الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية/كتاب الجهاد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي
  ► كتاب الحدود كتاب الجهاد كتاب الأطعمة ◄  


كتاب الجهاد


ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله وهو نص أحمد في رواية أبي الحكم وهو الذي قطع به القاضي في أحكام القرآن في سورة براءة عند قوله: { انفروا خفافا وثقالا } فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل وكذلك في أموال الصغار وإذا احتيج إليها كما تجب النفقات والزكاة وينبغي أن يكون محل الروايتين في واجب الكفاية فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعا. قال أبو العباس: سئلت عمن عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد فقلت من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين كنفقة النفس والزوجة والولد الفقير ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه كالعبادات من الحج والكفارات، ومنها ما يقدم عليه إلا إذا طولب به كصدقة الفطر، فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر الصف قدم على وفاء الدين كالنفقة وأولى وإن كان استنفار فقضاء الدين أولى إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه ولذلك قلت لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع كما في مسألة التترس وأولى فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله. وقلت أيضا: إذا كان الغرماء يجاهدون بالمال الذي يستوفونه فالواجب وفاؤهم لتحصيل المصلحتين: الوفاء والجهاد. ونصوص الإمام أحمد توافق ما كتبته وقد ذكرها الخلال

قال القاضي إذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد وكان على مسافة يقصر فيها الصلاة فمن شرط وجوبه الزاد والراحلة كالحج وما قاله القاضي من القياس على الحج لم ينقل عن أحمد وهو ضعيف فإن وجوب الجهاد قد يكون لدفع ضرر العدو فيكون أوجب من الهجرة ثم الهجرة لا تعتبر فيها الراحلة فبعض الجهاد أولى. وثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: { على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه } وأثره عليه فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر وهنا نص في وجوبه مع الإعسار بخلاف الحج. هذا كله في قتال الطلب.

وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان. وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده، والجهاد منه ما هو باليد ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغاية ما يمكنه ويجب على القعدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم قال المروزي سئل أبو عبد الله عن الغزو في شدة البرد في مثل الكانونين فيتخوف الرجل إن خرج في ذلك الوقت أن يفرط في الصلاة فترى له أن يغزو أو يقعد قال لا يقعد الغزو خير له وأفضل. فقد قال الإمام أحمد بالخروج مع خشية تضييع الفرض لأن هذا مشكوك فيه أو لأنه إذا أخر الصلاة بعض الأوقات عن وقتها كان ما يحصل له من فضل الغزو مربيا على ما فاته وكثيرا ما يكون ثواب بعض المستحبات أو واجبات الكفاية أعظم من ثواب واجب كما لو تصدق بألف درهم وزكى بدرهم

قال ابن بختان سألت أبا عبد الله عن الرجل يغزو قبل الحج قال نعم إلا أنه بعد الحج أجود. وسئل أيضا عن رجل قدم يريد الغزو ولم يحج فنزل على قوم مثبطوه عن الغزو وقالوا إنك لم تحج تريد أن تغزو قال أبو عبد الله يغزو ولا عليه فإن أعانه الله حج ولا نرى بالغزو قبل الحج بأسا. قال أبو العباس: هذا مع أن الحج واجب على الفور عنده لكن تأخيره لمصلحة الجهاد كتأخير الزكاة الواجبة على الفور لانتظار قوم أصلح من غيرهم أو لضرر أهل الزكاة وتأخير الفوائت للانتقال عن مكان الشيطان ونحو ذلك، وهذا أجود ما ذكره بعض أصحابنا في تأخير النبي إن كان وجب عليه متقدما. وكلام أحمد يقتضي الغزو وإن لم يبق معه مال للحج لأنه قال: فإن أعانه الله حج مع أن عنده تقديم الحج أولى كما أنه يتعين الجهاد بالشروع وعند استنفار الإمام لكن لو أذن الإمام لبعضهم لنوع مصلحة فلا بأس، وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات. لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية كلام أحمد فيه مختلف وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال ووقعة أحد من هذا الباب والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد وترامي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون الدين الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم ولا يراءا أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا والرباط أفضل من المقام بمكة إجماعا.

ولا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها وسئل أحمد في رواية أبي طالب في مثل الخراج فقال لا يستعان بهم في شيء ومن تولى منهم ديونا للمسلمين أينقض عهده ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فساده لم يجز استعماله وغيره أولى منه بكل حال فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عهد أن لا يستعمل من أهل الردة أحدا وإن عاد إلى الإسلام لما يخاف من فساد ديانتهم وللإمام عمل المصلحة في المال والأسرى لعمل النبي ﷺ بأهل مكة. وقال أبو العباس: في رده على الرافضي يقع منها التأويل في الدم والمال والعرض ثم ذكر قتل أسامة للرجل الذي أسلم بعد أن علاه بالسيف وخبر المقداد فقال قد ثبت أنهم مسلمون يحرم قتلهم ومع هذا فلم يضمن المقتول بقود ولا كفارة ولا دية لأن القاتل كان متأولا، وهذا قول أكثرهم كالشافعي وأحمد وغيرهم، وإن مثل الكفار بالمسلمين فالمثلة حق لهم فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر ولهم تركها، والصبر أفضل وهذا حيث لا يكون في التمثيل السائغ لهم دعاء إلى الإيمان وحرز لهم عن العدوان فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد ولم تكن القضية في أحد كذلك، فلهذا كان الصبر أفضل فأما إن كانت المثلة حق الله تعالى فالصبر هناك واجب كما يجب حيث لا يمكن الانتصار ويحرم الجزع انتهى.

باب قسمة الغنائم وأحكامها

لم ينص الإمام أحمد على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر ولا على عدمه وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك فالصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه وإذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين فهي لهم، نص عليه الإمام أحمد، وقال في رواية أبي طالب ليس بين المسلمين اختلاف في ذلك. قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع وما باعه الإمام من الغنيمة أو قسمه وقلنا لم يملكوه ثم عرف ربه فالأشبه أن المالك لا يملك انتزاعه من المشتري مجانا ؛ لأن قبض الإمام بحق ظاهرا وباطنا ويشبه هذا ما يبيعه الوكيل والوصي ثم يتبين مودعا أو مغصوبا أو مرهونا، وكذا القبض، والقبض منه واجب ومنه مباح، وكذلك صرفه، منه واجب، ومنه مباح قال في المحرر وكل ما قلنا قد ملكوه ما عدا أم الولد فإذا اغتنمناه وعرفه ربه قبل قسمته رد إليه إن شاء وإلا بقي غنيمة. قال أبو العباس: يظهر الفرق إذا قلنا قد ملكوه يكون الرد ابتداء ملك وإلا كان كالمغصوب، وإذا كان ابتداء ملك فلا يملكه ربه إلا بالأخذ فيكون له حق الملك، ولهذا قال وإلا بقي غنيمة والتحقيق أنه فيه بمنزلة سائر الغانمين في الغنيمة وهل يملكونها بالظهور أو بالقيمة ؟ على وجهين وعليهما من ترك حقه صار غنيمة ومثله لو ترك العامل حقه في المضاربة أو ترك أحد الورثة حقه أو أحد أهل الوقف المعين حقه ونحو ذلك، وعلى ذلك إجازة الورثة ومثله عفو المرأة أو الزوج عن نصف الصداق، قال في المحرر وإن لم يعرفه ربه بعينه قسم ثمنه وجاز التصرف فيه. قال أبو العباس: أما إذا لم يعلم أنه ملك المسلم فظاهر أنه لا يرده، وأما إذا علم فهل يكون كاللقطة أو كالخمس والفيء واحدا أو يصير مصرفا في المصالح، وهذا قول أكثر السلف ومذهب أهل المدينة ورواية عن أحمد ووجه في مذهبه وليس للغانمين إعطاء أهل الخمس قدره من غير الغنيمة، وتحريق رجل الغال من باب التعزير لا الحد الواجب فيجتهد الإمام فيه بحسب المصلحة ومن العقوبة المالية حرمانه عليه السلام السلب للمددي لما كان في أخذه عدوانا على ولي الأمر. وإذا قال الإمام من أخذ شيئا فهو له أو فضل بعض الغانمين على بعض وقلنا ليس له ذلك على رواية هل تباح لمن لا يعتقد جواز أخذه ويقال هذا مبني على الروايتين فيما إذا حكم بإباحة شيء يعتقده المحكوم له حراما. وقد يقال يجوز هنا قولا واحدا لا بالتفرق وإنا في تصرفات السلطان بين الجواز وبين النفوذ لأنا لو قلنا تبطل ولايته وقسمه وحكمه لما أمكن إزالة هذا الفساد إلا بأشد فسادا منه فينفذ دفعا لاحتماله ولما هو شر منه في الوفاء. والواجب أن يقال يباح الأخذ مطلقا لكن يشترط أن لا يظلم غيره إذا لم يغلب على ظنه أن المأخوذ أكثر من حقه ففيه نظر، والتحريم في الزيادة أقرب وإن لم يغلب على ظنه واحد من الأمرين فالحل أقرب. ولو ترك قسمة الغنيمة وترك هذا القول وسكت سكوت الإذن في الانتهاب وأقر على ذلك فهو إذن، فإن الإذن منه تارة يكون بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بالإقرار على ذلك. فالثلاث في هذا الباب سواء كما في إباحة المالك في أكل طعامه ونحو ذلك بل لو عرف أنه راض بذلك فيما يرون أن يصدر منه قول ظاهر أو فعل ظاهر أو إقرار، فالرضا منه بتغيير إذنه بمنزلة إذنه الدال على ذلك إذ الأصل رضاه حتى لو أقام الحد وعقد الأنكحة من رضي الإمام بفعله ذلك كان بمنزلة إذنه على أكثر أصولنا فإن الإذن العرفي عندنا كاللفظي، والرضا الخاص كالإذن العام. فيجوز للإنسان أن يأكل طعام من يعلم رضاه بذلك لما بينهما من المودة، وهذا أصل في الإباحة والوكالة والولايات لكن لو ترك القسمة ولم يرض بالانتهاب إما لعجزه أو لأخذه المال ونحو ذلك أو أجاز القسمة فهنا من قدر على أخذ مبلغ حقه من هذا المال المشترك فله ذلك لأن مالكيه متعينون وهو قريب من الورثة لكن يشترط انتفاء المفسدة من فتنة أو نحوها. وترضخ البغال والحمير، وهو قياس المذهب والأصول كمن يرضخ لمن لا سهم له من النساء أو العبيد والصبيان وتجوز النيابة في الجهاد إذا كان النائب ممن لم يتعين عليه والطفل إذا سبي يتبع سابيه في الإسلام، وإن كان مع أبويه وهو قول الأوزاعي ولأحمد نص يوافقه ويتبعه أيضا إذا اشتراه ويحكم بإسلام الطفل إذا مات أبواه أو كان نسبه منقطعا مثل كونه ولد زنا أو منفيا بلعان وقاله غير واحد من العلماء

باب الهدنة

ويجوز عقدها مطلقا ومؤقتا والمؤقت لازم من الطرفين يجب الوفاء به ما لم ينقضه العدو ولا ينقض بمجرد خوف الخيانة في أظهر قولي العلماء، وأما المطلق فهو عقد جائز يعمل الإمام فيه بالمصلحة. وسئل أبو العباس: عن سبي ملطية مسلميها ونصاراها فحرم مال المسلمين وأباح سبي النصارى وذريتهم ومالهم كسائر الكفار إذ لا ذمة لهم ولا عهد لأنهم نقضوا عهدهم السابق من الأئمة بالمحاربة وقطع الطريق وما فيه الغضاضة علينا والإعانة على ذلك ولا يعقد لهم إلا من عن قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهؤلاء التتر لا يقاتلونهم على ذلك بل بعد إسلامهم لا يقاتلون الناس على الإسلام، ولهذا وجب قتال التتر حتى يلتزموا شرائع الإسلام منها الجهاد والتزام أهل الذمة بالجزية والصغار، ونواب التتر الذين يسمون الملوك لا يجاهدون على الإسلام وهم تحت حكم التتر ونصارى ملطية وأهل المشرق ويهودهم لو كان لهم ذمة وعهد من ملك مسلم يجاهدهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية كأهل المغرب واليمن لما لم يعاملوا أهل مصر والشام معاملة أهل العهد جاز لأهل مصر والشام غزوهم واستباحة دمهم ومالهم لأن أبا جندل وأبا نصير حاربا أهل مكة مع أن بينهم وبين النبي ﷺ عهدا، وهذا باتفاق الأئمة لأن العهد والذمة إنما يكون من الجانبين والسبي المشتبه يحرم استرقاقه ومن كسب شيئا فادعاه رجل وأخذه فعلى الأخذ للمأخوذ منه ما غرمه عليه من نفقة وغيرها إن لم يعرف أنه ملكه أو ملك الغير أو عرف وأنفق غير متبرع، والله أعلم.

باب عقد الذمة وأخذ الجزية

والكتابة الذي بأيدي الخيابرة الذين يدعون أنه بخط علي في إسقاط الجزية عنهم باطل، وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم كأبي العباس بن شريح والقاضي ابن يعلى والقاضي الماوردي وذكر أنه إجماع وصدق في ذلك. قال أبو العباس: ثم إنه عام إحدى وسبعمائة جاءني جماعة من يهود دمشق بعهود في كلها أنه بخط علي بن أبي طالب في إسقاطه الجزية عنهم وقد لبسوها ما يقتضي تعظيمها وكانت قد نفقت على ولاة الأمور في مدة طويلة فأسقطت عنهم الجزية بسببها وبيدهم تواضع ولاة الأمور فلما وقفت عليها تبين لي في نقشها ما يدل على كذبها من وجوه عديدة جدا. إذا كان من أهل الذمة زنديق يبطن جحود الصانع أو جحود الرسل أو الكتب المنزلة أو الشرائع أو المعاد ويظهر التدين بموافقة أهل الكتاب، فهذا يجب قتله بلا ريب كما يجب قتل من ارتد من أهل الكتاب إلى التعطيل فإن أراد الدخول في الإسلام فهل يقال إنه يقتل أيضا كما يقتل منافق المسلمين لأنه ما زال يظهر الإقرار بالكتب والرسل أو يقال بل دين الإسلام فيه من الهدى والنور ما يزيل شبهته بخلاف دين أهل الكتابين هذا فيه نظر ويمنع أهل الذمة من إظهار الأكل في نهار رمضان فإن هذا من المنكر في دين الإسلام ويمنعون من تعلية البنيان على جيرانهم المسلمين. وقال العلماء: ولو في ملك مشترك بين مسلم وذمي لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب. والكنائس العتيقة إذا كانت بأرض العنوة فلا يستحقون إبقاءها ويجوز هدمها مع عدم الضرر علينا، وإذا صارت الكنيسة في مكان قد صار فيه مسجد للمسلمين يصلى فيه وهو أرض عنوة فإنه يجب هدم الكنيسة التي به، لما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: { لا يجتمع قبلتان بأرض } وفي أثر آخر: { لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب }. ولهذا أقرهم المسلمون في أول الفتح على ما في أيديهم من كنائس العنوة بأرض مصر والشام وغير ذلك فلما كثر المسلمون وبنيت المساجد في تلك الأرض أخذ المسلمون تلك الكنائس فأقطعوها وبنوها مساجد وغير ذلك وتنازع العلماء في كنائس الصلح إذا استهدمت هل لهم إعادتها على قولين، ولو انقرض أهل مصر ولم يبق أحد ممن دخل في العقد المبتدإ فإن انتقض فكالمفتوح عنوة ويمنعون من ألقاب المسلمين كعز الدين ونحوه ومن حمل السلاح والعمل به وتعلم المقاتلة الدفاف والرمي وغيره وركوب الخيل ويستطب مسلم ذميا بقعة عنده كما يودعه ويعامله فلا ينبغي أن يعدل عنه ويكره الدعاء بالبقاء لكل أحد لأنه شيء قد فرغ منه ونص عليه الإمام أحمد في رواية أبي أصرم وقال له رجل جمعنا الله وإياك في مستقر رحمته فقال لا تقل هذا. وكان أبو العباس: يميل إلى أنه لا يكره الدعاء بذلك ويقول: إن الرحمة ههنا المراد بها الرحمة المخلوقة ومستقرها الجنة وقول طائفة من السلف. واختلف كلام أبي العباس في رد تحية الذمي هل ترد مثلها أو وعليكم فقط ويجوز أن يقال أهلا وسهلا ويجوز عيادة أهل الذمة وتهنئتهم وتعزيتهم ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة كرجاء الإسلام وقال العلماء يعاد الذمي ويعرض عليه الإسلام وليس لهم إظهار شيء من شعار دينهم في دار الإسلام لا وقت الاستسقاء ولا عند لقاء الملوك ويمنعون من المقام في الحجاز وهو مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحنى وهو عقبة الصواب والشام كمعان، والعشور التي تؤخذ من تجار أهل الحرب تدخل في أحكام الجزية وتقديرها على الخلاف واختار أبو العباس في رده على الرافضي أخذ الجزية في جميع العقار وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد، بل كانوا قد أسلموا وقال في الاعتصام بالكتاب والسنة من أخذها من الجميع أو سوى بين المجوس وأهل الكتاب فقد خالف ظاهر الكتاب والسنة ولا يبقى في يد الراهب مال إلا بلغته فقط ويجب أن يؤخذ منهم مال كالورق التي في الديورة والمزارع إجماعا ومن له تجارة منهم أو زراعة وهو مخالطهم أو معاونهم على دينهم كمن يدعو إليه من راهب وغيره تلزمه الجزية وحكمه حكمهم بلا نزاع وإذا أبى الذمي بذل الجزية أو الصغار أو التزام حكمنا ينقض عهده.

وساب الرسول يقتل ولو أسلم وهو مذهب أحمد ومن قطع الطريق على المسلمين أو تجسس عليهم أو أعان أهل الحرب على سبي المسلمين أو أسرهم وذهب بهم إلى دار الحرب ونحو ذلك مما فيه مضرة على المسلمين فهذا يقتل ولو أسلم ولو قال الذمي: هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب ينغصون علينا إن أراد طائفة معينين عوقب عقوبة تزجره وأمثاله وإن ظهر منه قصد العموم ينقض عهده ووجب قتله.

باب قسمة الفيء

ولا حق للرافضة في الفيء وليس لولاة الأمور أن يستأثروا منه فوق الحاجة كالإقطاع يصرفونه فيما لا حاجة إليه ويقدم المحتاج على غيره في الأصح عن أحمد. وعمال الفيء إذا خانوا فيه وقبلوا هدية أو رشوة فمن فرض له دون أجرته أو دون كفايته وكفاية عياله بالمعروف لم يستخرج منه ذلك القدر وإن قلنا لا يجوز لهم الأخذ خيانة فإنه يلزم الإمام الإعطاء كأخذ المضارب حصته أو الغريم دينه بلا إذن فلا فائدة في استخراجه ورده إليهم بل إن لم يصرفه الإمام مصارفه الشرعية لم يعن على ذلك وقد ثبت أن عمر شاطر عماله سعدا وخالدا وأبا هريرة وعمرو بن العاص ولم يتهمهم بخيانة بينة بل بمحاباة اقتضت أن جعل أموالهم بينهم وبين المسلمين. ومن علم تحريم ما وزنه أو غيره وجهل قدره قسمه نصفين وللإمام أن يخص من أموال الفيء كل طائفة بصنف وكذلك في المغانم على الصحيح وليس للسلطان إطلاق الفيء دائما ويجوز للإمام تفضيل بعض الغانمين لزيادة منفعة على الصحيح انتهى.