إقامة الدليل على إبطال التحليل/23

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إقامة الدليل على إبطال التحليل
المؤلف: ابن تيمية



الوجه السابع عشر

إن النبي ﷺ أخبر: [ أن أول ما يفقد من الدين الأمانة وآخر ما يفقد منه الصلاة ] وحدث عن رفع الأمانة من القلوب الحديث المشهور وقال: [ خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ] فذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم ذكر أن بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن وهذه أحاديث صحبحة مشهورة

ومعلوم أن العمل بالحيل يفتح باب الخيانة والكذب فإن كثيرا من الحيل لا يتم إلا أن يتفق الرجلان على عقد يظهر أنه ومقصودهما أمر آخر كما ذكرنا في التمليك للوقف وكما في الحيل الربوبية وحيل المناكح وذلك الذي اتفقا عليه إن لزم الوفاء به كان العقد فاسدا وإن لم يلزم فقد جوزت الخيانة والكذب في المعاملات ولهذا لا يطمئن القلب إلى من يستحل الحيل خوفا من مكره وإظهاره ما يبطن خلافه وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: [ المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم ] والمحتال غير مأمون وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمر: [ كيف بك ياعبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مهرجت عبودهم وأمانتهم واختلفوا فصاروا هكذا وشبك بين أصابعه قال فكيف أفعل يا رسول الله؟ قال: تأخذ ما تعرف وتدع ماتنكر وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوانهم ]

وهو حديث صحيح وهو في بعض نسخ البخاري والحيل توجب مرج العهود والأمانات وهو قلقها واضطرابها فإن الرجل إذا سوغ له من يعاهد عهدا ثم لا يفي به أو أن يؤمن على شيء فيأخذ بعضه بنوع تأويل ارتفعت الثقة به وأمثاله ولم يؤمن في كثير من الأشياء أن يكون كذلك ومن تأمل حيل أهل الديوان وولاة الأمور التي استحلوا بها المحارم ودخلوا بها في الغلول والخيانة ولم يبق لهم معها عهد ولا أمانة علم يقينا أن الاحتيال والتأويلات أوجب عظم ذلك وعلم خروج أهل الحيل من قوله: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } وقوله: { يوفون بالنذر } ومخالفتهم لقوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } وقوله: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } وقوله تعالى: { أوفوا بالعقود } وقوله ﷺ: [ أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ] رواه ابن داود وغيره في قوله تعالى: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } ودخولهم في قوله ﷺ: [ أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ] وقوله ﷺ: [ ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند إسته بقدر غدرته فيقال هذه غدرة فلان ] متفق عليهما

وهذا الوجه مما أشار إليه الإمام أحمد رضي الله عنه قال: عجبت مما يقولون في الحيل والإيمان يبطلون الإيمان بالحيل وقال الله تعالى: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } وقال تعالى: { يوفون بالنذر } وكان ابن عيينة يشتد عليه أمرهم وأمر هذه الحيل واستقصاء هذا يطول وانما القصد التنبيه - وتمام هذا في:

الوجه الثامن عشر

وهو أن الله سبحانه أوجب في المعاملات خاصة وفي الدين عامة النصيحة والبيان وحرم الخلابة والغش والكتمان ففي الصحيحين عن جرير قال: بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم فكان من نصحه أنه اشترى من رجل دابة ثم زاده أضعاف ثمنه لما رأى أنه يساوي ذلك وأن صاحبه مسترسل وعن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: [ الدين النصيحة الدبن النصيحة الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ] رواه مسلم وغيره وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ [ مر برجل يبيع طعاما فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: من غشنا فليس منا ] رواه مسلم وغيره وروى الإمام أحمد مثله من حديث أبي بردة بن نيار

فإذا كانت النصيحة لكل مسلم واجبة وغشه حراما فمعلوم أن المحتال ليس بناصح للمحتال عليه بل هو غاش له بك الحيلة أكبر من ترك النصح وأقبح من الغش وهذا بين يظهر مثله في الحيل التي تبطل الحقوق التي ثبتت أوتمنع الحقوق أن تثبت أو توجب عليه شيئا لم يكن ليجب وعن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله ﷺ: [ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ] متفق عليه فالصدق يعم الصدق فيما يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل والبيان يعم بيان صفات المبيع ومنافعه وكذلك الكذب والكتمان وإذا كان الصدق والبيان واجبين في المعاملة موجبين للبركة والكذب والكتمان محرمين ماحقين للبركة فمعلوم أن كثيرا من الحيل أو أكثرها لا يتم إلا بوقوع الكذب أو الكتمان أو تجويزه وأنها مع وجوب الصدق أو وقوعه لا تتم

مثال ذلك إذا احتال على أن يبيعه سلعة بألف ثم يشتريها منه بأكثر نسيئة أو يبيعها بألف ومائة نسيئة ثم يشتريها بألف نقدا فإن وجب على كل واحد منهما أن يصدق الآخر كان الوفاء بهذا واجبا فيلزبم فساد العقد بالاتفاق لأن مثل هذا الشرط إذا قدر أنه لازم في العقد أبطل العقد بالإجماع وإن جوز للرجل أن يخلف ما أتفقا عليه ففد جوز للرجل أن يكذب صاحبه وهو ركوب لما حرمه الرسول ﷺ والدليل على أن هذا نوع من الكذب قوله تعالى: { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } وإنما كذبهم أخلاف قولهم: { لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين } وكذلك لو كان في عزم أحدهما أن لا يفي للآخر بما تواطآ عليه فإن جاز كتم هذا وترك بيانه فهو مخالفة للحديث وإن وجب إظهاره لم تتم الحيلة فإن الآخر لم يرض إلا إذا غلب علي ظنه أن الآخر يفي له

ثم في الحديث دلالة على تحريم التدليس والغش وكتمان العيوب في البيوع كما روى عبد الرحمن بن شماسة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له ] رواه ابن ماجه بإسناد رجاله ثقات عنى شرط البخاري إلى ابن شماسة وابن شماسة قد وثقوه وخرج له مسلم

وقال البخاري في صحيحه قال عقبة بن عامر: لا يحل لمسلم أن يببع سلعة يعلم أن بها داء إلا أخبره وعن وائلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: [ لا يحل لأحد أن يبيع شيئا إلا بين ما فيه ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا بينه ] رواه الإمام أحمد ولابن ماجه: [ من باع عيبا لم يبينه لم يزل في مقت من الله ولم تزل الملائكة تلعنه ] وعن عبد المجيد بن وهب قال: قال لي العداء بن خالد بن هوذة ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ؟ [ قال قلت بلى فأخرج لي كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بلى هوذة من محمد رسول الله ﷺ اشترى منه عبدا أو أمة بيع المسلم للمسلم لأداء ولا غائلة ولا خبثة ] رواه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب وذكره البخاري تعليقا بلفظ ويذكر عن العداء بن خالد وقال في الحيل وقال النبي ﷺ: [ بيع المسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة ] وقوله ﷺ: [ بيع المسلم ] دليل على أنه موجب العقد المطلق وإن اشتراطه بيان لموجب العقد وتوكيد له

فهذا النبي ﷺ قد بين أن مجرد سكوت أحد المتبايعين عن إظهار ما لو علمه الآخر لم يبايعه من العيوب وغيرها إثم عظيم وحرم هذا الكتمان وجعله موجبا لمقت الله سبحانه وإن كان الساكت لم يتكلم ولم يصف ولم يشترط وإنما ذاك لأن ظاهر الأمر الصحة والسلامة فيبني الآخر الأمرعلى ما يظنه من الظاهر الذي لم يصفه الآخر بلسانه وذلك نوع من الغرور له والتدليس عليه ومعلوم أن الغرور بالكلام والوصف إثم فإذا غره بأن يظهر له أمرا ثم لا يفعله معه فإن ذلك أعظم في الغرور والتدليس وأين الساكت من الناطق فيجب أن يكون أعظم إثما

وأبلغ من ذلك أن يريد الرجل أن ينشىء عقد بيع أو هبة أو غير ذلك فيؤمر بإقرار ولا يبين له حكم الإقرار فيقر إقرارا يلزم بموجبه ويكون بموجبه مخالف لمقصوده من البيع والهبة أو يأمره بتسمية كثيرة على الثمن في البيع لإسقاط الشفعة ثم يصادق على نصفه بدينار ونحوه ولايبين له ما يلزمه بهذا من وجوب رد الثمن الأول إذا فسخ البيع بعيب ونحوه فأين هذا الغرور والتدليس من مجرد السكوت عن بيان حال السلعة؟

ومن هذا الباب: نهيه ﷺ عن التصرية وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: [ لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر ] رواه الجماعة ورواه ابن عمر وغيره ومعلوم أن التصرية مجرد فعل يغتر به المشتري ثم قد حرمه رسول الله ﷺ وأوجب الخيار عند ظهور الحال فكيف بالغرور بالأقوال؟ ولهذا كان أكثر الذين يقولون بالحيل لا يقولون بهذا الحديث لأن الخيار هنا زعموا ليس لوجود عيب ولا لفوات صفة وهو جار على قياس المحتالين لكن الحيل باطلة لأن إظهار الصفات بالأفعال كإظهارها بالأقوال بل مجرد ظهورها كمجرد ظهور السلامة من العيوب وقد حكى عن بعض المحتالين أنه كان إذا استوصف السلعة عرض في كلامه مثل أن يقال له كيف الجمل يقول احمل ما شئت وينوي على الحيل ويقال له كم تحلب فيقول في أي إناء شئت فيقول كيف سيره فيقول الريح لا تلحق فإذا قبض المشتري ذلك فلا يجد شيئا من ذلك رجع إليه فيقول ما وجدت فيما بعتني شيئا من تلك الأوصاف فيقول ما كذبتك وقد ذكرت هذه الحكاية عن بعض التابعين وأدخلها في كلامه من احتج للحيل والأشبه أنها كذب أو كان قصده المزاح معه لا حقيقة البيع وإلا فمن عمل مثل هذا فقد قدح في ديانته فإن هذا أعظم في الغرر من التصرية فإن القول المفهم أعظم من مجرد ظهور حال لم يصفها ولا يلتق مثل هذا بذي مروءة فضلا عن ذي ديانة

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ [ أنه نهى عن النجش ] وذلك لما فيه من الغرر للمشتري وخديعته ونهى عن تلفي السلع وذلك لما فيه من تغرير البائع أو ضرر المشتري ونهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبة أخيه أوتسأل المرأة طلاق أختها لتكتفي ما في صحفتها أو نهى أن يبيع حاضر لباد وقال: [ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ]

وهذا كله دليل على وجوب مراعاة حق المسلم وترك إضراره بكل إلا أن يصدر منه أذى وعلى المنع من نيل الغرض بخديعة المسلم وكثير من الحيل يناقض هذا ولهذا كثير من القائلين بالحبل لا يمنعون بيع الحاضر للبادي ولا تلقي السلع طردا لقيامهم ومن أخذ بالسنة منهم في مثل هذا أخذ بها على مضض لأنها على خلاف قياسه ومخالفة القياس للسنة دليل على أنه قياس فاسد

ولما كانت هذه الخصال مثل التلقي والنجش والتصرية من جنس واحد وهو الخلابة جمعها النبي ﷺ في حديث أبي هريرة وغيره وجاء عنه أنه بين تحريم الخلابة مطلقا فروى الإمام أحمد في المسند قال حدثنا وكيع قال حدثنا المسعودي عن جابر عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: [ بيع المحقلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم ]

وهذا نص في تحريم جميع أنواع الخلابة في البيع وغيره - والخلابة الخديعة ويقال الخديعة باللسان وفي المثل إذا لم تغلب فأخلب أي فأخدع ورجل خلاب أي خداع - وامرأة خلبة أي خداعة والبرق الخلب والسحاب الخلب الذي لا غيث معه كأنه يخدع من يراه - وفي الصحيحين عن ابن عمر قال ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيع فقال رسول الله ﷺ: [ من أبايعت فقل لا خلابة ] وهذا الشرط منه موافق لموجب العقد وإنما أمره النبي ﷺ باشتراطه العداء عليه أن البيع بيع المسلم للمسلم لاداء ولا غائلة ولا خبثة

يبين ذلك أنه قال في حديث ابن مسعود: لا تحل الخلابة لمسلم ولأنه لو لم يرد الخلابة التي هي الخديعة المحرمة لم يكن هذا الشرط معروفا بل يكون شرط شيئا لأحد له في الشرع لأنه ذكر للنبي ﷺ أن يخدع والخديعة حرام ولأنه قد روى سعيد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا شبيب بن غرقد أن رسول الله ﷺ قال لغلامين شابين: [ تبايعا وقولوا لاخلابة ] وقال حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن إبراهيم مولى صخر بن رهم العدوي قال: قال رسول الله ﷺ: [ تبايعوا وقولوا لا خلابة ] فهذا مرسل من وجهين مختلفين ولا دلائل على صدقه فثبت أن مثل هذا الشرط مشروع مطلقا ولو كان يخالف مطلق النقد لم يؤمر باشتراطه كل واحد كالتأجيل في الثمن واشتراطه الرهن والكفيل وصفات زائدة في العقود عليه

ويؤيد ذلك: ما رواه الدار قطني وغيره عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: [ غبن المسترسل ربا ] وحديث التلقي يوافق هذا الحديث

فإذا كان الله تعالى قد حرم الخلابة وهي الخديعة فمعلوم أنه لا فرق بين الخلابة في البيع وفي غيره لأن الحديث إن عم ذلك لفظا ومعنى فلا كلام إن كان إنما قصد به الخلابة في البيع فالخلابة في سائر العقود والأقوال وفي الأفعال بمنزلة الخلابة في البيع ليس بينهما فرق مؤثر في اعتبار الشارع وهذا القياس في معنى الأصل بل الخلابة في غير البيع قد تكون أعظم فيكون من باب التشبيه وقياس الأولى وإذا كان كذلك فالحيل خلابة إما مع الخلق أو مع الخالق مثل ما يحكى عن بعض أهل الحيل أنه اشترى من أعرابي ماء بثمن غال ثم أراد أن يسترجع الثمن وكان معه سويق ملتوت بزيت فقال له أتريد أن أطعمك سويقا؟ قال: نعم فأطعمه

فعطش الأعرابي عطشا شديدا وطلب أن يسقيه تبرعا أو معاوضا فامتنع إلا بثمن جميع الماء فأعطاه جميع الثمن بشربة واحدة ومعلوم أن إطعامه ذلك السويق مظهرا أنه محسن إليه وهو يقصد الإساءة إليه من أقبح الخلابات ثم امتناعه من سقيه إلا بأكثر من ثمن المثل حرام ولا يقال أن الأعرابي أساء إليه بمنعه الماء إلا بثمن كثير لأن ذلك إن كان جائزا لم تجز معاقبته عليه وإن كان يجب عليه أن يسقيه مجانا أو بثمن المثل فكذلك يجب على الثاني أن يسقيه ولم يفعل ولو أنه استرجع الثمن ورد عليه سائر الماء أوترك له من الثمن مقدار ثمن الشربة التي شربها هو لكان إما أن يأخذ ماء إلا شربة واحدة ويأخذ الثمن كله بصورة يظهر له فيها أنه محسن وقصده ذلك فهذا هو الخلابة البينة

وبالجملة فباضطرار يعلم أن كثيرا من الحيل أو أكثرها أو عامتها من الخلابة وهي حرام كما تقدم وعن عبد الله بن عمرو قال كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خبأ ومنا من ينتضل ومنا من هو في جشرة إذ نادى منادي رسول الله ﷺ الصلاة جامعة فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: [ إنه لم يكن قبلي نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم وأن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتن يرفق بعضها بعضا تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار وبدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فأضربوا عنق الآخر ] رواه مسلم وغيره فهذه الوظائف الثلاث التي جمعها في هذا الحديث من قواعد الإسلام وكثيرا ما يذكرها رسول الله ﷺ مثل قوله في حديث أبي هريرة: [ إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ] ومثل قوله في حديث زيد بن ثابت: [ ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين ] وذلك أن الاجتماع والإتلاف اللذين في هذين الحديثين لا يتم إلا بالمعنى الذي وصى به في حديث عبد الله بن عمر وهو قوله: [ وليأت إلى الناس الذي يجب أن يؤتى إليه ] وهذا القدر واجب لأنه قرنه بالإيمان وبالطاعة للإمام في سياق ما ينجي من النار ويوجب الجنة وهذا إنما يقال في الواجبات لأن المستحب لا يتوقف عليه ذلك ولا يستقل بذلك ولهذا غاية الأحاديث التي يسأل فيها النبي ﷺ عما يدخل الجنة وينجي من النار إنما يذكر الواجبات

وإذا كان كذلك فمعلوم أن المحتال لم يأت إلى الناس ما يجب أن يؤتى إليه بل لو علم أن أحدا يحتال عليه لكرهه أو كره ذلك منه وربما اتخذه عدوا أعني الكراهة الطبيعية وإن كان قد يحب ذلك من جهة ماله فيه من المثوبة فإن هذه المحبة ليست المحبة المذكورة في الحديث وإلا لكان من أحب إيمانه أنه يؤذي فيصبر على الأذى مأمورا بأن يؤذن الناس وهذا ظاهر ونحو من هذا ما روى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: [ والذي نفسي يده لا يؤمن أحدكم حتى بحب لأخيه ما يحب لنفسه ] متفق عليه

وبالجملة فالحيل تنافي ما ينبني عليه أمر الدين من التحابب والتناصح والإتلاف والأخوة في الدين ويقتضي التباغض والتقاطع والتدابر هذا في الحيل على الخلق والحيل على الخالق أولى فإن الله سبحانه وتعالى أحق أن يستحي منه من الناس والله سبحانه الموفق لما يحبه ويرضاه

الوجه التاسع عشر

ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل نبي الله ﷺ رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي إلي. إلى أن قال فقام رسول الله ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: [ أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا لكم وهذا هدية أهديت لي هلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتي هديته إن كان صادقا والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر - ثم رفع يديه حتى رؤي بياض أبطيه يقول - اللهم هل بلغت ] فوجه الدلالة أن الهدية هي عطية يبتغي بها وجه المعطي وكرامته فلم ينظر النبي ﷺ إلى ظاهر الإعطاء قولا وفعلا ولكن نظر إلى قصد المعطين ونياتهم التي تعلم بدلالة الحال فإن كان الرجل بحيث لو نزع عن تلك الولاية أهدي له تلك الهدية لم تكن الولاية هي الداعية للناس إلى عطيته وإلا فالمقصود بالعطية إنما هي ولايته إما ليكرمهم فيها أو ليخفف عنهم أو يقدمهم على غيرهم أو نحو ذلك مما يقصدون به الانتفاع بولايته أو نفعه لأجل ولايته

والولاية حق لأهل الصدقات فما أخذ من المال بسببها كان حقا لهم سواء كان واجبا على المعطي أو غير واجب كما لو تبرع أحدهم بزيادة على الواجب قدرا أو صفة وذلك العمل الذي يعمله الساعي صار لأهل الصدقات إما بالجعل الذي يجعل له أو بكونه قد تبرع له لهم فكل ما حصل من المال بسببه فهو لهم

إذا علم ذلك فنقول: هذه الهدية لم يشترط فيها أن تكون لأهل الصدقات لا شرطا مقترنا بالعقد ولا متقدما عليه ومع هذا فلما كانت دلالة الحال تقتضي أن القصد بها ذلك كانت تلك هي الحقيقة التي اعتبرها النبي ﷺ فكان هذا أصلا في اعتبار المقاصد ودلالات الحال في العقود فمن أقرض رجلا ألفا وباعه ثوبا يساوي درهما بخمسمائة علم أن تلك الألف إنما أقرضت لأجل تلك الزيادة في ثمن الثوب وإلا فكان الثوب يترك في بيت صاحبه ثم ينظر المقترض أكان يقرض تلك الألف أم لا وكذلك بايعه ليترك القرض ثم ينظر هل يبتاع ثوبه بخمسمائة أم لا فإذا كان هذا إنما زاد في العوض لأجل القرض صار ذلك العوض داخلا في بدل القرض فصار قد اقترض ألفا بألف وخمسمائة إلا قيمة الثوب هذا حقيقة العقد ومقصوده

وكذلك من اقترض ألفا وارتهن بها عقارا أذن له المقترض في الانتفاع به أو إكراه إياه أو ساقاه أو زارعه عليه بعشرعشرعوض المثل فإنما تبرع له وحاباه في هذه العقود من البيع والإجارة والمساقاة والمزارعة لأجل القرض كما أن أرباب الأموال إئما يهدون للساعي لأجل ولايته عليهم إما ليراعيهم ببدل مال هو لأهل الصدقات أو منفعة قد دخل مع الإمام الذي ولاه على أن تكون لأهل الصدقات ومن ملك المبدل منه ملك مبدله والعبرة بالمبادلة الحقيقية لا الصورية كما دل عليه الحديث وإما لنحو ذلك من المقاصد

وهذا الكلام الحكيم الذي ذكره النبي ﷺ أصل في كل من أخذ شيئا أو أعطاه تبرعا لشخص أو معاوضة لشيء في الظاهر وهو في القصد والحقيقة لغيره فإنه يقال هلا ترك ذلك الشيء الذي هو المقصود ثم ينظر هل يكون ذلك الأمر إن كان صادقا فيقال في جميع العقود الربوية إذا كانت خداعا مثل ذلك كما ذكرناه وهذا أصل لكل من بذل لجهة لولا هي لم يبذله فإنه يجعل تلك الجهة هي المقصودة بذلك البذل فيكون المال لرب تلك الجهة إن حلالا فحلال وإلا كانت حراما وسائر الحقوق قياس على المال

يوضح هذا: أن المحاباة في البيع والكراء ونحوهما تبرع محض بدليل أنه يحتسب في مرض الموت من الثلث ويبطل مع الوارث ويمنع منه الوكيل والوصي والمكاتب وكل من منع من التبرع وأما القرض ونحوه فظاهرأنه تبرع فإذا كان أحد الرجلين قد حابى الآخر في عقد من هذه العقود لأجل قرض أو عقد آخر ولاية كان ذلك تبرعا بذلك السبب كالسلف الذي مع البيع سواء وكالهدية التي مع العمل سواء ونظير حديث ابن اللتبية وهو

الوجه العشرون

ما روى ابن ماجه عن يحيى بن إسحق الهنائي قال سألت أنس بن مالك الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه فقال قال رسول الله ﷺ: [ إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ] هكذا رواه ابن ماجه من حديث إسماعيل بن عياش عن عقبة بن حميد الضبي عن يحيى

لكن ليس هذا يحيى بن أبي إسحق الحضرمي صاحب القراءة العربية وإنما هو والله أعلم يحيى بن يزيد الهنائي فلعل كنية أبيه أبو إسحق وكلاهما ثقة الأول من رجال الصحيحين والثاني من رجال مسلم وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي قال فبه أبو حاتم هو صالح الحديث وأبو حاتم من أشد المزكين شرطا في التعديل وقد روى عن الإمام أحمد أنه قان هو ضعيف ليس بالقوي لكن هذه العبارة يقصد بها أنه ممن ليس يصحح حديثه بل هو ممن يحسن حديثه وقد كانوا يسمون حديث مثل هذا ضعيفا ويحتجون به لأنه حسن إذ لم يكن الحديث إذ ذاك مقسوما إلا إلى صحيح وضعيف وفي مثله له يقول الإمام أحمد الحديث الضعيف خير من القياس يعني الذي لم يقو قوة الصحيح مع أن مخرجه حسن وإسماعيل بن عياش حافظ ثقة في حديثه عن الشاميين وغيرهم وإنما يضعف حديثه عن الحجازيين وليس هذا عن الحجازيين فثبت أنه حديث حسن لكن في حديثه عن غيرهم نظرا وهذا الرجل بصري الأصل وروى هذا الحديث سعيد في سننه عن إسماعيل بن عياش لكن قال عن يزيد بن أبي يحيى الهنائي وكذلك رواه البخاري في تاريخه عن بزيد بن أبي يحيى الهنائي عن أنس عن النبي ﷺ قال: [ إذا أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية ] وأظن هذا هو ذاك انقلب اسمه

وروى البخاري في صحيحه عن أبي بردة بن أبي موسى قال قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي إنك بأرض الربا فيها فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا وروى سعيد في سننه هذا المعنى عن أبي بن كعب وجاء عن عبد الله بن مسعود أيضا وعن عبد الله بن عمر أنه أتاه رجل فقال إني أقرضت رجلا بغير معرفة فأهدى إلي هدية جزلة قال رد إليه هديته أو احبسها له وعن سالم بن أبي الجعد قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال إني أقرضت رجلا يبيع السمك عشرين درهم فأهدى إلي سمكة قومتها بثلاثة عشر درهما فقال خذ منه سبعة دراهم رواهما سعيد وعن ابن عباس قال إذا أسلفت رجلا سلفا فلا تأخذ منه هدية ولا عارية ركوب دابة رواه حرب الكرماني

فنهى النبي ﷺ وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الإقتضاء وإن كان لم يشرط ذلك ولم يتكلم به فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة وألف مؤخرة وهذا ربا

ولهذا جاز أن يزيد عند الوفاء ويهدي له بعد ذلك لزوال معنى الربا

ومن لم ينظر إلى المقاصد في العقود أجاز مثل ذلك وخالف بذلك سنة رسول الله ﷺ وهذا أمر بين وقد صح عنه ﷺ من حديث عبد الله بن عمرو وغيره أنه قال: [ لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ماليس عندك ] رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه وما ذاك والله أعلم إلا أنه إذا باعه شيئا وأقرضه فإنه يزيد في الثمن لأجل القرض فيصير القرض بزيادة وذلك ربا

فمن تدبر هذا علم أن كل معاملة كان مقصود صاحبها أن يقرض قرضا بربح واحتال على ذلك بأن اشترى من المقترض سلعة بمائة حالة ثم باعها إياها بمائة وعشرين إلى أجل أو باعه سلعة بمائة وعشرين إلى أجل ثم ابتاعها بمائة حالة أو باعه سلعة تساوي عشرة بخمسين وأقرضه مع ذلك خمسين أو واطأ مخادعا ثالثا علي أن يشتري منه سلعة بمائة ثم يبيعها المشتري للمقترض بمائة وعشرين ثم يعود المشتري المقترض فيبيعها للأول بمائة إلا درهمين وما أشبه هذه العقود يقال فيها ما قاله النبي ﷺ: [ أفلا أفردت أحد العقدين عن الآخر ثم نظرت ] هل كنت مبتاعها أو بايعه بهدا الثمن أم لا فإذا كنت إنما نقصت هذا وزدت هذا لأجل هذا كان له قسط من العوض وإذا كان كذلك فهو ربا وكذلك الحيل المبطلة للشفعة والمسقطة للميراث والمحلل للمطلقة ثلاثا واليمين المعقودة ونحوهما وفيما يشبه هذا ما رواه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ [ نهى عن طعام المتبارين ] وهما الرجلان يقصد كل واحد منهما مباراة الآخر ومباهاته في التبرعات والتعويضات كالرجل يصنع كل واحد منهما دعوة يفتخر بها على الآخر أو يرخص في بيع السلعة ليضر الآخر ليمنع الناس عن الشراء منه ولهذا كره الإمام أحمد الشراء من الطباخين ونحوهما يتباريان في البيع ومعلوم أن الإطعام والبيع حلال لكن لما قصد له إضرار الغير صار الضرر كالمشروط فيه المعارض به وإذا لم يبدل المال إلا لضرر بالغير غير مستحق صار ذئك المال حراما

ومن تأمل حديث ابن اللتبية وحديث أنس وحديث عبد الله بن عمرو وحديث ابن عباس وما في معناهما من آثار الصحابة التي لم يختلفوا فيها علم ضرورة أن السنة وإجماع التابعين دليل على أن التبرعات من الهبات والمحابيات ونحوهما إذا كانت بسبب فرض أو ولاية أو نحوهما كان القرض بسبب المحاباة في بيع أو إجارة أو مساقاة أومضاوبة أو نحو ذلك عوضا في ذلك القرض والولاية بمنزلة المشروط فيه

وهذا يجتث قاعدة الحيل الربوبة والرشوية ويدل على حيل السفاح وغيره من الأمور فإذا كان إنما يفعل الشيء لأجل كذا كان المقصود بمنزلة المنطوق الظاهر فإذا كان حلالا كان حلالا وإلا فهو حرام وهذا لما تقدم من أن الله سبحانه إنما أباح تعاطي الأسباب لمن يقصد بها الصلاح فقال في الرجعة: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } وقال في المطلقة: { فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } وقال: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } وقال في الوصية: { من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار } فأباح الوصية إذا لم يكن فيها ضرار للورثة قصدا أو فعلا كما قال في الآية الأخرى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه } وقال: { وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله } وقال: { ولا تمنن تستكثر } وهو أن تهدي ليهدى إليك أكثر مما أهديت فإن هذا دليل على أن صور العقود غير كافية في حلها وحصول أحكامها إلا إذا لم يقصد بها قصدا فاسدا وكل ما لو شرطه في العقد كان عوضا فاسدا فقصده فاسد لأنه لو كان صالحا لم يحرم اشتراطه لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: [ المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أوحرم حلالا ] رواه أبو داود فإذا كان العوض المشروط باطلا علمنا أنه يحل حراما أو يحرم حلالا فيكون فاسدا فتكون النية أيضا فاسدة فلا يجوز العقد بهذه النية

الوجه الحادي والعشرون

إن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا على تحريم هذه الحيل وابطالها وإجماعهم حجة قاطعة يجب اتباعها بل هي أوكد الحجج وهي مقدمة على غيرها وليس هذا موضع تقرير ذلك فإن هذا الأصل مقرر في موضعه وليس فيه بين الفقهاء بل ولا بين سائر المؤمنين الذين هم المؤمنون خلاف وإنما خالف فينا بعض أهل البدع المكفرين ببدعتهم أو المفسقين بها بل من كان يضم إلى بدعته من الكبائر ما بعضه يوجب الفسوق

ومتى ثبت اتفاق الصحابة على تحريمها وإبطالها فهو الغاية في الدلالة

وبيان ذلك: إنا سنذكر إن شاء الله عن عمر أنه خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار وقال ( لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما ) ويذكر عن عثمان وعني وابن عمر وابن عباس وغيرهم أنهم نهوا عن التحليل وبينوا أنها لا تحل به لا للأول ولا للثاني وأنهم قصدوا بذلك كل ما قصد به التحليل وإن لم يشرط في العقد ولا قبله

وهذه أقوال نقلت في أوقات مختلفة وأماكن متعددة وقضايا متفرقة وفيها ما سمعه الخلق الكثير من أفاضل الصحابة وسايرها بحيث توجب العادة انتشاره وشياعه أو لم ينكر هذه الأقوال أحد منهم مع تطاول الأزمنة وزوال الأسباب التي قد يظن أن السكوت كان لأجلها وأيضا قد تقدم عن غير واحد منهم من أعيانهم مثل أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس أنهم نهوا المقرض أن يقبل هد ية المقترض إلا إذا كافأه عليها أو حسبها من دينه وأنهم جعلوا قبولها ربا وهذه الأقوال أيضا وقعت في أزمنة متفرقة في قضايا متعددة والعادة توجب أن يشتهر بينهم جنس هذه المقالة وإن لم يشهر واحد منهم بعينه لا سيما وهؤلاء المسلمون هم أعيان المفتين الذين كانت تضبط أقوالهم وتحكى إلى غيرهم وكانت نفوس الباقين مشرئبة إلى ما يقول هؤلاء ومع ذلك فلم ينقل أن أحدا منهم خالف هؤلاء مع تباعد الأوقات وزوال أسباب الصمات

وأيضا فقد قدمنا عن عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك في مسألة العينة ما أوجب فيه تغليط التحريهم وفساد العقد وفي الفتاوى وقعت في أزمنة وبلدان ولم يقابلها أحد برد ولا مخالفة مع أنها لو كانت باطلة لكان السكوت عنها من العظائم لما فيها من المبالغة العظيمة في تحريم الحلال وبينا أن زيد بن أرقم لم يخالف هذا وأن عقده لم يتم

وإذا كانت هذه أقوالهم في الإهداء إلى المقرض من غير مواطأة ولا عرف فكيف بالمواطأة على المحاباة في بيع أو إجارة أو مساقاة؟ أو بالمواطأة على هبة أوعارية ونحو ذلك من التبرعات؟ ثم إذا كان هذا قولهم في التحليل والإهداء للمقرض والعينة فعيت في إسقاط الزكاة والشفعة وتأخير الصوم عن وقته وإخراج الإبضاع والأموال عن ملك أصحابها وتصحيح العقود الفاسدة؟ وأيضا فإن عمر وعثمان وعليا وأبي بن كعب وسائر البدريين وغيرهم اتفقوا على أن المبتوتة في مرض الموت ترث قاله عمر في قصة غيلان بن سلمة لما طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه؟ فقال له عمر لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو لأورثن نساءك ثم لأمرت بقبرك فليرجمن كما رجم قبر أبي رغال وقال الباقون في قصة تماضر بنت الأصبغ لما طلقها عبد الرحمن بن عوف والقصة مشهورة ولا نعلم أحدا منهم أنكر هذا الوفاق ولا خالفه ولا يعترض على ذلك بأن ابن الزبير قال لو كنت أنا لم أورث تماضر بنت الأصبغ لوجهين:

أحدهما: أنه قد قيل إنها هي سألته الطلاق وبهذا اعتذر من اعتذر عن عبد الرحمن في طلاقها وقيل إن العدة كانت قد انقضت ومثل هاتين المسألتين قد اختلف فيها القائلون بتوريث المبتوتة فإنهم اختلفوا هل ترث مع مطلق الطلاق أو مع طلاق يتهم فيه بأنه قصد الفرار من إرثها؟ وهل ترث في حال العدة فقط أو إلى أن تتزوج؟ أو ترث وإن تزوجت؟

وإذا كان كذلك فكلام ابن الزبير يجوز أن يكون بتا على أحد هذين المأخذين وكذلك كلام غيره إن نقل في ذلك شيء وهذا لا يمنع اتفاقهم على أصل القاعدة ثم لو فرض في توريث المبتوتة خلاف محقق بين الصحابة فلعل ذلك لأن هذه الحيلة وهي الطلاق واقعة لأن الطلاق لا يمكن إبطاله وإذا صح تبعه سائر أحكامه فلا يلزم من الخلاف في مثل هذا الخلاف فيما يمكن إبطاله من البيع والهبة والنكاح ولا يلزم من إنفاذ هذه الحيلة إحلالها وإجازتها وهذا كله يبين لك أنه لم ينقل خلاف في جواز شيء من ائحيل ولا في صحة ما يمكن إبطاله إما في جميع الأحكام أو في بعضها

الثاني: إنا لو فرضنا أن ابن الزبير ثبت عنه أن المبتوتة في المرض لا ترث مطلقا لم يخرق هذا الإجماع المتقدم فإن ابن الزبير لم يكن من أهل الاجتهاد في خلافة عمر وعثمان ولم يكن إذ ذاك ممن يستفتى بل قد جاء عنه ما يدل على أنه في خلافة على أو معاوية لم يكن قد صار بعد من أهل الفتوى وهو مع هذا لم يخالف في هذه المسألة في تلك الأعصار وإنما ظهر منه هذا القول في إمارته بعد إمرة معاوية وقد انقرض عصر أولئك السابقين مثل عمر وعثمان وعلي وأبي وغيرهم

ومتى انقرض عصر أهل الاجتهاد المجمعين من غير خلاف ظاهر لم يعتد بما يظهر بعد ذلك من خلاف غيرهم بالإنفاق وإنما اختلف الناس في إنقراض العصر هل هو شرط في إنعقاد الإجماع بحيث لو خالف واحد منهم بعد اتفاقهم هل يعتد بخلافه؟ وإذا قلنا يعتد بخلافه فلو صار واحد منهم من الطبقة الثانية مجتهدا قبل ! نقضاء عصرهم فخالف هل يعتد بخلافه؟ هذا مما اختلف فيه فأما المخالف من غيرهم بعد موتهم فلا يعتد به وفاقا وكذلك لا يعتد بمن صار مجتهدا بعد الإنفاق قبل انقراض عصرهم على الصحيح

وإذا ثبت بما ذكرنا وما لم نذكره من أقوال أصحاب رسول الله ﷺ في هذه المسائل من مسائل الحيل واتفاقهم عليها فهو دليل على قولهم فيما هو أعظم من هذه الحيل وذلك بموجب القطع بأنهم كانوا يحرمون هذه الحيل ويبطلونها ومن كان له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائل الفقه ثم اتصف لم يتمار أن تقرير هذا الإجماع منهم على تحريم الحيل وابطالها أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس والعمل بظاهر الخطاب ثم إن ذلك الإجماع قد اعتقد صحته عامة الخلق القائلون بالإجماع السكوتي وهم الجمهور والمنكرون له بناء على أن هذه القواعد لا يجوز ترك إنكار الباطل منها وأنه لا يمكن في الواقع معرفة الإجماع والاحتجاج به إلا بهذا الطريق والأدلة الموجبة لاتباع الإجماع إن لم ثتناول مثل هذه الصورة وإلا كانت باطلة وهذا إن شاء الله بين وإنما ذهل عنه في هذا الأصل من ذهل لعدم تتبع مقالتهم في أفراد هذا الأصل كما قد يقع من بعض الأئمة قول هو في نفس الأمر مخالف لنصوص ثابتة عن رسول الله ﷺ فإن معذرته في ترك هذا الإجتماع كمعذرتة في ترك ذلك النص فأما إذا جمعت وفهمت ولم ينقل ما يخالفها لم يسترب أحد في ذلك فإذا انضم إلى ذلك أن عامة التابعين موافقون على هذا فإن الفقهاء السبعة وغيرهم من فقهاء المدينة الذين أخذوا عن زيد بن ثابت وغيره متفقون على إبطال الحيل وكذلك أصحاب عبد الله بن مسعود وأصحاب أصحابه من أهل الكوفة وكذلك أبو الشعثاء والحسن وابن سيرين وغيرهم من أهل البصرة وكذلك أصحاب ابن عباس من أهل مكة وغيرهم ولولا أن التابعين كانوا منتشرين انتشارا يصعب معه دعوى الإحاطة بمقالاتهم لقيل أن التابعين أيضا أتفقوا على تحريم كل حيلة تواطأ عليها الرجل مع غيره وإبطالها أيضا ويكفي أن مقالاتهم في ذلك مشهورة من غير أن يعرف عن واحد منهم في ذلك خلاف

وهذا المسلك إذا تأمله اللبيب أوجب قطعه بتحريم جنس هذه الحيل وبإبطالها أيضا بحسب الإمكان فإنا لا نعلم في طريق الأحكام وأدلتها دليلا أقوى من هذا في مثل هذه المسائل فإنه يتضمن أن كثرة فتاويهم بالتحريم في أفراد هذا الأصل وانتشارها إن عصرهم انثشر وانصرم ورقعة الإسلام متسعة وقد دخل الناس في دين الله أفواجا وقد اتسعت الدنيا على أهل الإسلام اتساعا عظيما وتوسع فيها من توسع حتى كثر من كان يتعدى الحدود وكان المقتضى لوقوع هذه الحيل موجودا قويا كثيرا ثم لم ينقل أن أحدا منهم أفتى بحلة منها أو أمر بها أو دل عليها بل يزجر عنها وينهى وذلك يوجب القطع بأنه لو كانت هذه الحيل مما يسوغ فيها الاجتهاد لأفتى بجوازها بعضهم ولا اختلفوا فيها كما اختلفوا فيما لا ينحصر من مسائل الأحكام مثل مسائل الفرائض والطلاق وغيرها

وهذا بخلاف العمل بالقياس والظاهر والخبر المنفرد فإنه قد نقل عن بعضهم ما يوهم الاختلاف في ذلك وإن كان في الحقيقة ليس اختلافا وكذلك في آحاد مسائل الفروع فإنه أكثر ما يوجد فيها من نقل الإجماع هو دون ما وجد في هذا الأصل وهذا الأصل لم يختلف كلامهم فيه بل دلت أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم على الإنفاق فيه مع كثرة الدلائل على هذا الانفاق والله سبحانه أعلم

الوجه الثاني والعشرون

إن الله سبحانه إنما أوجب الواجبات وحرم المحرمات لما تضمن ذلك من المصالح لخلقه ودفع المفاسد عنهم ولأن يبتليهم بأن يميز من يطيعه ممن يعصيه فإذا احتال المرء على حل المحرم أو سقوط الواجب بأن يعمل عملا لو عمل على وجهه المقصود به لزال ذلك التحريم أو سقط ذئك الواجب ضمنا وتبعا لا أصلا وقصدا ويكون إنما عمله ليغير ذلك الحكم أصلا وقصدا فقد سعى في دين الله بالفساد من وجهين:

أحدهما: أن الأمر المحتال عليه بطل ما فيه من حكمة الشارع نقص حكمه

والثاني: أن الأمر المحتال به لم يكن له حقيقة ولا كان مقصودا بحيث يكون ذلك محصلا لحكمة الشارع فيه ومقصوده فصار مفسدا بسعيه في حصول المحتال عليه إذا كان حقيقة المحرم ومعناه موجودا فيه وإن خالفه في الصورة ولم يكن مصلحا بالأمر المحتال به إذ لم يكن له حقيقة عنده ولا مقصودة

وبهذا يظهر الفرق بين ذلك وبين الأمور المشروعة إذا أتيت على وجوهها فإن الله حرم مال المسلم ثم أباحه له بالبيع المقصود فإذا ابتاعه بيعا مقصودا لم يأت بصورة المحرم ولا بمعناه والسبب الذي استباحه به أتى به صورة ومعنى كما شرعه الشارع

وإيضاح ذلك: أن الله سبحانه إنما حرم الربا والزنا وتوابعهما من العقود التي تفضي إلى ذلك لما في ذلك من الفساد والابتلاء والإمتحان وأباح البيع والنكاح لأن ذلك مصلحة محضة ومعلوم أنه لا بد أن يكون بين الحلال والحرام فرق في الحقيقة وإلا لكان البيع مثل الربا والفرق في الصورة دون الحقيقة غير مؤثر لأن الاعتبار بالمعاني والمقاصد في الأقوال والأفعال فإن الألفاظ إذا اختلفت عبارتها والمعنى واحد كان حكمها واحدا ولو اتفقت ألفاظها واختلفت معانيها كان حكمها مختلفا وكذلك الأعمال لو اختلفت صورها واتفقت مقاصدها كان حكمها واحدا في حصول الثواب في الآخرة والأحكام في الدنيا ألا ترى أن البيع والهبة والقرض لما كان المقصود بها الملك البتات كانت مستوية في حصول هذا المقصود والصوم والصلاة والحج لما كانت مستوية في ابتغاء فضل الله ورضوانه إستوت في تحصيل هذا المقصد وإن كان لأحد العملين خاصة ليست للآخر ولو اتفقت صورها واختلفت مقاصدها كالرجلين يتكلمان بكلمة الإيمان أحدهما يبتغي بها حقيقة الإيمان والتصديق وطلب ما عنده الله والآخر يبتغي بها حقن دمه وماله والرجلين يهاجران إلى رسوله والآخر ليتزوج امرأة لكانت تلك الأعمال مفترقة عند الله وفي الحكم الذي بين العبد وبين الله وكذلك فيما بين العباد إذا ظهر لهم المقصد

ومن تأمل الشريعة علم بالاضطرار صحة هذا فالأمر المحتال به صورته صورة الحلال ولكن ليست حقيقته ومقصوده ذلك فيجب أن لا يكون بمنزلته فلا يكون حلالا فلا يترتب عليه أحكام الحلال فيقع باطلا من هذا الوجه والأمر المحتال عليه حقيقته حقيقة الأمر الحرام لكن ليست صورته صورته فيجب أن يشارك الحرام لموافقته له في الحقيقة وإن خالفه في الصورة - والله أعلم

الوجه الثالث والعشرون

إنك إذا تأملت عامة الحيل وجدتها رفعا للتحريم أو الوجوب مع قيام المعنى لا المقتضى للوجوب أو التحربم فتصير حراما من وجهين:

من جهة أن فيها فعل المحرم وترك الواجب

ومن جهة أنها مع ذلك تدليس وخداع وخلابة ومكر ونفاق واعتقاد فاسد وهذا الوجه أعظمها إثما فإن الأول بمنزلة سائر العصاة وأما الثاني فبمنزلة البدع والنفاق

ولهذا كان التغليظ على من يأمر بها ويدل عليها متبوعا في ذلك أعظم من التغليظ على من يعمل بها مقلدا فأما إذا عمل بها معتقدا جوازها فهذا هو النهاية في الشر وهذا معنى قول أيوب لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي وإن كان المجتهد معذورا إذا استفرغ وسعه في طلب الحق فذاك من باب المانع للحوق الذم وإلا فالمقتضي للذم قائم في مثل هذا الموضع وإذا خفي على بعض الناس ما في الفعل من القبح كان ذلك مؤكدا0 لإيضاح قبحه وهذا الوجه مما اعتمد عليه الإمام أحمد رضي الله عنه قال أبو طالب سمعت أبا عبد الله قال له رجل في كتاب الحيل إذا اشترى الرجل أمة فأراد أن يقع بها يعتقها ثم يتزوجها فقال أبو عبد الله: بلغني أن المهدي اشترى جارية فأعجبته فقيل له أعتقها وتزوجها فقال سبحان الله ما أعجب هذا أبطلوا كتاب الله والسنة جعل الله على الحرائر العدة من جهة الحمل فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا تعتد من جهة الحمل ففرج يوطأ يشتريه ثم يعتقه على المكان فيتزوجها فيطأها فإن كانت حاملا كيف يصنع يطأها رجل اليوم ويطأها الآخر غدا هذا نقض للكتاب والسنة قال النبى ﷺ: [ لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض ] ولا يدري حامل أم لا سبحان الله ما أسمج هذا وقال في رواية أبي داود وذكر الحيل من أصحاب الرأي فقال يحتالون لنقض سنن رسول الله ﷺ وقال في رواية صالح وأبي الحارث هذه الحيل التي وضعوها عمدوا إلى السنن فنقضوها والشيء الذي قيل لهم أنه حرام احتالوا فيه حتى أحلوه وسبق تمام كلامه وهذا كثير في كلامه

وبيان ذلك: إنا نعلم باضطرار أن النبي ﷺ لما نهى عن وطء الحبالى وقال: [ لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تستبرىء بحيضة ] ان من أكثر المقاصد بالإستبراء أن لايختلط الماآن ولا يشتبه النسب ثم إن الشارع بالغ في هذه الصيانة حتى جعل العدة ثلاثة قروء وأوجب العدة على الكبيرة والصغيرة وإن كان له مقصود آخر غير استبراء الرحم فإذا ملك أمة يطأها سيدها وأعتقها عقب ملكها وتزوجها ووطئها الليلة صار الأول قد وطئها البارحة وهذا قد وطئها الليلة وباضطرار نعلم أن المفسدة التي من أجلها وجب الاستبراء قائمة في هذا الوطء ومن توقف في هذا كان في الشرعيات بمنزلة التوقف في الضروريات من العقليات وكذلك نعلم أن الشارع حرم الربا لما فيه من أخذ فضل على ما له مع بقاء ماله في المعنى فيكون أكلا للمال بالباطل كأخذه بالقمار وهو يسد طريق المعروف والإحسان إلى الناس فإنه متى جوز لصاحب المال الربا لم يكن أحد يفعل معروفا من قرض ونحوه إذا أمكنه أن يبذل له كما يبذل القروض مع أخذ فضل له ولهذا قال سبحانه: { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } فجعل الربا نقيض الصدقة لأن المربي يأخذ فضلا في ظاهر الأمر يزيد به ماله والمتصدق ينقص ماله في الظاهر لكن يمحق الله الربا ويربي الصدقات وقال سبحانه في الآية الأخرى: { وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون } فكما أن الشارع أوجب الصدقة التي فيها الإعطاء للمحتاجين حرم الربا الذي فيه أخذ المال من المحتاجين لأنه سبحانه علم أن صلاح الخلق في أن الغني يؤخذ منه ما يعطى للفقير وأن الفقير لايؤخذ منه ما يعطى للغني

ثم رأيت هذا المعنى مأثورا على علي بن موسى الرضى رضي الله عنه وعن آبائه أنه سئل لم حرم الله الربا؟ فقال: لئلا يتمانع الناس المعروف فهذا في الجملة ينبه على بعض علل الربا فحرم أن يعطي الرجل آخر ألفا على أن يأخذ منه بعد شهر ألفا ومائة وعلى أن يأخذ منه كل شهر مائة غير الألف وربا النسأ هو الذي يتم به غرض المربي في أكثر الأمور وإنما حرم ربا الفضل لأنه قد يفضي إلى الربا ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: [ لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ولا الدينار بالدينارين إني أخاف عليكم الرما - والرما هو الربا ] - رواه الإمام أحمد وهذه الزيادة وهي قوله إني أخاف عليكم الرما محفوظة عن عمر بن الخطاب من غير وجه وأسقط اعتبار الصفات مع إيجاد الجنس وان كانت مقصودة لئلا يفضي اعتبارها إلى الربا ولهذا قال ﷺ: [ إنما الربا في النسيئة ] متفق عليه

وبالجملة فلا يشك المؤمن أن الله إنما حرم على الرجل أن يعطي درهما ليأخذ درهمين إلى أجل إلا لحكمة فإذا جاز أن يقول بعني ثوبك بألف حالة ثم يبيعه إياه بألف ومائتين ومؤجلة بالغرض الذي كان للمتعاقدين في إعطاء ألف بألف ومائتين هو بعينه موجود ها هنا وما أظهراه من صورة العقد لا غرض لهما فيه بحال وليس عقدا ثابتا ومعلوم أن الله سبحانه إنما حرم الربا وعظمه زجرا للنفوس عما تطلبه من أكل المال بالباطل فإذا كانت هذه الحيلة يحصل معها غرض النفوس من الربا علم قطعا أن مفسدة الربا موجودة فيها فتكون محرمة

وكذلك السفاح حرمه الله تعالى بحكم كثيرة وقطع تشبيهه بالنكاح بكل طريق فأوجب في النكاح الولي والشاهدين والعدة وغير ذلك ومعلوم أن الرجل لو تزوج المرأة ليقيم معها ليلة أو ليلتين ثم يفارقها بولي وشاهدين وغير ذلك كان سفاحا وهو المتعة المحرمة فإذا لم يكن له غرض معها ألم يكن أولى باسم السفاح؟

وكذلك نعلم أن الله سبحانه إنما أوجب الشفعة للشريك لعلمه بأن مصير هذا الشقص للشريك مع حصول مقصود البائع من الثمن خير من حصوله لأجنبي ينشأ بسببه ضرر الشركة والقسمة فأوجب هذا الخير الذي لاشر فيه فإذا سوغ الاحتيال على إسقاطها ألم يكن فيه بقاء فساد الشركة والقسمة وعدم صلاح الشفعة والتكميل مع وجود حقيقة سببها وهو البيع

وهذا كثير في جميع الشرعيات فكل موضع ظفرت للمكلفين حكمته أو غابت عنهم لا يشك مستبصر أن الاحتيال يبطل تلك الحكمة التي قصدها الشارع فيكون المحتال مناقضا للشارع مخادعا في الحقيقة لله ورسوله وكلما كان المرء أفقه في الدين وأبصر بمحاسنه كان فراره عن الحيل أشد واعتبر هذا بسياسة الملوك بل بسياسة الرجل أهل بيته فإنه لو عارضه بعض الأذكياء المحتالين في أوامره ونواهيه بإقامة صورها دون حقائقها لعلم أنه ساع في فساد أوامره وأظن كثيرا من الحيل إنما استحلها من لم يفقه حكمة الشارع ولم يكن له بد من التزام ظاهر الحكم فإقام رسم الدين دون حقيقته ولو هدى رشده لسلم لله ورسوله وأطاع الله ظاهرا وباطنا في كل أمره وعلم أن الشرائع تحتها حكم وإن لم يهتد هو لها فلم يفعل سببا يعلم أنه مزيل لحكمة الشارع من حيث الجملة وإن لم يعلم حقيقة ما أزال إلا أن يكون منافقا يعتقد أن رأيه أصلح في هذه القضية خصوصا أو فيها وفي غيرها عموما لما جاءت به الشريعة أو صاحب شهوة قاهرة تدعوه إلى تحصيل غرضه ولا يمكنه الخروج عن ظاهر رسم الإسلام أو يكون ممن يحب الرياسة والشرف بالفتيا التي ينقاد له بها الناس ويرى أن ذلك لا يحصل عند الذين اتبعوا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين إلا بهذه الحيل أو يعتقد أن الشيء ليس محرما في هذه القضية المخصوصة لمعنى رآه لكنه لا يمكنه إظهار ذلك لأن الناس لا يوافقونه عليه ويخاف الشناعة فيحتال لحيلة يظهر بها ترك الحرام ومقصوده إستحلاله فيرضي الناس ظاهرا أو يعمل بما يراه باطنا ولهذا قال ﷺ: [ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ] وإنما الفقه في الدين فهم معاني الأمر والنهي ليستبصر الإنسان في دينه ألا ترى قوله تعالى: { ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } فقرن الإنذار بالفقه فدل على أن الفقه ما وزع عن محرم أو دعى إلى واجب وخوف النفوس مواقعه المحظورة لا ما هون عليها استحلال المحارم بأدنى الحيل

ومما يقضى منه العجب أن الذين ينتسبون إلى القياس واستنباط معاني الأحكام والفقه من أهل الحيل هم أبعد الناس عن رعاية مقصود الشارع وعن معرفة العلل والمعاني وعن الفقه في الدين فإنك تجدهم يقطعون عن الإلحاق بالأصل مايعلم بالقطع إن معنى الأصل موجود فيه ويهدرون اعتبار تلك المعاني ثم يربطون الأحكام بمعاني لم يومىء إليها شرع ولم يستحسنها عقل: { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } وإنما سبب نسبة بعض الناس لهم إلى الفقه والقياس ما انفردوا به من الفقه وليس له أصل في كتاب ولا سنة وإنما هو رأي محض صدر عن فطنة وذكاء كفطنة أهل الدنيا في تحصيل أغراضهم فتسموا بأشرف صفاتهم وهو الفهم الذي هو مشترك في الأصل بين فهم طرق الخير وفهم طرق الشر إذ أحسن ما فيهم من هذا الوجه فهمهم لطرق تلك الأغراض والتوصل إليها بالرأي

فأما أهل العلم بالله وبأمره فعلمهم متلقى عن النبوة إما نصا أو استنباطا فلا يحتاجون إلى أن يضيفوه إلى أنفسهم وإنما لهم فيه الأتباع فمن فهم حكمة الشارع منهم كان هو الفقيه حقا ومن اكتفى بالاتباع لم يضره أن لا يتكلف علم ما لا يلزمه إذا كان على بصيرة من أمره مع أنه هو الفقه الحقيقى والرأي السديد والقياس المستقيم - والله سبحانه أعلم



ابن تيمية: إقامة الدليل على إبطال التحليل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29