كتاب الرسالة/النهي عن معنى دل عليه معنى في حديث غيره

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الرسالة
النهي عن معنى دل عليه معنى في حديث غيره
الشافعي


النهي عن معنى دل عليه معنى في حديث غيره


أخبرنا مالك عن أبي الزناد ومحمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) [1]

أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي، أنه قال: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) [2]

قال الشافعي: فلو لم تأت عن رسول الله دلالة على أن نهيه عن أن يخطب على خطبة أخيه على معنى دون معنى: كان الظاهر أن حراما أن يخطب المرء على خطبة غيره من حين يبتدئ إلى أن يدعها.

قال: وكان قول النبي: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) يحتمل أن يكون جوابا أراد به في معنى الحديث، ولم يسمع من حدثه: السبب الذي له قال رسول الله هذا، فأديا بعضه دون بعض، أو شكا في بعضه وسكتا عما شكا فيه.

فيكون النبي سئل عن رجل خطب امرأة فرضيته وأذنت في نكاحه، فخطبها أرجح عندها منه، فرجعت عن الأول الذي أذنت في إنكاحه، فنهى عن خطبة المرأة إذا كانت بهذه الحال، وقد يكون أن ترجع عن من أذنت في إنكاحه، فلا ينكحها من رجعت له، فيكون فسادا عليها وعلى خاطبها الذي أذنت في إنكاحه.

فإن قال قائل: لم صرت إلى أن تقول إن نهي النبي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه: على معنى دون معنى؟

فبالدلالة عنه.

فإن قال: فأين هي؟

قيل له - إن شاء الله -: أخبرنا مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس: (أن زوجها طلقها، فأمرها رسول الله أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال: إذا حللت فآذنيني، قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله: فأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته، فقال: انكحي أسامة، فنكحته، فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت به) [3]

قال الشافعي: فبهذا قلنا.

ودلت سنة رسول الله في خطبته فاطمة على أسامة بعد إعلامها رسول الله أن معاوية وأبا جهم خطباها، على أمرين:

- أحدهما: أن النبي يعلم أنهما لا يخطبانها إلا وخطبة أحدهما بعد خطبة الآخر، فلما لم ينهها ولم يقل لها ما كان لواحد أن يخطبك حتى يترك الآخر خطبتك، وخطبها على أسامة بن زيد بعد خطبتهما: فاستدللنا على أنها لم ترضى، [4]

ولو رضيت واحدا منهما أمرها أن تتزوج من رضيت، وأن إخبارها إياه بمن خطبها، إنما كان إخبارا عما لم تأذن فيه، ولعلها استشارة له، ولا يكون أن تستشيره وقد أذنت بأحدهما.

فلما خطبها على أسامة استدللنا على أن الحال التي خطبها فيه غير الحال التي نهى عن خطبتها فيها، ولم تكن حال تفرق بين خطبتها حتى يحل بعضها ويحرم بعضها، إلا إذا أذنت للولي أن يزوجها، فكان لزوجها - إن زوجها الولي - أن يلزمها التزويج، وكان عليه أن يلزمه، وحلت له، فأما قبل ذلك فحالها واحدة: ليس لوليها أن يزوجها حتى تأذن، فركونها وغير ركونها سواء.

فإن قال قائل: فإنها راكنة مخالفة لحالها غير راكنة.

فكذلك هي لو خطبت فشتمت الخاطب وترغبت عنه ثم عاد عليها بالخطبة فلم تشتمه ولم تظهر ترغبا ولم تركن: كانت حالها التي تركت فيها شتمه مخالفة لحالها التي شتمته فيها، وكانت في هذه الحال أقرب إلى الرضا، ثم تنتقل حالاتها، لأنها قبل الركون إلى متأول، بعضها أقرب إلى الركون من بعض.

ولا يصح فيه معنى بحال - والله أعلم - إلا ما وصفت من أنه نهى عن الخطبة بعد إذنها للولي بالتزويج، حتى يصير أمر الولي جائزا، فأما ما لم يجز أمر الولي فأول حالها وآخرها سواء، والله أعلم.

هامش

  1. [ البخاري: كتاب النكاح/4747؛ النسائي: كتاب النكاح/3188؛ أبو داود: كتاب النكاح/1782؛ أحمد: باقي مسند المكثرين/9572]
  2. [مالك: كتاب النكاح/965]
  3. [ مسلم: كتاب الطلاق/2709؛ النسائي: كتاب النكاح/3193؛ أبو داود: كتاب الطلاق/1944؛ مالك: كتاب الطلاق/1064]
  4. [ هكذا هو في الأصل بإثبات الألف وقد قدمنا توجيه نحوه وأنه جائز في التعليق على ص 275]
كتاب الرسالة
المقدمة | باب كيف البيان | باب البيان الأول | باب البيان الثاني | باب البيان الثالث | باب البيان الرابع | باب البيان الخامس | باب: بيان ما نزل من الكتاب عاما يُراد به العام | باب: بيان ما أنزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العام والخصوص | باب: بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص | باب: الصنف الذي يبين سياقه معناه | الصنف الذي يدل لفظه على باطنه، دون ظاهره | باب: ما نزل عاماًّ دلت السنة خاصة على أنه يراد به الخاص | بيان فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه | باب: ما أمر الله من طاعة رسوله | باب: ما أبان الله لخلقه من فرائض | ابتداء الناسخ والمنسوخ | الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه | باب: فرض الصلاة الذي دل الكتاب ثم السنة على من تزول عنه بعذر | الناسخ والمنسوخ الذي تدلُّ عليه السنة والإجماع | باب: الفرائض التي أنزل الله نصاً | الفرائض المنصوصة التي سن رسول الله معها | الفرض المنصوص الذي دلت السنة على أنه إنما أراد الخاص | جمل الفرائض | في الزكاة | (في الحج) | (في العدد) | في محرمات النساء | في محرمات الطعام | عدة الوفاة | باب العلل في الحديث | وجه آخر من الناسخ والمنسوخ | وجه آخر في الناسخ والمنسوخ | وَجه آخر | وجه آخر من الاختلاف | اختلاف الرواية على وجه غير الذي قبله | وجه آخر مما يعد مختلفا وليس عندنا بمختلف | وجه آخر مما يعد مختلفا | وجه آخر في الاختلاف | في غسل الجمعة | النهي عن معنى دل عليه معنى في حديث غيره | النهي عن معنى أوضح من معنى قبله | النهي عن معنى يشبه الذي قبله في شيء ويفارقه في شيء غيره | باب آخر- وجه آخر يشبه الباب قبله | وجه يشبه المعنى الذي قبله | صفة نهي الله ونهي رسوله | باب العلم | باب خبر الواحد | الحجة في تثبيت خبر الواحد | باب الإجماع | القياس | باب الاجتهاد | باب الاستحسان | باب الاختلاف | أقاويل الصحابة | منزلة الإجماع والقياس