كتاب الرسالة/النهي عن معنى يشبه الذي قبله في شيء ويفارقه في شيء غيره

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الرسالة
النهي عن معنى يشبه الذي قبله في شيء ويفارقه في شيء غيره
الشافعي


النهي عن معنى يشبه الذي قبله في شيء ويفارقه في شيء غيره


أخبرنا مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة: (أن رسول الله نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس) [1]

أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله قال: (لا يتحرى [2] أحدكم بصلاته عند طلوع الشمس ولا عند غروبها) [3]

أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي، أن رسول الله قال: (إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، ونهى رسول الله عن الصلاة في تلك الساعات) [4]

فاحتمل النهي من رسول الله عن الصلاة في هذه الساعات معنيين:

- أحدهما: - وهو أعمهما - أن تكون الصلوات كلها، واجبها الذي نسي ونيم عنه، وما لزم بوجه من الوجوه منها: محرما في هذه الساعات، لا يكون لأحد أن يصلي فيها، ولو صلى لم يؤدي [5] ذلك عنه ما لزمه من الصلاة، كما يكون من قدم صلاة قبل دخول وقتها لم تجزي عنه.

واحتمل أن يكون أراد به بعض الصلاة دون بعض.

فوجدنا الصلاة تتفرق بوجهين: أحدهما: ما وجب منها فلم يكن لمسلم تركه في وقته، ولو تركه كان عليه قضاه، والآخر: ما تقرب إلى الله بالتنقل فيه، وقد كان للمتنقل تركه بلا قضا له عليه.

ووجدنا الواجب عليه منها يفارق التطوع في السفر إذا كان المرء راكبا، فيصلي المكتوبة بالأرض، لا يجزئه غيرها، والنافلة راكبا متوجها حيث شاء.

ومفرقان في الحضر والسفر، ولا يكون لمن أطاق القيام أن يصلي واجبا من الصلاة قاعدا، ويكون ذلك له في النافلة.

فلما احتمل المعنيين، وجب على أهل العلم أن لا يحملوها على خاص دون عام إلا بدلالة، من سنة رسول الله، أو إجماع علماء المسلمين، الذين لا يمكن أن يجمعوا على خلاف سنة له.

قال: وهكذا غير هذا من حديث رسول الله، هو على الظاهر من العام حتى تأتي الدلالة عنه كما وصفت، أو بإجماع المسلمين: أنه على باطن دون ظاهر، وخاص دون عام، فيجعلونه بما جاءت عليه الدلالة عليه، ويطيعونه في الأمرين جميعا.

أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج يحدثونه عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) [6]

قال الشافعي: فالعلم يحيط أن المصلي ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس والمصلي ركعة من العصر قبل غروب الشمس، قد صليا معا في وقتين يجمعان تحريم وقتين، وذلك أنهما صليا بعد الصبح والعصر، ومع بزوغ الشمس ومغيبها، وهذه أربعة أوقات منهي عن الصلاة فيها.

لما جعل رسول الله المصلين في هذه الأوقات مدركين لصلاة الصبح والعصر، استدللنا على أن نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات على النوافل التي لا تلزم، وذلك أنه لا يكون أن يجعل المرء مدركا لصلاة في وقت نهي فيه عن الصلاة.

أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله قال: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: { أقم الصلاة لذكري(14) } طه: 14 ) [7]

وحدث أنس بن مالك وعمران بن حصين عن النبي مثل معنى حديث ابن المسيب، وزاد أحدهما: أو نام عنها.

قال الشافعي: فقال رسول الله: فليصلها إذا ذكرها، فجعل ذلك وقتا لها، وأخبر به عن الله - تبارك وتعالى - ولم يستثني [8]

وقتا من الأوقات يدعها فيه بعد ذكرها.

أخبرنا ابن عيينة عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم أن النبي قال: (يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلى، أي ساعة شاء، من ليل أو نهار) [9]

أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج عن عطاء عن النبي مثل معناه، وزاد فيه: يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، ثم ساق الحديث.

قال: فأخبر جبير عن النبي، أنه أمر بإباحة الطواف بالبيت والصلاة له في أي ساعة شاء الطائف والمصلي.

وهذا يبين أنه إنما نهى عن المواقيت التي نهى عنها، عن الصلاة التي لا تلزم بوجه من الوجوه، فأما ما لزم فلم ينه عنه، بل أباحه، صلى الله عليه.

وصلى المسلمون على جنائزهم عامة بعد العصر والصبح، لأنها لازمة.

وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن عمر بن الخطاب طاف بعد الصبح، ثم نظر فلم يرى [10] الشمس طلعت، فركب حتى أتى ذا طوى وطلعت الشمس، فأناخ فصلى: فنهى عن الصلاة للطواف بعد العصر وبعد الصبح، كما نهى عما لا يلزم من الصلاة.

قال: فإذا كان لعمر أن يؤخر الصلاة للطواف، فإنما تركها لأن ذلك له، ولأنه لو أراد منزلا بذي طوى لحاجة كان واسعا له - إن شاء الله -، ولكن سمع النهي جملة عن الصلاة، وضرب المنكدر عليها بالمدينة بعد العصر، ولم يسمع ما يدل على أنه إنما نهى عنها للمعنى الذي وصفنا، فكان يجب عليه ما فعل.

ويجب على من علم المعنى الذي نهى عنه والمعنى الذي أبيحت فيه: أن إباحتها بالمعنى الذي أباحها فيه خلاف المعنى الذي نهى فيه عنها، كما وصفت مما روى علي عن النبي من النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، إذ سمع النهي ولم يسمع سبب النهي.

قال: فإن قال قائل: فقد صنع أبو سعيد الخدري كما صنع عمر؟

قلنا: والجواب فيه كالجواب في غيره.

قال: فإن قال قائل: فهل من أحد صنع خلاف ما صنعا؟

قيل: نعم، ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، والحسن، والحسين، وغيرهم، وقد سمع ابن عمر النهي من النبي.

أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: رأيت أنا وعطاء بن أبي رباح ابن عمر طاف بعد الصبح، وصلى قبل أن تطلع الشمس.

سفيان عن عمار الدهني عن أبي شعبة: أن الحسن والحسين طافا بعد العصر وصليا.

أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: رأيت ابن عباس طاف بعد العصر وصلى.

قال: وإنما ذكرنا تفرق أصحاب رسول الله في هذا ليستدل من علمه على أن تفرقهم فيما لرسول الله فيه سنة: لا يكون إلا على هذا المعنى، أو على أن لا تبلغ السنة من قال خلافها منهم، أو تأويل تحتمله السنة، أو ما أشبه ذلك، مما قد يرى قائله له فيه عذرا، إن شاء الله.

وإذا ثبت عن رسول الله الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرا يخالف أمره.

هامش

  1. [البخاري: كتاب مواقيت الصلاة/553؛ مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها/1366؛ مالك: كتاب النداء للصلاة/461]
  2. [ هكذا هو بإثبات الألف وتكرر غير مرة نحوه وتمحل الشراح في تأويله فعدوا (لا) نافية وهو غير سديد وقدمنا توجيه نحوه في التعليق على ص 275 وأنه إشباع للحركة قبل الحرف]
  3. [البخاري: كتاب مواقيت الصلاة/550؛ مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها/1369؛ مالك: كتاب النداء للصلاة/460. ]
  4. [ النسائي: كتاب المواقيت/556؛ مالك: كتاب النداء للصلاة/457]
  5. [ هكذا ثبت بالياء وانظر التعليق على ص 275]
  6. [ مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة/956؛ أحمد: باقي مسند المكثرين/9575؛ مالك: كتاب وقوت الصلاة/4(1) ]
  7. [ البخاري: كتاب مواقيت الصلاة/562؛ النسائي: كتاب المواقيت/615؛ أبو داود: كتاب الصلاة/371؛ ابن ماجه: كتاب الصلاة/689؛ الدارمي: كتاب الصلاة/1201]
  8. [ هكذا هي بالياء وكثر مجيء نحوها كثرة يطمأن إلى صحتها ويركن إلى مذهبها. وانظر ص 275]
  9. [ الترمذي: كتاب الحج/795؛ النسائي: كتاب المواقيت/581؛ أبو داود: كتاب المناسك/1618؛ ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/1244؛]
  10. [ انظر الحاشية من المقطع السابق مباشرة]
كتاب الرسالة
المقدمة | باب كيف البيان | باب البيان الأول | باب البيان الثاني | باب البيان الثالث | باب البيان الرابع | باب البيان الخامس | باب: بيان ما نزل من الكتاب عاما يُراد به العام | باب: بيان ما أنزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العام والخصوص | باب: بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص | باب: الصنف الذي يبين سياقه معناه | الصنف الذي يدل لفظه على باطنه، دون ظاهره | باب: ما نزل عاماًّ دلت السنة خاصة على أنه يراد به الخاص | بيان فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه | باب: ما أمر الله من طاعة رسوله | باب: ما أبان الله لخلقه من فرائض | ابتداء الناسخ والمنسوخ | الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه | باب: فرض الصلاة الذي دل الكتاب ثم السنة على من تزول عنه بعذر | الناسخ والمنسوخ الذي تدلُّ عليه السنة والإجماع | باب: الفرائض التي أنزل الله نصاً | الفرائض المنصوصة التي سن رسول الله معها | الفرض المنصوص الذي دلت السنة على أنه إنما أراد الخاص | جمل الفرائض | في الزكاة | (في الحج) | (في العدد) | في محرمات النساء | في محرمات الطعام | عدة الوفاة | باب العلل في الحديث | وجه آخر من الناسخ والمنسوخ | وجه آخر في الناسخ والمنسوخ | وَجه آخر | وجه آخر من الاختلاف | اختلاف الرواية على وجه غير الذي قبله | وجه آخر مما يعد مختلفا وليس عندنا بمختلف | وجه آخر مما يعد مختلفا | وجه آخر في الاختلاف | في غسل الجمعة | النهي عن معنى دل عليه معنى في حديث غيره | النهي عن معنى أوضح من معنى قبله | النهي عن معنى يشبه الذي قبله في شيء ويفارقه في شيء غيره | باب آخر- وجه آخر يشبه الباب قبله | وجه يشبه المعنى الذي قبله | صفة نهي الله ونهي رسوله | باب العلم | باب خبر الواحد | الحجة في تثبيت خبر الواحد | باب الإجماع | القياس | باب الاجتهاد | باب الاستحسان | باب الاختلاف | أقاويل الصحابة | منزلة الإجماع والقياس