إقامة الدليل على إبطال التحليل/11

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إقامة الدليل على إبطال التحليل
المؤلف: ابن تيمية


فإذا حلف الرجل بالنذر أو الطلاق أو بالتعلق، وأن لا يبر ولا يتقي ولا يصلح، فهو بين أمرين إن وفى بذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس، وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل المنذور، فقد يكون خروج أهله وماله منه أبعد عن البر والتقوى من الأمر المحلوف عليه، فإن أقام على يمينه ترك البر والتقوى وإن خرج عن أهله وماله ترك البر والتقوى فصارت عرضة ليمينه أن يبر ويتقي فلا يخرج عن ذلك إلا بالكفارة، وهذا المعنى هو الذي دلت عليه السنة ففي الصحيحين من حديث همام قال: قال رسول الله: { لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه } رواه البخاري أيضا من حديث عكرمة عن أبي هريرة عن النبي: { من استنتج في أهله بيمين فهو أعظم إثما } فأخبر النبي أن اللجاج باليمين في أهل الحالف أعظم إثما من التكفير، واللجاج التمادي في الخصومة، ومنه قيل رجل لجوج إذا تمادى في الخصومة، ولهذا سمى العلماء هذا نذر اللجاج والغضب، فإنه يلج حتى يعقده ثم يلج في الامتناع من الحنث، فبين النبي أن اللجاج باليمين أعظم إثما من الكفارة وهذا عام في جميع الأيمان، وأيضا فإن النبي، قال لعبد الرحمن بن سمرة: { إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك } أخرجاه في الصحيحين، وفي رواية في الصحيحين: { فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير } روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله قال: { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير }، وفي رواية: { فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه }، وهذا نكرة في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائنا ما كان الحلف، فإذا رأى غير اليمين المحلوف عليها خيرا منها وهو أن يكون المحلوف عليها تركا لخير فيرى فعله خيرا من تركه، أو يكون فعلا لشر فيرى تركه خيرا من فعله فقد أمره النبي أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، وقوله هنا على يمين هو والله أعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر، سمي الأمر المحلوف عليه يمينا كما يسمى المخلوق خلقا والمضروب ضربا والمبيع بيعا ونحو ذلك، وكذلك أخرجاه في الصحيحين عن { أبي موسى الأشعري في قصته، وقصة أصحابه به لما جاءوا إلى النبي ليستحملوه، فقال: والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه، ثم قال: إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير }، وروى مسلم في صحيحه، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله: { إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير } وفي رواية لمسلم: { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا فليكفرها وليأت الذي هو خير }، وقد رويت هذه السنة عن النبي من غير هذه الوجوه، من حديث عبد الله بن عمر وعوف بن مالك الجشمي، فهذه نصوص رسول الله المتواترة، أنه أمر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير، ولم يفرق بين الحلف بالله أن النذر ونحوه، وروى النسائي عن أبي موسى قال: قال رسول الله: { ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيته } وهذا صريح بأنه قصد تعميم كل يمين في الأرض، وكذلك الصحابة فهموا منه دخول الحلف بالنذر في هذا الكلام، فروى أبو داود في سننه، حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة فكل مال لي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله يقول: { لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك } "، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر هذا الذي حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب بأن يكفر يمينه، وأن لا يفعل ذلك المنذور، واحتج بما سمعه من النبي أنه قال: { لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم، وفيما لا يملك } "، ففهم من هذا أن من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة فإنه لا وفاء عليه في ذلك النذر، وإنما عليه الكفارة كما أفتاه عمر، ولولا أن هذا النذر كان عنده يمينا لم يقل له كفر عن يمينك، وإنما قال النبي: " لا يمين ولا نذر " لأن اليمين ما قصد بها الحض أو المنع، والنذر ما قصد به التقرب، وكلاهما لا يوفي به المعصية والقطيعة، وفي هذا الحديث دلالة أخرى وهو أن قول النبي: { لا يمين ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم } يعلم جميع ما يسمى يمينا أو نذرا، سواء كان اليمين بالله أو كانت بوجوب ما ليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي، أو كانت بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق، ومقصود النبي إما أن يكون نهيه عن فعل المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط، أو يكون مقصوده مع ذلك أنه لا يلزمه ما في اليمين والنذور من الإيجاب والتحريم، وهذا الثاني هو الظاهر لاستدلال عمر بن الخطاب به، فإنه لولا أن الحديث يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ما أجاب به السائل من الكفارة دون إخراج المال في كسوة الكعبة ; لأن لفظ النبي يعلم ذلك كله، وأيضا كما تبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق في اليمين والحلف في كلام الله تعالى وكلام رسوله ما روى ابن عمر قال: قال رسول الله: { من حلف يمينا وقال إن شاء الله فلا حنث عليه }، رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن، وأبو داود ولفظه: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، يبلغ به النبي قال: { من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى }، رواه أيضا من طريق عبد الرزاق، عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله { من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث }، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: { من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث } رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه، ولفظه فله ثنيا والنسائي وقال: فقد استثنى، ثم عامة الفقهاء أدخلوا الحلف بالنذر وبالطلاق وبالعتاق في هذا الحديث، وقالوا ينفع الاستثناء بالمشيئة، بل كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف بالطلاق لا خلاف فيه في مذهبه، وإنما الخلاف فيما إذا كان بصيغة الجزاء، وإنما الذي لا يدخل عند أكثرهم هو نفس إيقاع الطلاق والعتاق، والفرق بين إيقاعهما والحلف بهما ظاهر، وسنذكر إن شاء الله قاعدة الاستثناء، فإذا كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء في قوله: { من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه }، فكذلك يدخل في قوله: { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه }، فإن كلا اللفظين سواء وهذا واضح لمن تأمله، فإن قوله، من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه، لفظ العموم فيه مثله في قوله { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي خير وليكفر عن يمينه }، وإذا كان لفظ رسول الله في حكم الاستثناء هو لفظه في حكم الكفارة، وجب أن يكون كل ما ينفع فيه الاستثناء ينفع فيه التكفير، وكل ما ينفع فيه التكفير ينفع فيه الاستثناء، كما نص عليه أحمد في غير موضع، ومن قال إن رسول الله قصد بقوله من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه جميع الأيمان التي يحلف بها من اليمين بالله وبالنذر وبالطلاق وبالعتاق، وبقوله من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها إنما قصد به التمين بالله أو اليمين بالله والنذر فقوله ضعيف فإن موجب حضور أحد اللفظين بقلب النبي، مثل حضور موجب اللفظ الآخر، كلاهما لفظ واحد والحكم فيهما من جنس واحد وهو رفع اليمين إما بالاستثناء وإما بالتكفير، وبعد هذا فاعلم أن الأمة انقسمت في دخول الطلاق والعتاق في حديث الاستثناء على ثلاثة أقسام: فقوم قالوا: يدخل في ذلك الطلاق والعتاق أنفسهما حتى لو قال: أنت طالق إن شاء الله وأنت حر إن شاء الله، دخل ذلك في عموم الحديث، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، وقوم قالوا: يدخل في ذلك الطلاق والعتاق لا إيقاعهما ولا الحلف بهما لا بصيغة الجزاء ولا بصيغة القسم، وهذا أشهر القولين في مذهب مالك في إحدى الروايتين عن أحمد، والقول الثالث: إن إيقاع الطلاق والعتاق لا يدخل في ذلك، بل يدخل فيه الحلف بالطلاق والعتاق ، وهذه الرواية الثانية عن أحمد ومن أصحابه من قال إن كان الحلف بصيغة القسم دخل في الحديث ونفعته المشيئة رواية واحدة، وإن كان بصيغة الجزاء ففيه روايتان، وهذا القول الثالث هو الصواب المأثور معناه عن أصحاب رسول الله، جمهور التابعين، كسعيد بن المسيب، والحسن لم يجعلوا في الطلاق استثناء، ولم يجعلوه من الأيمان، ثم ذكرناه عن الصحابة وجمهور التابعين أنهم جعلوا الحلف بالصدقة والهدي والعتاق ونحو ذلك يمينا مكفرة، وهذا قول أحمد في غير موضع الاستثناء في الطلاق والعتاق من الأيمان، وقال أيضا: الثنيا في الطلاق لا أقول به، وذلك أن الطلاق والعتاق جزما واقعان، وقال أيضا: إنما يكون الاستثناء فيما يكون فيه كفارة، والطلاق والعتاق لا يكفران، وهذا الذي قاله ظاهر، وذلك أن إيقاع الطلاق والعتاق ليس يمينا أصلا وإنما هو بمنزلة العفو عن القصاص والإبراء من الدين، ولهذا قال والله لا أحلف يمينا ثم أعتق عبدا له أو طلق امرأته أو أبرأ غريمه من دم أو مال أو عرض فإنه لا يحنث، ما علمت أحدا خالف في ذلك، فمن أدخل إيقاع الطلاق والعتاق في قول النبي: { من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث بعد }، حمل العام ما لا يحتمله، كما أن من أخرج من العام قوله الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو لأفعله إن شاء الله، أو إن فعلته فامرأتي طالق إن شاء الله، فقد أخرج من القول العام ما هو داخل فيه، قال هذا يمين بالطلاق والعتاق، وهنا ينبغي تقليد أحمد بقوله الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان، فإن الحلف بهما كالحلف بالصدقة والحج ونحوهما، وذلك معلوم بالاضطرار عقلا وعرفا وشرعا، ولهذا لو قال: والله لا أحلف على يمين أبدا ثم قال إن فعلت كذا فامرأتي طالق حنث، وقد تقدم أن أصحاب رسول الله سموه يمينا، وكذلك الفقهاء كلهم سموه يمينا، وكذلك عامة المسلمين سموه يمينا، ومعنى اليمين موجود فيه، فإنه إذا قال أحلف بالله لأفعلن إن شاء الله فإن المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه، والمعنى إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله، فإذا لم يفعل لم يكن قد شاءه، فلا يكون ملتزما له، فلو نوى عوده إلى الحلف بأن يقصد أي الحالف إن شاء الله أن أكون حالفا كان معنى هذا مغاير الاستثناء في الإنشاءات كالطلاق وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه ذلك، وكذلك قوله الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله، تعود المشيئة عند الإطلاق إلى الفعل، فالمعنى لأفعلنه إن شاء الله فعله، فمتى لم يفعله لم يكن الله قد شاءه فلا يكون ملتزما للطلاق، بخلاف ما لو عنى بالطلاق يلزمني إن شاء الله لزومه إياه فإن هذا بمنزلة قوله أنت طالق إن شاء الله، وقول أحمد إنما يكون الاستثناء فيما فيه حكم الكفارة والطلاق والعتاق لا يكفران، كلام حسن بليغ لما تقدم من أن النبي، أخرج حكم الاستثناء وحكم الكفارة مخرجا واحدا بصيغة الجزاء، وبصيغة واحدة، فلا يفرق بين ما جمعه النبي ﷺ إنما يقع لما علق به الفعل، فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتاق ونحوهما لا تعلق على مشيئة الله تعالى بعد وجود أسبابها، فإنها واجبة بوجوب أسبابها، فإذا انعقدت أسبابها فقد شاءها الله، وإنما تعلق على الحوادث التي قد يشاءها الله وقد لا يشاءها من أفعال العباد ونحوها، والكفارة إنما شرعت لما يحصل من الحنث في اليمين التي قد يحصل فيها الموافقة بالبر تارة والمخالفة بالحنث أخرى، ووجوب الكفارة بالحنث في اليمين التي تحتمل الموافقة والمخالفة، كارتفاع اليمين بالمشيئة التي تحتمل التعليق وعدم التعليق فكل من حلف على شيء ليفعلنه فلم يفعله فإنه إن علقه بالمشيئة فلا حنث عليه، وإن لم يعلقه بالمشيئة لزمته بالكفارة، فالاستثناء والتكفير يتعاقبان اليمين إذا لم يحصل فيه الموافقة ; فهذا أصل صحيح يدفع ما وقع في هذا الباب من الزيادة أو النقص، فهذا على ما أوجبه كلام رسول الله، ثم يقال بعد ذلك قول أحمد وغيره، الطلاق والعتاق لا يكفران كقول غيره لا استثناء فيهما، وهذا في إيقاع الطلاق والعتاق وأما الحلف بهما فليس تكفيرا لهما، وإنما هو تكفير للحلف بهما، كما أنه إذا حلف بالصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ونحو ذلك في نذر اللجاج والغضب فإنه لم يكفر الصلاة والصيام والحج والهدي، وإنما يكفر الحلف بهم، وإلا فالصلاة لا كفارة فيها وكذلك هذه العبادات لا كفارة فيها لمن يقدر عليها، وكما أنه إذا قال إن فعلت كذا فعلي أن أعتق فإن عليه الكفارة بلا خلاف في مذهب أحمد، وموافقة من القائلين بنذر اللجاج والغضب وليس ذلك تكفيرا للعتق، وإنما هو تكفير للحلف به، فلازم قول أحمد هذا أنه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كان الحلف بهما يصح فيه الكفارة وهذا موجب سنة رسول الله ﷺ كما قدمناه .

وأما من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كأحد القولين في مذهب أحمد ومذهب مالك فهو قول مرجوح، ونحن في هذا المقام إنما نتكلم بتقدير تسليمه، وسنتكلم إن شاء الله في مسألة الاستثناء على حدة، وإذا قال أحمد وغيره من العلماء إن الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه ; لأنه لا استثناء فيه، لزم من هذا القول أن الاستثناء في الحلف بهما، وأما من فرق من أصحاب أحمد فقال يصح الحلف في الحلف بهما الاستثناء ولا تصح الكفارة فهذا لم أعلمه منصوصا عن أحمد، ولكنهم معذورون فيه من قوله حيث لم يجدوه نص في تكفير الحلف بهما على روايتين، كما نص الاستثناء في الحلف بها على روايتين لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التي ينصرونها، ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم يتفطن للزومها، ولو تفطن لكان إما أن يلتزمها أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم أو لا يرجع عنه، ويعتقد أنها غير لوازم، والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله وقياسه، فإما أن لا يكون نص على ذلك اللازم لا بنفي ولا إثبات أو نص على نفيه، وإذا نص على نفيه فإما أن يكون نص على نفي لزومه أو لم ينص، فإن كان قد نص على نفي ذلك اللازم وخرجوا عنه خلاف المنصوص عنه في تلك المسألة، مثل أن ينص في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين، أو يعلل مسألة بعلة ينقضها في موضع آخر، كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء وعنه في الاستثناء روايتان، فهذا مبني على تخريج ما لم يتكلم فيه بنفي ولا إثبات، هل يسمى ذلك مذهبا أو لا يسمى، ولأصحابنا فيه خلاف مشهور، فالأثرم والخرقي وغيرهما يجعلونه مذهبا له، والخلال وصاحبه وغيرهما لا يجعلونه مذهبا لهما، والتحقيق أن هذا قياس قوله ولازم قوله فليس بمنزلة المذهب المنصوص عنه، ولا أيضا بمنزلة ما ليس بلازم قوله بل هو منزلة بين منزلتين، هذا حيث أمكن أن لا يلزمه وأيضا فإن الله شرع الطلاق مبيحا له أو آمرا به أو ملزما له إذا أوقعه صاحبه، وكذلك العتق وكذلك النذر وهذه العقود من النذر والطلاق والعتاق يقتضي وجوب أشياء على العبد، أو تحريم أشياء عليه، والوجوب والتحريم إنما يلزم العبد إذا قصده أو قصد سببه، فإنه لو جرى على لسانه هذا الكلام لغير قصد لم يلزمه شيء بالاتفاق، ولو تكلم بهذه الكلمات مكرها لم يلزمه حكمها عندنا وعند الجمهور كما دلت عليه السنة وآثار الصحابة ; لأن مقصوده إنما هو دفع المكروه عنه لم يقصد حكمها ولا قصد التكلم بها ابتداء، فكذلك الحالف إذا قال إن لم أفعل كذا فعلي الحج أو الطلاق ليس يقصد التزام حج ولا طلاق، ولا تكلم بما يوجبه ابتداء وإنما قصده الحض على ذلك الفعل أو منع نفسه منه، كما أن قصد المكره دفع المكروه عنه، ثم قال، على طريق المبالغة في الحض والمنع: إن فعلت كذا فهذا لي لازم أو هذا علي حرام لشدة امتناعه من هذا اللزوم والتحريم علق ذلك به، فقصده منهما جميعا لا ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه، وإذا لم يكن قاصدا للحكم ولا لسببه إنما قصده عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم، وأيضا فإن اليمين بالطلاق بدعة محدثة لم يبلغني أنه كان يحلف بها على عهد قدماء الصحابة، ولكن قد ذكروها في أيمان البيعة التي رتبها الحجاج بن يوسف وهي تشتمل على اليمين بالله وصدقة المال والطلاق والعتاق ولم أقف إلى الساعة على كلام لأحد من الصحابة في الحلف بالطلاق، وإنما الذي بلغنا عنهم الجواب في الحلف بالعتق كما تقدم، ثم هذه البدعة قد شاعت في الأمة وانتشرت انتشارا عظيما، ثم لما اعتقد من اعتقد أن الطلاق يقع بها لا محالة، صار في وقوع الطلاق بها من الأغلال على الأمة ما هو شبيه بالأغلال التي كانت على بني إسرائيل، ونشأ عن ذلك خمس أنواع من الحيل والمفاسد في الأيمان، حتى اتخذوا آيات الله هزوا وذلك أنهم يحلفون بالطلاق على ترك أمور لا بد لهم من فعلها إما شرعا وإما طبعا، وعلى فعل أمور لا يصلح فعلها إما شرعا وإما طبعا، وغالب ما يحلفون بذلك في حال اللجاج والغضب، ثم فراق الأهل فيه من الضرر في الدين والدنيا ما يزيد على كثير من أغلال اليهود،

وقد قيل إن الله إنما حرم المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره لئلا يتسارع الناس إلى الطلاق لما فيه من المفسدة، فإذا حلفوا بالطلاق على الأمور اللازمة أو الممنوعة وهم محتاجون إلى تلك الأمور أو تركها مع عدم فراق الأهل قدحت الأفكار لهم أنواعا من الحيل أربعة أخذت عن الكوفيين وغيرهم، الحيلة الأولى في المحلوف عليه: فيتأول لهم خلاف قصدوه وخلاف ما يدل عليه الكلام في عرف الناس وعاداتهم، وهذا هو الذي وصفه بعض المتكلمين في الفقه ويسمونه باب المعاياة وباب الحيل في الأيمان، وأكثره مما يعلم بالاضطرار من الدين أنه لا يسوغ في الدين، ولا يجوز حمل كلام الحالف عليه، ولهذا كان الأئمة كأحمد وغيره يشددون النكير على من يحتال في هذه الأيمان، الحيلة الثانية: إذا تعذر الاحتيال في الكلام المحلوف عليه احتالوا للفعل المحلوف عليه، بأن يأمروه بمخالفة امرأته ليفعل المحلوف عليه في زمن البينونة، وهذه الحيلة أحدث من التي قبلها وأظنها حدثت في حدود المائة الثالثة، فإن عامة الحيل إنما نشأت عن بعض أهل الكوفة، وحيلة الخلع لا تمشي على أصلهم ; لأنهم يقولون إذا فعل المحلوف عليه في العدة وقع به الطلاق ; لأن المعتدة من فرقة بائنة يلحقها الطلاق عندهم، فيحتاج المحتال بهذه الحيلة أن يتربص حتى تنقضي العدة، ثم يفعل المحلوف عليه بعد انقضائها، وهذا فيه ضرر عليه من جهة طول المدة، فصار يفتي بها بعض أصحاب الشافعي، وربما ركنوا معها إلى أخذ قوله الموافق لأشهر الروايتين عن أحمد، من أن الخلع فسخ وليس بطلاق فيصير الحالف كلما أراد الحنث خلع زوجته، وفعل المحلوف عليه ثم تزوجها، فإما أن يفتوه بنقص عدد الطلاق أو يفتوه بعدمه، وهذا الخلع الذي هو خلع الأيمان شبيه بنكاح المحلل سواء، فإن ذلك عقد لم يقصده وإنما قصد إزالته وهذا فسخ فسخا لم يقصده، وإنما قصد إزالته، وهذه حيلة محدثة باردة قد صنف أبو عبد الله بن بطة جزءا في إبطالها، وذكر عن السلف في ذلك من الآثار ما قد ذكرت بعضه في غير هذا الموضع، الحيلة الثالثة: إذا تعذر الاحتيال في المحلوف عليه، احتالوا في المحلوف به فيبطلونه بالبحث عن شروطه، فصار قوم من المتأخرين من أصحاب الشافعي يبحثون عن صفة عقد النكاح، لعله اشتمل على أمر يكون به فاسدا ليرتبوا على ذلك أن الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع، ومذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى روايتيه أن الولي الفاسق لا يصح نكاحه، والفسوق غالب في كثير من الناس فيقتنون هذه المسألة بسبب الاحتيال لرفع الطلاق ثم نجد هؤلاء الذين يحتالون بهذه الحيلة إنما ينظرون في صفة عقد النكاح، وكون فلان الفاسق لا يصح عند إيقاع الطلاق الذي قد ذهب كثير من أهل العلم أو أكثرهم إلى أنه يقع الفاسد في الجملة، وأما عند الوطء والاستمتاع الذي أجمع المسلمون على أنه لا يباح في النكاح الفاسد فلا ينظرون في ذلك، ولا ينظرون في ذلك أيضا عند الميراث وغيره من أحكام النكاح الصحيح، بل عند وقوع الطلاق خاصة، وهذا نوع من اتخاذ آيات الله هزوا ومن المكر في آيات الله إنما أوجبه الحلف بالطلاق والضرورة إلى عدم وقوعه، الحيلة الرابعة: الشرعية في إفساد المحلوف به أيضا لكن لوجود مانع، لا لفوات شرط فإن أبا العباس بن سريج وطائفة بعده اعتقدوا أنه إذا قال لامرأته إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبل ثلاثا فإنه لا يقع عليها بعد ذلك طلاق أبدا ; لأنه إذا وقع المنجز لزم وقوع المعلق، وإذا وقع المعلق امتنع وقوع المنجز، فيفضي وقوعه إلى عدم وقوعه فلا يقع، وأما عامة فقهاء الإسلام من جميع الطوائف أنكروا ذلك، بل رأوه من الزلات التي يعلم بالاضطرار كونها ليست من دين الإسلام، حيث قد علم بالضرورة من دين محمد بن عبد الله أن الطلاق أمر مشروع في كل نكاح، وأنه ما من نكاح إلا ويمكن فيه الطلاق، وسبب الغلط أنهم اعتقدوا صحة هذا الكلام، فقالوا إذا وقع المنجز وقع المعلق، وهذا الكلام ليس بصحيح، فإنه مستلزم وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث ممتنع في الشريعة، فالكلام المشتمل على ذلك باطل، وإذا كان باطلا لم يلزم من وقوع المنجز وقوع المعلق ; لأنه إنما يلزم إذا كان التعليق صحيحا، ثم اختلفوا هل يقع من المعلق تمام الثلاث أم يبطل التعليق ولا يقع إلا المنجز، على قولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وما أدري هل استحدث ابن سريج هذه المسألة للاحتيال على دفع الطلاق أم قاله طردا لقياس اعتقد صحته، واحتال بها من بعده، لكني رأيت مصنفا لبعض المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه في هذه المسألة، ومقصوده بها الاحتيال على عدم وقوع الطلاق، ولهذا صاغوها بقوله إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا ; لأنه لو قالوا إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا لم تنفعه هذه الصيغة في الحيلة وإن كان كلاهما في الدور سواء، وذلك ; لأن الرجل إذا قال لامرأته إذا طلقتك فعبدي حر أو فأنت طالق، لم يحنث إلا بتطليق ينجزه بعد هذه اليمين أو يعلقه بعدها على شرط فيوجد، فإن كان كل واحد من التنجيز والتعليق الذي وجد شرطه تطليق، أما إذا كان قد علق طلاقها قبل هذه اليمين بشرط ووجد الشرط بعد هذه اليمين لم يكن مجرد وجود الشرط ووقوع الطلاق به تطليقا ; لأن التطليق لا بد أن يصدر عن المطلق، ووقوع الطلاق بصفة يفعلها غيره ليس فعلا منه، فأما إذ قال إذا وقع عليك طلاقي فهذا يعم المنجز والمعلق يعد هذا شرط والواقع بعد هذا شرط يقدم تعليقه، فصوروا المسألة بصور قوله إذا وقع عليك طلاقي حتى إذا حلف الرجل بالطلاق لا يفعل شيئا، قالوا له بل إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا فيقول ذلك، فيقولون له افعل الآن ما حلفت عليه، فإنه لا يقع عليك طلاق، فهذا التسريح المنكر عند عامة أهل الإسلام المعلوم يقينا أنه ليس من الشريعة التي بعث الله بها محمدا إنما تفقه في الغالب وأحوج كثيرا من الناس إلى الحلف بالطلاق، وإلا فلولا ذلك لم يدخل فيه أحد ; لأن العاقل لا يكاد يقصد انسداد باب الطلاق عليه إلا بالبر، الحيلة الخامسة: إذا وقع الطلاق ولم يمكن الاحتيال لا في المحلوف عليه قولا ولا فعلا، ولا في المحلوف به إبطالا ولا منعا، احتالوا لإعادة النكاح بنكاح المحلل الذي دلت السنة وإجماع الصحابة مع دلالة القرآن وشواهد الأصول على تحريمه وفساده، ثم قد توالد من نكاح المحلل من الفساد ما لا يعلمه إلا الله كما قد نبهنا على بعضه في كتاب إقامة الدليل على بطلان التحليل، وأغلب ما يحوج الناس إلى نكاح المحلل هو الحلف بالطلاق، وإلا فالطلاق الثلاث لا يقدم عليه الرجل في الغالب إلا إذا قصده، ومن قصده لم يترتب عليه من الندم والفساد ما يترتب على من اضطر لوقوعه لحاجته إلى الحنث، فهذه المفاسد الخمس التي هي الاحتيال على نقض الأيمان وإخراجهما على مفهومهما ومقصودها بالاحتيال بالخلع وإعادة النكاح، ثم الاحتيال عن فساد النكاح، ثم الاحتيال بمنع وقوع الطلاق، ثم الاحتيال بنكاح المحلل في هذه الأمور من المكر والخداع والاستهزاء بآيات الله واللعب الذي ينفر العقلاء عن دين الإسلام، ويوجب ظفر الكفار فيه كما رأيته في بعض كتب النصارى وغيرها، وتبين لكل مؤمن صحيح الفطرة أن دين الإسلام بريء منزه عن هذه الخزعبلات التي تشبه حيل اليهود ومخاريف الرهبان، وأكثر ما أوقع الناس فيها وأوجب كثرة إنكار الفقهاء فيها واستخراجهم لها هو حلف الناس بالطلاق، واعتقاد وقوع الطلاق عند الحنث لا محالة حتى لقد فرع الكوفيون وغيرهم من فروع الأيمان شيئا كثيرا مبناه على هذا الأصل، وكثير من الفروع الضعيفة التي يفرعها هؤلاء ونحوهم هي كما كان الشيخ أبو محمد المقدسي رحمه الله يقول مثالها مثال رجل بنى دارا حسنة على حجارة مغصوبة، فإذا توزع في استحقاق تلك الحجارة التي هي الأساس فاستحقها غيره انهدم بناؤه، فإن الفروع الحسنة إن لم تكن على أصول محكمة، وإلا لم يكن لها منفعة، فإذا كان الحلف بالطلاق واعتقاد لزوم الطلاق عند الحنث قد أوجب هذه المفاسد العظيمة التي قد غيرت بعض أمور الإسلام، غلا من فعل ذلك وقال في هؤلاء شبه من أهل الكتاب، كما أخبر به النبي، مع أن لزوم الطلاق عند الحلف به ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا أفتى به أصحاب رسول الله، بل ولا أحد منهم مما أعلمه ولا اتفق عليه التابعون لهم بإحسان والعلماء بعدهم ولا هو مناسب لأصول الشريعة ولا حجة لمن قاله أكثر من عادة مستمرة أسندت إلى قياس معتضد بتقليد لقوم أئمة علماء محمودين عند الأمة، وهم لله الحمد فوق ما يظن به، لكن لم نؤمر عند التنازع إلا بالرد إلى الله وإلى الرسول، وقد خالفهم من ليس دونهم بل مثلهم أو فوقهم، فإنا قد ذكرنا عن أعيان من الصحابة كعبد الله بن عمر المجمع على إمامته وفقهه ودينه وأخته حفصة أم المؤمنين وزينب ربيبة رسول الله، وهي من أمثل فقيهات الصحابة في الإفتاء بالكفارة في الحلف بالعتق والطلاق أولى منه، وذكرنا عن طاوس وهو من أفاضل علماء التابعين علما وفقها ودينا أنه لم يكن يرى اليمين بالطلاق موقعة له، فإذا كان من لزوم الطلاق عند الحنث في اليمين به مقتضيا لهذه المفاسد وحاله في الشريعة هذه الحال كان هذا دليلا على أن ما أفضى إلى هذا الفساد لم يشرعه الله ولا رسوله، كما نبهنا عليه في ضمان الحدائق لمن يزدرعها ويستثمرها، وبيع الخضر ونحوها وذلك أن الحالف بالطلاق، إذا حلف ليقطعن رحمه، وليعقن أباه، وليقتلن عدوه المسلم المعصوم، وليأتين الفاحشة وليشربن الخمر، وليفرقن بين المرء وزوجه، ونحو ذلك من كبائر الإثم والفواحش، فهو بين ثلاثة أمور: إما أن يفعل هذا المحلوف عليه، فهذا لا يقوله مسلم لما فيه من ضرر الدنيا والآخرة، مع أن كثيرا من الناس بل والمفتين إذا رأوه قد حلف بالطلاق كان ذلك سببا لتخفيف الأمر عليه وإقامة عذره، وإما أن يحتال ببعض تلك الحيل المذكورة كما استخرجه قوم من المفتين، ففي ذلك من الاستهزاء بآيات الله ومخادعته والمكر في دينه والكيد له، وضعف العقل والدين والاعتداء لحدوده والانتهاك لمحارمه والإلحاد في آياته ما لا خفاء به، وإن كان في إخواننا الفقهاء من قد يستجيز بعض ذلك، فقد دخل من الغلط في ذلك، وإن كان مغفورا لصاحبه المجتهد المنفي لله ما فساده ظاهر لمن تأمل حقيقة الدين، وإما أن لا يحتال ولا يفعل المحلوف عليه بل يطلق امرأته كما يفعله من يخشى الله إذا اعتقد وقوع الطلاق، ففي ذلك من الفساد في الدين والدنيا ما لا يأذن الله به ولا رسوله، أما فساد الدين فإن الطلاق منهي عنه مع استقامة حال الزوج باتفاق العلماء، حتى قال النبي { إن المختلعات والمنتزعات هن من المنافقات }، وقال: { أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة }، وقد اختلف العلماء هل هو محرم أو مكروه، وفيه روايتان عن أحمد، وقد استحسنوا جواب أحمد رضي الله عنه لما سئل عمن حلف بالطلاق، وليطأن امرأته وهي حائض، فقال: يطلقها ولا يطؤها قد أباح الله الطلاق وحرم وطء الحائض، وهذا الاستحسان يتوجه على أصلين إما على قوله إن الطلاق ليس بحرام، وإما أن يكون تحريمه دون تحريم الوطء، وإلا فإذا كان كلاهما حراما لم يخرج من حرام إلا إلى حرام، وأما ضرر الدنيا فأبين من أن يوصف، فإن لزوم الطلاق المحلوف به في كثير من الأوقات يوجب من الضرر ما لم تأت به الشريعة في مثل هذا قط، فإن المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة، وهي متاعه الذي قال فيها رسول الله: { الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة المؤمنة، إن نظرت إليها أعجبتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك }، وهي التي أمر بها النبي في قوله لما سأله المهاجرون أي المال نتخذ فقال: { لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا أو امرأة صالحة تعين أحدكم على إيمانه } رواه الترمذي، من حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، ويكون منها من المودة والرحمة ما امتن الله تعالى بها في كتابه، فيكون ألم الفراق أشد عليها من الموت أحيانا وأشد من ذهاب المال وأشد من فراق الأوطان، خصوصا إن كان بأحدهما علاقة من صاحبه أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم، ثم يفضي ذلك إلى القطيعة بين أقاربها ووقع الشر لما زالت نعمة المصاهرة التي امتن الله تعالى بها في قوله { فجعله نسبا وصهرا }، ومعلوم أن هذا من الحرج الداخل في عموم قوله: { ما جعل عليكم في الدين من حرج } ومن العسر المنفي بقوله: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وأيضا فإذا كان المحلوف عليه بالطلاق فعل بر وإحسان من صدقة أو عتاقة وتعليم علم وصلة رحم وجهاد في سبيل الله وإصلاح بين الناس، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها، فإنه لما عليه من الضرر العظيم في الطلاق أعظم لا يفعل ذلك بل ولا يؤمر به شرعا ; لأنه قد يكون الفساد الناشئ من الطلاق أعظم من الصلاح الحاصل من هذه الأعمال، وهذه المفسدة هي التي أزالها الله ورسوله بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم }، وقوله: { لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يأتي الكفارة }، فإن قيل: فهو الذي أوقع نفسه في أحد هذه الضرائر الثلاث، فلا ينبغي له أن يحلف، قيل: ليس في شريعتنا ذنب إذا فعله الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة إلا بضرر عظيم، فإن الله لم يحمل علينا إصرا كما حمل على الذين من قبلنا، فهب هذا قد أتى كبيرة من الكبائر في حلفه بالطلاق ثم تاب من تلك الكبيرة، فكيف يناسب أصول شريعتنا أن تنفي ضرر ذلك الذنب عليه لا يجد منه مخرجا، وهذا بخلاف الذي ينشئ الطلاق لا بالحلف عليه فإنه لا يفعل ذلك إلا هو مريد للطلاق إما لكراهة المرأة أو غضب عليها ونحو ذلك، قد جعل الله الطلاق ثلاثا، فإذا كان إنما يتكلم بالطلاق باختياره، وله ذلك ثلاث مرات كان وقوع الضرر بمثل هذا نادرا بخلاف الأول، فإن مقصوده لم يكن الطلاق، وإنما كان يفعل المحلوف عليه أو لا يفعله ثم قد يأمره الشرع أو يضطره الحاجة إلى فعله أو تركه، فيلزمه الطلاق بغير اختيار لا له ولا لسببه، وأيضا فإن الذي بعث الله محمدا في باب الأيمان تخفيفها بالكفارة لا تثقيلها بالإيجاب أو التحريم، فإنهم كانوا في الجاهلية يرون الظهار طلاقا، واستمروا على ذلك في أول الإسلام حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته، وأيضا فالاعتبار بنذر اللجاج والغضب فإنه ليس من الفرق إلا ما ذكرناه، وسنبين إن شاء الله عدم تأثيره، والقياس بإلغاء الفارق أصح ما يكون من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين، وذلك أن الرجل إذا قال إذا أكلت أو شربت فعلي أن أعتق عبدي، أو فعلي أن أطلق امرأتي أو فعلي الحج أو فأنا محرم بالحج، أو فمالي صدقة أو فعلي صدقة فإنه تجزئه كفارة يمين عند الجمهور كما قدمناه، بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فكذلك إذا قال إن أكلت هذا أو شربت هذا فعلي الطلاق أو فالطلاق لي لازم أو فامرأتي طالق أو فعبيدي أحرار فإن قوله علي الطلاق لا أفعل كذا أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا فهو بمنزلة قوله علي الحج لا أفعل كذا أو الحج لي لازم لا أفعل كذا، وكلاهما يمينان محدثتان ليستا مأثورتين عن العرب، ولا معروفتين عن الصحابة، وإنما المتأخرون صاغوا من هذه المعاني أيمانا وربطوا إحدى الجملتين بالأخرى كالأيمان التي كان المسلمون من الصحابة يحلفون بها، وكانت العرب تحلف بها لا فرق بين هذا وهذا ; لأن قوله: إن فعلت فمالي صدقة، يقتضي وجوب الصدقة عند الفعل، وقوله: فامرأتي طالق، يقتضي وجود الطلاق، فالذي يقتضي وقوع الطلاق نفس الشرط، وإن لم يحدث بعد هذا طلاقا ولا يقتضي وقوع الصدقة حتى تحدث صدقة، وجواب هذا الفرق الذي اعتمده الفقهاء المفرقون من وجهين، أحدهما: مع الوصف الفارق في بعض الأصول المقيس عليها، وفي بعض صور الفروع المقيس عليها بيان عدم التأثير، أما الأول فإنه إذا قال: إن فعلت كذا فمالي صدقة، أو فأنا محرم أو فبعيري هدي، فالمعلق بالصفة وجود الصدقة والإحرام والهدي لا وجوبهما، كما أن المعلق في قوله فعبدي حر وامرأتي طالق وجود الطلاق والعتق لا وجوبهما، ولهذا اختلف الفقهاء من أصحابنا وغيرهم فيما إذا قال: هذا هدي، وهذا صدقة لله، هل يخرج عن ملكه أو لا يخرج، فمن قال يخرج عن ملكه فهو كخروج زوجته وعبده عن ملكه، أكثر ما في الباب أن الصدقة والهدي يتملكه الناس بخلاف الزوجة والعبد، وهذا لا تأثير له، وكذا لو قال علي الطلاق لأفعلن كذا أو الطلاق يلزمني لأفعلن كذا فهو كقوله: علي الحج لأفعلن، فهل جعل المحلوف به هاهنا وجوب الطلاق لا وجوده، كأنه قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلق، فبعض صور الحلف بالطلاق يكون المحلوف به صيغة وجود، وأما الثاني فيقول هب أن المعلق بالفعل هنا وجود الطلاق والعتاق والمعلق هناك وجوب الصدقة والحج والصيام والإهداء ليس موجب الشرط ثبوت هذا الوجوب بل يجزئه كفارة يمين، كذلك عند الشرط لا يثبت هذا الوجوب بل تجزئه كفارة يمين عند وجود الشرط فإن كان عند الشرط لا يثبت ذلك الوجوب، كذلك عند الشرط لا يثبت هذا الوجود، بل كما لو قال: هو يهودي أو نصراني أو كافر إن فعل كذا فإن المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط، ثم إذا وجد الشرط لم يوجد الكفر بالاتفاق بل يلزم كفارة يمين أو لا يلزمه شيء، ولو قال ابتداء: هو يهودي أو نصراني أو كافر يلزمه الكفر بمنزلة قوله ابتداء: عبدي حر وامرأتي طالق، وهذه البدنة هدي، وعلي صوم هدي، وعلي صوم يوم الخميس، ولو علق الكفر بشرط يقصد وجوده، كقوله: إذا هل الهلال فقد برئت من دين الإسلام، لكان الواجب أنه يحكم بكفره، لكن لا يناجز الكفر ; لأن توقيته دليل على فساد عقيدته، قيل: فالحلف بالنذر إنما عليه فيه الكفارة فقط، قيل: مثل في الحلف بالعتق وكذلك الحلف بالطلاق، كما لو قال: فعلي أن أطلق امرأتي، ومن قال: إنه إذا قال: فعلي أن أطلق امرأتي لا يلزمه شيء، فقياس قوله الطلاق لا يلزمه شيء، ولهذا توقف طاوس في كونه يمينا وإن قيل إنه يخير بين الوفاء به والتكفير، فكذلك هنا يخير بين الطلاق والعتق وبين التكفير فإن وطئ امرأته كان اختيارا للتكفير، كما أنه في الظهار يكون مخيرا بين التكفير وبين تطليقها ; فإن وطئها لزمته الكفارة ولكن في الظهار لا يجوز له الوطء حتى يكفر ; لأن الظهار منكر من القول وزور حرمه عليه، وأما هنا فقوله إن فعلت فهي طالق بمنزلة قوله فعلي أن أطلقها أو قال والله لأطلقنها إن لم يطلقها فلا شيء وإن طلقها فعليه كفارة يمين، يبقى أن يقال هل تجب الكفارة على الفور إذا لم يطلقها حينئذ كما لو قال والله لأطلقها الساعة ولم يطلقها أو لا تجب إلا إذا عزم على إمساكها، أو لا تجب حتى يوجد منه ما يدل على الرضاء بها من قول أو فعل، كالذي يخير بين فراقها وإمساكها ونحوه كالمتعة تجب ابتداء أو لا تجب بحال حتى يفوت الطلاق، قيل الحكم في ذلك كما لو قال فثلث مالي صدقة أو هدي ونحو ذلك، وإلا قيس في ذلك أنه مخير بينهما على التراخي ما لم يوجد منه ما يدل على الرضاء بأحدهما كسائر أنواع الخيار .

والقول بجواز المسابقة بلا محلل وإن أخرج المتسابقان .

والقول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر واختاره البخاري صاحب الصحيح .

مسألة: فيمن أوقف رباطا ; وجعل فيه جماعة من أهل القرآن ; وجعل لهم كل يوم ما يكفيهم ; وشرط عليهم شروطا غير مشروعة: منها أن يجتمعوا في وقتين معينين من النهار ; فيقرءون شيئا معينا من القرآن في المكان الذي أوقفه لا في غيره ; مجتمعين في ذلك غير متفرقين ; وشرط أن يهدوا له ثواب التلاوة ; ومن لم يفعل ما شرط في المكان الذي أوقفه لم يأخذ ما جعل له، فهل جميع الشروط لازمة لمن أخذ المعلوم ؟ أم بعضها ؟ أم لا أثر لجميعها ؟ وهل إذا لزمت القراءة، فهل يلزم جميع ما شرطه منها ؟ أم يقرءون ما تيسر عليهم قراءته من غير أن يهدوا شيئا ؟ الجواب: الحمد لله، الأصل في هذا أن كل ما شرط من العمل من الوقوف التي توقف على الأعمال فلا بد أن تكون قربة ; إما واجبا ; وإما مستحبا وأما اشتراط عمل محرم فلا يصح باتفاق علماء المسلمين ; بل وكذلك المكروه ; وكذلك المباح على الصحيح، وقد اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وفاسد، كالشروط في سائر العقود، ومن قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع، فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف ; لا في وجوب العمل بها: أي أن مراد الواقف يستفاد من ألفاظه المشروطة ; كما يستفاد مراد الشارع من ألفاظه ; فكما يعرف العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والتشريك والترتيب في الشرع من ألفاظ الشارع، فكذلك تعرف في الوقف من ألفاظ الواقف، مع أن التحقيق في هذا أن لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصي وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها ; سواء وافقت العربية العرباء ; أو العربية المولدة ; أو العربية الملحونة ; أو كانت غير عربية وسواء وافقت لغة الشارع ; أو لم توافقها ; فإن المقصود من الألفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها ; فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع لأن معرفة لغته وعرفه وعادته تدل على معرفة مراده، وكذلك في خطاب كل أمة وكل قوم ; فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والإجارة أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك بكلام رجع إلى معرفة مرادهم وإلى ما يدل على مرادهم من عادتهم في الخطاب ; وما يقترن بذلك من الأسباب، وأما أن تحل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها ; فهذا كفر باتفاق المسلمين ; إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر - بعد رسول الله ﷺ - والشروط إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة، وإن خالفت كتاب الله كانت باطلة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه خطب على منبره قال: { ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ؟، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق }، وهذا الكلام حكمه ثابت في البيع والإجارة والوقف، وغير ذلك باتفاق الأئمة، سواء تناوله لفظ الشارع أو لا ; إذ الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أو كان متناولا لغير الشروط في البيع بطريق الاعتبار عموما معنويا، وإذا كانت شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وباطل بالاتفاق ; فإن شرط فعلا محرما ظهر أنه باطل فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإن شرط مباحا لا قربة فيه كان أيضا باطلا ; لأنه شرط شرطا لا منفعة فيه، لا له ولا للموقوف عليه ; فإنه في نفسه لا ينتفع إلا بالإعانة على البر والتقوى، وأما بذل المال في مباح: فهذا إذا بذله في حياته مثل الابتياع ; والاستئجار جاز ; لأنه ينتفع بتناول المباحات في حياته، وأما الواقف والموصي فإنهما لا ينتفعان بما يفعل الموصى له والموقوف عليه من المباحات في الدنيا، ولا يثابان على بذل المال في ذلك في الآخرة، فلو بذل المال في ذلك عبثا وسفها لم يكن فيه حجة على تناول المال، فكيف إذا ألزم بمباح لا غرض له فيه فلا هو ينتفع به في الدنيا، ولا في الآخرة ; بل يبقى هذا منفقا للمال في الباطل مسخر معذب آكل للمال بالباطل، وإذا كان الشارع قد قال: { لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل }، فلم يجوز بالجعل شيئا لا يستعان به على الجهاد، وإن كان مباحا، وقد يكون فيه منفعة، كما في المصارعة والمسابقة على الأقدام، فكيف يبذل العوض المؤبد في عمل لا منفعة فيه، لا سيما والوقف محبس مؤبد فكيف يحبس المال دائما مؤبدا على عمل لا ينتفع به هو ولا ينتفع به العامل، فيكون في ذلك ضرر على حبس الورثة وسائر الآدميين بحبس المال عليهم بلا منفعة حصلت لأحد، وفي ذلك ضرر على المناولين باستعمالهم في عمل هم فيه مسخرون، يعوقهم عن مصالحهم الدينية والدنيوية، فلا فائدة تحصل له ولا لهم، وقد بسطنا الكلام في هذه القاعدة في غير هذا الموضع، فإذا عرف هذا فقراءة القرآن كل واحد على حدته أفضل من قراءة مجتمعين بصوت واحد ; فإن هذه تسمى " قراءة الإرادة " وقد كرهها طوائف من أهل العلم: كمالك وطائفة من أصحاب الإمام أحمد، وغيرهم، ومن رخص فيها - كبعض أصحاب الإمام أحمد - لم يقل إنها أفضل من قراءة الانفراد، يقرأ كل منهم جميع القرآن، وأما هذه القراءة فلا يحصل لواحد جميع القرآن، بل هذا يتم ما قرأه هذا، وهذا يتم ما قرأه هذا، ومن كان لا يحفظ القرآن يترك قراءة ما لم يحفظه، وليس في القراءة بعد المغرب فضيلة مستحبة يقدم بها على القراءة في جوف الليل، أو بعد الفجر، ونحو ذلك من الأوقات، فلا قربة في تخصيص مثل ذلك بالوقت، ولو نذر صلاة أو صياما أو قراءة أو اعتكافا في مكان بعينه، فإن كان للتعيين مزية في الشرع: كالصلاة والاعتكاف في المساجد الثلاثة، لزم الوفاء به، وإن لم يكن له مزية: كالصلاة والاعتكاف في مساجد الأمصار لم يتعين بالنذر الذي أمر الله بالوفاء به، وقال النبي ﷺ: { من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه }، فإذا كان النذر الذي يجب الوفاء به لا يجب أن يوفى به إلا ما كان طاعة باتفاق الأئمة، فلا يجب أن يوفى منه بمباح، كما لا يجب أن يوفى منه بمحرم باتفاق العلماء في الصورتين، وإنما تنازعوا في لزوم الكفارة: كمذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، فكيف بغير النذر من العقود التي ليس في لزومها من الأدلة الشرعية ما في النذر، وأما اشتراط إهداء ثواب التلاوة، فهذا ينبني على إهداء ثواب العبادات البدنية: كالصلاة والصيام والقراءة فإن العبادات المالية يجوز إهداء ثوابها بلا نزاع، وأما البدنية ففيها قولان مشهوران، فمن كان من مذهبه أنه لا يجوز إهداء ثوابها: كأكثر أصحاب مالك والشافعي كان هذا الشرط عندهم باطلا، كما لو شرط أن يحمل عن الواقف ديونه فإنه { ولا تزر وازرة وزر أخرى }، ومن كان من مذهبه أنه يجوز إهداء ثواب العبادات البدنية ; كأحمد وأصحاب أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب مالك فهذا يعتبر أمرا آخر، وهو أن هذا إنما يكون من العبادات ما قصد بها وجه الله، فأما ما يقع مستحقا بعقد إجارة أو جعالة فإنه لا يكون قربة فإن جاز أخذ الأجر والجعل عليه، فإنه يجوز الاستئجار على الإمامة والأذان وتعليم القرآن، نقول .

مسألة: فيمن وقف وقفا على جماعة معينين، وفيهم من قرر الواقف لوظيفته شيئا معلوما، وجعل للناظر على هذا الوقف صرف من شاء منهم، يخرج بغير خراج، وإخراج من شاء منهم، والتعوض عنه، وزيادة من أراد زيادته ونقصانه، على ما يراه ويختاره، ويرى المصلحة فيه، فعزل أحد المعينين واستبدل به غيره من هو أهل للقيام بها ببعض ذلك المعلوم المقدر للوظيفة، ووفى باقي ذلك لمصلحة الوقف، فهل للناظر فعل ذلك أم لا ؟ وإذا عزل أحد المعينين للمصلحة واستمر على تناول المعلوم بعد علمه بالعزل: يفسق بذلك، ويجب عليه إعادة ما أخذه أم لا ؟ وهل يلزم الناظر بيان المصلحة أم لا ؟ الجواب: الحمد لله رب العالمين، الناظر ليس له أن يفعل شيئا في أمر الوقف إلا بمقتضى المصلحة الشرعية، وعليه أن يفعل الأصلح، فالأصلح، وإذا جعل الواقف للناظر صرف من شاء، وزيادة من أراد زيادته ونقصانه، فليس للذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل ما يشتهيه، أو ما يكون فيه اتباع الظن، وما تهوى الأنفس ; بل الذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل من الأمور الذي هو خير ما يكون إرضاء لله ورسوله، وهذا في كل من تصرف لغيره بحكم الولاية، كالإمام، والحاكم، والواقف، وناظر الوقف، وغيرهم: إذا قيل: هو مخير بين كذا وكذا، أو يفعل ما شاء، وما رأى، فإنما ذاك تخيير مصلحة، لا تخيير شهوة، والمقصود بذلك أنه لا يتعين عليه فعل معين، بل له أن يعدل عنه إلى ما هو أصلح وأرضى لله ورسوله، وقد قال الواقف: على ما يراه ويختاره ويرى المصلحة فيه، وموجب هذا كله أن يتصرف برأيه واختياره الشرعي، الذي يتبع فيه المصلحة الشرعية، وقد يرى هو مصلحة، والله ورسوله يأمر بخلاف ذلك، ولا يكون هذا مصلحة كما يراه مصلحة، وقد يختار ما يهواه لا ما فيه رضى الله، فلا يلتفت إلى اختياره، حتى لو صرح الواقف بأن للناظر أن يفعل ما يهواه وما يراه مطلقا لم يكن هذا الشرط صحيحا ; بل كان باطلا، لأنه شرط مخالف لكتاب الله: " ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق "، وإذا كان كذلك وكان عزل الناظر واستبداله، موافقا لأمر الله ورسوله لم يكن للمعزول ولا غيره رد ذلك، ولا يتناول شيئا من الوقف والحال هذه، وإن لم يكن موافقا لأمر الله ورسوله كان مردودا بحسب الإمكان، فإن النبي قال: { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد }، وقال: { لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق }، وإن تنازعوا هل الذي فعله هو المأمور به أم لا ؟ رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، فإن كان الذي فعل الناظر أرضى لله ورسوله نفذ، وإن كان الأول هو الأرضى ألزم الناظر بإقراره، وإن كان هناك أمر ثالث هو الأرضى لزم اتباعه، وعلى الناظر بيان المصلحة، فإن ظهرت وجب اتباعها، وإن ظهر أنها مفسدة ردت، وإن اشتبه الأمر وكان الناظر عالما عادلا سوغ له اجتهاده، والله أعلم . وسئل: عمن ترك ابنتين، وعمه أخا أبيه من أمه: فما الحكم ؟ فأجاب: إذا مات الميت وترك بنتيه، وأخاه من أمه، فلا شيء لأخيه لأمه باتفاق الأئمة، بل للبنتين الثلثان، والباقي للعصبة، إن كان له عصبة وإلا فهو مردود على البنتين، أو بيت المال .

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله: عن رجل مات، وخلف بنتا، وله أولاد أخ من أبيه، وهم صغار، وله ابن عم راجل، وله بنت عم، وله أخ من أمه، وليس هو من أولاد أعمامه: فمن يأخذ المال ؟ ومن يكون ولي البنت ؟ فأجاب: أما الميراث فنصفه للبنت، ونصفه لأبناء الأخ، وأما حضانة الجارية فهي لبنت العم ; دون العم من الأم ; ودون ابن العم الذي ليس بمحرم وله الولاية على المال الذي لليتيمة لوصي أو نوابه .

وسئل رحمه الله تعالى: عن رجل مات، وترك زوجة، وأختا لأبويه، وثلاث بنات أخ لأبويه، فهل لبنات الأخ معهن شيء ؟ وما يخص كل واحدة منهن ؟ فأجاب: للزوجة الربع ; وللأخت لأبوين النصف، ولا شيء لبنات الأخ، والربع الثاني إن كان هناك عصبة هو للعصبة، وإلا فهو مردود على الأخت على أحد قولي العلماء، وعلى الآخر هو لبيت المال .

وسئل: عن رجل له خالة ماتت وخلفت موجودا ; ولم يكن لها وارث: فهل يرثها ابن أختها ؟ فأجاب: هذا في أحد قولي العلماء هو الوارث ; وفي الآخر بيت المال الشرعي .

وسئل: عن رجل توفي، وخلف ابنين، وبنتين ; وزوجة، وابن أخ، فتوفي الابنان، وأخذت الزوجة ما خصها، وتزوجت بأجنبي، وبقي نصيب الذكرين ما قسم، وأن الزوجة حبلت من الزوج الجديد، فأراد بقية الورثة قسمة الموجود، فمنع البقية إلى حيث تلد الزوجة، فهل يكون لها إذا ولدت مشاركة في الموجود ؟ فأجاب: الحمد لله، الميت الأول لزوجته الثمن، والباقي لبنيه وبناته للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا شيء لابن الأخ، فيكون للزوجة ثلاثة قراريط، ولكل ابن سبعة قراريط، وللبنتين سبعة قراريط، ثم الابن الأول لما مات خلف أخاه وأختين وأمه، والأخ الثاني خلف أختيه وأمه وابن عمه، والحمل إن كان موجودا عند موت أحدهما ورثا منه: لأنه أخوه من أمه، وينبغي لزوج المرأة أن يكف عن وطئها من حين موت هذا، وهذا كما أمر بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ; فإنه إذا لم يطأها وولدته علم أنه كان موجودا وقت الموت، وإذا وطئها وتأخر الحمل اشتبه ; لكن من أراد من الورثة أن يعطى حقه أعطي الثلثين ووقف للحمل نصيب، وهو الثلث، والله أعلم .

وسئل رحمه الله عن قوله: ما بال قوم غدوا قد مات ميتهم فأصبحوا يقسمون المال والحللا فقالت امرأة من غير عترتهم ألا أخبركم أعجوبة مثلا في البطن من جنين دام يشكركم فأخروا القسم حتى تعرفوا الحملا فإن يكن ذكرا لم يعط خردلة وإن يكن غيره أنثى فقد فضلا بالنصف حقا يقينا ليس ينكره من كان يعرف فرض الله لا زللا إني ذكرت لكم أمري بلا كذب فلا أقول لكم جهلا ولا مثلا فأجاب: زوج، وأم، واثنان من ولد الأم، وحمل من الأب ; والمرأة الحامل ليست أم الميت ; بل هي زوجة أبيها، فللزوج النصف، وللأم السدس ولولد الأم الثلث، فإن كان الحمل ذكرا فهو أخ من أب فلا شيء له باتفاق العلماء، وإن كان الحمل أنثى فهو أخت من أب، فيفرض لها النصف، وهو فاضل عن السهام، فأصلها من ستة، وتعول إلى تسعة، وأما إن كان الحمل من أم الميت: فهكذا الجواب في أحد قولي العلماء من الصحابة، ومن بعدهم، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وعلى القول الآخر إن كان الحمل ذكرا يشارك ولد الأم، كواحد منهم ; ولا يسقط وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية عنه .

وسئل الشيخ رحمه الله: عن امرأة مزوجة، ولزوجها ثلاث شهور، وهو في مرض مزمن، فطلب منها شرابا فأبطأت عليه، فنفر منها، وقال لها: أنت طالق ثلاثة، وهي مقيمة عنده تخدمه، وبعد عشرين يوما توفي الزوج: فهل يقع الطلاق ؟ وهل إذا حلف على حكم هذه الصورة يحنث ؟ وهل للوارث أن يمنعها الإرث ؟ فأجاب: أما الطلاق فإنه يقع إن كان عاقلا مختارا ; لكن ترثه عند جمهور أئمة الإسلام، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في القول القديم، كما قضى به عثمان بن عفان في امرأة عبد الرحمن بن عوف، فإنه طلقها في مرض موته، فورثها منه عثمان، وعليها أن تعتد أبعد الأجلين: من عدة الطلاق، أو عدة الوفاة، وأما إن كان عقله قد زال فلا طلاق عليه .

وسئل رحمه الله: عن رجل زوج ابنته، وكتب الصداق عليه، ثم إن الزوج مرض بعد ذلك، فحين قوي عليه المرض فقبل موته بثلاثة أيام طلق الزوجة ; ليمنعها من الميراث: فهل يقع هذا الطلاق ؟ وما الذي يجب لها في تركته ؟ فأجاب: هذه المطلقة إن كانت مطلقة طلاقا رجعيا، ومات زوجها، وهي في العدة ورثته باتفاق المسلمين وإن كان الطلاق بائنا كالمطلقة ثلاثا ; ورثته أيضا عند جماهير أئمة الإسلام، وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لما طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته بنت الأصبغ الكلبية طلقها ثلاثا، في مرض موته، فشاور عثمان الصحابة فأشاروا على أنها ترث منه، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلاف، وإنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير، فإنه قال: لو كنت أنا لم أورثها، وابن الزبير قد انعقد الإجماع قبل أن يصير من أهل الاجتهاد، وإلى ذلك ذهب أئمة التابعين، ومن بعدهم وهو مذهب أهل العراق: كالثوري وأبي حنيفة، وأصحابه، ومذهب أهل المدينة كمالك، وأصحابه، ومذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وأمثاله، وهو القول القديم للشافعي، وفي الجديد وافق ابن الزبير ; لأن الطلاق واقع بحيث لو ماتت هي لم يرثها هو بالاتفاق، فكذلك لا ترثه هي، ولأنها حرمت عليه بالطلاق، فلا يحل له وطؤها، ولا الاستمتاع بها، فتكون أجنبية، فلا ترث، والجمهور قالوا: إن المريض مرض الموت قد تعلق الورثة بماله من حين المرض ; وصار محجورا عليه بالنسبة إليهم، فلا يتصرف في مرض موته من التبرعات إلا ما يتصرفه بعد موته ; فليس له في مرض الموت أن يحرم بعض الورثة ميراثه، ويخص بعضهم بالإرث، كما ليس له ذلك بعد الموت وليس له أن يتبرع لأجنبي بما زاد على الثلث في مرض موته ; كما لا يملك ذلك بعد الموت وفي الحديث: { من قطع ميراثا قطع الله ميراثه من الجنة }، وإذا كان كذلك فليس له بعد المرض أن يقطع حقها من الإرث ; لا بطلاق ; ولا غيره، وإن وقع الطلاق بالنسبة له، إذ له أن يقطع نفسه منها، ولا يقطع حقها منه، وعلى هذا القول ففي وجوب العدة نزاع، هل تعتد عدة الطلاق أو عدة الوفاة ؟ أو أطولهما ؟ على ثلاثه أقوال، أظهرها أنها تعتد أبعد الأجلين وكذلك هل يكمل لها المهر ؟ قولان: أظهرهما أنه يكمل لها المهر أيضا ; فإنه من حقوقها التي تستقر ; كما تستحق الإرث .

مسألة: في الأيام والليالي، مثل أن يقول: السفر يكره يوم الأربعاء، أو الخميس، أو السبت، أو يكره التفصيل أو الخياطة أو الغزل في هذه الأيام ; أو يكره الجماع في ليلة من الليالي ويخاف على الولد، الجواب: الحمد لله، هذا كله باطل لا أصل له، بل الرجل إذا استخار الله تعالى وفعل شيئا مباحا فليفعله في أي وقت تيسر، ولا يكره التفصيل ولا الخياطة، ولا الغزل ولا نحو ذلك من الأفعال في يوم من الأيام، ولا يكره الجماع في ليلة من الليالي، ولا يوم من الأيام، والنبي ﷺ قد نهى عن التطير كما ثبت في الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي قال: { قلت يا رسول الله إن منا قوما يأتون الكهان، قال: فلا تأتوهم قلت: منا قوم يتطيرون، قال: ذاك شيء يجده أحدكم من نفسه فلا يصدنكم }، فإذا كان قد نهى عن أن يصده الطيرة عما عزم عليه، فكيف بالأيام والليالي، ولكن يستحب السفر يوم الخميس، ويوم السبت، ويوم الاثنين من غير نهي عن سائر الأيام إلا يوم الجمعة إذا كانت الجمعة تفوته بالسفر، ففيه نزاع بين العلماء، وأما الصناعات، والجماع فلا يكره في شيء من الأيام، والله أعلم .

مسألة: في قول النبي ﷺ { أنزل القرآن على سبعة أحرف } ما المراد بهذه السبعة، وهل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هي الأحرف السبعة أو واحد منها، وما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف، وهل تجوز القراءة برواية الأعمش وابن محيصن وغيرهما من القراءات الشاذة أم لا، وإذا جازت القراءة بها فهل تجوز الصلاة بها أم لا ؟ أفتونا مأجورين، الجواب: الحمد لله رب العالمين، هذه مسألة كبيرة قد تكلم فيها أصناف العلماء من الفقهاء والقراء وأهل الحديث والتفسير والكلام وشرح الغريب، وغيرهم، حتى صنف فيها التصنيف المفرد، ومن آخر ما أفرد في ذلك ما صنفه الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي المعروف بأبي شامة صاحب " شرح الشاطبية "، فأما ذكر أقاويل الناس وأدلتهم وتقرير الحق فيها مبسوطا فيحتاج من ذكر الأحاديث الواردة في ذلك، وذكر ألفاظها وسائر الأدلة إلى ما لا يتسع له هذا المكان، ولا يليق بمثل هذا الجواب، ولا نذكر النكت الجامعة التي تنبه على المقصود بالجواب، فنقول: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي ﷺ أن القرآن أنزل عليها ليست هي قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو بكر بن مجاهد، وكان على رأس المائة الثالثة ببغداد، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين، والعراقين، والشام، إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج منها علم النبوة من القرآن وتفسيره والحديث، والفقه في الأعمال الباطنة والظاهرة وسائر العلوم الدينية، فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده، أو اعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبعة هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم، ولهذا قال من قال من أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة، وإمام قراء البصرة في زمانه في رأس المائتين، ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده، بل قد يكون معناها متفقا أو متقاربا كما قال عبد الله بن

مسعود: إنما هو كقول أحدكم أقبل، وهلم، وتعال، وقد يكون معنى أحدها ليس هو معنى الآخر، لكن كلا المعنيين حق، وهذا اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض، وهذا كما جاء في الحديث المرفوع عن النبي ﷺ في هذا الحديث حديث: { أنزل القرآن على سبعة أحرف: إن قلت غفورا رحيما أو قلت عزيزا حكيما، فالله كذلك ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة }، وهذا كما في القراءات المشهور: إلا أن يخافا ألا يقيما، وإلا أن يخافا ألا يقيما، وإن كان مكرهم لتزول، ولتزول منه الجبال، وبل عجبت، وبل عجبت، ونحو ذلك، ومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقا من وجه، متباينا من وجه كقوله: يخدعون ويخادعون، ويكذبون ويكذبون، ولمستم ولامستم، وحتى يطهرن ويطهرن، ونحو ذلك، وهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا، لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى، ظنا أن ذلك تعارض، بل كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله. وأما ما اتحد لفظه ومعناه، وإنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات والمدات والإمالات ونقل الحركات والإظهار والإدغام والاختلاس وترقيق اللامات والراءات أو تغليظها ونحو ذلك مما تسمى القراءات الأصول، فهذا أظهر وأبين في أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد، مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى، إذ هذه الصفات المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا، ولا يعد ذلك فيما اختلف لفظه واتحد معناه، أو اختلف معناه من المترادف ونحوه، ولهذا كان دخول هذا في حرف واحد من الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها، مما يتنوع فيه اللفظ أو المعنى وإن وافق رسم المصحف، وهو ما يختلف فيه النقط أو الشكل، ولذلك لم يتنازع علماء الإسلام المتبوعين من السلف والأئمة في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين، بل من ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة، أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ونحوهما، كما ثبت عنده قراءة حمزة والكسائي فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الإجماع والخلاف، بل أكثر العلماء الأئمة الذين أدركوا قراءة سفيان بن عيينة . وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وغيرهم يختارون قراءة أبي جعفر بن القعقاع، وشيبة بن نصاح المدنيين، وقراءة البصريين كشيوخ يعقوب بن إسحاق، وغيرهم على قراءة حمزة، والكسائي، وللعلماء في ذلك من الكلام ما هو معروف عند العلماء، ولهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة أو الأحد عشر كثبوت هذه السبعة يجمعون ذلك في الكتب ويقرءونه في الصلاة، وخارج الصلاة، وذلك متفق عليه بين العلماء لم ينكره أحد منهم، وأما الذي ذكره القاضي عياض ومن نقل من كلامه من الإنكار على ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المائة الرابعة وجرت له قضية مشهورة فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه: ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة، ولكن من لم يكن عالما بها أو لم تثبت عنده كمن يكون في بلد من بلاد الإسلام بالمغرب أو غيره، ولم يتصل به بعض هذه القراءات فليس له أن يقرأ إلا بعلمه فإن القراءة كما قال زيد بن ثابت سنة يأخذها الآخر عن الأول، كما أن ما ثبت عن النبي ﷺ من أنواع الاستفتاحات في الصلاة، ومن أنواع صفة الأذان والإقامة، وصفة صلاة الخوف، وغير ذلك كله حسن يشرع العمل به لمن علمه، وأما من علم نوعا ولم يعلم غيره فليس له أن يعدل عما علمه إلى ما لم يعلم، وليس له أن ينكر على من علم ما لم يعلمه من ذلك ولا أن يخالفه، كما قال النبي ﷺ: { لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا }، وأما القراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثماني مثل قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهما { والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى }، كما قد ثبت ذلك في الصحيحين، ومثل قراءة عبد الله: فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وكقراءته: { إن كانت الأزقية واحدة }، ونحو ذلك، فهذه إذا ثبتت عن بعض الصحابة فهل يجوز أن يقرأ بها في الصلاة ؟ على قولين للعلماء: هما روايتان مشهورتان عن الإمام أحمد وروايتان عن مالك: إحداهما: يجوز ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة، والثانية: لا يجوز ذلك وهو قول أكثر العلماء، لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي ﷺ وإن ثبت فإنها منسوخة بالعرضة الآخرة، فإنه قد ثبت في الصحاح عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم { أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي ﷺ في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين }، والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بكتابتها في المصاحف، وكتبها أبو بكر، وعمر في خلافة أبي بكر في صحف أمر زيد بن ثابت بكتابتها، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف وإرسالها إلى الأمصار وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة علي وغيره، وهذا النزاع لا بد أن يبنى على الأصل الذي سأل عنه السائل وهو أن القراءات السبعة هل هي حرف من الحروف السبعة أم لا، فالذي عليه جمهور العلماء من السلف والأئمة أنها حرف من الحروف السبعة، بل يقولون إن مصحف عثمان هو أحد الحروف السبعة، وهو متضمن للعرضة الآخرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، والأحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول، وذهب طوائف من الفقهاء والقراء وأهل الكلام إلى أن هذا المصحف مشتمل على الأحرف السبعة، وقرر ذلك طوائف من أهل الكلام كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وغيره ، بناء على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة، وقد اتفقوا على نقل هذا المصحف الإمام العثماني وترك ما سواه، حيث أمر عثمان بنقل القرآن من الصحف التي كان أبو بكر وعمر كتبا القرآن فيها، ثم أرسل عثمان بمشاورة الصحابة إلى كل مصر من أمصار المسلمين، بمصحف وأمر بترك ما سوى ذلك، قال هؤلاء: ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة، ومن نصر قول الأولين يجيب تارة بما ذكر محمد بن جرير وغيره من أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإن كان جائزا لهم، مرخصا لهم فيه، وقد جعل إليهم الاختيار في أي حرف اختاروه، كما أن ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصا بل مفوضا إلى اجتهادهم، ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب مصحف زيد، وكذلك مصحف غيره، وأما ترتيب آيات السور فهو منزل منصوص عليه، فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية في الرسم، كما قدموا سورة على سورة، لأن ترتيب الآيات مأمور به نصا، وأما ترتيب السور فمفوض إلى اجتهادهم، قالوا: فكذلك الأحرف السبعة، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجتمعوا على حرف واحد، اجتمعوا على ذلك اجتماعا سائغا، وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في ذلك ترك لواجب ولا فعل لمحظور، ومن هؤلاء من يقول بأن الترخيص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة، وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم وهو أوفق لهم، أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الآخرة، ويقولون إنه نسخ ما سوى ذلك، وهؤلاء يوافق قولهم قول من يقول إن حروف أبي بن كعب وابن مسعود وغيرهما مما يخالف رسم هذا المصحف منسوخة، وأما من قال عن ابن مسعود إنه يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه، وإنما قال: قد نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة، وإنما هو كقول أحدكم أقبل، وهلم، وتعال، فاقرءوا كما علمتم، أو كما قال، فمن جوز القراءة بما يخرج عن المصحف مما ثبت عن الصحابة قال يجوز ذلك لأنه من الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها، ومن لم يجوزه فله ثلاثة مآخذ: تارة يقول ليس هو من الحروف المنسوخة، وتارة يقول هو من الحروف المنسوخة، وتارة يقول هو مما انعقد إجماع الصحابة على الإعراض عنه، وتارة يقول لم ينقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن، وهذا هو الفرق بين المتقدمين والمتأخرين، ولهذا كان في المسألة: قول ثالث وهو اختيار جدي أبي البركات، أنه إن قرأ بهذه القراءات في القراءة الواجبة وهي الفاتحة عند القدرة عليها لم تصح صلاته، لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته، لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل لجواز أن يكون ذلك من الحروف السبعة التي أنزل عليها، وهذا القول ينبني على أصل، وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة فهل يجب القطع بكونه ليس منها، فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك، إذ ليس ذلك مما أوجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا، وذهب فريق من أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه، حتى قطع بعض هؤلاء كالقاضي أبي بكر بخطأ الشافعي وغيره، ممن أثبت البسملة من القرآن في غير سورة النمل، لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد في القرآن فإنه يجب القطع بنفيه، والصواب القطع بخطإ هؤلاء، وأن البسملة آية من كتاب الله حيث كتبها الصحابة في المصحف، إذ لم يكتبوا فيه إلا القرآن، وجردوه عما ليس منه كالتخميس والتعشير وأسماء السور ولكن مع ذلك لا يقال هي من السورة التي بعدها كما ليست من السورة التي قبلها، بل هي كما كتبت آية أنزلها الله في أول كل سورة، وإن لم تكن من السورة، وهذا أعدل الأقوال الثلاثة في هذه المسألة، وسواء قيل بالقطع في النفي والإثبات فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي ولا للمثبت، بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء إن كل واحد من القولين حق، وإنها آية من القرآن في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يصلون، لا يفصلون بها، وأما قول السائل ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف، فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله إذ ليس لأحد أن يقرأ برأيه المجرد، بل القراءة سنة متبعة، وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الإمامي، وقد قرأ بعضهم بالياء، وبعضهم بالتاء، لم يكن واحد منهما خارجا عن المصحف، ومما يوضح ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء، ويتنوعون في بعض كما اتفقوا في قوله تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون } في موضع وتنوعوا في موضعين، وقد بينا أن القراءتين كالآيتين فزيادة القراءات لزيادة الآيات، لكن إذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أخصر في الرسم، والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب، لا على حفظ المصاحف، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: { إن ربي قال لي قم في قريش فأنذرهم، فقلت أي رب إذا يثلغوا رأسي أي يشدخوا فقال: إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظانا فابعث جندا أبعث مثليهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق أنفق عليك }، فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال كما جاء في نعت أمته: أناجيلهم في صدورهم بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه إلا نظرا لا عن ظهر قلب، وقد ثبت في الصحيح أنه جمع القرآن كله على عهد النبي ﷺ جماعة من الصحابة كالأربعة الذين من الأنصار، وكعبد الله بن عمرو، فتبين بما ذكرناه أن القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم ليست هي الأحرف

السبعة التي أنزل القرآن عليها، وذلك باتفاق علماء السلف والخلف، وكذلك ليست هذه القراءات السبعة هي مجموع حرف واحد من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها باتفاق العلماء المعتبرين، بل القراءات الثابتة عن أئمة القرآن كالأعمش، ويعقوب، وخلف، وأبي جعفر يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، ونحوهم هي بمنزلة القراءات الثابتة عن هؤلاء السبعة عند من ثبت ذلك عنده، كما ثبت ذلك، وهذا أيضا مما لم يتنازع فيه الأئمة المتبوعون من أئمة الفقهاء والقراء وغيرهم، وإنما تنازع الناس من الخلف في المصحف العثماني الإمامي الذي أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان والأئمة بعدهم، هل هو بما فيه من القراءات السبعة وتمام العشرة وغير ذلك، هل هو حرف من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، أو هو مجموع الأحرف السبعة ؟ على قولين مشهورين: والأول: قول أئمة السلف والعلماء، والثاني: قول طوائف من أهل الكلام والقراء وغيرهم، وهم متفقون على أن الأحرف السبعة لا يخالف بعضها بعضا خلافا يتضاد في المعنى ويتناقض، بل يصدق بعضها بعضا كما تصدق الآيات بعضها بعضا، وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع وتسويغه ذلك لهم، إذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع، لا إلى الرأي والابتداع، أما إذا قيل: إن ذلك هي الأحرف السبعة فظاهر، وكذلك بطريق الأولى إذا قيل إن ذلك حرف من الأحرف السبعة، فإنه إذا كان قد سوغ لهم أن يقرءوه على سبعة أحرف كلها شاف كاف، مع تنوع الأحرف في الرسم، فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في الرسم وتنوعه في اللفظ أولى وأحرى، وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت غير مشكولة ولا منقوطة لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين كالتاء والياء، والفتح والضم، وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين، ويكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين، فإن أصحاب رسول الله ﷺ تلقوا عنه ما أمره الله بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا كما قال أبو عبد الرحمن السلمي، وهو الذي روى عن عثمان رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: { خيركم من تعلم القرآن وعلمه }، كما رواه البخاري في صحيحه وكان يقرئ القرآن أربعين سنة، قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا، ولهذا دخل في معنى قوله { خيركم من تعلم القرآن وعلمه } تعليم حروفه ومعانيه جميعا، بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه، وذلك هو الذي يزيد الإيمان، كما قال جندب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وغيرهما: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا، وإنكم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان، وفي الصحيحين: عن حذيفة قال: { حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ونزل القرآن }، وذكر الحديث بطوله، ولا تتسع هذه الورقة لذكر ذلك، وإنما المقصود التنبيه على أن ذلك كله مما بلغه رسول الله ﷺ إلى الناس، وتلقاه أصحابه عنه الإيمان والقرآن حروفه ومعانيه، وذلك مما أوحاه الله إليه كما قال تعالى: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } وتجوز القراءة في الصلاة وخارجها بالقراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف كما ثبتت هذه القراءات وليست شاذة حينئذ، والله أعلم .

-مسألة: قوله ﷺ: { لا غيبة لفاسق } وما حد الفسق ؟ ورجل شاجر رجلين أحدهما شارب خمر، أو جليس في الشرب أو آكل حرام، أو حاضر الرقص أو السماع للدف أو الشبابة، فهل على من لم يسلم عليه إثم ؟ الجواب: أما الحديث فليس هو من كلام النبي ﷺ ولكنه مأثور عن الحسن البصري أنه قال أترغبون عن ذلك الفاجر ؟ اذكروه بما فيه يحذره الناس، وفي حديث آخر: { من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له } وهذان النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء، أحدهما: أن يكون الرجل مظهرا للفجور مثل: الظلم، والفواحش، والبدع المخالفة السنة، فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة كما قال النبي ﷺ: { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان } رواه مسلم، وفي المسند، والسنن: عن

أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس، إنكم تقرءون القرآن وتقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: { إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه، فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار، وأن يهجر ويذم على ذلك } فهذا معنى قولهم " من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له "، بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا، فإن هذا يستر عليه لكن ينصح سرا ويهجره من عرف حتى يتوب ويذكر، وأمره على وجه النصيحة، النوع الثاني: أن يستشار الرجل في مناكحته ومعاملته أو استشهاده ويعلم أنه لا يصلح لذلك فينصحه مستشيره ببيان حاله، كما ثبت في الصحيح: { أن النبي ﷺ قالت له فاطمة بنت أبي: قد خطبني أبو جهم ومعاوية، فقال لها: أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له } فبين النبي ﷺ حال الخاطبين للمرأة فهذا حجة لقول الحسن: " أترغبون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس " فإن النصح في الدين أعظم من النصح في الدنيا، فإذا كان النبي ﷺ نصح المرأة في دنياها فالنصيحة في الدين أعظم، وإذا كان الرجل يترك الصلوات ويرتكب المنكرات وقد عاشره من يخاف أن يفسد دينه بين أمره له لتتقى معاشرته، إذا كان مبتدعا يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة أو يسلك طريقا يخالف الكتاب والسنة ويخاف أن يضل الرجل الناس بذلك بين أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى لا لهوى الشخص مع الإنسان مثل أن يكون بينهم عداوة دنيوية أو تحاسد أو تباغض أو تنازع على الرئاسة فيتكلم بمساوئه مظهرا للنصح وقصده في الباطن البغض في الشخص واستيفاؤه منه فهذا من عمل الشيطان، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، بل يكون الناصح قصده أن الله يصلح ذلك الشخص وأن يكفي المسلمين ضرره في دينهم ودنياهم، ويسلك في هذا المقصود أيسر الطرق التي تمكنه، ولا يجوز لأحد أن يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة كما في الحديث أنه قال: { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر }، ورفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر، فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم صائما فقال: ابدءوا به، أما سمعتم الله يقول: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم }، بين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن الله جعل حاضر المنكر كفاعله، ولهذا قال العلماء: إذا دعي إلى وليمة فيها منكر كالخمر والزمر لم يجز حضورها، وذلك أن الله تعالى قد أمرنا بإنكار المنكر بحسب الإمكان، فمن حضر المنكر باختياره ولم ينكره فقد عصى الله ورسوله، بترك ما أمره به من بغض إنكاره والنهي عنه، وإذا كان كذلك فهذا الذي يحضر مجالس الخمر باختياره من غير ضرورة ولا ينكر المنكر كما أمره الله هو شريك الفساق في فسقهم فيلحق بهم .

مسألة: في رجل لعب بالشطرنج، وقال: هو خير من النرد، فهل هذا صحيح، وهل اللعب بالشطرنج بعوض أو غير عوض حرام، وما قول العلماء فيه ؟ الجواب: الحمد لله، اللعب بالشطرنج حرام عند جماهير علماء الأمة وأئمتها كالنرد، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: { من لعب بالنرد فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه }، وقال: { من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله }، وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وروي أنه قلب الرقعة عليهم، وقالت طائفة من السلف: الشطرنج من الميسر، وهو كما قالوا، فإن الله حرم الميسر، وقد أجمع العلماء على أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام إذا كان بعوض، وهو من القمار والميسر الذي حرم الله، والنرد حرام عند الأئمة الأربعة سواء كان بعوض أو غير عوض، ولكن بعض أصحاب الشافعي جوزه بغير عوض، لاعتقاده أنه لا يكون حينئذ من الميسر، وأما الشافعي وجمهور أصحابه، وأحمد، وأبو حنيفة، وسائر الأئمة فيحرمون ذلك بعوض وبغير عوض، وكذلك الشطرنج صرح هؤلاء الأئمة بتحريمها مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وتنازعوا أيهما أشد فقال مالك وغيره: الشطرنج شر من النرد، وقال أحمد وغيره: الشطرنج أخف من النرد، ولهذا توقف الشافعي في النرد إذا خلا عن المحرمات، إذ سبب الشبهة في ذلك أن أكبر من يلعب فيها بعوض بخلاف الشطرنج، فإنها تلعب بغير عوض غالبا، وأيضا فظن بعضهم أن اللعب بالشطرنج يعين على القتال لما فيها من صف الطائفتين، والتحقيق أن النرد والشطرنج إذا لعب بهما بعوض فالشطرنج شر منها ; لأن الشطرنج حينئذ حرام بإجماع المسلمين، وكذلك يحرم بالإجماع إذا اشتملت على حرام من كذب ويمين فاجرة، أو ظلم أو جناية، أو حديث غير واجب ونحوها، وهي حرام عند الجمهور، وإن خلت عن هذه المحرمات فإنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء أعظم من النرد إذا كان بعوض، وإذا كانا بعوض فالشطرنج شر في الحالين، وأما إذا كان العوض من أحدهما ففيه من أكل المال بالباطل ما ليس في الآخر، والله تعالى قرن الميسر بالخمر والأنصاب، والأزلام، لما فيها من الصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهو إيقاع العداوة والبغضاء، فإن الشطرنج إذا استكثر منها تستر القلب وتصده عن ذلك أعظم من تستر الخمر، وقد شبه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لاعبيها بعباد الأصنام، حيث قال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ كما شبه النبي ﷺ شارب الخمر بعابد الوثن في الحديث الذي في المسند عن النبي ﷺ أنه قال: { شارب الخمر كعابد وثن }، وأما ما يروى عن سعيد بن جبير من اللعب بها، فقد بين سبب ذلك أن الحجاج طلبه للقضاء، فلعب بها ليكون ذلك قادحا فيه فلا يولى القضاء، وذلك أنه رأى ولاية الحجاج أشد ضررا عليه في دينه من ذلك، والأعمال بالنيات وقد يباح ما هو أعظم تحريما من ذلك لأجل الحاجة، وهذا يبين أن اللعب بالشطرنج كان عندهم من المنكرات، كما نقل عن علي وابن عمر وغيرهما، ولهذا قال أبو حنيفة وأحمد وغيرهما: أنه لا يسلم على لاعب الشطرنج، لأنه مظهر للمعصية، وقال صاحبا أبي حنيفة: يسلم عليه .

فصل وأما قول القائل: أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه حقيقة من غير واسطة، وتقولون إن الذي تسمعونه كلام الله حقيقة، وتسمعونه من وسائط بأصوات مختلفة فما الفرق بين ذلك، فيقال له: بين هذا وهذا من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق فإن كل عاقل يميز بين سماع كلام النبي ﷺ منه بغير واسطة كسماع الصحابة منه، وبين سماعه منه بواسطة المبلغين عنه كأبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس، وكل من يسمع كلام النبي ﷺ حقيقة، وكذلك من سمع شعر حسان بن ثابت أو عبد الله بن رواحة أو غيرهما من الشعراء منه بلا واسطة، ومن سمعه من الرواة عنه ; يعلم الفرق بين هذا وهذا، وهو في الموضعين شعر حسان لا شعر غيره، والإنسان إذا تعلم شعر غيره، فهو يعلم أن ذلك الشاعر أنشأ معانيه ونظم حروفه بالأصوات المقطعة يرويه بحركة نفسه وأصوات نفسه، فإذا كان هذا الفرق معقولا في كلام المخلوقين، بين سماع الكلام من المتكلم به ابتداء، وسماعه بواسطة الراوي عنه أو المبلغ عنه، فكيف لا يعقل ذلك في سماع كلام الله، وقد تقدم أن من ظن أن المسموع من

القراء هو صوت الرب، فهو إلى تأديب المجانين أقرب منه إلى خطاب العقلاء، وكذلك من توهم أن الصوت قديم، وأن المراد قديم، فهذا لا يقوله ذو حس سليم، بل ما بين لوحي المصحف كلام الله، وكلام الله ثابت في مصاحف المسلمين، لا كلام غيره، فمن قال إن الذي في المصحف ليس كلام الله بل كلام غيره فهو ملحد مارق، ومن زعم أن كلام الله فارق ذاته، وانتقل إلى غيره، كما كتب في المصاحف، وأن المراد قديم أزلي، فهو أيضا مارق، بل كلام المخلوقين يكتب في الأوراق وهو لم يفارق ذواتهم، فكيف لا يعقل مثل هذا في كلام الله تعالى، والشبهة تنشأ في مثل هذا من جهة أن بعض الناس لا يفرق بين المطلق من الكلام والمقيد، مثال ذلك أن الإنسان يقول رأيت الشمس والقمر والهلال إذا رآه بغير واسطة، وهذه الرؤية المطلقة ; وقد يراه في ماء أو مرآة ; فهذه رؤية مقيدة ; فإذا أطلق قوله رأيته، أو ما رأيته، حمل على مفهوم اللفظ المطلق، وإذا قال لقد رأيت الشمس في الماء والمرآة، فهو كلام صحيح مع التقييد، واللفظ يختلف معناه بالإطلاق والتقييد، فإذا وصل بالكلام ما يغير معناه كالشرط والاستثناء ونحوهما من التخصيصات المتصلة، كقوله ألف سنة إلا خمسين عاما، كان هذا المجموع دالا على تسعمائة وخمسين سنة بطرق الحقيقة عند جماهير الناس، ومن قال: إن هذا مجاز فقد غلط ; فإن هذا المجموع لم يستعمل في غير موضعه ; وما يقرن باللفظ من القرائن اللفظية الموضوعة هي من تمام الكلام، ولهذا لا يحتمل الكلام معها معنيين، ولا يجوز نفي مفهومهما، بخلاف استعمال نفي الأسد في الرجل الشجاع مع أن قول القائل هذا اللفظ حقيقة، وهذا مجاز، نزاع لفظي، وهو مستند من أنكر المجاز في اللغة وفي القرآن، ولم ينطق بهذا أحد من السلف والأئمة، ولم يعرف لفظ المجاز في كلام أحد من الأئمة إلا في كلام الإمام أحمد، فإن فيما كتبه من الرد على الزنادقة والجهمية هذا من مجاز القرآن، وأول من قال ذلك مطلقا أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه الذي صنفه في مجاز القرآن، ثم إن هذا كان معناه عند الأولين مما يجوز في اللغة ويسوغ فهو مشتق عندهم من الجواز كما يقول الفقهاء " عقد لازم " وكثير من المتأخرين جعله من الجواز الذي هو العبور من معنى المجاز، ثم إنه لا ريب أن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير المقصود، فإن القائل إذا قال: رأيت الشمس أو القمر أو الهلال أو غير ذلك في الماء والمرآة، فالعقلاء متفقون على الفرق بين هذه الرؤية، وبين رؤية ذلك بلا واسطة، وإذا قال قائل: ما رأى ذلك بل رأى مثاله أو خياله أو الشعاع المنعكس أو نحو ذلك، لم يكن هذا مانعا لما يعلمه الناس ويقولونه من أنه رآه في الماء أو المرآة، وهذه الرؤية في الماء أو المرآة حقيقة مقيدة، وكذلك قول النبي ﷺ: { من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي }، هو كما قال ﷺ رآه حقا، فمن قال رآه في المنام حقا فقد أخطأ، ومن قال إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية المقيدة في النوم فقد أخطأ، ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك، وكذلك ما سمعه منه من الكلام في المنام هو سماع منه في المنام، وليس هذا كالسماع منه في اليقظة، وقد يرى الرائي المنام أشخاصا ويخاطبونه، والمرئيون لا شعور لهم بذلك، وإنما رأى أمثالهم، ولكن يقال رآهم في المنام حقيقة، فيحترز بذلك عن الرؤيا التي هي حديث النفس، فإن الرؤيا ثلاثة أقسام: رؤيا بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام، وقد ثبت هذا التقسيم في الصحيح عن النبي ﷺ، وتلك الرؤيا يظهر لكل من الفرق بينها وبين اليقظة ما لا يظهر في غيرها، فكما أن الرؤية تكون مطلقة، وتكون بواسطة المرآة والماء أو غير ذلك حتى أن المرئي يختلف باختلاف المرآة، فإذا كانت كبيرة مستديرة رأى كذلك، فذلك في السماع يفرق بين من سمع كلام غيره منه، ومن سمعه بواسطة المبلغ، ففي الموضعين المقصود سماع كلامه، كما أن هناك في الموضعين يقصدونه، لكن إذا كان بواسطة اختلف باختلاف الواسطة، فيختلف باختلاف أصوات المبلغين كما يختلف باختلاف المرايا، قال تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء }، فجعل التكليم ثلاثة أنواع الوحي المجرد، والتكليم من وراء حجاب كما كلم موسى عليه السلام، والتكليم بواسطة إرسال الرسول، كما كلم الرسل بإرسال الملائكة، وكما نبأنا الله من أخبار المنافقين بإرسال محمد ﷺ والمسلمون متفقون على أن أمرهم بما أمرهم به من القرآن، ونهاهم عنه في القرآن وأخبرهم به من القرآن فأمره ونهيه وإخباره بواسطة الرسول، فهذا المعنى أوجب الشبهة، والنبي ﷺ يروي عن ربه، ويخبر عن ربه، ويحكي عن ربه، فهذا يذكر ما يذكره عن ربه من كلامه الذي قاله راويا حاكيا عنه . فلو قال من قال: إن القرآن حكاية إن محمدا حكاه عن الله كما يقال بلغه عن الله وأداه عن الله لكان قد قصد معنى صحيحا، لكن يقصدون ما يقصده القائل بقوله: فلان يحكي فلانا أي يفعل مثل فعله، وهو إنما يتكلم بمثل كلام الله، فهذا باطل، قال الله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا }، ونكتة الأمر أن العبرة بالحقيقة المقصودة لا بالوسائل المطلوبة لغيرها، فلما كان مقصود الرائي أن يرى الوجه مثلا فرآه بالمرآة حصل مقصوده، وقال رأيت الوجه وإن كان ذلك بواسطة انعكاس الشعاع في المرآة، وكذلك من كان مقصوده أن يسمع القول الذي قاله غيره ألف ألفاظه وقصد معانيه، فإذا سمعه منه أو من غيره حصل هذا المقصود، وإن كان سماعه من غيره هو بواسطة صوت ذلك الغير باختلاف الصائتين والقلوب، وإنما أشير إلى المقصود لا إلى ما ظهر به المقصود، كما في الاسم والمسمى، فإن القائل إذا قال: جاء زيد وذهب عمرو لم يكن مقصوده الإخبار بالمجيء والإتيان هو لفظ زيد ولفظ عمرو وإلا كان مبطلا، فكذلك إذا قال القائل هذا كلام الله، وكلام الله غير مخلوق، فالمقصود بواسطة حركة التالي وصوته، فمن ظن المشار إليه هو صوت القارئ وحركته كان مبطلا، ولهذا لما قرأ أبو طالب المكي على الإمام أحمد رضي الله عنه: { قل هو الله أحد }، وسأله هل هذا كلام الله وهل هو مخلوق ؟ فأجابه: كلام الله وهو غير مخلوق، ونقل عنه أبو طالب خطأ منه أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فاستدعاه وغضب عليه وقال: أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟ قال: لا، ولكن قرأت عليك { قل هو الله أحد } وقلت لك هذا غير مخلوق، فقلت: نعم، قال: فلم تحكي عني ما لم أقل ؟ لا تقل هذا، فإن هذا لم يقله عالم، وقصته مشهورة حكاها عبد الله، وصالح، وحنبل، والمروزي، وثوبان، وبسطها الخلال في كتاب السنة، وصنف المروزي في مسألة اللفظ مصنفا ذكر فيه قول الأئمة، وهذا الذي ذكره أحمد من أحسن الكلام وأدقه فإن الإشارة إذا أطلقت انصرفت إلى المقصود، وهو كلام الله الذي تكلم به، لا ما وصل به إلينا من أفعال العباد وأصواتهم، فإذا قيل لفظي جعل نفس الوسائط غير مخلوقة، وهذا باطل كما أن رأى راء في مرآة فقال أكرم الله هذا الوجه وحياه أو قبحه كان دعاؤه على الوجه الموجود في الحقيقة الذي رأى بواسطة المرآة لا على الشعاع المنعكس فيها، وكذلك إذا رأى القمر في الماء فقال قد أبدر، فإنما مقصوده القمر الذي في السماء لا خياله وكذلك من سمعه يذكر رجلا فقال هذا رجل صالح أو رجل فاسق، علم أن المشار إليه هو الشخص المسمى بالاسم، لا نفس الصوت المسموع من الناطق، فلو قال: هذا الصوت أو صوت فلان صالح أو فاسق فسد المعنى، وكان بعضهم يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، كرجل ضرب رجلا وعليه فروة فأوجعه بالضرب، فقال له: لا تضربني، فقال: أنا ما أضربك وإنما أضرب الفروة، فقال: إنما الضرب يقع علي، فقال: هكذا إذا قلت لفظي بالقرآن مخلوق، فالخلق إنما يقع على القرآن، يقول: كما أن المقصود بالضرب بدنك، واللباس واسطة، فهكذا المقصود بالتلاوة كلام الله، وصوتك واسطة، فإذا قلت " مخلوق " وقع ذلك على المقصود، كما إذا سمعت قائلا يذكر رجلا فقلت أنا أحب هذا، وأنا أبغض هذا، انصرف الكلام إلى المسمى المقصود بالاسم، لا إلى الصوت الذاكر، ولهذا قال الأئمة: القرآن كلام الله غير مخلوق، كيفما تصرف، خلاف أفعال العباد وأصواتهم، فإنه من نفى عنها الخلق كان مبتدعا ضالا، وأما قول القائل: يقولون: إن القرآن صفته، وإن صفات الله غير مخلوقة، فإن قلتم إن هذا نفس كلام الله، فقد قلتم بالحلول، وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية، وإن قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا، فمن تبين له ما نبهنا عليه سهل عليه الجواب عن هذا وأمثاله، فإن منشأ الشبهة أن قول القائل هذا كلام الله، يجعل أحكامه واحدة سواء كان كلامه مسموعا منه أو كلامه مبلغا عنه، ومن هنا ضلت طوائف من الناس، طائفة قالت: هذا كلام الله، وهذا حروف وأصوات مخلوقة، وكلام الله مخلوق، وطائفة قالت هذا مخلوق، وكلام الله ليس بمخلوق، وهذا ليس كلام الله، وطائفة قالت: هذا كلام الله، وكلام الله ليس بمخلوق، وهذا ألفاظنا وتلاوتنا، فألفاظنا وتلاوتنا غير مخلوقة، ومنشأ ضلال الجميع من عدم الفرق في المشار إليه في هذا، وأنت تقول هذا الكلام تسمعه من قائله فتقول هذا الكلام صدق وحق وصواب وكلام حكيم، وكذلك إذا سمعته من ناقله تقول هذا الكلام صدق وحق وصواب، وهو كلام حكيم، فالمشار إليه في الموضعين واحد، وتقول أيضا: إن هذا صوت حسن، وهذا كلام من وسط القلب فالمشار إليه هنا ليس هو المشار إليه هناك: بل أشار إلى ما يختص به هذا من صوته وقلبه، وإذا كتب الكلام صفحتين كالمصحفين تقول في كل منهما هذا قرآن كريم، وهذا كتاب مجيد، وهذا كلام، فالمشار إليه واحد، ثم تقول: هذا خط حسن، وهذا قلم النسخ أو الثلث، وهذا الخط أحمر أو أصفر، والمشار إليه هنا ما يختص به كل من المصحفين عن الآخر، فإذا ميز الإنسان في المشار إليه بهذا وهذا، تبين المتفق والمفترق، وعلم أن هذا القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن المشار إليه الكلام من حيث هو مع قطع النظر عما به وصل إلينا من حركات العباد وأصواتهم، ومن قال: هذا مخلوق، وأشار به إلى مجرد صوت العبد وحركته لم يكن له في هذا حجة على أن القرآن نفسه حروفه ومعانيه الذي تعلم هذا القارئ من غيره وبلغه بحركته وصوته مخلوق من اعتقد ذلك فقد أخطأ وضل، ويقال لهذا: هذا الكلام الذي أشرت إليه كان موجودا قبل أن يخلق هذا القارئ فهب أن القارئ لم يخلق، ولا وجدت لا أفعاله ولا أصواته فمن أين يلزم أن الكلام نفسه الذي كان موجودا قبله يعدم بعدمه، ويحدث بحدوثه، فإشارته بالخلق إن كان إلى ما يختص به هذا القارئ من أفعاله وأصواته، فالقرآن غني عن هذا القارئ، وموجود قبله فلا يلزم من عدم هذا عدمه: وإن كانت إلى الكلام الذي يتعلمه الناس بعضهم من بعض فهذا هو الكلام المنزل من الله الذي جاء به جبريل إلى محمد وبلغه محمد لأمته، وهو كلام الله الذي تكلم به، وذلك يمتنع أن يكون مخلوقا، فإنه لو كان مخلوقا لكان كلاما لمحله الذي خلق فيه ولم يكن كلاما لله، ولأنه لو كان سبحانه إذا خلق كلاما كان كلامه كان ما نطق به كل ناطق كلامه، مثل تسبيح الجبال وشهادة الجلود، بل كل كلام في الوجود، وهذا قول الحلولية الذين يقولون: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ومن قال: القرآن مخلوق فهو بين أمرين، إما أن يجعل كل كلام في الوجود كلامه، وبين أن يجعله غير متكلم بشيء أصلا، فيجعل العباد المتكلمين أكمل منه، وشبهه بالأصنام والجامدات والموات، كالعجل الذي لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، فيكون قد فر عن إثبات صفات وشبهه بالجامد والموات، وكذلك قول القائل: هذا نفس كلام الله، وعين كلام

الله، وهذا الذي في المصحف هو عين كلام الله، ونفس كلام الله، وأمثال هذه العبارات، هذه مفهومها عند الإطلاق في نظر المسلمين أنه كلامه لا كلام غيره، وأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، فإن من ينقل كلام غيره ويكتبه في كتاب قد يزيد فيه وينقص، كما جرت عادة الناس في كثير من مكاتبات الملوك وغيرها، فإذا جاء كتاب السلطان فقيل هذا الذي فيه كلام السلطان بعينه بلا زيادة ولا نقص، يعني لم يزد فيه الكاتب ولا نقص، وكذلك من نقل كلام بعض الأئمة في مسألة من تصنيفه، قيل هذا الكلام كلام فلان بعينه، يعني لم يزد فيه ولم ينقص كما قال النبي ﷺ: { نضر الله امرأ سمع حديثا فبلغه كما سمعه }، فقوله: فبلغه كما سمعه، لم يرد أن يبلغه بحركاته وأصواته التي سمعه بها، ولكن أراد أنه يأتي بالحديث على وجهه، لا يزيد فيه ولا ينقص، فيكون قد بلغه كما سمعه، فالمستمع له من المبلغ يسمعه كما قاله ﷺ ويكون قد سمع كلام رسول الله ﷺ كما قاله، وذلك معنى قولهم: " وهذا كلامه بعينه "، وهذا نفس كلامه ; لا يريدون أن هذا هو أصواته وحركاته، وهذا لا يقوله عاقل ولا يخطر ببال عاقل ابتداء، ولكن اتباع الظن وما تهوى الأنفس يلجئ أصحابه إلى القرمطة في السمعيات والسفسطية في العقليات، ولو ترك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة سليمة، فإن من تكلم بكلام سمع منه ونقل عنه أو كتبه في كتاب، لا يقول العاقل إن ما قام بالمتكلم من المعاني التي في قلبه والألفاظ القائمة بلسانه، فارقته وانتقلت إلى المستمع والمبلغ عنه، ولا فارقته وحلت في الورق، بل ولا يقول إن نفس ما قام من المعاني والألفاظ هو نفس المراد الذي في الورق، بل ولا يقول إن نفس ألفاظه التي هي أصواته هي أصوات المبلغ عنه، فهذه الأمور كلها ظاهرة لا يقولها عاقل في كلام المخلوق إذا سمع وبلغ وتكتب في كتاب، فكيف يقال ذلك في كلام الله الذي سمع منه وبلغ عنه، أو كتبه سبحانه كما كتب في التوراة لموسى، وكما كتب القرآن في اللوح المحفوظ، يكون كما كتب في مصاحفهم، وإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه عنه بلفظه ومعناه، بل شعر مخلوق، كما يبلغ شعر حسان وابن رواحة ولبيد وأمثالهم من الشعراء، ويقول الناس: هذا شعر حسان بعينه، وهذا هو شعر حسان، وهذا شعر لبيد بعينه كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، ومع هذا فيعلم كل عاقل أن رواة الشعر ومنشديه لم يسلبوا الشعراء نفس صفاتهم حين حلت، بل ولا عين ما قام بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم وحركاتهم حلت بالرواة والمنشدين، فكيف يتوهم متوهم أن صفات الباري: كلامه أو غير كلامه فارق ذاته، وحل في مخلوقاته، وأن ما قام بالمخلوق من صفاته وأفعاله كحركاته وأصواته هي صفات الباري حلت فيه، وهم لا يقولون مثل ذلك في المخلوق، بل يمثلون العلم بنور السراج يقتبس من المتعلم، ولا ينقص ما عند العالم كما يقتبس المقتبس ضوء السراج، فيحدث الله له ضوءا، كما يقول إن الهوى ينقلب نارا بمجاورة الفتيلة للمصباح من غير أن تتغير تلك النار التي في المصباح، والمقرئ يقرأ القرآن ويعلم العلم ولم ينقص مما عنده شيء، بل يصير عند المتعلم مثل ما عنده، ولهذا يقال: فلان ينقل علم فلان وينقل كلامه، ويقال العلم الذي كان عند فلان صار إلى فلان، وأمثال ذلك، كما يقال نقلت ما في الكتاب، ونسخت ما في الكتاب، أو نقلت الكتاب ونسخته، وهم لا يريدون إلا نفس الحروف التي في الكتاب الأول عدمت منه وحلت في الثاني، بل لما كان المقصود من نسخ الكتاب من الكتب ونقلها من جنس نقل العلم والكلام، وذلك يحصل بأن يجعل في الثاني مثل ما في الأول، فيبقى المقصود بالأول منقولا منسوخا، وإن كان لم يتغير الأول، بخلاف نقل الأجسام وتوابعها، فإن ذلك إذا نقل من موضع إلى موضع زال عن الأول، وذلك لأن الأشياء لها وجود في أنفسها، وهو وجودها العيني، أولها ثبوتها في العلم ثم في اللفظ المطابق للعلم، ثم في الخط، وهذا الذي يقال وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البيان، ووجود عيني، ووجود علمي، ولفظي ورسمي، ولهذا افتتح الله كتابه بقوله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم }، فذكر الخلق عموما وخصوصا، وذكر التعليم عموما وخصوصا، فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق العلم، والعلم يطابق المعلوم، ومن هنا غلط من غلط فظن أن القرآن في المصحف كالأعيان في الورق فظن أن قوله: { إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون }، كقوله { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } فجعل إثبات القرآن الذي هو كلام الله في المصاحف، كإثبات الرسول في المصاحف وهذا غلط وكإثبات اسم الرسول، هذا كلام، وهذا كلام، وأما إثبات اسم الرسول فهذا كإثبات الأعمال أو كإثبات القرآن في زبر الأولين، قال تعالى: { وكل شيء فعلوه في الزبر }، وقال تعالى: { وإنه لفي زبر الأولين }، فثبوت الأعمال في الزبر، وثبوت القرآن في زبر الأولين، هو مثل كون الرسول مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ولهذا مثل سبحانه بلفظ الزبر، والكتب زبر، يقال زبرت الكتاب إذا كتبته والزبور بمعنى المزبور أي: المكتوب، فالقرآن نفسه ليس عند بني إسرائيل ولكن ذكره، كما أن محمدا ليس عندهم، ولكن ذكره، فثبوت الرسول في كتبهم كثبوت القرآن في كتبهم، بخلاف ثبوت القرآن في اللوح المحفوظ وفي المصاحف، فإن نفس القرآن أثبت فيها، فمن جعل هذا مثل هذا كان ضلاله بينا، وهذا مبسوط في موضعه، والمقصود هنا أن نفس الموجودات وصفاتها إذا انتقلت من محل إلى محل حلت في ذلك المحل الثاني، وأما العلم بها والخبر عنها فيأخذه الثاني عن الأول، مع بقائه في الأول، وإن كان الذي عند الثاني هو نظير ذلك ومثله، لكن لما كان المقصود بالعلمين واحد في نفسه صارت وحدة المقصود توجب وحدة التابع له، والدليل عليه، ولم يكن

للناس غرض في تعدد التابع كما في الاسم مع المسمى، فإن اسم الشخص وإن ذكره أناس متعددون، ودعا به أناس متعددون، فالناس يقولون إنه اسم واحد لمسمى، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، وقال ذلك هذا المؤذن، وهذا المؤذن، وقاله غير المؤذن، فالناس يقولون إن هذا المكتوب هو اسم الله واسم رسوله، كما أن المسمى هو الله ورسوله، وإذا قال: { اقرأ باسم ربك }، وقال: { اركبوا فيها بسم الله } وقال: { سبح اسم ربك الأعلى }، وقال: ( بسم الله ) ففي الجميع المذكور هو اسم الله وإن تعدد الذكر والذاكر، فالخبر الواحد من المخبر الواحد من مخبره، والأمر الواحد بالمأمور به من الأمر الواحد، بمنزلة الاسم الواحد لمسماه، هذا في المؤلف نظير هذا في المفرد، وهذا هو واحد باعتبار الحقيقة، وباعتبار اتحاد المقصود وإن تعدد من يذكر ذلك الاسم والخبر، وتعددت حركاتهم وأصواتهم وسائر صفاتهم، وأما قول القائل: إن قلتم إن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول، وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية، فهذا قياس فاسد، مثال رجل ادعى أن النبي ﷺ يحل بذاته في بدن الذي يقرأ حديثه فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا النبي ﷺ لا يحل في بدن غيره فقال: أنتم تقولون إن المحدث يقرأ كلامه، وإن ما يقرؤه هو كلام النبي ﷺ فإذا قلتم ذلك فقد قلتم بالحلول، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد، والناس متفقون على إطلاق القول بأن كلام زيد في هذا الكلام، وهذا الذي سمعناه كلام زيد، ولا يستجيز العاقل إطلاق القول بأنه هو نفسه في هذا المتكلم أو في هذا الورق، وقد نطقت النصوص بأن القرآن في الصدور كقول النبي ﷺ { استذكروا القرآن فلهو أشد تعلقا من صدور الرجال من النعم في عقلها }، وقوله: { الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب } وأمثال ذلك، وليس هذا عند عاقل مثل أن يقال: الله في صدورنا وأجوافنا، ولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصوري بأن قال: القرآن في صدورنا، فقد قال بقول النصارى، فقيل لأحمد: قد جاءت جهمية رابعة إلى جهمية الخلقية واللفظية والواقفية وهذه الواقفة، اشتد نكيره لذلك وقال: هذا أعظم من الجهمية، وهو كما قال: فإن الجهمية ليس فيهم من ينكر أن يقال: القرآن في الصدور، ولا يشبه هذا بقول النصارى بالحلول إلا من هو في غاية الضلالة والجهالة، فإن النصارى يقولون الأب والابن وروح القدس إله واحد، وإن الكلمة التي هي اللاهوت تدرعت الناسوت وهو عندهم إله يخلق ويرزق، ولهذا كانوا يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم، ويقولون: المسيح ابن الله، ولهذا كانوا متناقضين، فإن الذي تدرع المسيح كان هو الإله الجامع للأقانيم، فهو الأب نفسه وإن كان هو صفة من صفاته، فالصفة لا تخلق ولا ترزق، وليست إلها، والمسيح عندهم إله، ولو قال النصارى: إن كلام الله في صدر المسيح، كما هو في صدور الأنبياء والمؤمنين لم يكن في قولهم ما ينكر، فالحلولية المشهورون بهذا الاسم من يقول بحلول الله في البشر كما قالت النصارى والغالبة من الرافضة، وغلاة أتباع المشايخ يقولون بحلوله في شيء كما قالت الجهمية إنه بذاته في كل مكان، وهو سبحانه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وكذلك من قال باتحاده بالمسيح أو غيره أو قال باتحاده بالمخلوقات كلها، أو قال وجود المخلوقات أو نحو ذلك، فأما قول القائل: إن كلام الله في قلوب أنبيائه وعباده المؤمنين، وإن الرسل بلغت كلام الله والذي بلغته هو كلام الله، وإن الكلام في الصحيفة ونحو ذلك، فهذا لا يسمى حلولا، ومن سماه حلولا لم يكن بتسميته لذلك مبطلا للحقيقة، وقد تقدم أن ذلك لا يقتضي مفارقة صفة المخلوق له وانتقالها إلى غيره، فكيف صفة الخالق تبارك وتعالى، ولكن لما كان فيه شبهة الحلول تنازع الناس في إثبات لفظ الحلول ونفيه عنه، هل يقال إن كلام الله حال في المصحف، أو حال في الصدور، وهل يقال كلام الناس المكتوب حال في المصحف أو حال في قلوب حافظيه، فمنهم طائفة نفت الحلول كالقاضي أبي يعلى وأمثاله وقالوا ظهر كلام الله في هذا، ولا نقول حل، لأن حلول صفة الخالق في المخلوق أو حلول القديم في المحدث ممتنع، وطائفة أطلقت القول بأن كلام الله حال في المصحف كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي الملقب بشيخ الإسلام وقالوا ليس هذا هو الحلول المحذور الذي نفيناه، بل نطلق القول بأن الكلام في الصحيفة، ولا يقال بأن الله في الصحيفة أو في صدر الإنسان، كذلك نطلق القول بأن كلامه حال في ذلك دون حلول ذاته، وطائفة قالت كأبي علي بن أبي موسى وغيره قالوا لا نطلق الحلول نفيا ولا إثباتا، لأن إثبات ذلك يوهم انتقال صفة الرب إلى المخلوقات، ونفي ذلك يوهم نفي نزول القرآن إلى الخلق، فنطلق ما أطلقته النصوص، ونمسك عما في إطلاقه محذور لما في ذلك من الإجمال، وأما قول القائل: إن قلتم بالحلول قلتم بمقالتنا، فجواب ذلك أن المقالة المنكرة هنا تتضمن ثلاثة أمور فإذا زالت لم يبق منكرا، أحدها: من يقول إن القرآن العربي لم يتكلم الله به، وإنما أحدثه غير الله كجبريل ومحمد، وإن الله خلقه في غيره، الثاني: قول من يقول إن كلام الله ليس إلا معنى واحدا، هو الأمر والنهي والخبر، وإن الكتب الإلهية تختلف باختلاف العبارات لا باختلاف المعاني، فيجعل معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحدا، وكذلك معنى آية الدين وآية الكرسي، كمن يقول إن معاني أسماء الله الحسنى معنى واحد فمعنى العليم والقدير والرحيم والحليم معنى واحد، فهذا اتحاد في أسمائه وصفاته وآياته، الثالث: قول من يقول إن ما بلغه الرسل عن الله من المعنى والألفاظ ليس هو كلام الله، بل كلام التالين لا كلام رب العالمين، فهذه الأقوال الثلاثة باطلة بأي عبارة عبر عنها، وأما قول من قال: إن القرآن العربي كلام الله، نقله عنه رسول الله ﷺ وإنه تارة يسمع من الله وتارة من رسله، وهو كلام الله حيث تصرف وكلام الله حيث يتكلم، لم يخلقه في غيره، ولا يكون كلام الله مخلوقا ولو قرأه الناس وكتبوه وسمعوه، ومن قال مع ذلك إن أفعال العباد وأصواتهم وسائر صفاتهم مخلوقة، فهذا لا ينكر عليه، وإذا نفى الحلول وأراد به أن صفة الموصوف لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فقد أصاب في هذا المعنى، لكن عليه مع ذلك أن يؤمن أن القرآن العربي كلام الله تعالى، وليس هو ولا شيء منه كلاما لغيره، ولكن بلغته عنه رسله، وإذا كان كلام المخلوق يبلغ عنه مع العلم بأن كلامه حروفه ومعانيه ومع العلم بأن شيئا من صفاته لم تفارق ذاته فالعلم بمثل هذا من كلام الله أولى وأظهر، والله أعلم .

وهؤلاء الذين يشهدون " الحقيقة الكونية " وهي ربوبيته تعالى لكل شيء، ويجعلون ذلك مانعا من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب في الضلال، فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقا عاما، فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: { لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } وقالوا: { لو شاء الرحمن ما عبدناهم }، وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضا: بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض، فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما فعل ; فلا بد إذا ظلمه ظالم أو ظلم الناس ظالم وسعى في الأرض بالفساد وأخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ويهلك الحرث والنسل ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لا قوام للناس بها أن يدفع هذا القدر ; وأن يعاقب الظالم بما يكف عدوان أمثاله، فيقال له: إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك: حجة، وأصحاب هذا القول [ الذين ] يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، وإنما هم بحسب آرائهم وأهوائهم ; كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري ; أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، ومنهم " صنف " يدعون التحقيق والمعرفة، فيزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلا وأثبت له صنعا ; أما من شهد أن أفعاله مخلوقة ; أو أنه مجبور على ذلك ; وأن الله هو المتصرف فيه، كما تحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد، وقد يقولون: من شهد " الإرادة " سقط عنه التكليف، ويزعم أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة، فهؤلاء لا يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد، وأنه يدبر جميع الكائنات، وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما وبين من يراه شهودا، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط، ولكن عمن يشهده، فلا يرى لنفسه فعلا أصلا، وهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعا من التكليف على هذا الوجه، وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد، وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه، كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك، ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين دون القضاء والقدر الذي هو إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد، وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر، إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقا، وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة ; ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد، وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية، ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنه الأمر والنهي، وصار من الخاصة، وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } وجعلوا اليقين هو معرفة هذه الحقيقة، وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر ; فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازم لكل عبد ما دام عقله حاضرا إلى أن يموت، لا يسقط عنه الأمر والنهي لا بشهوده القدر، ولا بغير ذلك، فمن لم يعرف ذلك عرفه، وبين له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يقتل، وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين، وأما المستقدمون من هذه الأمة، فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم، وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله، ومعاداة له، وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله ; ومضادة له في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك، ويعتقد أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول، وطريق أولياء الله المحققين ; فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه ; لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر ; أو أن الفاحشة حلال له ; لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ; ونحو ذلك، ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله ; وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله ; فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين، إما أن يبتدعوا، وإما أن يحتجوا بالقدر، وإما أن يجمعوا بين الأمرين ; كما قال تعالى عن المشركين: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } وكما قال تعالى عنهم: { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء }، وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام، والعبادة التي لم يشرعها الله بمثل قوله تعالى: { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه } إلى آخر السورة، وكذلك في سورة الأعراف في قوله: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } إلى قوله: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } إلى قوله: { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } إلى قوله: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } إلى قوله: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }، وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع " حقيقة "، كما يسمون ما يشهدون من القدر " حقيقة "، وطريق الحقيقة عندهم هو السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه، ولكن بما يراه ويذوقه ويجده ونحو ذلك، وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقا، بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم، وجعلهم لما يرونه ويهوونه حقيقة، وأمرهم باتباعها دون اتباع أمر الله ورسوله، نظير بدع أهل الكلام من الجهمية وغيرهم، الذين يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المخالفة للكتاب والسنة حقائق عقلية يجب اعتقادها، دون ما دلت عليه السمعيات، ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوه عن مواضعه، وإما أن يعرضوا عنه بالكلية، فلا يتدبرونه ولا يعقلونه، بل يقولون: نفوض معناه إلى الله، مع اعتقادهم نقيض مدلوله، وإذا حقق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة وجدت جهليات واعتقادات فاسدة، وكذلك أولئك إذا حقق عليهم ما يزعمونه من حقائق أولياء الله المخالفة للكتاب والسنة وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه، وأصل ضلال من ضل هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، واختياره الهوى على اتباع أمر الله، فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد، فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته، فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بينه النبي ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: { ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار }، وقال ﷺ في الحديث الصحيح { ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا }، وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه، قيل لسفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم ؟، فقال: أنسيت قوله تعالى: { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } أو نحو هذا من الكلام ؟، فعباد الأصنام يحبون آلهتهم، كما قال تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } وقال: { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله }، وقال: { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الصلبان ومحب الأوطان، ومحب الإخوان، ومحب المردان، ومحب النسوان، وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فالمخالف لما بعث به رسوله من عبادته وطاعته وطاعة رسوله لا يكون متبعا لدين شرعه الله، كما قال تعالى: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } إلى قوله: { والله ولي المتقين }، بل يكون متبعا لهواه بغير هدى من الله قال تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة يقدمونها على ما شرعه الله، وتارة يحتجون بالقدر الكوني على الشريعة، كما أخبر الله به عن المشركين كما تقدم، ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم قدرا وهم مستمسكون بالدين في أداء الفرائض المشهورة، واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يغلطون في ترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة، ظانين أن العارف إذا شهد " القدر " أعرض عن ذلك، مثل من يجعل التوكل منهم، أو الدعاء، ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر علم أن ما قدر سيكون، فلا حاجة إلى ذلك، وهذا غلط عظيم، فإن الله قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابها، كما قال النبي ﷺ: { إن الله خلق للجنة أهلا خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون }، وكما { قال النبي ﷺ لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير، فقالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ فقال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة }، فما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة والتوكل مقرون بالعبادة كما في قوله تعالى: { فاعبده وتوكل عليه } وفي قوله: { قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب }، وقول شعيب عليه السلام { عليه توكلت وإليه أنيب } ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات، فتنقص بقدر ذلك، ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة، أو استجابة دعوة مخالفة للعادة العامة، ونحو ذلك، فيشتغل أحدهم عما أمر به من العبادة والشكر ونحو ذلك، فهذه الأمور ونحوها كثيرا ما تعرض لأهل السلوك والتوجه ; وإنما ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت، كما قال الزهري :

كان من مضى من سلفنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وذلك أن السنة - كما قال مالك رحمه الله - مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق .

فصل إذا تبين ذلك: فمعلوم أن هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلا عظيما، وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان، وهم ينقسمون فيه إلى: عام، وخاص، ولهذا كانت ربوبية الرب لهم فيها عموم وخصوص ; ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: { تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي، وإن منع سخط } فسماه النبي ﷺ عبد الدرهم، وعبد الدينار، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر ما فيه دعاء وخبر، وهو قوله: { تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش } والنقش: إخراج الشوكة من الرجل، والمنقاش: ما يخرج به الشوكة، وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه، ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه { إذا أعطي رضي، وإذا منع سخط } كما قال تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، ولهذا يقال: العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع وقال القائل: أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا ويقال: الطمع غل في العنق قيد في الرجل، فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الطمع فقر، واليأس غنى، وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه، وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه ; فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه ولا يطمع به، ولا يبقى قلبه فقيرا إليه، ولا إلى من يفعله، وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه تعلق قلبه به، فصار فقيرا إلى حصوله ; وإلى من يظن أنه سبب في حصوله، وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك قال الخليل ﷺ: { فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون }، فالعبد لا بد له من رزق، محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله، فقيرا إليه، وإن طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه، ولهذا كانت " مسألة المخلوق " محرمة في الأصل، وإنما أبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح، والسنن، والمسانيد: كقوله ﷺ: { لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم } وقوله: { من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه } وقوله: { لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع، أو دم موجع، أو فقر مدقع } هذا المعنى في الصحيح، وفيه أيضا: { لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه } وقال: { ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك } فكره أخذه من سؤال اللسان واستشراف القلب، وقال في الحديث الصحيح: { من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله ; ومن يتصبر يصبره الله ; وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر } وأوصى خواص أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا، وفي المسند: أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه ; ويقول: خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئا "، وفي صحيح مسلم، وغيره: عن عوف بن مالك { أن النبي بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: أن لا تسألوا الناس شيئا، فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم، ولا يقول لأحد ناولني إياه } وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق ; في غير موضع، كقوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب } وقول النبي ﷺ لابن عباس: { إذا سألت فاسأل الله ; وإذا استعنت فاستعن بالله } ومنه قول الخليل: { فابتغوا عند الله الرزق } ولم يقل فابتغوا الرزق عند الله ; لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر ; كأنه قال لا تبتغوا الرزق إلا عند الله، وقد قال تعالى { واسألوا الله من فضله } والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه ; ودفع ما يضره ; وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله ; فله أن يسأل الله وإليه يشتكي ; كما قال يعقوب عليه السلام: { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله }، والله تعالى ذكر في القرآن " الهجر الجميل " " والصفح الجميل " " والصبر الجميل " وقد قيل : إن " الهجر الجميل " هو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق ; ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره أنين المريض ويقول: إنه شكوى فما أن أحمد حتى مات، وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل ; فإن يعقوب قال: { فصبر جميل } وقال: { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله }، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقرأ في الفجر بسورة ( يونس )، ( ويوسف )، ( والنحل ) فمر بهذه الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف، ومن دعاء موسى: " اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك "، وفي الدعاء الذي دعا به النبي لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: { اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ; وقلة حيلتي ; وهواني على الناس ; أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللهم إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري ; إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ; غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ; وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك ; أو يحل علي غضبك ; لك العتبى حتى ترضى ; فلا حول ولا قوة إلا بك } - وفي بعض الروايات - { ولا حول ولا قوة إلا بك }، وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت عبوديته له وحريته مما سواه ; فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وافضل على من شئت تكن أميره ; واحتج إلى من شئت تكن أسيره، فكذلك طمع العبد في ربه ورجاؤه له يوجب عبوديته له: وإعراض قلبه عن الطلب من غير الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله ; لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق ; بحيث يكون قلبه معتمدا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه ; وإما على أهله وأصدقائه ; وإما على أمواله وذخائره ; وإما على ساداته وكبرائه ; كمالكه وملكه ; وشيخه ومخدومه وغيرهم ; ممن هو قد مات أو يموت قال تعالى { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا }، وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه، أو يرزقوه، أو أن يهدوه خضع قلبه لهم ; وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك ; وإن كان في الظاهر أميرا لهم مدبرا لهم متصرفا بهم ; فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر ; فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيرا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد ; وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها، وعشقه لها ; وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ; فإنها حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور ; الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقا مستعبدا متيما لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية لما استعبد القلب، وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر ; أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك وأما من استعبد قلبه فصار عبدا لغير الله فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي ﷺ: { ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس }، وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يدان فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذابا وأقلهم ثوابا، فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقا بها، مستعبدا له اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه، ممن يفعل ذنبا ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه، وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين، كما قيل: سكران: سكر هوى، وسكر مدامة ومتى إفاقة من به سكران، وقيل: قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في الحين ومن أعظم أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن الله، فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذ ولا أطيب، والإنسان لا يترك محبوبا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفا من مكروه، فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح ; أو بالخوف من الضرر، قال تعالى في حق يوسف: { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين }، فالله يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج، قال تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر }، فإن الصلاة فيها دفع للمكروه، وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب، وهو ذكر الله، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع المكروه، فإن ذكر الله عبادة لله، وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها، وأما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التبع والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولهذا قال تعالى: { قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها }، وقال تعالى: { قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى }، وقال: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم } وقال تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } فجعل سبحانه غض البصر، وحفظ الفرج هو أزكى للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش، والظلم، والشرك، والكذب، وغير ذلك، وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض قلبه رقيق لمن يعينه عليها ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عنهم ليطيعوه، ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم، والتحقيق أن كليهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه يستعبده الآخر، وهكذا أيضا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: منها: ما يحتاج العبد إليه كما يحتاج إليه من طعامه، وشرابه، ومسكنه، ومنكحه، ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه ; بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده، فيكون هلوعا إن مسه الشر جزوعا ; وإذا مسه الخير منوعا، ومنها: ما لا يحتاج العبد إليه، فهذه لا ينبغي له أن يعلق قلبه بها ; فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا لها ; وربما صار معتمدا على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله، ولا حقيقة التوكل عليه ; بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله ﷺ: { تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة } وهذا هو عبد هذه الأمور، فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي ; وإذا منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ; ويسخطه ما يسخط الله ; ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ; ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: { من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله: فقد استكمل الإيمان } وقال: { أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله }، وفي الصحيح: عنه: { ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار }، فهذا وافق ربه فيما يحبه، وما يكرهه فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر، فكان هذا من تمام حبه لله، فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب ; فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر، فقد أحبهم لله لا لغيره، وقد قال تعالى: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين }، ولهذا قال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } فإن الرسول يأمر بما يحب الله وينهى عما يبغضه الله ويفعل ما يحبه الله ويخبر بما يحب الله التصديق به ; فمن كان محبا لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله ; فيحبه الله ; فجعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول ; والجهاد في سبيله، وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح ; ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان، وقد قال تعالى: { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم } إلى قوله: { حتى يأتي الله بأمره } فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد، بل قد ثبت عنه في الصحيح: أنه قال: { والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده، والناس أجمعين }، وفي الصحيح: أن { عمر بن الخطاب قال له: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي: فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال: فوالله، لأنت أحب إلي من نفسي فقال: الآن يا عمر }، فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب، وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان، ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات، فإذا كان العبد قادرا عليها حصلها، وإن كان عاجزا عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان له كأجر الفاعل، كما قال النبي ﷺ: { من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ; ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا }، وقال: { إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر )

والإيمان المطلق " يدخل فيه الإسلام كما في الصحيحين: عن النبي ﷺ أنه { قال لوفد عبد القيس: آمركم بالإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم } ولهذا قال من قال من السلف: كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، وأما إذا قرن لفظ الإيمان بالعمل أو بالإسلام فإنه يفرق بينهما كما في قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وهو في القرآن كثير، وكما في { قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: لما سأله جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت قال: فما الإيمان ؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: فما الإحسان ؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك }، ففرق في هذا النص بين الإسلام والإيمان لما أفرده بالذكر، وكذلك لفظ " العمل " فإن الإسلام المذكور هو من العمل والعمل الظاهر هو موجب إيمان القلب ومقتضاه، فإذا حصل إيمان القلب حصل إيمان الجوارح ضرورة، وإيمان القلب لا بد فيه من تصديق القلب وانقياده، وإلا فلو صدق قلبه بأن محمدا رسول الله وهو يبغضه ويحسده ويستكبر عن متابعته لم يكن قد آمن قلبه، " والإيمان " وإن تضمن التصديق فليس هو مرادفا له ; فلا يقال لكل مصدق بشيء: إنه مؤمن به، فلو قال: أنا أصدق بأن الواحد نصف الاثنين، وأن السماء فوقنا والأرض تحتنا، ونحو ذلك مما يشاهده الناس ويعلمونه لم يقل لهذا: إنه مؤمن بذلك ; بل لا يستعمل إلا فيمن أخبر بشيء من الأمور الغائبة كقول إخوة يوسف: { وما أنت بمؤمن لنا } فإنهم أخبروه بما غاب عنه وهم يفرقون بين من آمن له وآمن به فالأول يقال للمخبر، والثاني يقال للمخبر به كما قال إخوة يوسف: { وما أنت بمؤمن لنا } وقال تعالى: { فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه }، وقال تعالى: { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } ففرق بين إيمانه بالله وإيمانه للمؤمنين ; لأن المراد يصدق المؤمنين إذا أخبروه وأما إيمانه بالله فهو من باب الإقرار به، ومنه قوله تعالى عن فرعون وملئه: { أنؤمن لبشرين مثلنا } أي نقر لهما ونصدقهما، ومنه قوله: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } ومنه قوله تعالى: { فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي } ومن المعنى الآخر قوله تعالى: { يؤمنون بالغيب } وقوله: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } وقوله: { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } أي أقر بذلك ومثل هذا في القرآن كثير، والمقصود هنا أن لفظ " الإيمان " إنما يستعمل في بعض الأخبار، وهو مأخوذ من الأمن، كما أن الإقرار مأخوذ من قر، فالمؤمن صاحب أمن، كما أن المقر صاحب إقرار، فلا بد في ذلك من عمل القلب بموجب تصديقه، فإذا كان عالما بأن محمدا رسول الله ولم يقترن بذلك حبه وتعظيمه بل كان يبغضه ويحسده ويستكبر عن اتباعه فإن هذا ليس بمؤمن به بل كافر به، ومن هذا الباب كفر إبليس وفرعون وأهل الكتاب الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وغير هؤلاء، فإن إبليس لم يكذب خبرا ولا مخبرا بل استكبر عن أمر ربه، وفرعون وقومه قال الله فيهم: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } وقال له موسى: { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر } وقال تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم }، فمجرد علم القلب بالحق إن لم يقترن به عمل القلب بموجب علمه مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه، بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، وقد كان النبي ﷺ يقول: { اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، وقلب لا يخشع }، ولكن الجهمية ظنوا أن مجرد علم القلب وتصديقه هو الإيمان، وأن من دل الشرع على أنه ليس بمؤمن فإن ذلك يدل على عدم علم قلبه وهذا من أعظم الجهل شرعا وعقلا وحقيقته توجب التسوية بين المؤمن والكافر ; ولهذا أطلق وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة كفرهم بذلك، فإنه من المعلوم أن الإنسان يكون عالما بالحق ويبغضه لغرض آخر، فليس كل من كان مستكبرا عن الحق يكون غير عالم به، وحينئذ فالإيمان لا بد فيه من تصديق القلب وعمله، وهذا معنى قول السلف: الإيمان قول وعمل، ثم إنه إذا تحقق القلب بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للإرادة لزم وجود الأفعال الظاهرة، فإن الإرادة الجازمة إذ اقترنت بها القدرة التامة لزم وجود المراد قطعا، وإنما ينتفي وجود الفعل لعدم كمال القدرة، أو لعدم كمال الإرادة، وإلا فمع كمالها يجب وجود الفعل الاختياري، فإذا أقر القلب إقرارا تاما بأن محمدا رسول الله وأحبه محبة تامة امتنع مع ذلك أن لا يتكلم بالشهادتين مع قدرته على ذلك، لكن إن كان عاجزا لخرس ونحوه أو لخوف ونحوه لم يكن قادرا على النطق بهما، " وأبو طالب " وإن كان عالما بأن محمدا رسول الله وهو محب له فلم تكن محبته له لمحبته لله، بل كان يحبه لأنه ابن أخيه فيحبه للقرابة، وإذا أحب ظهوره فلما يحصل له بذلك من الشرف والرئاسة، فأصل محبوبه هو الرئاسة ; فلهذا لما عرض عليه الشهادتين عند الموت رأى أن بالإقرار بهما زوال دينه الذي يحبه، فكان دينه أحب إليه من ابن أخيه فلم يقر بهما - فلو كان يحبه لأنه رسول الله كما كان يحبه أبو بكر الذي قال الله فيه: { وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى } وكما كان يحبه سائر المؤمنين به، كعمر وعثمان وعلي وغيرهم لنطق بالشهادتين قطعا - فكان حبه حبا مع الله لا حبا لله، ولهذا لم يقبل الله ما فعله من نصر الرسول ومؤازرته لأنه لم يعمله لله، والله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، بخلاف الذي فعل ما فعل ابتغاء وجه ربه الأعلى، وهذا مما يحقق أن " الإيمان، والتوحيد " لا بد فيهما من عمل القلب، كحب القلب، فلا بد من إخلاص الدين لله، والدين لا يكون دينا إلا بعمل ; فإن الدين يتضمن الطاعة والعبادة ; وقد أنزل الله عز وجل سورتي الإخلاص: { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد }، إحداهما في توحيد القول والعلم، والثانية في توحيد العمل والإرادة ; فقال في الأول: { قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد } فأمره أن يقول هذا التوحيد وقال في الثاني { قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين } فأمره أن يقول ما يوجب البراءة من عبادة غير الله وإخلاص العبادة لله، " والعبادة " أصلها القصد والإرادة، والعبادة إذا أفردت دخل فيها التوكل ونحوه، وإذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيما لها، كما ذكرناه في لفظ الإيمان، قال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وقال تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } فهذا ونحوه يدخل فيه فعل المأمورات وترك المحظورات ; والتوكل من ذلك، وقد قال في موضع آخر: { إياك نعبد وإياك نستعين } وقال: { فاعبده وتوكل عليه }، ومثل هذا كثيرا ما يجيء في القرآن: تتنوع دلالة اللفظ في عمومه وخصوصه بحسب الإفراد والاقتران ; كلفظ " المعروف والمنكر " فإنه قد قال: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } وقال: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وقال: { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } فالمنكر يدخل فيه ما كرهه الله ; كما يدخل في المعروف ما يحبه الله، وقد قال في موضع آخر: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } فعطف المنكر على الفحشاء، ودخل في المنكر هنا البغي، وقال في موضع آخر: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } فقرن بالمنكر الفحشاء والبغي، ومن هذا الباب لفظ " الفقراء، والمساكين " إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا قرن أحدهما بالآخر صار بينهما فرق ; لكن هناك أحد الاسمين أعم من الآخر، وهنا بينهما عموم وخصوص، فمحبة الله وحده والتوكل عليه وحده وخشية الله وحده ونحو هذا كل هذا يدخل في توحيد الله تعالى، قال تعالى في المحبة: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } وقال تعالى: { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } وقال تعالى: { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى: { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } وقال تعالى: { فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب } فجعل التحسب والرغبة إلى الله وحده، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع .

والمقصود هنا أن قول القائل: ( لا إله إلا أنت ) فيه إفراد الإلهية لله وحده وذلك يتضمن التصديق لله قولا وعملا، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله رب كل شيء ; لكن كانوا يجعلون معه آلهة أخرى، فلا يخصونه بالإلهية، وتخصيصه بالإلهية يوجب أن لا يعبد إلا إياه، وأن لا يسأل غيره، كما في قوله: { إياك نعبد وإياك نستعين } فإن الإنسان قد يقصد سؤال الله وحده والتوكل عليه، لكن في أمور لا يحبها الله ; بل يكرهها وينهى عنها، فهذا وإن كان مخلصا له في سؤاله والتوكل عليه، لكن ليس هو مخلصا في عبادته وطاعته، وهذا حال كثير من أهل التوجهات الفاسدة أصحاب الكشوفات والتصرفات المخالفة لأمر الله ورسوله، فإنهم يعانون على هذه الأمور، وكثير منهم يستعين الله عليها لكن لما لم تكن موافقة لأمر الله ورسوله حصل لهم نصيب من العاجلة، وكانت عاقبتهم عاقبة سيئة، قال تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا } وقال تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه }، وطائفة أخرى قد يقصدون طاعة الله ورسوله، لكن لا يحققون التوكل عليه والاستعانة به، فهؤلاء يثابون على حسن نيتهم، وعلى طاعتهم، لكنهم مخذولون فيما يقصدونه، إذ لم يحققوا الاستعانة بالله والتوكل عليه ; ولهذا يبتلى الواحد من هؤلاء بالضعف والجزع تارة، وبالإعجاب أخرى، فإن لم يحصل مراده من الخير كان لضعفه، وربما حصل له جزع، فإن حصل مراده نظر إلى نفسه وقوته فحصل له إعجاب، وقد يعجب بحاله فيظن حصول مراده فيخذل، قال تعالى: { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } إلى قوله: { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم }، وكثيرا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله: { إياك نعبد } والمعجب لا يحقق قوله: { إياك نستعين } فمن حقق قوله: { إياك نعبد } خرج عن الرياء ومن حقق قوله: { إياك نستعين } خرج عن الإعجاب، وفي الحديث المعروف: { ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه }، وشر من هؤلاء وهؤلاء من لا تكون عبادته لله ولا استعانته بالله بل يعبد غيره ويستعين غيره وهؤلاء المشركون من الوجهين، ومن هؤلاء من يكون شركه بالشياطين كأصحاب الأحوال الشيطانية فيفعلون ما تحبه الشياطين من الكذب والفجور ويدعونه بأدعية تحبها الشياطين ويعزمون بالعزائم التي تطيعها الشياطين مما فيها إشراك بالله، كما قد بسط الكلام عليهم في مواضع أخر، وهؤلاء قد يحصل لهم من الخوارق ما يظن أنه من كرامات الأولياء، وإنما هو من أحوال السحرة والكهان ; ولهذا يجب الفرق بين الأحوال الإيمانية القرآنية والأحوال النفسانية والأحوال الشيطانية، وأما القسم الرابع: فهم أهل التوحيد الذين أخلصوا دينهم لله فلم يعبدوا إلا إياه ولم يتوكلوا إلا عليه، وقول المكروب: { لا إله إلا أنت } قد يستحضر في ذلك أحد النوعين دون الآخر فمن أتم الله عليه النعمة استحضر التوحيد في النوعين، فإن المكروب همته منصرفة إلى دفع ضره وجلب نفعه، فقد يقول " لا إله إلا الله " مستشعرا أنه لا يكشف الضر غيرك، ولا يأتي بالنعمة إلا أنت فهذا مستحضر توحيد الربوبية، ومستحضر توحيد السؤال والطلب، والتوكل عليه، معرض عن توحيد الإلهية الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر به وهو أن لا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بطاعته وطاعة رسوله فمن استشعر هذا في قوله: { لا إله إلا أنت } كان عابدا لله متوكلا عليه وكان ممتثلا قوله: { فاعبده وتوكل عليه } وقوله: { عليه توكلت وإليه أنيب } وقوله: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا }، ثم إن كان مطلوبه محرما أثم وإن قضيت حاجته، وإن كان طالبا مباحا لغير قصد الاستعانة به على طاعة الله وعبادته لم يكن آثما ولا مثابا، وإن كان طالبا ما يعينه على طاعة الله وعبادته لقصد الاستعانة به على ذلك كان مثابا مأجورا، وهذا مما يفرق به بين العبد الرسول وخلفائه، وبين النبي الملك، فإن نبينا محمدا ﷺ خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا ; فإن العبد الرسول هو الذي لا يفعل إلا ما أمر به، ففعله كله عبادة لله، فهو عبد محض منفذ أمر مرسله، كما ثبت عنه في صحيح البخاري أنه قال: { إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت } وهو لم يرد بقوله { لا أعطي أحدا ولا أمنع } إفراد الله بذلك قدرا وكونا، فإن جميع المخلوقين يشاركونه في هذا فلا يعطي أحدا ولا يمنع إلا بقضاء الله وقدره ; وإنما أراد إفراد الله بذلك شرعا ودينا، أي لا أعطي إلا من أمرت بإعطائه، ولا أمنع إلا من أمرت بمنعه، فأنا مطيع لله في إعطائي ومنعي فهو يقسم الصدقة والفيء والغنائم كما يقسم المواريث بين أهلها ; لأن الله أمره بهذه القسمة، ولهذا كان المال حيث أضيف إلى الله ورسوله فالمراد به ما يجب أن يصرف في طاعة الله ورسوله، ليس المراد به أنه ملك للرسول، كما ظنه طائفة من الفقهاء، ولا المراد به كونه مملوكا لله خلقا وقدرا فإن جميع الأموال بهذه المثابة، وهذا كقوله: { قل الأنفال لله والرسول } وقوله: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } الآية وقوله: { وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } إلى قوله: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى }، فذكر في الفيء ما ذكر في الخمس، فظن طائفة من الفقهاء أن الإضافة إلى الرسول تقتضي أنه يملكه، كما يملك الناس أملاكهم، ثم قال بعضهم: إن غنائم بدر كانت ملكا للرسول، وقال بعضهم: إن الفيء وأربعة أخماسه كان ملكا للرسول، وقال بعضهم: إن الرسول إنما كان يستحق من الخمس خمسه، وقال بعض هؤلاء: وكذلك كان يستحق من خمس الفيء خمسه، وهذه الأقوال توجد في كلام طوائف من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهذا غلط من وجوه: منها: أن الرسول لم يكن يملك هذه الأموال كما يملك الناس أموالهم، ولا كما يتصرف الملوك في ملكهم، فإن هؤلاء وهؤلاء لهم أن يصرفوا أموالهم في المباحات، فإما أن يكون مالكا له فيصرفه في أغراضه الخاصة، وإما أن يكون ملكا له فيصرفه في مصلحة ملكه، وهذه حال النبي الملك كداود وسليمان، قال تعالى: { فامنن أو أمسك بغير حساب } أي أعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك، ونبينا كان عبدا رسولا لا يعطي إلا من أمر بإعطائه، ولا يمنع إلا من أمر بمنعه، فلم يكن يصرف الأموال إلا في عبادة الله وطاعة له، ومنها: أن النبي لا يورث ولو كان ملكا، فإن الأنبياء لا يورثون فإذا كان ملوك الأنبياء لم يكونوا ملاكا كما يملك الناس أموالهم، فكيف يكون صفوة الرسل الذي هو عبد رسول مالكا، ومنها: أن النبي كان ينفق على نفسه وعياله قدر الحاجة، ويصرف سائر المال في طاعة الله لا يستفضله، وليست هذه حال الملاك، بل المال الذي يتصرف فيه كله هو مال الله ورسوله، بمعنى أن الله أمر رسوله أن يصرف ذلك المال في طاعته، فتجب طاعته في قسمه، كما تجب طاعته في سائر ما يأمر به ; فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، وهو في ذلك مبلغ عن الله .