإرادة الأفراد والمقتضي يقتضي ثبوت الأفراد إذا لم يعارضه معارض.

وعلى هذا فلو لم يستشعر المعارض المانع، لكن إذا استشعره لعلم أنه لا يريده: هل يقال: لم يتناوله حكمه وإرادته من جهة المعنى وإن تناوله لفظه ومعنى لفظه العام؟ قد يقال ذلك، فإنه أراد المعنى الكلي المشترك باعتبار معناه العام ولم يرد من الأفراد ما فيه معنى معارض لذلك المعنى العام راجحا عليه عنده ثم لا يكلف استشعار الموانع مطلقا في الأنواع والأشخاص لكثرتها ولو استشعر بعضها لم يحسن التعرض، لنفي كل مانع مانع منها، فإن الكلام فيه هجنة ولكنة، وطول، وعي فقد يتعسر أو يتعذر علم الموانع، أو بيانها، أو هما جميعا.

فهنا ما قام بالأفراد من الخصائص المعارضة مانع من إرادة المتكلم وإن كان لفظه ومعناه العام يشمل ذلك باعتبار القدر المشترك.

وعلى هذا فإذا كان ذلك المانع يحتمل أنه يكون عنده مانعا، ويحتمل ألا يكون فهل نحكم بدخوله لقيام المقتضي وانتفاء المخصص بالأصل، أو نقف فيه لأن المقتضي قائم والمعارض محتمل؟ فيه نظر. فإن لصاحب القول الثاني أن يقول: هذا المانع يمنع أن يكون المقتضي مقتضيا مع قيام هذا المانع. وللأول أن يقول: بل اقتضاؤه ثابت والمانع مشكوك فيه والأظهر التوقف في إرادة المتكلم حينئذ.

هامش



مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد العشرون - أصول الفقه
اتفاق الرسل في الأصول الاعتقادية | سئل عن معنى إجماع العلماء | فصل في أقوال الصحابة | سئل عن الاجتهاد والاستدلال والتقليد والاتباع | سئل هل كل مجتهد مصيب | فصل في الخطأ المغفور في الاجتهاد | فصل في التفريق في الأحكام قبل الرسالة وبعدها | سئل هل كان البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم مجتهدين أم مقلدين | القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي | فصل في تعارض الحسنات والسيئات | فصل في الحسنات والعبادات ثلاثة أقسام | قاعدة جامعة في كل واحد من الدين الجامع بين الواجبات وسائر العبادات | فصل في كلام الفقهاء في الطاعات الشرعية والعقلية | فصل في أن الصدق أساس الحسنات وجماعها | فصل أن الحسنات كلها عدل والسيئات كلها ظلم | فصل في العدل القولي والصدق | قاعدة في أن جنس فعل المأمورات أعظم من جنس فعل المنهيات | أعظم الحسنات هو الإيمان بالله ورسوله | أول ذنب عصي الله به | ما يكفر به الشخص عند أهل السنة | الحسنات تذهب بعقوبة الذنوب | تارك المأمور به عليه قضاؤه وإن تركه لعذر | قتل من ترك أركان الإسلام الخمسة | أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية | أكثر شرك بني آدم من عدم التصديق بالحق | جوامع تتضمن امتثال المأمور به والوعيد على المعصية بتركه | عامة ما ذم الله به المشركين هو الشرك | خلق الله الخلق لعبادته | مقصود النهي ترك المنهي عنه | المأمور به هو الأمور التي يصلح بها العبد ويكمل | المطلوب بالأمر وجود المأمور به | الأمر أصل والنهي فرع | لم يأمر الله بأمر إلا وقد خلق سببه ومقتضيه في جبلة العبد | فعل الحسنات يوجب ترك السيئات | فعل الحسنات موجب للحسنات أيضا | ترجيح الوجود على العدم إذا علم أنه حسنة | بعث الله الرسل وأنزل الكتب بالكلم الطيب والعمل الصالح | النفي والنهي لا يستقل بنفسه بل لا بد أن يسبقه ثبوت | الحسنات سبب للتحليل دينا وكونا | تنازع الناس في الأمر بالشيء هل يكون أمرا بلوازمه | فصل في تعليل الحكم الواحد بعلتين | فصل في العلتين لا تكونان مستقلتين بحكم واحد حال الاجتماع | فصل في أن العلتين كلا منهما ليس واجبا بنفسه بل مفتقرا إلى غيره | المنحرفون من أتباع الأئمة على أنواع | فصل في المتكلم باللفظ العام لا بد أن يقوم بقلبه معنى عام | قاعدة في تعليل الحسنات | فصل في الإيجاب والتحريم | فصل في التمذهب | سئل عن تقليد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد | سئل عمن سئل عن مذهبه فقال إنه محمدي | سئل عن رجل تفقه في مذهب من المذاهب واشتغل بعده بالحديث | سئل هل لازم المذهب مذهب أم لا | سئل عمن لازم مذهبا هل ينكر عليه مخالفته | موالاة علماء المسلمين | أعذار العلماء في الخطأ في الأحكام | المجتهد ودخوله تحت أحكام الوعيد | سئل عن الشيخ عبد القادر والإمام أحمد | سئل عن صحة أصول مذهب أهل المدينة | والكلام في إجماع أهل المدينة ومراتبه | حديث أهل المدينة أصح حديث أهل الأمصار | موقف أهل المدينة من الكلام والرأي | مالك أقوم الناس بمذهب أهل المدينة | أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول | قواعد توضح أن جملة مذاهب أهل المدينة راجحة في الجملة على المذاهب | مذهب أهل المدينة في المحرم لكسبه | فصل في أنواع الكسب | مذهب أهل المدينة في مسائل العبادات | مذهب أهل المدينة في مسائل النكاح | مذهب أهل المدينة في العقوبات والأحكام | فصل في مذهب أهل المدينة في الأحكام | فصل نسخ القرأن بالسنة | فصل في الحقيقة والمجاز | فصل في ألفاظ لا تستعمل إلا مقرونة | فصل في تسمية أهل الأمصار الحقيقة والمجاز | فصل في حجة نفاة المجاز | فصل في حجة أخرى لنفاة المجاز | فصل في رد ابن عقيل على من تكلف وجعل المجاز حقيقة | فصل في أصول العلم والدين | سئل عن القياس | فصول عن القياس | فصل أن الإجارة خلاف القياس | فصل في قول من يقول حمل العقل على خلاف القياس | فصل في الأحكام التي يقال عنها أنها خلاف القياس | فصل في قولهم إن المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس | فصل في حجة من قال إن الأكل ناسيا على خلاف القياس | فصل في موقف الصحابة من القياس | سئل هل يسوغ تقليد هؤلاء الأئمة كحماد بن أبي سليمان وابن المبارك وسفيان الثوري والأوزاعي