مجموع الفتاوى/المجلد التاسع/قولهم كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم ظني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
قولهم كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم ظني
ابن تيمية

قولهم كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم ظني[عدل]

وأما قولهم: كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم، فظني.

فيقال: لا نسلم؛ فإن هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلا. ثم نقول: الذي يدل به على علية المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى، وكل ما يدل به على صدق الكبرى في قياس الشمول يدل به على علية المشترك في قياس التمثيل، سواء كان علميًا أو ظنيًا؛ فإن الجامع المشترك في التمثيل، هو الحد الأوسط، ولزوم الحكم له هو لزوم الأكبر للأوسط، ولزوم الأوسط للأصغر هو لزوم الجامع المشترك للأصغر، وهو ثبوت العلة في الفرع.

فإذا كان الوصف المشترك، وهو المسمى بالجامع، والعلة أو دليل العلة أو المناط أو ما كان من الأسماء إذا كان ذلك الوصف ثابتًا في الفرع، لازمًا له كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الصغرى. وإذا كان الحكم ثابتًا للوصف لازمًا له، كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الكبرى. وذكر الأصل يتوصل به إلى إثبات إحدى المقدمتين، فإن كان القياس بإلغاء الفارق فلابد من الأصل المعين؛ فإن المشترك هو المساواة بينهما وتماثلهما، وهو إلغاء الفارق هو الحد الأوسط، وإن كان القياس بإبداء العلة، فقد يستغنى عن ذكر الأصل إذا كان الاستدلال على علية الوصف لا يفتقر إليه، وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف إليه فيذكر الأصل؛ لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك، وهو الحد الأكبر. وهؤلاء الذين فرقوا بين قياس التمثيل وقياس الشمول أخذوا يظهرون كون أحدهما ظنيًا في مواد معينة، وتلك المواد التي لا تفيد إلا الظن في قياس التمثيل، لا تفيد إلا الظن في قياس الشمول، وإلا فإذا أخذوه فيما يستفاد به اليقين من قياس الشمول، أفاد اليقين في قياس التمثيل أيضا. وكان ظهور اليقين به هناك أتم.

فإذا قيل في قياس الشمول: كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم، كان الحيوان هو الحد الأوسط وهو المشترك في قياس التمثيل، بأن يقال: الإنسان جسم، قياسًا على الفرس وغيره من الحيوانات؛ فإن كون تلك الحيوانات حيوانًا، هو مستلزم لكونها أجسامًا. وإذا نوزع في علية الحكم في الأصل، فقيل له: لا نسلم أن الحيوانية تستلزم الجسيمة، كان هذا نزاعًا في قوله: كل حيوان جسم. وذلك أن المشترك بين الأصل والفرع، إذا سمى علة، فإنما يراد به ما يستلزم الحكم؛ سواء كان هو العلة الموجبة لوجوده في الخارج، أو كان مستلزما لذلك،

ومن الناس من يسمى الجميع علة، لاسيما من يقول: إن العلة إنما يراد بها المعرف؛ وهو الأمارة والعلامة والدليل، لا يراد بها الباعث والداعي، ومن قال: إنه قد يراد بها الداعي وهو الباعث فإنه يقول ذلك في علل الأفعال. وأما غير الأفعال فقد تفسر العلة فيها بالوصف المستلزم، كاستلزام الإنسانية للحيوانية، والحيوانية للجسمية، وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر في الآخر على أنا قد بينا في غير هذا الموضع، أن ما به يعلم كون الحيوان جسمًا، يعلم أن الإنسان جسم، حيث بينا أن قياس الشمول الذي يذكرونه قليل الفائدة أو عديمها؛ وأن ما به يعلم صدق الكبرى في العقليات، يعلم صدق أفرادها التي منها الصغرى، بل وبذلك يعلم صدق النتيجة.

ثم قال: وتناقضهم وفساد قولهم أكثر من أن يذكر.

والمقصود هنا الكلام على المنطق، وما ذكروه من البرهان، وأنهم يعظمون قياس الشمول، ويستخفون بقياس التمثيل ويزعمون أنه إنما يفيد الظن، وأن العلم لا يحصل إلا بذاك، وليس الأمر كذلك، بل هما في الحقيقة من جنس واحد، وقياس التمثيل الصحيح أولى بإفادة المطلوب علمًا كان أو ظنًا من مجرد قياس الشمول؛ ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون بقياس التمثيل أكثر مما يستدلون بقياس الشمول، بل لا يصح قياس الشمول في الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل، وكل ما يحتج به على صحة قياس الشمول في بعض الصور، فإنه يحتج به على صحة قياس التمثيل في تلك الصور. ومثلنا هذا بقولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فإنه من أشهر أقوالهم الفاسدة الإلهية. وأما الأقوال الصحيحة، فهذا أيضا ظاهر فيها، فإن قياس الشمول لابد فيه من قضية كلية موجبة، فلا نتاج عن سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم.

والكلى لا يكون كليًا إلا في الذهن، فإذا عرف تحقق بعض أفراده في الخارج، كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كليًا موجبًا، فإنه إذا أحس الإنسان ببعض الأفراد الخارجية، انتزع منه وصفًا كليًا، لا سيما إذا كثرت أفراده، والعلم بثبوت الوصف المشترك لأصل في الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية.

وحينئذ، فالقياس التمثيلي أصل للقياس الشمولي، إما أن يكون سببًا في حصوله، وإما أن يقال: لا يوجد بدونه، فكيف يكون وحده أقوى منه، وهؤلاء يمثلون الكليات بمثل قول القائل: الكل أعظم من الجزء، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك. وما من كلي من هذه الكليات إلا وقد علم من أفراده الخارجة أمور كثيرة، وإذا أريد تحقيق هذه الكلية في النفس ضرب لها المثل بفرد من أفرادها. وبين انتفاء الفارق بينه وبين غيره أو ثبوت الجامع وحينئذ يحكم العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك الكلي، وهذا حقيقة قياس التمثيل.

ولو قدرنا أن قياس الشمول لا يفتقر إلى التمثيل، وأن العلم بالقضايا الكلية لا يفتقر إلى العلم بمعين أصلا، فلا يمكن أن يقال: إذا علم الكلي مع العلم بثبوت بعض أفراده في الخارج، كان أنقص من أن يعلمه بدون العلم بذلك المعين؛ فإن العلم بالمعين ما زاده إلا كمالا، فتبين أن ما نفوه من صورة القياس أكمل مما أثبتوه.

واعلم أنهم في المنطق الإلهي بل والطبيعي غيروا بعض ما ذكره أرسطو، لكن ما زادوه في الإلهي هو خير من كلام أرسطو، فإني قد رأيت الكلامين. وأرسطو وأتباعه في الإلهيات أجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير، وأما في الطبيعيات فغالب كلامه جيد، وأما المنطق فكلامه فيه خير من كلامه في الإلهي.

هامش



مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد التاسع - المنطق
سئل شيخ الإسلام عن المنطق | فصل في وصف جنس كلام المناطقة | مسألة في القياس | قال شيخ الإسلام واصفا المنطق اليوناني | الكلام في أربع مقامات مقامين سالبين ومقامين موجبين | المقام الأول | المقام الثاني | فصل في قولهم إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس | تنازع العلماء في مسمى القياس | العلوم ثلاثة | تكلم ابن سينا في أشياء من الإلهيات والنبوات | الفرق بين الآيات وبين القياس | قياس الأولى | فصل في تقسيم جنس الدليل إلى القياس والاستقراء | فصل في قولهم الاستدلال لابد فيه من مقدمتين | قول المتأخرين إن تعلم المنطق فرض على الكفاية | ظن بعض الناس أن الوسط هو ما يكون متوسطا | التباس المنطق على طائفة لم يتصوروا حقائقه ولوازمه | قياس الشبه | الزعم بأن المنطق آلة قانونية | فصل في قولهم إن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن | قولهم إن الفراسة البدنية هي عين التمثيل | تفريقهم بين قياس الشمول وقياس التمثيل | قولهم كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم ظني | ما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل | فصل في قولهم إن القياس أو البرهان يفيد العلم بالتصديقات | علم الفرائض نوعان | لفظ الدور يقال على ثلاثة أنواع | ليس تعليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقصورا على مجرد الخبر | اعتراض قوم من متكلمي أهل الإسلام على أوضاع المنطق | اتفاق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات | من أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف | فصل في ضبط كليات المنطق | فصل اختلاف العلماء في مسمى القياس | فصل الفساد في المنطق في البرهان وفي الحد | فصل ملخص المنطق المعرب الذي بلغته العرب عن اليونانيين | سئل عن كتب المنطق | سئل شيخ الإسلام عن العقل | تسمية أرسطو وأتباعه الرب عقلا وجوهرا | فصل اسم العقل صفة | فصل عن الروح المدبرة للبدن | فصل عن معاني الروح والنفس | النفوس ثلاثة أنواع | فصل كيفية تعلم النفس | فصل عن الجوهر | سئل الشيخ أيهما أفضل العلم أو العقل | فصل في حكمة خلق القلب