المزهر/النوع السابع عشر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
في علوم اللغة وأنواعها
  ►معرفة مختلف اللغة معرفة تداخل اللغات معرفة توافق اللغات ◄  


النوع السابع عشر

معرفة تداخل اللغات


قال ابن جني في الخصائص: إذا اجتمع في الكلام الفصيح لغتان فصاعدًا كقوله:

وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ** إلا لأن عُيُونُهْ سال واديها

فقال: نحوه بالإشباع، وعيونه بالإسكا، ن فينبغي أن يُتَأَمَّل حال كلامه؛ فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال وكثرتهما واحدةٌ فأخْلَق الأمر به أن تكونَ قبيلتُه تواضعت في ذلك المعنى على ذينك اللفظين لأنّ العرب قد تفعلُ ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها وسَعة تصرّف أقوالها ويجوز أن تكون لغتُه في الأصل إحداهما ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلةٍ أخرى وطال بها عهدُه وكثر استعماله لها فلحقت - لطول المدّة واتساع الاستعمال - بلغته الأولى وإن كانت إحدى اللفظتين أكثرَ في كلامه من الأخرى فأخْلَق الأمر به أن تكون القليلةُ الاستعمال هي الطارئة عليه والكثيرةُ هي الأولى الأصلية. ويجوز أن تكونا مخالفتين له ولقبيلته وإِنما قلَّت إحداهما في استعماله لضعفها في نفسه وشذوذها عن قياسه.

وإذا كثر على المعنى الواحد ألفاظٌ مختلفة فسُمِعت في لغة إنسان واحد فعلى ما ذكرناه كما جاء عنهم في أسماء الأسد والسيف والخمر وغير ذلك وكما تنْحَرف الصيغةُ واللفظ واحد كقولهم: رَغْوة اللبن ورُغْوته ورِغاوته كذلك مثلثًا.

وكقولهم: جئت من عَلِ ومن عَلُ ومن عَلا ومن عُلْو ومن عِلْو ومن عَلْوُ ومن عالٍ ومن مُعالٍ فكلُ ذلك لغات لجماعات وقد تجتمع لإنسان واحد.

قال الأصمعي: اختلف رجلان في الصقر فقال أحدُهما: بالصاد وقال الآخر: بالسين فتراضَيا بأوَّل واردٍ عليهما فحكيا له ما هما فيه فقال: لا أقول كما قلتما إنما هو الزقْر وعلى هذا يتخرَّج جميعُ ما ورد من التَّدَاخل نحو قَلا يَقْلَى وسَلَى يَسْلَى وطهُر فهو طاهر وشَعُر فهو شاعر فكلُّ ذلك إنما هو لغاتٌ تداخلتْ فتركّبت بأن أُخِذ الماضي من لغةٍ والمضارعُ أو الوصفُ من أُخرى لا تَنْطقُ بالماضي كذلك فحصل التداخل والجمع بين اللغتين فإنّ من يقول قَلَى يقول في المضارع يَقْلِي والذي يقول يَقْلَى يقول في الماضي قَلَِي وكذا من يقول سَلا يقول في المضارع يَسْلو من يقول فيه يَسْلَى يقول في الماضي سَلِي فتلاقَى أصحابُ اللغتين فسَمِع هذا لغةَ هذا وهذا لغة هذا فأخذَ كلُّ واحد من صاحبه ماضيَه إلى لغته فتركَّبَت هناك لغةٌ ثالثة وكذا شاعر وطاهر إنما هو من شَعَر وطهَر بالفتح وأما بالضّم فوصفُه على فعيل فالجمعُ بينهما من التداخل. انتهى كلامُ ابن جنّي.

وقال ابن دريد في الجمهرة: البُكا يمد ويُقصر، فمن مده أخرجه مخرج الضُّغاء والرُّغاء ومن قَصره أخرجه مخرج الآفة وما أشبهها مثل الضَّنى ونحوه.

وقال قومٌ من أهل اللغة: بل هما لغتان صحيحتان وأنشدوا بيت حسان:

بكَتْ عيني وحقّ لها بُكاها ** وما يُغْني البكاءُ ولا العَويلُ

وكان بعضُ مَن يُوثق به يَدفع هذا ويقول: لا يجمع عربي لفظين أحدهما ليس من لغته في بيت واحد. وقد جاء هذا في الشعر الفصيح كثيرا. انتهى.

وقال ثعلب في أماليه: يقال: فَضَل يفْضُل وفَضِل يَفْضَل وربما قالوا فَضِل يَفْضُل.

قال الفراء وغيرُه من أهل العربية: فَعِل يفعُل لا يجيء في الكلام إلا في هذين الحرفين: مِتّ تَمُوت في المعتل ودِمتَ تَدُوم وفي السالم فَضِل يَفْضُل أخذوا مِتّ من لغةِ مَنْ قال يفضَل وأخذوا يموت مِن لغةِ مَنْ قال يفضُل ولا يُنكر أن يؤخذ بعض اللغات من بعض.

وقال ابن درستويه في شرح الفصيح: يقال: حَسِبَ يَحْسَب نظير علم يعلم لأنه من بابه وهو ضدّه فخرج على مِثاله وأما يحسِب بالكسر في المستقبل فلغةٌ مثل وَرِم يَرِم وَوَلِي يَلي.

وقال بعضهم: يقال حَسَب يَحْسِب على مثال ضرب يضرب مخالفة للغة الأخرى فمن كسر الماضي والمستقبل فإنما أخذ الماضي من تلك اللغة والمستقبل من هذه فانكسر الماضي والمستقبل لذلك.

وقال في موضع آخر شملهم الأمر يشملهم لغات فمن العرب قوم يقولون: شَمَل بفتح الميم من الماضي وضمها في المستقبل ومنهم من يقول شَمِل بالكسر يَشْمَل بالفتح ومنهم من يأخذ الماضي من هذا الباب والمستقبل من الأول فيقول: شَمِل بالكسر يشمُل بالضم وليس ذلك بقياس واللغتان الأوليان أجْوَد.


المزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي
مقدمة المصنف | معرفة الصحيح | معرفة ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت | معرفة المتواتر والآحاد | معرفة المرسل والمنقطع | معرفة الأفراد | معرفة من تقبل روايته ومن ترد | معرفة طرق الأخذ والتحمل | معرفة المصنوع | معرفة الفصيح | معرفة الضعيف والمنكر والمتروك | معرفة الرديء المذموم | معرفة المطرد والشاذ | معرفة الحوشي والغرائب والشوارد والنوادر | معرفة المستعمل والمهمل | معرفة المفاريد | معرفة مختلف اللغة | معرفة تداخل اللغات | معرفة توافق اللغات | معرفة المعرّب | معرفة الألفاظ الإسلامية | معرفة المولّد | معرفة خصائص اللغة | معرفة الاشتقاق | معرفة الحقيقة والمجاز | معرفة المشترك | معرفة الأضداد | معرفة المترادف | معرفة الإتباع | معرفة العام والخاص | معرفة المطلق والمقيد | معرفة المشجر | معرفة الإبدال | معرفة القلب | معرفة النحت | معرفة الأمثال | معرفة الآباء والأمهات والأبناء والبنات والإخوة والأخوات والأذواء والذوات | معرفة ما ورد بوجهين بحيث يؤمن فيه التصحيف | معرفة ما ورد بوجهين بحيث إذا قرأه الألثغ لا يعاب | معرفة الملاحن والألغاز وفتيا فقيه العرب | معرفة الأشباه والنظائر | معرفة آداب اللغوي | معرفة كتابة اللغة | معرفة التصحيف والتحريف | معرفة الطبقات والحفاظ والثقات والضعفاء | معرفة الأسماء والكنى والألقاب | معرفة المؤتلف والمختلف | معرفة المتفق والمفترق | معرفة المواليد والوفيات | معرفة الشعر والشعراء | معرفة أغلاط العرب | خاتمة الكتاب