الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية/كتاب الرجعة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي
  ► كتاب الطلاق كتاب الرجعة كتاب الظهار ◄  


كتاب الرجعة


قال أبو العباس: أبو حنيفة يجعل الوطء رجعة، وهو أحد الروايات عن أحمد والشافعي لا يجعله رجعة وهو رواية عن أحمد ومالك يجعله رجعة مع النية وهو رواية أيضا عن أحمد فيبيح وطء الرجعية إذا قصد به الرجعة وهذا أعدل الأقوال وأشبهها بالأصول، وكلام أبي موسى في " الإرشاد " يقتضيه ولا تصلح الرجعة مع الكتمان بحال وذكره أبو بكر في الشافي. وروي عن أبي طالب، قال: سألت أحمد عن رجل طلق امرأته وراجعها واستكتم الشهود حتى انقضت العدة قال يفرق بينهما ولا رجعة له عليها ويلزم إعلان التسريح والخلع والإشهاد كالنكاح دون ابتداء الفرقة. قال أحمد في رواية ابن منصور فإن طلقها ثلاثا ثم جحد تفدي نفسها منه بما تقدر عليه فإن أجبرت على ذلك فلا تتزين له ولا تقربه وتهرب إن قدرت وقال في رواية أبي طالب تهرب ولا تتزوج حتى يظهر طلاقها ويعلم ذلك فإن لم يقر بطلاقها ومات لا ترث ؛ لأنها تأخذ ما ليس لها وتفر منه ولا تخرج من البلد ولكن تختفي في بلدها قيل له قال بعض الناس تقتله بمنزلة من يدفع عن نفسه فلم يعجبه ذلك فإن قال استحللت وتزوجتها قال تقبل منه قال القاضي لا تقتله معناه لا تقصد قتله وإن قصدت دفعه فأدى ذلك إلى قتله فلا ضمان. قال أبو العباس: كلام أحمد يدل على أنه لا يجوز دفعه بالقتل وهو الذي لم يعجبه لأن هذا ليس متعديا في الظاهر والدفع بالقتل إنما يجوز لمن ظهر اعتداؤه وقطع جمهور أصحابنا بحل المطلقة ثلاثا بوطء المراهق والذمي إن كانت ذمية. قال أبو العباس: النكاح الذي يقران عليه بعد الإسلام والمجيء به إلينا للحكم صحيح فعلى هذا يحلها النكاح بلا ولي ولا شهود وكذلك لو تزوجها على أخت ثم ماتت الأخت قبل مفارقتها فأما لو تزوجها في عدة أو على أخت ثم طلقها مع قيام المفسد فهنا موضع نظر فإن هذا النكاح لا يثبت به التوارث ولا يحكم فيه بشيء من أحكام النكاح فينبغي أن لا تحل له قال أصحابنا ومن غابت مطلقته المحرمة ثم ذكرت أنها تزوجت من أصابها وانقضت عدتها منه وأمكن ذلك فله نكاحها إذا غلب على ظنه صدقها وإلا فلا. وقد تضمنت هذه المسألة أن المرأة إذا ذكرت أنه كان لها زوج فطلقها فإنه يجوز تزوجها وتزويجها وإن لم يثبت أنه طلقها ولا يقال إن ثبوت إقرارها بالنكاح يوجب تعلق حق الزوج بها فلا يجوز نكاحها حتى يثبت زواله ونص الإمام أحمد في الطلاق إذا كتب إليها أنه طلقها لم تتزوج حتى يثبت الطلاق وكذلك لو كان للمرأة زوج فادعت أنه طلقها لم تتزوج بمجرد ذلك باتفاق المسلمين لأنا نقول المسألة هنا فيما إذا ادعت أنها تزوجت من أصابها وطلقها ولم تعينه فإن النكاح لم يثبت لمعين بل لمجهول فهو كما لو قال عندي مال لشخص وسلمته إليه فإنه لا يكون إقرارا بالاتفاق فكذلك قولها كان لي زوج وطلقني وسيدي أعتقني ولو قالت تزوجني فلان وطلقني فهو كالإقرار بالمال وادعاء الوفاء والمذهب لا يكون إقرارا.

باب الإيلاء

وإذا حلف الرجل على ترك الوطء وغيا بغاية لا يغلب على الظن خلو المدة منها فخلت منها فعلى روايتين: إحداهما هل يشترط العلم بالغاية وقت اليمين أو يكفي ثبوتها في نفس الأمر وإذا لم يفئ وطلق بعد المدة أو طلق الحاكم عليه لم يقع إلا طلقة رجعية وهو الذي يدل عليه القرآن ورواية عن أحمد فإذا راجع فعليه أن يطأ عقب هذه الرجعة إذا طلبت ذلك منه ولا يمكن من الرجعة إلا بهذا الشرط ولأن الله إنما جعل الرجعة لمن أراد إصلاحا بقوله: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا }.