مجموع الفتاوى/المجلد التاسع/فصل في قولهم إن القياس أو البرهان يفيد العلم بالتصديقات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في قولهم إن القياس أو البرهان يفيد العلم بالتصديقات
ابن تيمية

فصل في قولهم إن القياس أو البرهان يفيد العلم بالتصديقات[عدل]

وأما المقام الرابع، وهو قولهم: إن القياس أو البرهان يفيد العلم بالتصديقات، فهو أدق المقامات.

وذلك أن خطأ المنطقيين في المقامات الثلاثة وهي منع إمكان التصور إلا بالحد، وحصول التصور بالحد، ومنع حصول التصديق بالحد، ومنع حصول التصديق بالقياس واضح بأدنى تدبر، ومدركه قريب، والعلم به ظاهر. وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل، وأظهرها خطأ دعواهم أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد، ويليه قولهم: إن شيئًا من التصديقات المطلوبة لا تنال إلا بما ذكروه من القياس، فإن هذا النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به، ولا يقوم عليه دليل أصلًا، مع أنه معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ما ذكروه من القياس، كما تحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد، بخلاف هذا المقام الرابع فإن كون القياس المؤلف من المقدمتين يفيد النتيجة، هو أمر صحيح في نفسه.

لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب إلى أرسطو، أن ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية، بل كل ما يمكن علمه بقياسهم يمكن علمه بدون قياسهم، فلم يكن في قياسهم ما يحصل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه، ولا حاجة إلى ما يمكن العلم بدونه، فصار عديم التأثير في العلم وجودًا وعدما، وفيه تطويل كثير متعب، فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الأذهان وتضييع الزمان، وكثرة الهذيان، والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم، وبيان الطرق المؤدية إلى العلم.

قالوا: وهذا لا يفيد العلم المطلوب، بل قد يكون من الأسباب المعوقة له؛ لما فيه من كثرة تعب الذهن، كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى مكة أو غيرها من البلاد، فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف، وصل في مدة قريبة بسعي معتدل، فإذا قيض له من يسلك به التعاسيف - والعسف في اللغة الأخذ على غير طريق بحيث يدور به طرقًا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة- فإنه يتعب تعبًا كثيرًا، حتى يصل إلى الطريق المستقيمة إن وصل، وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب. فيعتقد اعتقادات فاسدة، وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء، فلا هو نال مطلوبه ولا هو استراح، هذا إذا بقى في الجهل البسيط، وهكذا هؤلاء.

ولهذا حكى من كان حاضرًا عند موت أمام المنطقيين في زمانه الخونجي، أنه قال عند موته: أموت ولا أعلم شيئًا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت وما علمت شيئًا.

فهذا حالهم إذا كان منتهى أحدهم الجهل البسيط، وأما من كان منتهاه الجهل المركب، فكثير. والواصل منهم إلى علم، يشبهونه بمن قيل له: أين أذنك؟ فأدار يده على رأسه، ومدها إلى أذنه بكلفة، وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت رأسه؛ وهو أقرب وأسهل.

والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية، كان تعذيبًا للنفوس بلا منفعة لها، كما لو قيل لرجل: اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية، فإن هذا ممكن بلا كلفة. فلو قال له قائل: اصبر، فإنه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها، وتميز بينها وبين الضرب، فإن القسمة عكس الضرب، فإن الضرب هو تضعيف آحاد أحد العددين بآحاد العدد الآخر، والقسمة توزيع أحاد العددين على آحاد العدد الآخر؛ ولهذا إذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه عاد المقسوم، وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر. ثم يقال: ما ذكرته في حد الضرب لا يصح، فإنه إنما يتناول ضرب العدد الصحيح دون المكسور، بل الحد الجامع لهما أن يقال: الضرب طلب جملة تكون نسبتها إلى أحد المضروبين كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر، فإذا قيل: اضرب النصف في الربع فالخارج هوالثمن، ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد. فهذا وإن كان كلامًا صحيحًا، لكن من المعلوم أن من معه مال يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه ألا يقسمه حتى يتصور هذا كله، كان هذا تعذيبًا له بلا فائدة، وقد لا يفهم هذا الكلام، وقد تعرض له فيه إشكالات.

فكذلك الدليل والبرهان هو المرشد إلى المطلوب، والموصل إلى المقصود، وكل ما كان مستلزمًا لغيره فإنه يمكن أن يستدل به عليه؛ ولهذا قيل: الدليل ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن.

فالمقصود أن كل ما كان مستلزمًا لغيره بحيث يكون ملزوما له، فإنه يكون دليلا عليه وبرهانًا له، سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديًا والآخر عدميًا، فأبدًا الدليل ملزوم للمدلول عليه، والمدلول لازم للدليل.

ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت علم المطلوب، وقد يحتاج المستدل إلى مقدمتين، وقد يحتاج إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس وأكثر، ليس لذلك حد مقدر يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب، بل ذلك بحسب علم المستدل الطالب بأحوال المطلوب، والدليل، ولوازم ذلك، وملزوماته. فإذا قدر أنه قد عرف ما به يعلم المطلوب مقدمة واحدة، كان دليله الذي يحتاج إلى بيانه له تلك المقدمة، كمن علم أن الخمر محرم، وعلم أن النبيذ المتنازع فيه مسكر، لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر، فهو لا يحتاج إلا إلى هذه المقدمة.

فإذا قيل: ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مسكر خمر»، حصل مطلوبه، ولم يحتج إلى أن يقال: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر خمر. ولا أن يقال: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، فإن هذا كله معلوم له لم يكن يخفى عليه، إلا أن اسم الخمر هل هو مختص ببعض المسكرات كما ظنه طائفة من علماء المسلمين، أو هو شامل لكل مسكر، فإذا ثبت له عن صاحب الشرع أنه جعله عامًا لا خاصا حصل مطلوبه. وهذا الحديث في صحيح مسلم، ويروي بلفظين: «كل مسكر خمر»، و«كل مسكر حرام». ولم يقل: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام. كالنظم اليوناني، فإن النبي ﷺ أجل قدرًا في علمه وبيانه من أن يتكلم بمثل هذيانهم، فإنه إن قصد مجرد تعريف الحكم لم يحتج مع قوله إلى دليل. وإن قصد بيان الدليل كما بين الله في القرآن عامة المطالب الإلهية التي تقرر الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، فهو ﷺ أعلم الخلق بالحق، وأحسنهم بيانا له.

فعلم أنه ليس جميع المطالب تحتاج إلى مقدمتين، ولا يكفي في جميعها مقدمتان، بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة سواء كان مقدمة، أو مقدمتين، أو أكثر. وما قصد به هدى عام كالقرآن الذي أنزله الله بيانا للناس يذكر فيه من الأدلة ما ينتفع به الناس عامة، وهذا إنما يمكن بيان أنواعها العامة. وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام، بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله، ونظره فيما يخص حاله ونحو ذلك.

وأيضا، فما يذكرونه من القياس لا يفيد العلم بشيء معين من الموجودات، ثم تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحد منها بما هو أيسر من قياسهم، فلا تعلم كلية بقياسهم إلا والعلم بجزئياتها ممكن بدون قياسهم، وربما كان أيسر، فإن العلم بالمعينات قد يكون أبين من العلم بالكليات، وهذا مبسوط في موضعه.

والمقصود هنا: أن المطلوب هو العلم، والطريق إليه هو الدليل، فمن عرف دليل مطلوبه، عرف مطلوبه، سواء نظمه بقياسهم أم لا، ومن لم يعرف دليله لم ينفعه قياسهم، ولا يقال: إن قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها، فإن هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم، فإن حقيقة قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته.

وأما كون الدليل المعين مستلزمًا لمدلوله، فهذا ليس في قياسهم ما يتعرض له بنفي ولا إثبات، وإنما هذا بحسب علمه بالمقدمات التي اشتمل عليها الدليل، وليس في قياسهم بيان صحة شيء من المقدمات ولا فسادها، وإنما يتكلمون في هذا إذا تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ما يصدق بها، وكلامهم في هذا فيه خطأ كثير، كما نبه عليه في موضع آخر.

والمقصود هنا أن الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو اللزوم، فمن عرف أن هذا لازم لهذا، استدل بالملزوم على اللازم. وإن لم يذكر لفظ اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ، بل من عرف أن كذا لابد له من كذا، أو أنه إذا كان كذا كان كذا، وأمثال هذا، فقد علم اللزوم. كما يعرف أن كل ما في الوجود آية لله، فإنه مفتقر إليه محتاج إليه، لابد له من محدث، كما قال تعالى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ } [1]، قال جبير بن مطعم: لما سمعت هذه الآية أحسست بفؤادي قد انصدع. فإن هذا تقسيم حاصر يقول: أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع في بدائة العقول، أم خلقوا أنفسهم، فهذا أشد امتناعا، فعلم أن لهم خالقًا خلقهم.

وهو - سبحانه - ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار، ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس، لا يمكن لأحد إنكارها، فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: هذا أحدث نفسه.

وكثير من النظار يسلك طريقًا في الاستدلال على المطلوب، ويقول: لا يوصل إلى مطلوب إلا بهذا الطريق، ولا يكون الأمر كما قاله في النفي، وإن كان مصيبًا في صحة ذلك الطريق، فإن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج، يسر الله على عقول الناس معرفة أدلته، فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا، وطرق الناس في معرفتها كثيرة.

وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس. وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره. أو من أعرض عن غيره، وبعض الناس يكون كلما كان الطريق أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له؛ لأن نفسه اعتادت النظر في الأمور الدقيقة، فإذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به، ومثل هذا قد تستعمل معه الطرق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته، لا لكون العلم بالمطلوب متوقفًا عليها مطلقًا، فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم، فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات؛ ولهذا يرغب كثير من علماء السنة في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور وهو علم صحيح في نفسه.

هامش

  1. [الطور: 35]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد التاسع - المنطق
سئل شيخ الإسلام عن المنطق | فصل في وصف جنس كلام المناطقة | مسألة في القياس | قال شيخ الإسلام واصفا المنطق اليوناني | الكلام في أربع مقامات مقامين سالبين ومقامين موجبين | المقام الأول | المقام الثاني | فصل في قولهم إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس | تنازع العلماء في مسمى القياس | العلوم ثلاثة | تكلم ابن سينا في أشياء من الإلهيات والنبوات | الفرق بين الآيات وبين القياس | قياس الأولى | فصل في تقسيم جنس الدليل إلى القياس والاستقراء | فصل في قولهم الاستدلال لابد فيه من مقدمتين | قول المتأخرين إن تعلم المنطق فرض على الكفاية | ظن بعض الناس أن الوسط هو ما يكون متوسطا | التباس المنطق على طائفة لم يتصوروا حقائقه ولوازمه | قياس الشبه | الزعم بأن المنطق آلة قانونية | فصل في قولهم إن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن | قولهم إن الفراسة البدنية هي عين التمثيل | تفريقهم بين قياس الشمول وقياس التمثيل | قولهم كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم ظني | ما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل | فصل في قولهم إن القياس أو البرهان يفيد العلم بالتصديقات | علم الفرائض نوعان | لفظ الدور يقال على ثلاثة أنواع | ليس تعليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقصورا على مجرد الخبر | اعتراض قوم من متكلمي أهل الإسلام على أوضاع المنطق | اتفاق العقلاء على أن ضرب المثل مما يعين على معرفة الكليات | من أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف | فصل في ضبط كليات المنطق | فصل اختلاف العلماء في مسمى القياس | فصل الفساد في المنطق في البرهان وفي الحد | فصل ملخص المنطق المعرب الذي بلغته العرب عن اليونانيين | سئل عن كتب المنطق | سئل شيخ الإسلام عن العقل | تسمية أرسطو وأتباعه الرب عقلا وجوهرا | فصل اسم العقل صفة | فصل عن الروح المدبرة للبدن | فصل عن معاني الروح والنفس | النفوس ثلاثة أنواع | فصل كيفية تعلم النفس | فصل عن الجوهر | سئل الشيخ أيهما أفضل العلم أو العقل | فصل في حكمة خلق القلب