إقامة الدليل على إبطال التحليل/21

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إقامة الدليل على إبطال التحليل
المؤلف: ابن تيمية


فإن قيل: فإذا ملك الرجل غيره شيئا ليقفه عليه ثم على جهة متصلة من بعده فما حكم هذا في نفس الأمر وكيف حكم على من علم أن هذا هو حقيقة هذا الوقف؟ قيل: هذا التمليك والشرط يضمن شيئين

أحدهما: لا حقبقة له وهو انتقال الملك إلى الملك

والثاني: الإذن له في الوقف على هذا الوجه وموافقته عليه - وهدا في المعنى توكيل له في الوقف: فحكم هذا المللك قبل التمليك وبعده سواء لم يملكه المملك

ولو مات قبل وقفه لم يحل لورثته أخذه ولو أخذه ولم بقفه على صاحبه ولم يرده إليه كان ظالما عاصيا ولو تصرف فيه صاحبه بعد هذا التمليك لكان تصرفه فيه نافذ لنفوذه قبل التمليك - وهذا كله فيما بينه وبين الله وكذلك في الظاهر إن قامت بينة بما تواطأ عليه أو اعترف له المملك بذلك أو كانت دلالة الحال تقتضي ذلك

لكن المالك قد أذن لهذا في أن يقفه وهو راض بذلك وهذا الإذن والتوكيل وإن كان قد حصل في ضمن عقد فاسد فإنه لا يفسد بفساد العقد كما لو فسدت الشركة أو المضاربة فإن تصرف الشريك والعامل صحيح بما تضمنه العقد مع الإذن مع فساد العقد بل الإذن في مثل هذه الهبة الباطلة أولى من وجهين:

أحدهما: إنهما قد اتفقا قبل العقد على أن يقفه على صاحبه وتراضيا على ذلك واتفقا عنى أن هذه الهبة ليست هبة بتاتا بل هي مثل هذه التلجئة فيكون الاتفاق للأول إذنا صحيحا ورده بعده عقد فاسد وكان مثل هذا مثل أن يتفقا على بيع تلجئة أو هبة تلجئة وإن لم يفعل في المبيع والموهوب كذا وكذا فإن جميع تلك التصرفات المأذون فيها تقع صحيحه لأنها وكالة صحيحة في الباطن لم يرد بعدها ما يناقضها في الحقيقة

الثاني: إنا إنما أبطلنا هذا العقد لكونه قد اشترط على الموهب له أنه لا يتصرف فيه إلا بالوقف الذي هو في الظاهر واهب والتصرف في العين لا يتوقف على الملك بل يصح بطريق الوكالة وبطريق الولاية فلا يلزم من بطلان الملك بطلان الإذن الذي تضمنه الشرط لأن الإذن مستندا غير الملك ولا يقال لما بطل الملك بطل التصرف الذي هو من توابعه التصرف في مثل هذه الصورة وليس هو من توابع الملك وإنما هو من توابع ما هو في الظاهر ملك للثاني وفي الحقيقة ليس ملكا للثاني بل هو باق على ملك الأول وإذا كان من توابع ما هو في الحقيقة باق على ملك الأول وفي الظاهر ملك للثاني فبطلان هذا الثاني لا يستلزم بطلان الملك الحقيقي ولا بطلان توابعه

يؤيد هذا أن الحيل التي استحلت بأسماء باطلة يجب أن تسلب تلك الأسماء المنحولة وتعطى الأسماء الحقيقية كما يسلب منها ما يسمى بيعا أو نكاحا أو هدية وهذه الأسماء تسمى ربا وسفاحا ورشوة فكذلك هذه الهبة تسلب اسم الهبة وتسمى توكيلا وإذنا فإن صحة الوكالة لا تتوقف على لفظ مخصوص بل بكل قول دل على الإذن في التصرف فهو وكالة

وهذه المواطأة على هذه الهبة لا ريب أنها تدل على الإذن في هذا الوقف فتكون وكالة وإذا كان كذلك فمن اعتقد صحة وقف الإنسان على نفسه كما بينا مأخذه واعتقد صحة هذا الوقف وكان هذا الوقف لازما إذا وقفه ذلك الملك الموكل كلزومه لو وقفه إلمالك نفسه أو وكيل محض وينبني على ذلك سائر أحكام الوقف الصحيح من حل التناول منه ونحو ذلك

ومن اعتقد وقف الإنسان على نفسه باطلا كان هذا وقفا منقطع الابتداء لكونه وقف عنى نفسه والوقف لا يجوز عليها ثم على غيره والوقف جائز عليه وفي هذه المسألة خلاف مشهور فقيل لا يصح الوقف بخلاف المنقطع الانتهاء لأن الطبقة الثانية والثالثة تبع للأولى فإذا لم تصح الأولى فما بعدها أولى ولأن الواقف لم يرض أن يصير للثانية إلا بعد الأولى وما رضي به لم يرض به الشارع فالذي رضيه الشارع لم يرضه والذي رضيه لم يرضه الشارع ولا بد في صحة التصرف من رضى المتصرف وموافقة الشارع فعلى هذا هو باق على ملك الواقف فإذا مات انبنى على أنه إذا قال هذا وقف بعد موتي صح أو هو كالمعلق بالشرط

فإن قيل: هوكالمعلق بشرط فلا كلام وإن قيل بصحته أمكن أن يقال بصحة هذا الوقف بعد موته من الثلث وأنه فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة بخلاف ما لو وقف على حربي أو مرتد وبعد موته على من يصح لأنه إذا وقف على نفسه وبعد موته على جهة متصلة أمكن أن يلغي قوله على نفسي ويجعل كأنه قال بعد موتي على كذا وهذا يصححه من لا يصحح الوقف على تلك الجهة بعد موت فلان إلحاقا للوقف بالوصية فإنه من جنس العطايا والعطية يصح تعليقها بشرط وإنما جاز هذا في الوصايا إلحاقا بالميراث وقيل أن هذا الوقف المنقطع الابتداء صحيح ثم فيه وجهان:

أحدهما: إنه يصرف في الحال مصرف الوقف المنقطع الابتداء فإذا مات هذا الواقف صرف إلى تلك الجهة الباطلة

والثاني: إنه يصرف في الحال فإذا مات الواقف صرف إلى تلك الجهة الصحيحة جعلا له بمنزلة المعلق على شرط - وكذلك جعل في تعليق الواقف بالشرط وجهان لتردده بين شبه العتق والتحرير وبين شبه الهبة والتمليك

فإن قبل: فإن أقر من في يده عقار أنه وقف عليه من غيره ثم على جهة متصلة وكان قد جعل هذا حيلة لوقفه على نفسه من غير أن يكون قد وقفه عليه أحد فما حكم ذلك في الباطن وحكم من علم ذلك من الموقوف عليه؟

قيل: هذا أيضا إنما قصد إنشاء الوقف فيكون كمن أقر بطلاق أو عتاق ينوي به الإنشاء لأن الوقف ينعقد باللفظ الصريح وباللفظ الكناية مع النية ويصح أيضا بالفعل مع النية عند الأكثرين فإذا كان مقصوده هو الوقف على نفسه وتكلم بقوله هذا وقف علي ثم على كذا وكذا وميزه بالفعل عن ملكه صار كما لو قال وقفته على نفسي ثم على كذا وكذا لأن الإقرار يجوز أن يكون كتابة في الإنشاء يجوز أن يقصد به الأخبار فإذا قصد به دين بخلاف ما لو كان إقرارا محضا وهو يعلم كذب نفسه فيه كان وجود هذا الإقرار كعدمه فيما بينه وبين الله: ففرق بين إقرار قصد به الأخبار عما مضى وإقرار قصد به الإنشاء وإنما ذكر بصيغة الأخبار لغرض من الأغراض

ومما يوضح هذا أن صيغ العقود قد قيل: هي إنشآت وقيل: إخبارات - وهي في الحقيقة إخبار عن المعاني التي في القلب وتلك المعاني إنشآت فاللفظ خبر والمعنى إنشاء إنما يتم حكمه باللفظ فإذا أخبر أن هذا المكان وقف عليه وهو يعلم أن غيره لم يقفه عليه بل هو كاذب في هذا وإنما مقصوده أن يصير هو واقفا له فقد أجمع لفظ الأخبار وإرادته الوقف فلو كان أخبر عن هذه الإرادة لم يكن فيه ريب أنه إنشاء وقف لكن لما كان اللفظ إخبارا عن غير ما عناه والذي عناه لم يلفظ به صارت المسألة محتملة لكن هذه النية مع هذا اللفظ ونحوه ومع الفعل الذي لو تجرد عن لفظ كان مع النية بمنزلة المتكلم بالوقف يوجب هذا وقفا وهذا المعنى ينبني على ماتقدم قبل هذا - وإذا كان هذا إنشاء للوقف فحكمه على ما تقدم والله سبحانه أعلم

وإذا كان الرجل ممن يعتقد مثلا بطلان وقف الإنسان على نفسه وبطلان استثناء منفعة الوقف فالواجب مع هذا الأعتقاد أما الوقف على غيره ظاهرا وباطنا أو الوصية بالوقف بعد موته فيما يسوغ الوصية فيه والإمساك عما زاد أو ترك الوقف وكذلك كل من اعتقد اعتقادا يرى أنه لايسوغ له الخروج عنه فإنه يجب الوفاء بموجبه كالأمور التي في تحريمها من الربا والسفاح وغير ذلك فإنه يجب الإمساك عما حرم الله سبحانه وأنه لا يستحل محارمه بأدنى الحيل ولا يتوهم الإنسان إن في الإمساك عن المحرم ضيقا أو ضررا أو في فعل الواجب فإنه من يتق الله تعالى يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهوحسبه ولا بد أن يبتلى المرء في أمر الله ونهيه تارة يترك ما يهوى وتارة يفعل ما يكره كما يبتلى في الحوادث المقدرة بمثل ذلك وقد قال سبحانه: { الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } وقال سبحانه: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }

وقال سبحانه: { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } وقال تعالى: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } 0 الآيات ومن هنا ينشأ

الوجه الرابع عشر

وهو أن الحيلة إنما تصدر من رجل كره فعل ما أمر الله سبحانه أو ترك ما نهى الله سبحانه عنه وقد قال الله سبحانه: { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } وقال سبحانه: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } وقال سبحانه: { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف } إلى غير ذلك من المواضع التي ذم الله فيها من كره ما أنزل الله من الصلاة والزكاة والجهاد وجعله من المنافقين

وقال سبحانه في المؤمنين المربيين: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون }

وقال: يجب أن تتلقى أحكام الله بطيب نفس وانشراح صدر وأن يتيفن العبد أن الله لم يأمره إلا بما في فعله صلاح ولم ينهه إلا عما في فعله فساد سواء كان ذلك من نفس العبد بالأمر والنهي أو من نفس الفعل أو منهما جميعا وأن المأمور به بمنزلة القوت الذي هو قوام العبد والمنهي عنه بمنزلة السموم التي هي هلاك البدن وسقمه ومن يتيقن هذا لم يطلب أن يحتال على سقوط واجب في فعله صلاح له ولا على فعل محرم في تركه صلاح له أيضا وإنما تنشأ الحيل من ضعف الإيمان فلهذا كانت من النفاق وصارت نفاقا في الشرائع كما أن النفاق الأكبر نفاق في الدين وإذا كانت الحيلة مستلزمة الكراهة أمر الله ونهيه وذلك محرم بل نفاق فحكم المستلزم كذلك فتكون الحيل محرمة بل نفاقا ولو فرض أن ينشأ من الحيل تجرد في بعض حق الأشخاص عن هذا الإلزام لكان ذلك صورا قليلة فيجب أن يتعلق الحكم بالغالب ثم أقل ما فيها أنها مظنة لذلك والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها وكراهة الأمر والنهي تخفى عن صاحبها ولاتنضبط الحيلة التي تتضمن ذلك من التي لا تتضمنه فيعلق الحكم بمظنة ذلك وهو الحيلة مطلقا - وإنما يتم هذا الوجه والذي قبله بذكر أقسام الحيلة وهو

الوجه الخامس عشر

وهو أنه ليس كلما يسمى في اللغة حيلة أو يسميه بعض الناس حيلة أو يسمونه آلة مثل الحيلة المحرمة حراما فإن الله سبحانه قال في تنزيله: { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } فلو أحتال المؤمن المستضعف على التخلص من بين الكفار لكان محمودا في ذلك ولو احتال مسلم على هزيمة الكافر كما فعل نعيم بن مسعود يوم الخندق أو على أخذ ماله منهم كما فعل الحجاج بن علاطة وعلى قتل عدو لله ولرسوله كما فعل النفر الذين احتالوا على ابن أبي الحقيق اليهودي وعلى قتل كعب بن الأشرف إلى غير ذلك لكان محمودا أيضا فإن النبي ﷺ قال: [ الحرب خدعة ] وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها والناس في التلطف وحسن التحيل على حصول ما فيه رضى الله ورسوله أو دفع ما يكيد الإسلام وأهله سعي مشكور

والحيلة مشتقة من التحول وهو النوع من الحول كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود والأكلة والشربة من الأكل والشرب ومعناها نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال هذا مقتضاه في اللغة ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة فإن كان المقصود أمرا حسنا كانت حيلة حسنة وإن كان قبيحا كانت قبيحة ولما قال النبي ﷺ: [ لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلون محارم الله لأدنى الحيل ] صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد في الحيل التي يستحل بها المحارم كحيل اليهود وكل حيلة تضمنت إسقاط حق الله أو الآدمي فهي تندرج فيما يستحل بها المحارم فإن ترك الواجب من المحارم

ألا ترى أن النبي ﷺ سمى الحرب خدعة؟ ثم إن الخداع في الدين محرم بكتاب وسنة رسوله وقالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من المهاجرات سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا ] متفق عليه وفي رواية لمسلم: [ ولم يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل أمرأته وحديث المرأة زوجها ] وفي رواية له قال الزهري ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث

وعن أسماء بنت يزيد بن سكن أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: [ أيها الناس ما يحملكم على أن تتابعوا في الكذب كما يتتابع الفراش كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاث خصال رجل كذب أمرأته ليرضيها ورجل كذب بين امرأين ليصلح بينهما ورجل كذب في خدعة حرب ] رواه الترمذي بنحوه ولفظه: [ لا يحل الكذب إلا في ثلاث ] وقال: حديث حسن ويروى أيضا عن ثوبان موقوفا ومرفوعا: [ الكذب كله إثم إلا ما ينفع به المسلم أو دفع به عن دين ]

فلم يرخص فيما تسميه الناس كذبا وإن كان صدقا في العناية ولهذا لما قال النبي ﷺ: [ لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله لسارة أختي وقوله: بل فعلهم كبيرهم هذا وقوله إني سقيم ] والثلاث معاريض وملاحه فإنه قصد باللفظ ما يطابقه في عنايته لكن لما أفهم المخاطب مالا يطابقه سمي كذبا ثم هذا الضرب قد ضيق فيه كما ترى

يؤيد هذا التفسير ما روى مالك عن صفوان بن سليم [ أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: أكذب امرأتي؟ فقال رسول الله ﷺ: لا خير في الكذب فقال الرجل: أعدها وأقول لها فقال النبي ﷺ: لا جناح عليك ] وسيجيء كلام ابن عيينة في ذلك وبالجملة يجوز للإنسان أن يظهر قولا وفعلا مقصوده به مقصود صالح وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية مثل دفع ظلم عن نفسه أو عن مسلم أو دفع الكفار عن المسلمين أو الاحتيال على إبطال حيلة محرمة أو نحو ذلك فهذه حيلة جائزة

وإنما المحرم مثل أن يقصد بالعقود الشرعية ونحوها غير ما شرعت العقود له فيصير مخادعا لله كما أن الأول خادع الناس ومقصوده حصول الشيء الذي حرمه الله لولا تلك الحيلة وسقوط الشيء الذي يوجبه الله تعالى لولا تلك الحيلة كما أن الأول مقصوده إظهار دين الله ودفع معصية الله ونظير هذا أن يتأول الحالف في يمينه إذا استحلفه الحاكم لفصل الخصومة فإن يمينك على ما يصدقك به صاحبك والنية للمستحلف في مثل هذا باتفاق المسلمين ولا ينفعه التأويل وفاقا وكذلك لو تأول من غير حاجة لم يجز عند الأكثر من العلماء بل الاحتيال في العقود أقبح من حيث أن المخادع فيها هو الله تعالى ومن خادع الله فإنما خدع نفسه وما يشعر ولهذا لا يبارك لأحد في حيلة استحل بها شيئا من المحرمات ويتبين الحال بذكر أقسام الحيل

أقسام الحيل[عدل]

فنقول هي أقسام:

أحدها: الطرق الخفية التي يتوسل بها إلى ما هومحرم في نفسه بحيث لا تحل بمثل ذلك السبب بحال فمتى كان المقصود بها حراما في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين وصاحبها يسمى داهية ومكارا وذلك من جنس الحيل على هلاك النفوس وأخذ الأموال وفساد ذات البين وحيل الشيطان على إغواء بني آدم وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض حق وإظهار باطل في الأمور الدينية والخصومات الدنيوية وبالجملة فكل ما هو محرم في نفسه فالتوسل إليه بالطرق الظاهرة محرم فكيف بالطرق الخفية التي لاتعلم وهذا مجمع عليه بين المسلمين

ثم من هذه الحيلة ما يقصد بها حصول المقصود وإن ظهر أنه محرم كحيل اللصوص ولا مدخل لهذا في الفقه

ومنها ما يقصد به مع ذلك إظهار الحيل في الظاهر وهذه الحيل لا يظهر صاحبها إن مقصوده بها شر وقد لا يمكن الاطلاع على ذلك غالبا ففي مثل هذا قد تسد الذرايع إلى تلك المقاصد الخبيثة ومثال هذا إقرار المريض لوارث لا شيء له عنده فيجعله حيلة إلى الوسيلة له وهذا محرم باتفاق المسلمين وتعليمه هذا الإقرار حرام والشهادة عليه مع العلم بكذبه حرام والحكم بصحته مع العلم ببطلانه حرام فإن هذا كاذب غرضه تخصيص بعض الورثة بأكثر من حقه فالحيلة نفسها محرمة والمقصود بها محرم لكن لما أمن أن يكون صادقا اختلف العلماء في إقرار المريض لوارث هل هو باطل سدا للذريعة وردا لإقرار الذي صادف حق المورث فيما هو متهم فيه لأنه شاهد على نفسه فيما يتعلق به حقهم فترد التهمة كالشاهد على غيره أو هو مقبول إحسانا للظن بالمقر عند الخاتمة

ومن هذا الباب احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج مع إمساكه بالمعروف بانكارها للاذن للولي أو بإساءة عشرته بمنع بعض حقوقه أو فعل ما يؤذيه أو غير ذلك واحتيال البائع على فسخ الببع بدعواه إنه كان محجوزا عليه أو احتيال المشتري بدعواه إنه لم ير المبيع واحتيال المرأة على مطالبة الرجل بمال بإنكارها الإنفاق أو إعطاء الصداق إلى غير ذلك من الصور فهذا لا يستريب أحد في أن هذا من كبائر الإثم ومن أقبح المحرمات وهي بمنزلة لحم خنزير ميت حرام من جهة أنها في نفسها محرمة لأنها كذب على مسلم أو فعل معصية ومن جهة أنها ترسل بها إلى إبطال حق ثابت أو إثبات باطل

ويندرج في هذا القسم ما هو في نفسه مباح لكن يقصد المحرم صار حراما كالسفر لقطع الطريق ونحو ذلك فصار هذا القسم مشتملا على قسمين

القسم الثالث: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل لكن يكون الطريق في نفسه محرما مثل أن يكون له على رجل حق مجحود فيقيم شاهدين لا يعلمانه فيشهدان به فهذا محرم عظيم عند الله قبيح لأن ذينك الرجلين شهدا بالزور حيث شهدا بما لا يعلمانه وهو حملهما على ذلك وكذلك لو كان له عند رجل دين وله عنده وديعة فجحد الوديعة وحلف ما أودعني شيئا أو كان له على رجل دين لا بينة له ودين آخر به بينة لكن قد أقضاه فيدعي هذا الدين ويقيم به اليبنة وينكر الاقتضاء ويتأول أني إنما استوفي ذلك الدين الأول فهذا حرام كله لأنها إنما يتوصل إليه بكذب منه أو من غيره لا سيما إن حلف والكذب حرام كله

وهذا قد يدخل فيه بعض من يفتي بالحيلة لكن الفقهاء منهم لا يحلونه

القمسم الرابع: أن يقصد حل ما حرمه الشارع وقد أباحه على سبيل الضمن والتبع إذا وجد بعض الأسباب أو سقوط ما أوجبه وقد أسقطه على سييل الضمن والتبع إذا وجد بعض الأسباب فيريد المحتال أن يتعاطى ذلك السبب قاصدا به ذلك الحيلة والسقوط - وهذا حرام من وجهين كالقسم الأول من جهة أن مقصوده حل ما لم يأذن به الشارع بقصد استحلاله أو سقوط ما لم يأذن الشارع بقصد إسقاطه والثاني أن ذلك السبب الذي يقصد به الإستحلال لم يقصد به مقصودا يجامع حقيقته بل قصد به مقصودا ينافي حقيقته ومقصوده الأصلي أو لم يقصد به مقصوده الأصلي بل قصد به غيره فلا يحل بحال ولا يصح إن كان ممن يمكن إبطاله

وهذا القسم هو الذي كثر فيه تصرف المحتالين ممن ينتسب إلى الفتوى وهو أكثر ما قصدنا الكلام فيه فإنه قد اشتبه أمره على المحتالين فقالوا الرجل إذا قصد التحليل مثلا لم يقصد محرما فإن عودة المرأة إلى زوجها بعد زواج حلال والنكاح الذي يتوصل به إلى ذلك حلال بخلاف الأقسام الثلاثة - وهذا جهل فإن عودة المرأة إلى زوجها إنما هو حلال إذا وجد النكاح الذي هو النكاح والنكاح إنما هو مباح إذا قصد به ما يقصد بالنكاح لأن حقيقة النكاح إنما يتم إذا قصد ما هو مقصوده أو قصد نفس وجوده أو وجود بعض لوازمه وتوابعه والنكاح ليس مقصوده في الشرع ولا في العرف الطلاق الموجب لتحليل المحرمة

فإن الطلاق رفع النكاح وإزالته وقصد إيجاد الشيء لإعدامه لغير غرض يتعلق بنفس وجوده محال فالحل يتبع الطلاق والطلاق بتبع النكاح والنكاح يتبع حقيقته التي شرع النكاح وجعل من أجلها فإذا وقع الأمر هكذا حصل الحل أما إذا قصد بالنكاح التحليل صار النكاح تابعا له والشارع قد جعل الحل المطلق تابعا للطلاق الثاني بعد النكاح فيصير كل منهما فرعا للآخر وتبعا له فيصير الثاني فرع نفسه وأصل أصله بمنزلة تعليل كل واحد من الأمرين بالآخر وهذا محال لأن كلا منهما إذا كان إنما يحصل تبعا للآخر وجب أن لا يحصل واحد منهما وإذا كان إنما يقصد لأجل والآخر وجب أن لا يقصد واحد منهما وإذا لم يقصد واحد منهما كان وجود ما وجد منهما عبثا والشارع لا يشرع العبث ثم فيه إرادة وجود الشيء وعدمه وذلك جمع بين متنافيين فلا يراد واحد منهما فيصير العقد أيضا عبثا وحقيقة الأمر على طريقة المحتاليين أن تصير العقود الشرعية عبثا وهذا من أسرار قاعدة الحيل فليتفطن له

فإن قيل: المقاصد في الأقوال والأفعال هي عللها التي هي غاياتها ونهاياتها وهذه العلل التي هي الغايات هي متقدمة في العلم والقصد متأخرة في الوجود والحصول ولهذا يقال أول الفكرة آخر العمل أول البغية آخر الدرك والعلل التي هي الغايات والعواقب وإن كان وجودها بفعل الفاعل الذي هومبدأ وجودها وسبب كونها فبتصورها وقصدها صار الفاعل فاعلا فهي المحققة لكون الفاعل فاعلا والمقومة لفعله وهي علة للفعل من هذا الوجه والفعل علة لها من جهة الوجود كالنكاح مثلا فإنه علة لحل المتعة وحل المتعة علة له من جهة أن يقصدها فإنما حصل حل الاستمتاع بالنكاح وإنما حصل النكاح بقصد الناكح حل الاستمتاع فحل الاستمتاع حقيقة موجبة للقصد أعني أنه بحيث يقصده المسلم والقصد موجب للفعل والفعل موجب لوجود الحل فصارت العاقبة من حيث هي معلومة مقصودة علة ومن حيث هي موجودة معلولة وشركها في أحد الوصفين معلول غيرمقصود وفي الآخر علة في نفس الوجود

ومثال الأول لدوا للموت وابنوا للخراب التي تسمى لام العاقبة

ومثال الثاني قعد عن الحرب جنبا ومنع المال بخلا وسائر العلل الفاعلة فمن هذا الوجه يقال حل المرأة لزوجها علة للنكاح ومعلول له وهو تابع من وجه ومتبوع من آخر فكذلك حل المرأة لزوجها المطلق ثلاثا قد يكون تابعا ومتبوعا من وجهين مختلفين فحلها تابع لوجود الطلاق بعد النكاح ومعلول له وجودا وهو متبوع وعلة له قصد وإرادة قد يفعل الرجل الشيء لا لمقاصده الأصلية بل المقاصد تابعة له ويكون ذلك حسنا كمن ينكح المرأة لمصاهرة أهلها كفعل عمر رضي الله عنه لما خطب أم كلثوم ابنة علي رضي الله عنهم أو لأن تخدمه في منزله أو لتقوم على بنات وأخوات له كفعل جابر بن عبد الله لما عدل عن نكاح البكر إلى الثيب وإن لم تكن هذه التوابع من اللوازم الشرعية بل من اللوازم العرفية ثم إن كان ذلك المقصود حسنا كان الفعل حسنا وحصول الفرقة المحرمة بين الزوجين قد يكون فيها فساد لحاليهما وربما تعدى الفساد إلى أولادهما أو أقاربهما فإن الطلاق هلاك المرأة لا سيما إن كانت ممن طالت صحبتها وحمدت عشرتها وقويت مودتها وبينهما أطفال يضيعون بالطلاق وبها من الوجد والصبابة مثل ما به فإن قصد تراجعهما والتسبب في ذلك عمل صالح فإذا قصده المحلل ولم يشعرهما لم يقصد إلا خيرا وربما يثاب على ذلك فهذه شبهة من استحسن ذلك

قلنا: لا ننكر أن عواقب الأفعال تكون تابعة متبوعة من وجهين ولكن إدخال نكاح المحلل ونحوه تحت هذه القاعدة غلط منكر فإنه إنما امتنع من الوجهين اللذين نبهنا عليهما من جهة أن كل واحد من السبب والحكم إنما أريد لأجل الآخر لا لأنه في نفسه مرادا وإذا لم يكن واحد منهما مرادا في نفسه لم يكن الآخر مرادا لأجله فلا يكون واحد منهما مرادا فيصير عبثا من جهة أنه جمع بين إرادة وجود الشيء وعدمه وهو جمع بين ضدين فلا يكون إرادة واحد منهما موجودة فيصير الفعل أيضا عبثا

بيان الوجه الأول أن من فعل شيئا أو أمر بشيء لأجل شيء فلا بد أن يكون الثاني مقصودا له بحيث يريد وجوده لمصلحة تتعلق بوجوده ولا يريد عدمه لكن لما كان الأول طريقا إلى حصوله أراده بالقصد الناني واذا لم يكن حصوله إلا بتلك الطريق جعلها مقصودة لأجله فإذا كان قد أعدم الشيء وأزاله لم يجعل إلى وجوده طريقا محضا بحيث تكون مفضية إليه يمكن القاصد لوجوده سلوكها بل علق وجوده بوجود أمر آخر له في نفسه حقيقة ومقصوده غير وجود ذلك المعلق به لم يكن قاصدا لوجود الشيء المعلق في نفسه بالقصد الأول بل يكون قاصدا له بالقصد الثاني كما كان في الأول قاصدا للوسيلة ففي القسم الأول الغاية هي المقصودة للأول دون الوسيلة وفي الثاني ليست الغاية هي المقصودة وإنما المقصود عدمها بالكلية أو عدمها إلى أن توجد الوسيلة إذ لو كانت مقصودة لنصب لها طريقا يكون وسيلة إليها تفضي إليها غالبا

إذا تبين هذا فنقول: الشارع لما حرم المطلقة ثلاثا على زوجها حتى تنكح زوجا غيره ثم يفارقها لم يكن مقصوده وجود الحل للزوج الأول فإنه لم ينصب شيئا يفضي إليه غالبا حيث علق وجود الحل بأن تنكح زوجا غيره ثم يفارقها وهذه الغاية التي هي النكاح يوجد الطلاق معها تارة وتارات كثيرة لا يوجد وهي في نفسها توجد تارة ونارات لا توجد فيعلم أن الشارع نفى الحل إما عقوبة على الطلاق أو امتحانا للعباد أو لما شاء سبحانه ولو كان مقصوده وجوده إذا أراده المكلف نصب له شيئا يفضي إليه غالبا كما أنه لما قصد وجود الملك إذا أراده المكلف نصب له سببا يفضي إليه غالبا كما أنه لما قصد وجود الملك إذا أراده المكلف نصب له الأسباب المفضية إليه من البيع ونحوه

ألا ترى أنه لما قصد حل البضع لما أراده العبد بعد الطلقتين البائنتين أو بدون الطلاق جعل له سببا يفضي إليه وهو تناكح الزوجين فإنهما إذا أراد ذلك فعلاه وبهذا يظهر الفرق بين قوله سبحانه: { حتى تنكح زوجا غيره } وبين قوله سبحانه: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا }

فإنه لما قصد وجود الحل للعبد إذا أراده علقه بالتطهر الذي يتيسر غالبا وجعل التطهر طريقا موصلا إلى حصول الحل بحيث يفعل لأجله فيجب الفرق بين ما يقصد وجوده لكن بشرط وجود غيره وبيهن ما يقصد عدمه لكن بشرط أن لا يوجد غيره فالأول كرجل يريد أن يكرم غيره لكن لا تسمح نفسه إلا إذا ابتداه بذلك والثاني كرجل يريد أن لا يكرم رجلا لكن أكرمه فاضطر إلى مكافأته فالأول يكون مصلحة لكن وجودها إنما يتم بأسباب متقدمة والثاني يكون مفسدة لكن عند وجود أسباب تصير مصلحة فمن الأول يتلقى فقه أسباب الحكم وشروطه فإنها مقتضية ومكملة لمصلحة الحكم ومن الثاني يتلقى حكم الموانع والمعارضات التي يتغير الحكم بوجودها

ومثال الأول أسباب حل المال والوطء واللحم فإن المال والبضع واللحم حرام حتى توجد هذه الأسباب وهي مقصودة الوجود لأنها من مصلحة الخلق

ومثال الثاني أسباب حل العقوبات من القتل والجلد والقطع فإن الدماء والمباشرة حرام حتى توجد الجنايات وهي مقصودة العدم لأن المصلحة عدمها ومن الثاني تحريم الخبائث حتى توجد الضرورة وتحريم نكاح الإماء إقتطاعا من حل الأكل والوطء فإنه قد ثبت في هذه أمور تقتضي عدمها إلا إذا عارضها ما هو أقوى في اقتصاء الوجود فإن الشارع لا يقصد حل العقوبات وحل الميتة ووطء الأمة بالنكاح حتى لو قال القائل أنا أقيم بمكان لا طعام فيه لتباح لي الميتة أو أخرج مالي وأتناول ما يثير شهوتي ليحل لي نكاح الإماء ونحو ذلك لم يبح له ذلك وكان عاصيا في هذه الأشياء ولو قال أنا أتزوج ليحل لي الوطء أو ذبح الشاة ليحل لي اللحم لكان قد فعل مباحا وإن كان كل من القسمين حراما إلا عند وجود ذلك السبب

ومن القسم الثاني أن بقول أسافر لاقصر وأفطر أو أعدم الماء لأتيمم ومن الأول أن يقول أريد الإسراع بالعمرة لاتحلل منها لتحل لي محظورات الإحرام لأنه لما جعل التحلل وسيلة إلى فعله صار مقصوده الوجود إذا أراده

ونكاح المحلل ليس من القسم الأول لأن السبب المبيح ليس هو منصوبا لحصول هذا الحل أعني حلها للأول بل لحصول ما ينافيه بل في نكاح الأول لها بعد الطلاق الثلاث مفسدة اقتضت الحرمة فإذا نكحها زوج ثان زالت المفسدة فيعود الحل والشارع لم يشرع نكاح الثاني لأجل أن تزول المفسدة فلا يكون قاصدا لزوالها فلا يكون حلها للأول مقصودا للشارع إذا أراده المطلق ولا إذا لم يرده لكن نكاح الثاني يقتضي زوال المفسدة

إذا تبين هذا فإذا نكحها ليحلها لم يقصد النكاح وإنما قصد أثر زوال النكاح فيكون هذا مقصوده وهذا المقصود لم يقصده الشارع ابتداء وإنما أثبته عند زوال النكاح الثاني كما تقرر فلا يكون النكاح مقصودا له بل الحل للمطلق هو مقصوده وليس هذا الحل مقصود الشارع بل هو تابع للنكاح الذي يتعقبه بطلاق فلا تنفق إرادة الشارع والمحلل على واحد من الأمرين أو نكاحه إنما أراده لأجل الحل للمطلق والشارع إنما أراد ثبوت الحل من أجل النكاح المتعقب بالطلاق فلا يكون واحد منهما مرادا لهما فيكون عبثا من جهة الشارع والعاقد لأن الإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة

وهكذا الخلع لحل اليمين فان الخلع إنما جعله الشارع موجبا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت أن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وقع وليست هي زوجة فلا يحنث فكان هذا تبعا لحصور البينونة الذي هو تبع لقصد البينونة فإذا خالع امرأته ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البيونة بل حل اليمين وحل اليمين إنما جاء تبعا لحصور البينونة لا مقصودا به فتصير البينونة لأجل حل اليمين وحل اليمين لأجل البينونة فلا يصير واحد منهما مقصودا فلا يشرع عقد ليس بمقصود في نفسه ولا مقصودا لما هو مقصود في نفسه من الشارع والعاقد جميعا لأنه عبث وتفاصيل هذا الكلام فيها طول لا يحتمله هذا الموضع

وأما بيان الوجه الثاني فإن المحلل إنما يقصد أن بنكحها ليطلقها وكذلك المختلعة إنما تختلع لأن تراجع العقد لا يقصد به ضده ونقيضه فإن الطلاق ليس مما يقصد في النكاح أبدا كما أن البيع لا يعقد للفسخ قط والهبة لا تعقد للرجوع فيها قط ولهذا قلنا أنه ليس للإنسان أن يحرم منفردا أو قارنا لقصد فسخ الحج والتمتع بالعمرة إلى الحج فإن الفسخ إعدام العقد ورفعه فإذا عقد العقد لأن يفسخه كان المقصود هو عدم العقد وإذا كان المقصود عدمه لم يقصد وجوده فلا يكون العقد مقصودا أصلا فيكون عبثا إذ العقود إنما تعقد لفوائدها وثمراتها والفسوخ رفع للثمرات والفوائد فلا يقصد أن يكون الشيء الواحد موجودا معدوما فعلم أنه إنما قصد التكلم بصورة العقد والفسخ ولم يقصد حكم العقد فلا يثبت حكمه

ولهذا جاء في الآثار تسميته مخادعا ومدلسا ولا يقال مقصوده ما يحصل بعد الفسخ من الحل للمطلق لأن الحل إنما يثبت إذا ثبت العقد ثم انفسخ ومقصوده العقد حصول موجبه ومقصود الفسخ زوال موجب العقد فإذا لم يقصد ذلك فلا عقد فلا فسخ فلا يترتب عليه تابعه وهذا بين لمن تأمله ولهذا يسمى مثل هذا متلاعبا مستهزأ بآيات الله سبحانه

وبهذا يظهر الجواب عن المقاصد الفرعية في النكاح مثل مصاهرة الأول وتربية الأخوات فإن تلك المقاصد لا تنافي النكاح بل تستدعي بقاءه ودوامه فهي مستلزمة لحصول موجب العقد وهكذا كل ما يذكر من هذا الباب فإن الشيء يفعل لأغلب فوائده ولا تزال فوائده بحيث لا تكون تلك المقاصد منليية لحقيقته بل مجامعة لها مستلزمة إياها أما أن تفعل لرفع حقيقته وتوجد لمجرد أن تعدم فهذا هو الباطل وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين شراء العبد ليعتقه أو الطعام ليتلفه فإن قصد العتق والإتلاف لا ينافي قصد البيع وفسخ له وإنما ينافي بقاء الملك ودوامه والأموال لا يقصد بملكها بقاؤها فإن الانتفاع بأعيانها ومنافعها لا يكون إلا بإزالة المالية عن الشيء المنتفع به فإنها تقصد للانتفاع بذاتها كالأكل أو ببذلها الديني أو الدنيوي كالبيع والعتق أو بمنفعتها كالسكن وجميع هذه الأشياء لا توجب فسخ العقد والإيضاح ولا ينتفع بها إلا مع بقاء الملك عليها فلهذا امتنع أن يقصد بملكها الانتفاع بتلف عينها أو يبذل العين وأن ذلك غير واقع في الشريعة وقصد الفسخ في العقد محال في النكاح والبيع لم يبق إلا قصد الانتفاع يع بقاء الملك ونكاح المحلل ليس كذلك على مالا يخفى

وقولهم: إن قصد تراجعهما قصد صالح لما فيه المنفعة

قلنا: هذه مناسبة شهد لها الشارع بالإلغاء والإهدار ومثل هذا القياس والتعليل هو الذي يحل الحرام ويحرم الحلال والمصالح والمناسبات التي جاءت الشريعة بما يخالفها إذا اعتبرت فهي مراغمة بينة للشارع مصدرها عدم ملاحظة حكمة التحريم وموردها عدم مقابلته بالرضى والتسليم وهي في الحقيقة لا تكون مصالح وإن ظنها مصالح ولا تكون مناسبة للحكم وإن اعتقدها معتقد مناسبة بل قد علم الله ورسوله ومن شاء من خلقه خلاف ما رآه هذا القاصر في نظره ولهذا كان الواجب على كل مؤمن طاعة الله ورسوله فيما ظهر له حسنة وما لم يظهر وتحكيم علم الله وحكمه على علمه وحكمه فإن خير الدنيا والآخرة وصلاح المعاش والمعاد في طاعة الله ورسوله ومن رأى أن الشارع الحكيم قد حرم هذه عليه حتى تنكح زوجا غيره وعلم أن النكاح الحسن الذي لا ريب في حله هو نكاح الرغبة علم قطعا أن الشارع ليس متشوقا إلى رد هذه إلى زوجها إلا أن يقضي الله سبحانه ذلك بقضاء ييسره ليس للخلق فيه صنع وقصد لذلك ولو كان هذا معنى مطلوبا لسنة الله سبحانه وندب إليه كما ندب إلى الإصلاح بين الخصمين وكما كره الاختلاع والطلاق الموجب لزوال الألفة وقد قال من لا ينطق عن الهوى ﷺ: [ ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ولا تركت من شيء يباعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ]

وقد علم الله سبحانه كثرة وقوع الطلقات الثلاث فهلا ندب إلى التحليل وحض عليه كما حض على الإصلاح بين الناس واصلاح ذات البين ولما زجر النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون عن ذلك ولعنوا فاعله من غير استثناء نوع ولا ندب إلى شيء من أنواعه - ثم لو كان مقصود الشارع تيسير عودها إلى الأول لم يحرمها عليه ولم يحوجه إلى هذا العناء فإن الدفع أسهل من الرفع - وأما ما يحصل من ذلك من الضرر فالمطلق هو الذي جلبه على نفسه { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير }

وقد ذكر ذلك غير واحد من الصحابة منهم ابن عباس لما سألوا عن المطلق ثلاثا فقالوا لو اتقى الله لجعل له فرجا ومخرجا ولكنه لم يتق الله فلم يجعل له فرجا ومخرجا ومن فعل فعلا جر على نفسه به ضررا مثل قتل أو قذف أو غير ذلك مما يوجب عقوبة مطلقة أو عقوبة محدودة لم بمكن الاحتيال في إسقاط تلك العقوبة ولو فعل ما عليه فيه كفارة لم يكن إلى رفعها سبيل ولو ظاهر من امرأته وبه شبق وهو لا يجد رقبة لم يمكن وطئها حتى يصوم شهرين متتابعين إلى غير ذلك من الأمور فإنما يسعى الإنسان في مصلحة أخيه بما أحله الله وأباحه وأما مساعدته على أغراضه بما كرهه الله فهو إضرار به في دينه ودنياه وما هذه إلا بمنزلة أن يعين الرجل من يهوى امرأة محرمة على نيل غرضه والخير كله في لزوم التقوى واجتناب المحرمات ألا ترى أن أهل السبت استحلوا ما استحلوا لما قامت في نفوسهم هذه الشهوات والشبهات ولعل الزوجين إذا اتقيا الله سبحانه جمع بينهما على ما أذن الله به ورسوله كما هو الواقع لعامة المتقين

وهذا الكلام كله إنما هو في التحليل المكتوم وهو الذي حكى وقوع الشبهة فيه عن بعض المتقدمين فأما إذا ظهر ذلك وتواطآ عليه فالأمر فيه ظاهر كما سيأتي إن شاء الله تعالى

وبهذا الكلام ظهر أن هذا القسم من الحيل ملحق بالأول منها لكن الأول كل واحد من المحتال به والمحتال عليه محرم في نفسه لو فرض تجرده عن الآخر وهنا إنما صار المحتال به محرما لاقترانه بالآخر فإنه لو جرد النكاح مثلا عن هذا القصد لكان حلالا والمحتال عليه لوحصل السبب المبيح له مجردا عن الاحتيال لكان مباحا ثم هذا القسم فيه أنواع

أحدها: الاحتيال لحل ما هو يحرم في الحال كنكاح المحلل

الثاني: الاحتيال لحل ما انعقد سبب تحريمه وهو ما يحرم أن تجرد عن الحيلة كالاحتيال على حل اليمين فإن يمين الطلاق يوجب تحريم المرأة إذا حنث فإن المحتال يريد إزالة التحريم مع وجود السبب المحرم وهو الفعل المحلوف عليه وكذلك الحيل الربوية كلها فإن المحتال يريد مثلا أخذ مائة مؤجلة ببذل ثمانين حالة فيحتال ليزيل التحريم مع بقاء السبب المحرم وهو هذا المعنى

النوع الثالث: الاحتيال على إسقاط واجب قد وجب مثل أن يسافر في أثناء يوم في رمضان ليفطر ومثل الاحتيال على إزالة ملك مسلم من نكاح أو مال أو نحوهما

الرابع: الاحتيال لإسقاط ما أنعقد سبب وجوبه مثل الاحتيال لإسقاط الزكاة أو الشفعة أو الصوم في رمضان وفي بعضها يظهر أن المقصود خبيث مثل الاحتيال لإسقاط الزكاة أو صوم الشهر بعينه أوالشفعة لكن شبهة المرتكب أن هذا منع للوجوب لا رفع له وكلاهما في الحقيقة واحد وفي بعضها يظهر أن السبب المحتال به لا حقيقة له مثل الأفراد لابنه أو تمليكه ناويا للرجوع أو تواطؤ المتعاقدين على خلاف ما أظهراه كالتواطؤ على التحليل وفي بعضها يظهر كلا الأمربن وفي بعضها يخفى كلاهما كالتحليل وخلع اليمين

والقسم الخامس:

الاحتيال على أخذ بدل حقه أو عين حقه بخيانة مثل أن مالا قد أؤتمن عليه زاعما أنه بدل حقه أو أنه يستحق هذا القدر مع عدم ظهور سبب الاستحقاق أو إظهاره فهذا أيضا يلحق بما قبله وهو ما لا يلحق بالقسم الأول كمن يستعمل على عمل بجعل يفرض له ويكون جعل مثله أكثر من ذلك الجعل فيغل بعض مال مستعمله بناء على أنه يأخذ تمام حقه فان هذا حرام سواء كان المستعمل السلطان المستعمل على مال الفيء والخراج والصدقات وسائر أموال بيت المال أو الحاكم المستعمل على مال الصدقات وأموال اليتامى والأوقاف أو غيرهما كالموكلين والموصين فإنه كاذب في كونه يستحق زيادة على ما شرط عليه كما لم ظن البائع أو المكري أنه يستحق زيادة على المسمى في العقد بناء على أنه العوض المستحق وهو جائز أيضا لوكان الاستحقاق ثابتا

وأما ما يلحق بالقسم الثالث بأن يكون الإستحقاق ثابتا كرجل له عند رجل مال فجحده إياه وعجز عن خلاص حقه أو ظلمه السلطان مالا ونحو ذلك فهذا محتال على أخذ حقه لكن إذا احتال بأن يفعل بعض ما ائتمن عليه لم يجز لأن الغلول والخيانة حرام مطلقا وأن قصد به التوصل إلى حقه كما أن شهادة الزور والكذب حرام وأن قصد به التوصل إلى حقه ولهذا قال بشير بن الخصاصية قلت: يا رسول الله إن لنا جيرانا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه فقال: [ أد الأمانة إلى من إئتمنك ولا تخن من خانك ] بخلاف ما ليس خيانة لظهور الاستحقاق فيه والتبذل والتبسط في مال من هو عليه كأخذ الزوجة نفقتها من مال زوجها إذا منعها فإنها متمكنة من إعلان هذا الأخذ من غير ضرر ومثل هذا لا يكون غلولا ولا خيانة وهذه المسألة فيها خلاف مشهور بخلاف التي قبلها فإنها محل وفاق وليس هذا موضع استيفاء هذه المسائل ولا هي أيضا من الحيل المحضة بل هي بمسائل الزرائع أشبه لكن لأجل ما فيها من التحيل ذكرناها لتمام أقسام الحيل والمقصود الأكبر أن يميز الفقيه بين هذه الأقسام ليعرف كل مسألة من أي قسم هي فيلحقها بنظيرها فإن الكلام في أمهات المسائل من هذه الحيل مستوفى في غير هذا الموضع ولم يستوف الكلام إلا في مسألة التحليل

وقد قدمنا أن هذه الأقسام الخمسة محدثة في الإسلام مبتدعة ونبهنا هنا على سبب التحريم فيها والمقصود التمييز بينها وبين ما قد شبهت به حتى جعلت وإياه جنسا واحدا وقياس من قاس بعض هذه الأقسام وهو الثالث وربما قيس الثاني أيضا عليه كما قيس عليه الثاني من الخامس فإن القياس الذي يوجد فيه الوصف المشترك من غير نظر إلى ما بين الموضعين من الفرق المؤئر هو قياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا نظرا إلى أن البائع يتناول بماله ليربح وكذلك المربي ولقد سرى هذا المعنى في نفوس طوائف حتى بلغني عن بعض المرموقين أنه كان يقول لا أدري لما حرم الربا ويرى أن القياس تحليله وإنما يعتقد التحريم اتباعا فقط وهذ ! المعنى الذي قام في نفس هذا هو الذي قام في نفوس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا فليعز مثل هذا نفسه عن حقيقة الإيمان والنظر في الدين وأن لم يكن عن هذه عزاء المصببة وليتأمل في قوله تعالى: { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا }

فلينظر هل أصابهم هذا التخبط الذي هو كمس الشيطان بمجرد أكلهم السحت أم بقبولهم الإثم مع ذلك وهو قولهم إنما البيع مثل الربا فمن كان هذا القياس عنده متوجها وإنما تركه سمعا وطوعا ألم يكن هذا دليلا على فساد رأيه ونقص عقله وبعده عن فقه الدين

نعم من قال هذا قال القياس أن لا تصلح الإجارة لأنها بيع معدوم ولم يهتد للفرق بين بيع الأعيان التي توجد وبيع المنافع التي لا يتأتى وجودها مجتمعة ولا يمكن العقد عليها إلا معدومة ولو عارضه من قال القياس صحة بيع المعدوم قياسا على الإجارة لم يكن كلاميهما فرق وكذلك يرى أن القياس أن لا تصلح الحوالة لأنها بيع دين بدين وأن لا يصح القرض في الربويات لأنها مبادلة عين ربوية بدين من جنسها ثم إن كان مثل هذا القياس إذا عارضه نص ظاهر أمكن تركه عند معتقد صحته لكن إذا لم ير نصا يعارضه فإنه يجر إلى أقوال عجيبة تخالف سنة لم تبلغه أو لم يتفطن لمخالفتها مثل قياس من قاس المعاملة بجزء من النماء على الإجارة مع الفروق المؤثرة ومخالفة السنة وقياس من قاس القسمة على البيع وجعلها نوعا منه حتى أثبت لها خصائص البيع لما فيها من ثبوت المعاوضة والتزم أن لا يقسم الثمار خرصا كما لا تباع خرصا فخالف سنة رسول الله ﷺ في مقاسمة أهل خيبر الثمار التي كانت بينه وبينهم على النخل خرصا وهذا باب واسع وما نحن فيه منه لكنه أقبح وأبين من أن يخفى على فقيه كما خفي الأول على بعض الفقهاء

والذي قيست عليه الحيل المحرمة وليست مثله نوعان:

أحدهما: المعاريض وهي أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحا ويتوهم غيره أنه قصد به معنى آخر ويكون سبب ذلك التوهم كون اللفظ متشركا بين حقيقتين لغويتين أوعرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع أحدهما أو عرفية مع شرعية فيعني أحد معنيته ويتوهم السامع أنه إنما عنى الآخر لكون دلالة الحال تقتضيه أو لكونه لم يعرف إلا ذلك المعنى أو يكون سبب التوهم كون اللفظ ظاهرا فيه معنى فيعني به معنى يحتمله باطنا فيه بأن ينوي مجاز اللفظ دون حقيقته أو ينوي بالعام الخاص أو بالمطلق المقيد أو يكون سبب التوهم كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته بعرف خاص له أوغفلة منه أوجهل منه أوغير ذلك من الأسباب مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته فهذا إذا كان المقصود به دفع ضرر غير مستحق جائز كقول الخليل ﷺ: هذه أختي وقول النبي ﷺ: [ نحن من ماء ] وقول الصديق رجل يهديني السبيل وأن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها وكان يقول: [ الحرب خدعة ] وكإنشاد عبد الله بن رواحة:

( شهدت بأن وعد الله حق... وأن النارمثوى الكافرينا )

( وأن العرش فوق الماء طاف... وفوق العرش رب العالمينا )

لما استقرأته امرأته القرآن حيث اتهمته بإصابة جاريته - وقد يكون واجبا إذا كان دفع ذلك الضرر واجبا ولا يندفع إلا بذلك مثل التعريض عن دم معصوم وغير ذلك وتعريض أبي بكر الصديق رضي الله عنه قد يكون من هذا السبيل وهذا الضرب نوع من الحيل في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرمة من الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به أما المحتال عليه هنا فهو دفع ضرر غير ضرر مستحق فإن الجبار كان يريد أخذ امرأة إبراهيم ﷺ لو علم أنها امرأته وهذا معصية عظيمة وهو من أعظم الضرر وكذلك بقاء الكفار غالبين على الأرض أو غلبتهم للمسلمين من أعظم الفساد فلو علم أولئك المستجيرون بالنبي ﷺ لترتب على علمهم شر طويل وكذلك عامة المعاريض التي يجوز الاحتجاج بها فإن عامتها إنما جاءت حذرا من تولد شر عظيم على الأخبار - فاما إن قصد بها كتمان ما يجب من شهادة أو إقرار أوعلم أو صفة مبيع أو منكوحة أو مستأجر أو نحو ذلك فإنها حرام بنصوص الكتاب والسنة كما سيأتي إن شاء الله التنبيه على بعضه إذا ذكرت الأحاديث الموجبة للنصيحة والبيان في البيع والمحرمة للغش والخلابة والكتمان وإلى هذا أشار الإمام أحمد فيما رواه عنه مثنى الأنباري قال: قلت لأبي عبد الله أحمد كيف الحديث الذي جاء في المعاريض فقال المعاريض لا تكون في الشراء والبيع تكون في الرجل يصلح بين الناس أو نحو هذا

والضابط أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام لأنه كتمان وتدليس ويدخل في هذا الإقرار بالحق والتعريض في الحلف عليه والشهادة على الإنسان والعقود بأسرها ووصف العقود عليه والفتيا والتحديث والقضاء إلى غير ذلك كل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز بل واجب إن اضطر إلى الخطاب وأمكن التعريض فيه كالتعريض لسائل عن معصوم يريد قتله - وإن كان بيانه جائزا أو كتمانه جائزا وكانت المصلحة الدينية في كتمانه كالوجه الذي يراد عزوه فالتعريض أيضا مستحب هنا وإن كانت المصلحة الدنيوية في كتمانه فإن كان عليه ضرر في الإظهار والتقدير أنه مظلوم بذلك الضرر جاز له التعريض في اليمين وغيرها وإن كان له غرض مباح في الكتمان ولا ضرر عليه في الإظهار فقيل له التعريض أيضا وقيل ليس له ذلك وقيل له التعريض في الكلام دون اليمين وقد نص عليه أحمد في رواية أبي نصر بن أبي عصمة أظنه عن الفضل بن زياد فإن أبا نصر هذا له مسائل معروفة رواها عنه الفضل بن زياد عن أحمد قال: سألت أحمد عن الرجل يعارض في كلامه يسألني عن الشيء أكره أن أخبره به قال إذا لم يكمن يمين فلا بأس في المعاريض مندوحة عن الكذب وهذا إذا احتاج إلى الخطاب فأما الابتداء بذلك فهو أشد ومن رخص في الجواب قد لا يرخص في ابتداء الخطاب كما دل عليه حديث أم كلثوم أنه لم يرخص فيما يقول الناس إلا في ثلاث

وفي الجملة فالتعريض مضمونه أنه قال قولا فهم منه السامع خلاف ما عناه القائل إما لتقصير السامع في معرفة دلالة اللفظ أو لتبعيد المتكلم وجه البيان وهذا غايته أنه سبب في تجهيل المستمع باعتقاد غير مطابق وتجهيل المستمع بالشيء إذا كان مصلحة له كان عمل خير معه فإن من كان علمه بالشيء يحمله على أن يعصي الله سبحانه كان أن لا يعلمه خيرا له ولا يضره مع ذلك أن يتوهمه بخلاف ما هو إذا لم يكن ذلك أمر يطلب معرفته وان لم يكن مصلحة له بل مصلحة للقائل كان أيضا جائزا لأن علم السامع إذا فوت مصلحة على القائل كان له أن يسعى في عدم علمه وإن أفضى إلى اعتقاد غير مطابق في شيء سواء عرفه أو لم يعرفه فالمقصود بالمعاريض فعل واجب أو مستحب أو مباح أبيح الشارع السعي في حصوله ونصب سببا يفضي إليه أصلا وقصدا فإن الضرر قد يشرع للإنسان أن يقصد دفعه ويتسبب في ذلك ولم يتضمن الشرع النهي عن دفع الضرر فلا يقاس بهذا إذا كان المحتال عليه سقوط ما نص الشارع وجوبه وتوجه وجوبه كالزكاة والشفعة بعد انعقاد سببهما أو حل ما قصد الشارع تحريمه وتوجه تحريمه من الزنا والمطلقة ونحو ذلك

ألا ترى أن مصلحة الوجوب هنا تفويت ومفسدة التحريم باقية والمعنى الذي لأجله أوجب الشارع موجود مع فوات الوجوب والمعنى الذي لأجله حرم موجود مع فوات التحريم إذا قصد الاحتيال على ذلك وهناك رفع الضرر معنى قصد الشارع حصوله للعبد وفتح له بابه فهذا من جهة المحتال عليه وأما من جهة المحتال به فإن المعترض إنما تعلم بحق ونطق بصدق فيما بينه الله سبحانه لا سيما إن لم ينو باللفظ خلاف ظاهره في نفسه وإنما كان الظهور من ضعف فهم السامع وقصوره في معرفة دلالة اللفظ ومعاريض النبي ﷺ ومزاحه عامته كان من هذا النوع مثل قوله: [ نحن من ماء ] وقوله: [ إنا حاملوك على ولد الناقة ] [ وزوجك الذي في عينه بياض ] [ ولا يدخل الجنة عجوز ]

وأكثر معاريض السلف كانت من هذا - ومن هذا الباب التدليس في الإسناد لكن هذا كان مكروها لتعلقه بأمر الدين وكون بيان العلم واجبا بخلاف ما قصد به دفع ظالم أو نحو ذلك - ولم يكن في معاريضه ﷺ أن ينوي بالعام الخاص وبالحقيقة المجاز وإن كان هذا إذا عرض به المعرض لم يخرج عن حدود الكلام فإن الكلام فيه الحقيقة والمجاز والمفرد والمشترك والعام والخاص والمطلق والمقيد وغير ذلك وتختلف دلاليته تارة بحسب اللفط المفرد وتارة بحسب التأليف وكثير من وجوه اختلافه قد لا يبين بنفس اللفظ بل يراجع فيه إلى قصد المتكلم وقد يظهر قصده بدلالة الحال قد لا يظهر وإذا كان المعرض إنما يقصد باللفظ ما جعل اللفظ دلالة عليه ومبينا له في الجملة لم يشتبه هذا إن يقصد بالعقد ما لم يحمل العقد مقتضيا له أصلا فإن لفظ أنكحت وزوجت لم يضعه الشارع بنكاح المحلل قط بدليل أنه لو أظهره لم يصح ولا يلزم من صلاح اللفظ له إخبار صلاحه له إنشاء فإنه لو قال في المعاريض تزوجت وعنى نكاحا فاسدا جاز كما لم لو يبين ذلك ولو قال في العقد تزوجت نكاحا فاسدا لم يجز فكذلك إذا نواه

وكذلك في الربا فإن القرض لم يشرعه الشارع إلا لمن قصد إن يسترجع مثل قرضه فقط ولم يبحه لمن أراد الاستفضال قط بدليل أنه لو صرح بذلك لم يجز فإذا أقرضه ألفا ليبيعه ما يساوي مائة بألف أخرى أو ليحابيه المقترض في بيع أو إجارة أو مساقاة أو ليعيره أو يهبه فقد قصد بالعقد ما لم يجعل العقد مقتضيا له قط وإذا كان المعرض قصد بالقول ما يحتمله القول أو يقتضيه والمحتال قصد بالقول ما لا يحتمله القول ولا يقتضيه فكيف يقاس أحدهما بالآخر وإنما نظير المحتال المنافق فإنه قصد بكلمة الإسلام ما لا يحتمله اللفظ - فالحيلة كذب في الإنشاء كالكذب في الأخبار والتعريض ليس كذبا من جهة العناية وحسبك أن المعرض قصد معنى حقا بنيته بلفظ يحتمله في الوضع الذي به التخاطب والمحتال قصد معنى محرما بلفظ لا يحتمله في الوضع الذى به التعاقد

فإذا تبين الفرق من جهة القول للعرض به والمعنى الذي كان التعريض لأجله لم يصح إلحاق الحيل به

وهنا فرق ثالث وهو أن يكون المعرض إما أن يكون أبطل بالتعريض حقا لله أو لآدمي فأما من جهة الله سبحانه فلم يبطل حقا له لأنه إذا ناجى ربه سبحانه بكلام وعنى به ما يحتمله من المعاني الحسية لم يكن ملوما في ذلك ولو كان كثير من الناس يفهمون منه خلاف ذلك لأن الله عالم بالسرائر واللفظ مستعمل فيما هو موضوع له وأما من جهة الآدمي فلا يجوز التعريض إلا إذا لم يتضمن إسقاط حق مسلم فإن تضمن إسقاط حقه حرم بالإجماع

فثبت أن التعريض المباح ليس من المخادعة لله سبحانه في شيء وإنما غايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه جزاء له على ذلك - ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم جواز مخادعة المحق فما كان من التعريض مخالفا لظاهر اللفظ في نفسه كان قبيحا إلا عند الحاجة وما لم يكن كذلك كان جائزا إلا عند تضمن مفسدة والذي يدخل في الحيل إنما هو الأول وقد ظهر الفرق من جهة أنه قصد باللفظ ما يحتمله اللفظ أيضا وإن هذا القصد لدفع شر والمحتال قصد باللفظ ما لا يحتمله وقصد به حصول شر

واعلم أن المعاريض كما تكون بالقول فقد تكون بالفعل وقد تكون بهما - مثال ذلك: أن يظهر المحارب أنه يريد وجها من الوجوه ويسافر إلى تلك الناحية ليحسب العدو أنه لا يريده ثم يكر عليه أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظن هزيمته ثم يعطف عليه وهذا من معنى قوله: [ الحرب خدعة ] وكان النبي ﷺ إذا أراد غزوة ورى بغيرها

ومن هذا الباب مما قد يظن أنه من جنس الحيل التي بينا تحريمها وليس من جنسها قصة يوسف عليه السلام حين كاد الله له في أخذ أخيه كما نص ذلك سبحانه في كتابه فإن فيها ضروبا من الحيل

أحدها: قوله لفتيته: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم وقد ذكروا في ذلك معاني منها أنه تخوف أنه لا يكون عندهم ورق يرجعون بها ومنها أنه خشي أن يضر أخذ الثمن بهم ومنها أنه رأى لوما إذا أخذ الثمن منهم ومنها أنه أراهم كرمه في رد البضاعة ليكون ادعى لهم للعود وقد قيل أنه علم أن أمانتهم تحوجهم إلى الرجعة ليؤدوها إليه فهذا المحتال به عمل صالح والمقصود رجوعهم ومجيء أخيه وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله وهو مقصود صالح وإنما لم يعرفهم نفسه لأسباب أخر فيها أيضا منفعة له ولهم ولأبيهم وتمام لما أراده الله بهم من الخير في هذه البلاء

الضرب الثاني: إنه في المرة الثانية لما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه وهذا القدر يتضمن إيهام أن أخاه سارق وقد ذكروا أن هذا كان بمواطأة من أخيه وبرضى منه بذلك والحق له في ذلك وقد دل على ذلك قوله: { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون }

فإن هذا يدل على أنه عرف أخاه نفسه وقد قيل أنه لم يصرح له أنه يوسف وإنما أراد أنا مكان أخيك المفقود ومن قال هذا قال إنه وضع السقاية في رحل أخيه والأخ لا يشعر وهذا خلاف المفهوم من القرآن وخلاف ما عليه الأكثرون وفيه ترويع لمن لم يستوجب الترويع وأما على الأول فقال كعب الأحبار لما قال له إني أنا أخوك قال ابن يامين فأنا لا أفارقك قال يوسف عليه السلام فقد علمت اغتمام والدي بي وإذا حبستك إزداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا تحتمل قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك فإفي لا أفارقك قال فإني أدس صاعي هذا في رحلك ثم أنادي عليك بالسرقة ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك قال فافعل فذلك قوله: { فلما جهزهم بجهازهم } الآية فهذا التصرف في ملك الغير بما فيه أذى له في الظاهر إنما كان بإذن المالك

ومثل هذا النوع ما ذكر أهل السير عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه لما هم قومه بالردة بعد رسول الله كفهم عن ذلك وأمرهم بالتربض وكان يأمر ابنه إذا رعى إبل الصدقة أن يبعد فإذا جاء خاصمه بين يدي قومه وهم يضربه فيقومون فيشفعون إليه فيه ويأمره كل ليلة أن يزداد بعدا فلما تكرر ذلك أمره ذات ليلة أن يبعد بها وجعل ينتظره بعد ما دخل الليل وهو يلوم قومه على شفاعتهم فيه ومنعهم إياه من عقوبته وهم يعتذرون عن ابنه ولا ينكرون إبطاءه حتى إذا أنهار الليل ركب في طلبه فلحقه وأستاق الإبل حتى قدم بها على أبي بكر رضي الله عنه فكانت صدقات طيء مما اسئعان بها أبو بكر في قتال أهل الردة وكذلك في الحديث الصحيح أن عديا قال لعمر رضي الله عنهما في بعض الامراء أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال بلى أعرفك أسلمت إذا كفروا ووفيت إذا غدروا وأقبلت إذا أدبروا وعرفت إذا أنكروا

ومثل هذا ما أذن النبي ﷺ للوفد الذين أرادوا قتل كعب بن الأشرف أن يقولوا وأذن للحجاج بن علاط عام خيبر أن يقول وهذا كله الأمر المحتال به مباح لكون الذي قد أوذي قد أذن فيه والأمر المحتال عليه طاعة لله أو أمر مباح

الضرب الثالث: إنه أذن مؤذن: { أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم } إلى قوله: { فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين * فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله } وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين:

أحدهما: أنه من باب المعاريض وأن يوسف نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه حيث غيبوه عنه بالحيلة التي احتالوها عليه وخانوه فيه والخائن يسمى سارقا وهو من الكلام المشهور حتى أن الخونة من ذوي الديوان يسمون لصوصا

الثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف عليه السلام قال القاضي أبو يعلى وغيره أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصاع في رحل أخيه ثم قال بعض الموكلين بالصيعان - وقد فقدوه ولم يدروا من أخذه منهم - أيتها العير إنكم لسارقون على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف بذلك فلم يكن قول هذا القائل كذبا كان في حقه وغالب ظنه ما هوعنده ولعل يوسف قد قال للمنادي هؤلاء قد سرقوا وعنى بسرقته من أبيه والمنادي فهم سرقة الصواع وهو صادق في قوله نفقد صواع الملك فإن يوسف لعله لم يطلع على أن الصواع في رحالهم ليتم الأمر فنادى إنكم لسارقون بناء على ما أخبر به يوسف وكذلك لم يقل سرقتم صاع الملك وإنما قال نفقده لأنه لم يكن يعلم أنهم سرقوه أو أنه أطلع على ما صنعه يوسف فاحترز في قوله فقال إنكم لسارقون ولم يذكرالمفعول ليصيح أن يضمر سرقتهم يوسف ثم قال نفقد صواع الملك وهو صادق في ذلك وكذلك احترز يوسف في قوله: { معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } ولم يقل إلا من سرق

وعلى التقدير فالكلام من أحسن المعاريض وقد قال نصر بن حاجب سئل سفيان بن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله ويحرف القول فيه ليرضيه أيأثم في ذلك؟ قال ألم تسمع إلى قوله ليس بكاذب من أصلح بين الناس فكذب فيه فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم في بعض وذلك أنه أراد به مرضاة الله وكراهة أذى المؤمن ويندم على ما كان منه ويدفع شره عن نفسه ولا يريد بالكذب إتخاذ المنزلة عندهم ولا لطمع شيء يصيب منهم فإنه لم يرخص في ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم قال حذيفة إني اشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن أتقدم على ما هو أعظم منه وكره أيضا أن يتغير قلبه عليه قال سفيان وقال الملكان: { خصمان بغى بعضنا على بعض } أراد معنى شيء ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين وقال إبراهيم: { إني سقيم } وقال: { قال بل فعله كبيرهم هذا } وقال يوسف: { إنكم لسارقون } أراد معنى أمرهم فبين سفيان أن هذا كله من المعاريض المباحة من تسميته كذا وإن لم يكن في الحقيقة كذبا كما تقدم التنبيه على ذلك

وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضاء من عليه الحق

وهذه الحجة ضعيفة فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال قد اقتص منه وإنما سائر الأخوة هم الذين قد فعلوا ذلك نعم كان تخلفه عنده يؤذيهم من أجل تأذي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم وقد استثنوا في الميثاق إلا أن يحاط بكم وقد أحيط بهم ويوسف عليه السلام لم يكن قصده باحتباس أخيه الإنتقام من أخوته فإنه كان أكرم من هذا وكان في ضمن هذا من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء أخوته وإنما هو أمر أمره الله به لببلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف عليهما السلام كمال الجزاء وتبلغ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها ولو كان يوسف قصد الإقتصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به



ابن تيمية: إقامة الدليل على إبطال التحليل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29