كتاب الأم/كتاب الوصايا/باب عطايا المريض

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كتاب الأم - كتاب الوصايا

المؤلف: الشافعي
باب عطايا المريض


أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى لما أعتق الرجل ستة مملوكين له لا مال له غيرهم في مرضه، ثم مات فأعتق رسول الله ﷺ اثنين وأرق أربعة دل ذلك على أن كل ما أتلف المرء من ماله في مرضه بلا عوض يأخذه مما يتعوض الناس ملكا في الدنيا فمات من مرضه ذلك فحكمه حكم الوصية، ولما كان إنما يحكم بأنه كالوصية بعد الموت فما أتلف المرء من ماله في مرضه ذلك فحكمه حكم الوصايا فإن صح تم عليه ما يتم به عطية الصحيح، وإن مات من مرضه ذلك كان حكمه حكم وصيته ومتى حدثت له صحة بعد ما أتلف منه، ثم عاوده مرض فمات تمت عطيته إذا كانت الصحة بعد العطية فحكم العطية حكم عطية الصحيح.

[قال الشافعي]: وجماع ذلك ما وصفت من أن يخرج من ملكه شيئا بلا عوض يأخذه الناس من أموالهم في الدنيا فالهبات كلها والصدقات والعتاق ومعاني هذه كلها هكذا فما كان من هبة، أو صدقة، أو ما في معناها لغير وارث، ثم مات فهي من الثلث فإن كان معها وصايا فهي مبدأة عليها؛ لأنها عطية بتات قد ملكت عليه ملكا يتم بصحته من جميع ماله ويتم بموته من ثلثه إن حمله والوصايا مخالفة لهذا. الوصايا لم تملك عليه وله الرجوع فيها، ولا تملك إلا بموته وبعد انتقال الملك إلى غيره.

[قال الشافعي]: وما كان من عطية بتات في مرضه لم يأخذ بها عوضا أعطاه إياها، وهو يوم أعطاه ممن يرثه لو مات أولا يرثه فهي موقوفة، فإذا مات فإن كان المعطى وارثا له حين مات أبطلت العطية؛ لأني إذا جعلتها من الثلث لم أجعل لوارث في الثلث شيئا من جهة الوصية، وإن كان المعطى حين مات المعطي غير وارث أجزتها له؛ لأنها وصية لغير وارث.

[قال الشافعي]: وما كان من عطايا المريض على عوض أخذه مما يأخذ الناس من الأموال في الدنيا فأخذ به عوضا يتغابن الناس بمثله، ثم مات فهو جائز من رأس المال، وإن أخذ به عوضا لا يتغابن الناس بمثله فالزيادة عطية بلا عوض فهي من الثلث فمن جازت له وصية جازت له ومن لم تجز له وصية لم تجز له الزيادة وذلك، الرجل يشتري العبد، أو يبيعه، أو الأمة، أو الدار، أو غير ذلك مما يملك الآدميون، فإذا باع المريض ودفع إليه ثمنه، أو لم يدفع حتى مات فقال ورثته حاباك فيه، أو غبنته فيه نظر إلى قيمة المشترى يوم وقع البيع والثمن الذي اشتراه به فإن كان اشتراه بما يتغابن أهل المصر بمثله كان الشراء جائزا من رأس المال، وإن كان اشتراه بما لا يتغابن الناس بمثله كان ما يتغابن أهل المصر بمثله جائزا من رأس المال وما جاوزه جائزا من الثلث فإن حمله الثلث جاز له البيع، وإن لم يحمله الثلث قيل للمشتري لك الخيار في رد البيع إن كان قائما وتأخذ ثمنه الذي أخذ منك، أو تعطي الورثة الفضل عما يتغابن الناس بمثله مما لم يحمله الثلث فإن كان البيع فائتا رد ما بين قيمة ما لا يتغابن الناس بمثله مما لم يحمله الثلث، وكذلك إن كان البيع قائما قد دخله عيب رد قيمته.

[قال الشافعي]: فإن كان المريض المشتري فهو في هذا المعنى ويقال للبائع البيع جائز فيما يتغابن الناس بمثله من رأس المال وبما جاوز ما يتغابن الناس بمثله من الثلث فإن لم يكن له ثلث، أو كان فلم يحمله الثلث قيل له إن شئت سلمته بما سلم لك من رأس المال والثلث وتركت الفضل والبيع جائز، وإن شئت رددت ما أخذت ونقضت البيع إن كان البيع قائما بعينه.

[قال الشافعي]: وإن كان مستهلكا، ولم تطب نفس البائع عن الفضل فللبائع من مال الميت ما يتغابن الناس بمثله في سلعته وما حمل الثلث مما لا يتغابن الناس بمثله ويرد الفضل عن ذلك على الورثة، وإن كان السلعة قائمة قد دخلها عيب.

[قال الشافعي]: وإن كان المبيع عبدا، أو غيره فاشتراه المريض فظهر منه على عيب فأبرأ البائع من العيب فكان في ذلك غبن كان القول فيه كالقول فيما انعقد عليه البيع، وفيه غبن، وكذلك لو اشتراه صحيحا، ثم ظهر منه على عيب، وهو مريض فأبرأه منه أو اشتراه وله فيه خيار رؤية أو خيار شرط، أو خيار صفقة فلم يسقط خيار الصفقة بالتفرق، ولا خيار الرؤية بالرؤية، ولا خيار الشرط بانقضاء الشرط حتى مرض ففارق البائع، أو رأى السلعة فلم يردها، أو مضت أيام الخيار، وهو مريض فلم يرده؛ لأن البيع تم في هذا كله، وهو مريض.

[قال الشافعي]: وسواء في هذا كله كان البائع الصحيح والمشتري المريض، أو المشتري الصحيح والبائع المريض على أصل ما ذهبنا إليه من أن الغبن يكون في الثلث وهكذا لو باع مريض من مريض، أو صحيح من صحيح، ولو اختلف ورثة المريض البائع والمشتري الصحيح في قيمة ما باع المريض فقال المشتري اشتريتها منه وقيمتها مائة وقال الورثة بل باعكها وقيمتها مائتان، ولو كان المشتري في هذا كله وارثا، أو غير وارث فلم يمت الميت حتى صار وارثا كان بمنزلة من لم يزل وارثا له إذا مات الميت، فإذا باعه الميت وقبض الثمن منه، ثم مات فهو مثل الأجنبي في جميع حاله إلا فيما زاد على ما يتغابن الناس به فإن باعه بما يتغابن الناس بمثله جاز، وإن باعه بما لا يتغابن الناس بمثله قيل: للوارث حكم الزيادة على ما يتغابن الناس بمثله حكم الوصية وأنت فلا وصية لك فإن شئت فاردد البيع إذا لم يسلم لك ما باعك، وإن شئت فأعط الورثة من ثمن السلعة ما زاد على ما يتغابن الناس بمثله، ثم هو في فوت السلعة وغبنها مثل الأجنبي، وكذلك إن باع مريض وارث من مريض وارث.

كتاب الأم - كتاب الوصايا
باب الوصية وترك الوصية | باب الوصية بمثل نصيب أحد ولده أو أحد ورثته ونحو ذلك وليس في التراجم | باب الوصية بجزء من ماله | باب الوصية بشيء مسمى بغير عينه | باب الوصية بشيء مسمى لا يملكه | باب الوصية بشاة من ماله | باب الوصية بشيء مسمى فيهلك بعينه، أو غير عينه | باب ما يجوز من الوصية في حال، ولا يجوز في أخرى | باب الوصية في المساكين والفقراء | باب الوصية في الرقاب | باب الوصية في الغارمين | باب الوصية في سبيل الله | باب الوصية في الحج | باب العتق والوصية في المرض | باب التكملات | باب الوصية للرجل وقبوله ورده | باب ما نسخ من الوصايا | باب الخلاف في الوصايا | باب الوصية للزوجة | باب استحداث الوصايا | باب الوصية بالثلث وأقل من الثلث وترك الوصية | باب عطايا المريض | باب نكاح المريض | هبات المريض | باب الوصية بالثلث | باب الوصية في الدار والشيء بعينه | باب الوصية بشيء بصفته | باب المرض الذي تكون عطية المريض فيه جائزة، أو غير جائزة | باب عطية الحامل وغيرها ممن يخاف | باب عطية الرجل في الحرب والبحر | باب الوصية للوارث | باب ما يجوز من إجازة الوصية للوارث وغيره وما لا يجوز | باب ما يجوز من إجازة الورثة للوصية وما لا يجوز | باب اختلاف الورثة | الوصية للقرابة | باب الوصية لما في البطن والوصية بما في البطن | باب الوصية المطلقة والوصية على الشيء | باب الوصية للوارث | باب تفريغ الوصايا للوارث | الوصية للوارث | مسألة في العتق | باب الوصية بعد الوصية | باب الرجوع في الوصية | باب ما يكون رجوعا في الوصية وتغييرا لها وما لا يكون رجوعا، ولا تغييرا | تغيير وصية العتق | باب وصية الحامل | صدقة الحي عن الميت | باب الأوصياء | باب ما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامى | الوصية التي صدرت من الشافعي رضي الله عنه