إقامة الدليل على إبطال التحليل/26

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إقامة الدليل على إبطال التحليل
المؤلف: ابن تيمية



وأصل هذا الاختلاف أنه هل يمكن أن يكون الاستدلال صحيحا ولا يصيب الحق وما قدمناه يبين لك أنه تارة يكون مخطئا في اجتهاده وتارة لا يكون مخطئا في اجتهاده قل دليله يكون مخطئا لا خلافة فيثاب تارة على الأمرين وتارة على أحدهما: كذلك يكون الحق سواء فيكون تحقيقه الأمر على ما قدمناه: إن المجتهد إن استدل بدليل صحيح وكان مخلفا فهو مأمور بأن يتبعه واتباعه له صواب واعتقاد موجبه في هذه الحال لازم من اتباعه وهو لم يؤمر بهذا اللازم لكنه لازم من المامور به ويعود الأمر إلى ما لا يتم الواجب إلا به هل هو مأمور به أمرا شرعيا أو عقليا ويعود أيضا إلى أنه مأمور بذلك في الظاهر دون الباطن وهذا كله إنما يتوجه في الواجب إذا تعين وأما ما وجب مطلقا وينادي باعيان متعددة أو أبيح فالقول في إباحته كالقول في إيجاب هذا سواء وفي خلافهما يدخل العفو فيقال هذا الذي اعتقد أنه فعل الواجب أو المباح كلاهما يعفى عنه وليس هو في نفس الأمر فاعلا لواجب ولا لمباح وإنما يتلخص هذا الأصل الذي اضطرب فيه الناس قديما وحديثا واضطرابهم فيه تارة يعود إلى إطلاق لفظي وتارة إلى ملاحظة عقلية كما ذكرناه في تخصيص العلة وتارة يعود الى أمر حقيقي وإلى حكم شرعي بان نتكلم على مقاماته مقاما مقاما كلاما ملخصا

والمقام الأول: هل لله في كل حادثة تنزل حكم معين في نفس الأمر بمنزلة ما لله قبلة معينة هي الكعبة وهي مطلوب المجتهدين عند الإشتباه فالذي عليه السلف وجمهور الفقهاء وأكثر المتكلمين أو كثير منهم أن لله في كل حادثة حكما معينا أما الوجوب أو التحريم أو الإباحة مثلا أو عدم الوجوب والتحريم فيما قد سميناه عفوا لكن أكثر أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة يسمون هذا الأشبه ولا يسمونه حكما وهم يقولون ما حكم الله به لكن لو حكم لما حكم إلا به فهو عندهم في نفس الأمر حكم بالقوة

وحدث بعد المائة الثالثة فرقة من أهل الكلام زعموا أن ليس عند الله حق معين هو مطلوب المستدلين إلا فيما فيه دليل قطعي يتمكن المجتهد من معرفته فإما ما فيه دليل قطعي لا يتمكن من معرفته أو ليس فيه إلا أدلة ظنية فحكم الله على كل مجتهد ما ظنه وترتب الحكم على الظن كترتب اللذة على الشهوة فكما أن كل عبد يلتذ بدرك ما نشتهيه وتختلف اللذات باختلاف الشهوات كذلك كل مجتهد حكمه ما ظنه وتختلف الأحكام ظاهرا وباطنا باختلاف الظنون وزعموا أن ليس على الظنون أدلة كأدلة العلوم وإنما تختلف أحوال الناس وعاداتهم وطباعهم وهذا قول خبيث يكاد فساده يعلم بالإضطرار عقلا وشرعا وقوله ﷺ فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم وقوله لسعد لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة وقول سليمان اللهم أسالك حكما يوافق حكمك كله يدل على فساد هذا القول مع كثرة الأدلة السمعية والعقلية على فساده

المقام الثاني: إن الله نصب على ذلك الحكم المعين دليلا

فالذي عليه العامة أن الله نصب عليه دليلا لأن الله لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وقد أخبر الله أن في كتابه تفصيل كل شي وأخبر أن الدين قد كمل ولا يكون هذا إلا بالأدلة المنصوبة لبيان حكمه ولأنه لو لم يكن عليه دليل للزم أن الأمة تجمع على الخطأ إن لم يحكم به أو أن يحكم به تخمينا والقائلون بالأشبه أو بعضهم يقولون لا يجب أن يكون عليه دليل لأن عندهم ليس يحكم بالفعل حتى يجب نصب الدليل عليه وقد حكي هذا عن بعض الفقهاء مبهما ويتوجه على قول من يجوز انعقاد الإجماع تخمينا واتفاقا

المقام الثالث: إن ذلك الدليل هل يفيد العلم اليقيني أو العلم الظاهر الذي يسميه المتكلمون الظن ويسمى الاعتقاد فمن المتكلمين وأهل الظاهر من يقول عليه دليل يفيد اليقين ثم من هؤلاء من يؤثم مخالف ذلك الدليل وربما فسقه ومنهم من لا يؤثمه ولا يفسقه وقد يؤثم ولا يفسق وأما أكثر المتأخرين من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم فإنهم يقولون ليس عليه إلا دليل يفيد الاعتقاد الراجح الذي يسمى الظن الغالب وقد يسمى العلم الظاهر والمنصوص عن الإمام أحمد وعليه عامة السلف من الفقهاء وغيرهم أنه تارة يكون عليه دليل يقيني وتارة لا يكون الدليل يقينا وكون المسألة مختلفا فيها لايمنع أن دليلها يكون يقينا ويكون من خالفه لم يبلغه أو لم يفهمه أو ذهل عنه وقد يكون يفيد اعتقادا قويا غالبا يسمى أيضا يقينا

وإن كان تجويز نقيضه في غاية البعد وعلى هذا يتفرع نقض حكم الحاكم وجواز الأدلة على من يفتي بالقول المعين والائتمام بمن أخل بفرض في مذهب المأمور وتعيين المخطىء والتغليظ على المخالف

المقام الرابع: إن هذه الأدلة اليقينية أو الاعتقادية لا بد أن يعمل بها بعض الأمة لئلا تكون الأمة مجمعة على الخطأ ولا يحصل مقتضاه إلا لمن بلغته ونظر فيها فمن يبلغه من غير تقصير ولا قصور إما أن يكون متمسكا بما هو دليل شرعي لولا معارضة تلك الأدلة كالمتمسك بالعام قبل أن يبلغه تخصيصه وإما أن يكون متمسكا بحق في الباطن لكن تلك الأدلة نسخته وإما أن يكون متمسكا بالنفي الأصلي وهو عدم الوجوب والتحريم فهل يقال لأحد هؤلاء أنه مصيب أو مخطىء أو مصيب من وجه مخطىء من وجه أو لا يطلق عليه صواب ولا خطأ وهل يقال فعل ما وجب أو ما لم يجب أو ما أبيح أو ما لم يبح هذا المقام والذي بعده أكثر شغب هذه المسألة فمن أصحابنا وغيرهم من يطلق عليه الخطأ في الباطن في جميع هذه الأمور وهو عنده معذور بل مأجور

وهذا قول من يقول إن النسخ يثبت في حق المكلف إذا بلغه الرسول قبل أن يصل إلى المكلف بمعنى وجوب القضاء عليه والضمان إذا بلغه لا بمعنى التأثيم ويقول إنما يجب القضاء على من صلى إلى القبلة المنسوخة قبل العلم لأن القبلة لاتجب إلا مع العلم والقدرة

ولهذا لا يجب القضاء على من تيقن أنه أخطأها في زماننا إذا كان قد اجتهد وإن سمعته مخطئا ومنهم من يطلق الخطأ على المتمسك بدليل ليس في الباطن دليلا وعلى المتمسك بالنفي دون المستصحب للحكم بناء على أن الله ما حكم بموجب دليل قط ومنهم من لا يطلق الخطأ على واحد من الثلاثة وأما في الظاهر فمنهم من يطلق على المجتهد المخطىء عموما أنه مخطىء في الباطن وفي الحكم هذا قول القاضي لكن عنده أن النسخ لا يثبت حكمه في حق المكلف قبل البلاغ ومنهم من يقول ليس بمخطىء في الحكم ومنهم من يقول هو مصيب في الحكم حكى هذا أبو عبد الله بن حامد وخرج القاضي في الخطأ في الحكم روايتين وخرج ابن عقيل رواية أن كل مجتهد مصيب والصحيح إذا ثبت أن في الباطن حكم في حقه أن يقال هو مصيب في الظاهر دون الباطن أو مصيب في اجتهاده دون اعتقاده أو مصيب إصابة مكيدة لا مطلقة بمعنى أن اعتقاد الإيجاب والتحري لا يتعداه إلى غيره وإن اعتقده عاما هذا في الظاهر فقط فإن النبي ﷺ أخبر أن الحاكم المجتهد المخطىء له أجر والمصيب أجران ولو كان كل منهما أصاب حكم الله باطنا وظاهرا لكان سواء ولم ينقض حكم الحاكم أو المفتي إذا تبين أن النص بخلافه وإن كان لم يبلغه من غير قصور ولا تقصير ولما قال النبي ﷺ فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولما قال أسعد لقد حكمت فيهم بحكم الملك إن كان كل مجتهد يحكم بحكم الله وارتفاع اللوم بحديث المختلفين في صلاة العصر في بني قريظة وحديث الحاكم

المقام الخامس: إن هذه الأدلة هل يفيد مدلولها لكل من نظر فيها نظرا صحيحا من الناس من يطلق ذلك فيها ومنهم من يفرق بين القطعي والظني وهذا يوافق من هذا الوجه قول من يقول إن الظنية ليست أدلة حقيقة والصواب أن حصول الاعتقاد بالنظر في هذه الأدلة يختلف باختلاف العقول من ذكاء وصفاء وزكاة وعدم موانع والعلم الحاصل عقبيها مرتب على شيئين على ما فيها من أدلة وعلى ما في النظر من الإستدلال وهذه القوة المستدلة تختلف كما تختلف قوى الأبدان فرب دليل إذا نظر فيه ذو العقل الثاقب أفاده اليقين

وذو العقل الذي دونه قد لا يمكن أن يفهمه فضلا عن أن يفيده يقينا واعتبر هذا بالحساب والهندسة فإن قضاياها يقينية وأنت تعلم أن في بني آدم من لا يمكنه فهم ذلك فعدم معرفة مدلول ذلك الدليل بأن يكون لعجز العقل وقصوره في نفس الخلقة وتارة لعدم تمرنه واعتياده للنظر في مثل ذلك كما أن عجز البدن عن الحمل قد يكون لضعف الخلقة وقد يكون لعدم الإدمان والصنعة

وتارة قد يمكنه الإدراك بعد مشقة شديدة يسقط معها التكليف كما يسقط القيام في الصلاة عن المريض وتارة يمكنه بعد مشقة لا يسقط معها التكليف كما لا يسقط الجهاد بالخوف على النفس وتارة يمكن ذلك بلا مشقة لكن تزاحمت على القلب واجبات فلم يتفرغ لهذا أو قصر زمانه عن النظر في هذا وتارة لا يكون حصول ما يضاد ذلك الاعتقاد في القلب يمنع من استفاء النظر وقد يكون الشيء نظيرا لكنه غامض وقد يكون ظاهرا لكن ليس بقاطع وفي هذا المقام يقع التفاوت بالفهم فقد يتفطن أحد المجتهدين لدلالة لو لحظها الآخر لافادته اليقين لكنها لم تخطر بباله فإذا عدم وصول العلم بالحقيقة إلى المجتهد تارة يكون من جهة عدم البلاغ وتارة يكون من جهة عدم الفهم وكل من هذين قد يكون لعجز وقد يكون لمشقة

فيفوت شرط الإدراك وقد يكون لشاغل أو مانع فينافي الإدراك وإذا كان العلم لا بد له من سببين سبب منفصل وهو الدليل وسبب متصل وهو العلم بالدليل والقوة التي بها يفهم الدليل والنظرالموصل إلى الفهم ثم هذه الأشياء قد تحصل لبعض الناس في أقل من لحظ الطرف

وقد يقع في قلب المؤمن الشيء ثم يطلب دليلا يوافق ما في قلبه ليتبعه ومبادىء هذه العلوم أمور إلهية خارجة عن قدرة العبد يختص برحمته من يشاء ففي هذا الموضع الذي يكون الدليل منصوبا لكن لم يستدرك به المكلف لقصور أوتقصير يعذر فيه لعجز أو مشقة أو شغل ونحو ذلك اتفق من قال المصيب واحد على أن الباقين لم يصيبوا الحق الذي عند الله وإطلاق لفظ أخطأ هنا أظهر وقول من قال إنه مخطىء في الاجتهاد هنا أكثر بل غالب اختلافهم في هذا المقام لقلة القسم الأول بعد إنتشار النصوص

المقام السادس: إن الواجب على المجتهد ماذا؟ من أصحابنا وغيرهم من يقول الواجب طلب ذلك الحق المعين وإصابته ومنهم من يقول الواجب طلبه لا إصابته ومنهم من يقول الواجب اتباع الدليل الراجح سواء كان مطابقا أو لم يكن وكل من هؤلاء لحظ جانبا وجمع هذه الأقوال إن الواجب في نفس الأمر إصابة ذلك الحكم وأما الواجب في الظاهر هو أتباع ما ظهر من الدليل واتباعه أن يكون بالاجتهاد الذي يعجز معه الناظر عن الزيادة في الطلب أو يشق عليه مشقة فادحة ومقدار غير مضبوط

ولهذا كان العلماء يخافون في الفتوى بالاجتهاد كثيرا ويخشون الله لأن مقدار المشقة التي يعذرون معها ومقدار الاستدلال الذي يبيح لهم القول قد لا ينضبط فلو أصاب الحكم بلا دليل راجح فقد أصاب الحكم وأخطأ الحق المعين فقد أحسن وخطأه مغفور له وهذا عندنا وعند الجمهور لا يجوز إلا إذا كان ثم دليل آخر على الحق هو الراجح لكن يعجز عن دركه وإلا للزم أن لا يكون الله نصب على الحق دليلا وفي الحقيقة فالدليل الذي نصبه الله حقيقة على الحكم لا يجوز أن يخلف كما يجوز خطأ الشاهد لكن يجوز أن يخفي على بعض المجتهدين ويظهر له غيره

المقام السابع: إذا كانت الحجة الشرعية لا معارض لها أصلا لكنها مخلفة فهل يكون الحكم بها خطأ في الباطن وهذا إنما يكون في أعيان الأحكام لا في أنواعها كما لو حكم بشاهدين عدلين باطنا وظاهرا لكن كانا مخطئين في الشهادة كالشاهدين الذين قطع علي رضي الله عنه السارق بشهادتهما ثم رجعا عن الشهادة وقالا أخطأنا يا أمير المؤمنين فهنا قال ابن عقيل وغيره لا يكون هذا خطأ بحال وإن كان قد سلم المال إلى مستحقه في الباطن ولم يدخل هذا في عموم قوله إذا اجتهد الحاكم فأخطأ وإنما أدخل فيه من أخطأ الحكم النوعي

وقال غيره من أصحابنا وغيرهم: بل هو من أنواع الخطأ المغفور وهذا شبيه بالتمسك بالمنسوخ قبل البلاغ أو بالدلالة المعارضة قبل بلوغ المعارض وفي مثل هذا يقول إن الله لم يأمر الحاكم بقبول هذين المعينين وإنما أمره بقبول شهادة كل عدل فدخلا في العموم والله سبحانه لم يرد شهادة باللفظ العام هذا المعين لكنه يعذر الحاكم حيث لم يكن له دليل يعلم به عدم إرادة هذا المعين فيكون مأمورا به في الظاهر دون الباطن كما تقدم فما من صورة تقرض إلا وتخرج على هذا الأصل

وهذا أمر لا بد من اعتباره فإن من الأصول المكررة أن الحاكم لو حكم بنص عام كان عاجزا عن درك مخصصه ثم ظهر المخصص بعد ذلك نقض حكمه وكذلك لو فرض الإدراك مبعدا

وهذا أبو السنابل أفتى سبيعة الأسلمية بأن تعتد أبعد الأجلين لما توفي عنها زوجها استعمالا لآسى الموت والحمل

فقال النبي ﷺ: [ كذب أبو السنابل ] ولا يقال إنه كان مما لا يسوغ فيه الاجتهاد لظهوره لأن عليا وابن عباس وهما ممن لا يشك في وفور فهمهما ودينهما فقد أفتيا بمثل ذلك وقول النبي ﷺ كذب يستعمل بمعنى أخطأ فعلم إطلاق الخطأ على من اجتهد متمسكا بظاهر خطاب إلا أن يقال أبو السنابل لم يكن يجوز له الاجتهاد إما لقصوره أو لتقصيره حيث اجتهد مع قرب النبي ﷺ

فهذا مما اختلف فيه بجملة كون المجتهد معذورا أما لعجزه عن سماع الخطاب أو عن فهمه أومشقة أحد هذين أو لعدم تيسير الله أسباب ذلك أو لعارض آخر لا يمنع أن لا يكون غير عالم بالحق الباطن ولا يوجب أن ذلك الفعل الذي فعله أوجبه الله بعينه أو أباحه بعينه بل أوجب أمرا مطلقا أو أباح أمرا مطلقا والمجتهد معذور باعتقاد أن هذا المعين داخل في العموم

فإذا منشأ الخطأ إدخال المعين في المطلق والعام على وجه قد لا يكون للمجتهد مندوحة عنه وغاية ما يؤول إليه الإلزام أن يقال إنه مأمور في الباطن بما لا يطيقه وهذا سهل هنا فإن الذي يقول إنه لا يأمر الله العبد بما يعجزعنه إذا شاءه وأما أمره بما لا يشاءه إلا أن يشاء الله فهذا حق وإذا كان أمره بما مشيئته معلقة بمشيئة غيره فكذلك يأمره بما معرفته متعلقة بسبب من غيره إذ العلم واقع في القلب قبل الإرادة ثم من هذه المعارف ما يعذر فيها المخطىء ومنها ما لا يعذر وهذا فصل معترض إقتضاه الكلام لتعلق أبواب الخطأ بعضها ببعض

إذا ثبتت هذه الأصول فهذا المشتري والمستنكح مفعوله عما فعله من وطء وانتفاع وهذا الوطء والانتفاع عفو في حقه لا حلال حلا شرعيا ولا حرام تحريما شرعيا وهكذا كل مخطىء ولكن هو في عدبم الذم والعقاب يجري مجرى المباح الشرعي وإن كان يختلف في بعض الأحكام ويختلفان أيضا في أن رفع أحدهما نسخ له لا يثبت إلا بما يثبت به النسخ ورفع الآخر ابتداء تحريم أو إيجاب ثبت بما يثبت به الأحكام المبتدأة وأن يضمن رفع الاستصحاب العقلي وهذا حرمنا بسنة رسول الله ﷺ أشياء ليست في القرآن كما عهده إلينا ﷺ ولم يكن هذا نسخا لقوله: { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما } الآية إذ هذه نفت تحريم ما سوى المستثنى ولم تثبت حل ما سوى المستثنى وبين نفي التحريم وإثبات الحل مرتبة العفو ورفع العفو ليس بنسخ ولهذا قال في سورة المائدة: { اليوم أحل لكم الطيبات } والمائدة نزلت بعد الأنعام بسنين فلو كانت آية الأنعام وتضمنت ما سوى المستثنى ما قيد الحل بقوله اليوم أحل لكم الطيبات

ومن فهم هذا استراح من اضطراب الناس في هذا المقام مثل كون آية الأنعام واردة على سبب فتكون مختصة به أو معرضة للتخصيص ومثل كونها منسوخة نسخا شرعيا بالأحاديث بناء على جواز نسخ القرآ ن بالخبر المتلقى بالقبول أو الصحيح مطلقا ولقد نزل هنا مستدلا ومستشكلا ومن اعتقد أن آية الأنعام من آخر القرآن نزولا

وإذا ظهر أن العقد على غير محل لم يعلم به المشتري والمستنكح باطلا باطنا غير مقيد للحل باطلا وأن الانتفاع الحاصل بسببه ليس هو حلالا في الحقيقة وإنما هوعفا الله عنه فما دام مستصحبا لعدم العلم فحكمه ما ذكرت فإن علم حقيقة الأمر فحكمه معروف إن كان نكاحا فرق بينهما ويثبت فيه حكم العقد الفاسد والوطء فيه موجب للعدة والمهر والنسب وإدراء الحد ولم يثبت به إرث ولا جواز إستدامه وهل تثبت به حرمة المصاهرة ويقع فيه الطلاق أو تجب فيه عدة الوفاة ويوجب الإحداد - فيه خلاف وتفصيل على مذهب الإمام أحمد وغيره وأما في البيع ففيه خلاف وتفصيل على مذهب الإمام أحمد وغيره ليس هذا موضعه

إذا عرف هذا فمسألة التحليل من هذا القسم فإن قصد التحليل إنما حرم لحق الله سبحانه بحيث لو علمت المرأة أو وليها بقصد التحليل لم تجز مناكحة بخلاف المعينة والمعيب فإن ذلك لو ظهر لجاز العقد معه لكن الخلل هنا لم يقع شي أهلية العاقد ولا في محلية المعقود عليه وإنما وقع في نفس العقد بمنزلة الشرط الذي يعلم أحدهما بإفساده للعقد دون الآخر نعم الجهل هناك هو بالحكم الشرعي النوعي والجهل هنا هو بوصف العقد المعين

وهذا الوصف يترتب عليه الحكم الشرعي فهو بمنزلة عدم علمه بصفة المعقود عليه وكلاهما سواء هنا وإن كان قد يفرق بينهما بعض الفقهاء في بعض المواضع كرواية عن الإمام أحمد وغيره في الفرق بين أن لا تعلم المعتقة قد أعتقت وبين أن تعلم أنها قد أعتقت ولا تعلم أن للمعتقة الخيار وإذا كان التحريم لحق الله سبحانه فالعقد باطل كما وصفته لك والوطء والاستمتاع حرام على الزوج في مثل هذا وفاقا وهل هو حرام على المرأة في الباطن أو ليس بحرام على قولين أرجحهما الأول

وإن كان الخلاف لا يعود إلى أمر عملي وفعلها في الظاهر هل هو حلال أو عفو على قولين أيضا أرجحهما الثاني فقد وقع الاتفاق على أن المرأة لا تؤاخذ وأشبه شيء بهذا الخلل الحاصل في العقد مالو كان الخلل حاصلا في المعقود عليه كما لو أحرم الرجل وتزوجت به وهي لا تعلم إحرامه بأن يعقد العقد وكيله في غيبته أو تتزوجه ويكون تحته أربع أو تحته أختها أو خالتها أو عمتها وهي لاتعلم أو تتزوجه وهو مرتد أو منافق لاتعلم دينه إلى غير ذلك الصور التي يكون محرما عليها بصفة عارضة فيه لاتعلم بها ثم قد تزول تلك الصفة وقد لاتزول وأن يشارطوا لها في العقد شرطا مبطلا له وهي لا تعلم كتوقيت النكاح ونحوه لا سيما إذا كانت مجبرة إذ لا فرق بين أن يكون الغرور من الزوج فقط أو منه ومن الولي ولا فرق بين أن يكون الغرر لها وحدها أو لها وللولي إذ الضرر الحاصل عليها بفساد العقد أكثر من الضرر الحاصل على الولي

وإذا تأملت حقيقة التأمل وجدت الشريعة جاءت بأن لا ضرر على المغرور البتة فإنها لا تأثم بما فعلته ويحل لها ما أنتفعت به من نفقة وتستحق المهر لا سيما إذا أوجبا المسمى كظاهر مذهب أحمد الموافق لمذهب مالك وكما ورد به حديث سليمان بن موسى عن عروة عن عائشة مرفوعا: فلها ما أعطاها بما استحل من فرجها في قصة المزوجة بلا ولي وكما قضت به الصحابة ثم استمر بها عدم العلم بقصده لم يكن فرق بينهما وبين غير المغرورة مادامت غير عالمة وأي وقت علمت كان علمها بمنزلة تطليق موجب لمفارقته ومعلوم أن فرقته قد تحصل بموت أو طلاق نعم لا تحل للأول بمنزلة التي ما تزوجت بل بمنزلة التي مات زوجها أو التي طلقها قبل أن تخاف عليه الموت فما من ضرر يقدر عليها إلا ومثله ثابت في النكاح الصحيح

ومثل هذا لا يعد ضررا وإن عد فهو مما حكم به أعدل الحاكمين وليس هو بمحذور يخاف وقوعه في الأحكام الشرعية وإذا استبان هذا ظهر الجواب عن قوله إنما نحكم بفساد العقد إذا كان التحريم ثابتا من الطرفين فإنه يقال أتريد به التحريم وإن كان في الباطن فقط أو التحريم الظاهر إن أردت به الأول فلا نسلم أن التحريم هنا هو على الزوج وحده بل هو ثابت على كل منهما لكن أنتفى حكمه في حق المرأة لفوات الشروط

فإن المرأة لو علمت بهذا القصد لحرم العقد عليها وهذا هو التحريم الباطن وإذا كان كذلك فقد فسد العقد في الباطن لوجود التحريم في الباطن من الطرفين وفسد في الظاهر في حق الزوج لوجود التحريم في حق الزوج ظاهرا فنرتب على كل تحريم من الفساد ما يناسبه في محله ظاهرا أو باطنا من الطرفين أو أحدهما وإن أردت به التحريم الظاهر أو الظاهر والباطن من الطرفين فلا نسلم أن هذا هو الشرط في الفساد بل قد دللنا على أن هذا لا يشترط بما ذكرناه من الفساد في صور انفراد أحدهما بالعلم بالتحريم وإن كان الآخر لا يأثم ولو سلم على سبيل التقدير أن هذا العقد صحيح فيقال له هل هو صحيح من الطرفين أو من جانب الزوجة فقط

أما الأول فممنوع وكذلك إن قاسه على صورة المصراة فلا نسلم أن انتفاع البائع بجميع الثمن في صورة التصرية والتدليس حلال ولا يلزم من ملك المشتري المبيع ملك البائع العوض إذا كان ظالما كما نقوله نحو وأكثر الفقهاء في مسألة الحيلولة إذا حال بينه وبين ملكه فإن المظلوم المغصوب منه له أن يطالبه بالبدل وينتفع به حلالا والغاصب الظالم لا يملك العين المغصوبة ولا يحل له الانتفاع بها ونظائرها كثيرة وإذا لم يقم دليلا على صحة العقد من الطرفين فلا نسلم أن النكاح المبيح لعودها إلى الأول هو ما كان صحيحا من أحد الطرفين دون الآخر لكن يلزم على هذا المنع أنه لو نكح معيبة مدلسة للعيب ولم يعلم بالعيب حتى طلقها أو نكح المعيب صحيحة مدلسا لعيب ولم تعلم بعيبه حتى طلقها أنها لا تحل للمطلق ثلاثا بهذا النكاح وفيه نظر وقد يقال: هذا قوي على أصلنا

فإنا نقول لو وطئها وطئا محرما بحيض أو إحرام أو صيام لم يبحها للأول في المنصوص من المذهب فإذا اعتبرنا حل الوطء فهذه العادة لا يحل لها الاستمتاع لكن يفرق بين الصورتين بأن التحريم في مسألة الوطء لحق الله سبحانه فأشبه ما لو كان العقد محرما لحق الله وفي مسألة تدليس العيب التحريم لحق الآدمي فأشبه ما لو وطئها في حالة مرض شديد وإذا لم يصح هذا الجواب فيكفي الجواب الأول وأما إذا باع سلعة لمن نيته أن يعصى بها والبائع لا يعلم النية فما دام عدم هذا العلم مستصحبا فلا إشكال وإذا علم البائع بعد العقد بقصد المشتري فمن الذي سلم أن البائع لا يجب عليه في هذه الحال استرجاع المبيع ورد الثمن لو ثبت أن هذا القصد كان موجودا وقت العقد ولو سلمت هذه الصورة أو سلم أن نية المشتري إذا تغيرت لم تحتج إلى استئناف عقد فالفرق ما سننبه عليه إن شاء الله تعالى مع أن هذا القصد لم يناف نفس العقد

فإن قصد التحليل قصد لرفع العقد وذلك مناف له وهنا القصد قصد الانتفاع بالمبيع وهذا القصد مستلزم لبقاء العقد لا لفسخه فهو كما لو تزوج المرأة بنية يأتيها في المحل المكروه لكنه قصد أن يفعل في ملكه محرما فالبائع إذا علم ذلك لم يحل له الإعانة على المعصية بالبيع أما إذا لم يعلم فالبائع بائع غيره بيعا ثابتا وذلك الغير اشترى شراء ثابتا ولا يحرم على الرجل أن يعين غيره على ما لا يعلمه معصية وقصده لم يناف العقد ولا موجبة وإنما كان حراما تحريما لا يختص بالعقد فإنه لو أراد الرجل أن يعصى الله بما قد ملكه قبل ذلك لوجب منعه عن ذلك وحرمت إعانته فالبائع إذا علم بعد ذلك بنيته كان عليه أن يكفه عن المعصية بحسب الإمكان ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وفي الجملة هذه المسألة فيها نظر فيجاب عنها بالجواب المركب وهو إن كانت مثل مسألتنا إلتزمنا التسوية بينهما وإن لم تكن مثلها لم يصح القياس عليها وأما ما ذكروه من أن عمر رضي الله عنه سوغ الإمساك بمثل هذأ العقد فسنذكر إن شاء الله حديث عمر ونتكلم عليه وإن كان عمر قال هذا فلن يقتضي كون معقد يصح إذا زالت النية الفاسدة لأنه إن كان صحيحا مع وجودها كما قد ذهب طوائف من الفقهاء إلى أن الشرط الفاسد الملحق بالعقد إذا حذف بعده صح العقد وهذا مما يسوغ فيه الخلاف وقد ذهب غيره من الصحابة إلى ما عليه الأكثرون من أنه لا بد من استئناف عقد وهذا في الجملة محل اجتهاد وأما صحة عقد المحلل بكل حال فلم ينقل لا عن عمر ولا عن غيره من الصحابة فيما علمناه بعد البحث التام

فإن قيل: فقد سماه محللا والمحلل هنا الذي يجعل الشيء حلالا كما في نظائره مثل محسن ومقبح ومعلم ومذكر وغير ذلك فيكون محللا ملعونا والآخر محلل له ملعونا

قلنا: هذا سؤال لا يحل إيراده أترى رسول الله ﷺ يلعن من جاء إلى شيء محرم فصار بفعله حلالا عند الله كلا ولما كيف وهو ﷺ [ يقول إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على المسلمين من أجل مسألته وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ] فإن هذا بمن يحمده ويدعو له أولى منه بمن يلعنه وبذمه

ثم هو فاسد من وجوه:

أحدها: أنه لوأريد بالمحلل من جعل الشيء حلالا في الحقيقة لكان كل من نكح المطلقة ثلاثا محللا ولما كان ملعونا وهذا باطل بالضرورة

الثاني: إن فعله إذا كان محرما لأجل اللعنة عليه دل ذلك على أن النكاح فاسد وامتنع أن يصير الفرج المحرم حلالا بالنكاح المحرم فإن المسلمين أجمعوا على أنها لا تباح إلا بنكاح صحيح إلا أن بعضهم قال تباح بنكاح يعتقد صحته وإن كان فاسدا في الشرع والجمهور على أنه لا بد أن يكون صحيحا في الشرع لأن الله سبحانه أطلق النكاح في القرآن والنكاح المطلق هو الصحيح وهذا هو الصواب على ماهو مقرر في موضعه وأجمعوا فيما نعلم على أن الأنكحة المحرمة فاسدة ولم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين علمناه أن هذا النكاح أو غيره حرام وهو مع ذلك صحيح وإن كانوا قد اختلفوا في بعض التصرفات المحرمة هل تكون صحيحة والذي عليه عوام أهل العلم أن التحريم يقتضي الفساد وذلك لأن الفروج محظورة قبل العقد فلا تباح بما أباحها الله سبحانه من النكاح أو الملك كما أن اللحوم قبل التذكية حرام فلا تباح إلا بما أباحه الله من التذكية وهذا بين

الثالث: إنه قد لعن المحلل له وهو لم يصدر منه فعل فلو كانت قد حلت له وقد نكح امرأة حلالا له لم يجز لعنه على ذلك

الرابع: إن هذا الحديث يدل على أن التحليل حرام بل من الكبائر وجعل الحرام حلالا إذا صار حلالا عند الله ليس بحرام وهو حسن مستحب

الخامس: إن الحديث نص في أن فعل المحلل حرام وعودها المحلل له بهذا السبب حرام فيجب النهي عن ذلك والكف عنه ويكون من أذن فيه أو فعله عاصيا لله ورسوله وهذا القدر يكفي هنا فإنه من المعلوم أن من يعتقد حلها بهذا التحليل لا يرى واحدا من الأمرين حراما بل يبيح نفس ما حرمه الله ورسوله ويستحل ذلك وأما تسميته وجعله محللا فلأنه قصد التحليل ونواه ولم يقصد حقيقة النكاح مع أن الحل لا يحصل بهذه النية ولأنه حلل الحرام أي جعله يستحل كما يستحل الحلال ومن أباح المحرمات وحللها بقوله أو فعله يقال محلل للحرام وذلك لأن التحليل والتحريم في الحقيقة هو إلى الله وإنما يضاف على وجه الحمد إلى من فعل سببا يجعل الشارع الشيء به حلالا أو محرما

لكن لما كان التحريم جعل الشيء محرما أي محظورا والتحليل جعله محللا أي مطلقا كان كل من أطلق الشيء وأباحه بحيث يطاع في ذلك يسمى محللا ومنه قوله سبحانه: { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله } فيحلوا ما حرم الله لما أطلقوه لمن أطاعهم تارة وحظروه عليه أخرى كانوا محلين مجرمين وكذلك قوله سبحانه: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } لما منع نفسه من الأمة أو العسل باليمين بالله أو بالحرام صار ذلك تحريما وكذلك قوله سبحانه: { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا } وقوله سبحانه وقالوا: { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا }

وقول النبي ﷺ فيما يؤثر عن ربه: [ إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم ] وقوله ﷺ لعدي بن حاتم في قوله [ إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ] قال: [ إما أنهم ما عبدوهم ولكنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ] وقوله ﷺ: [ لا تركبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ] وقول ابن مسعود يتلونه حق تلاوته [ يحرمون حرامه ويحلون حلاله ]

وهذا باب واسع فلما كان هذا الرجل قصد أن يحلها للأول وقد يجعلها في ظن من أطاعه حلالا وهي حرام يسمى محللا لذلك يبين ذلك أن لعنته ﷺ للمحلل دليل على أن الحل إذا ثبت لم يطلق على صاحبه محلل وإلا فيكون كل ناكح للمطلقة ثلاثا محللا وأن نكاح رغبة فيدخل في اللعنة وهذا باطل قطعا فعلم أن المحلل اسم لمن قصد التحليل وجعلها حلالا وليست بحلال لأنه حلل ما حرم الله بتدليسه وتلبيسه وقصد أن يحلها فليس له أن يتزوجها قاصدا للتحليل وأصل هذا أن المحلل والمحرم هو من جعل الشيء حلالا وحراما أما في ذاته أو في الاعتقاد ثم إنه يقال للرجل أحل الشيء إذا أطلقه لمن يطيعه وحرمه إذا منع من يطيعه منه كما يقال فلان يزكي فلانا ويعدله ويصدقه ويكذبه إذا كان يجعله كذلك في الاعتقاد سواء كان في الحقيقة كذلك أو لم يكن ويقال لمن قصد التحليل محلل فصار المحلل يقال لأربعة أقسام:

أحدها: لمن أثبت الحل الشرعي حقيقة أو إظهارا كما قال سبحانه: { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث }

والثاني: لمن اعتقد ذلك كما يقال فلان يحلل المتعة ويحلل نكاح الخامسة في عدة الرابعة والثالث: لمن أطلق ذلك لمن أطاعه وكما يقال السلطان قد حرم الفلوس وأحلها

والرابع: لمن قصد ذلك وإن لم يحصل له فكل من أثبت المصدر الثلاثي في الوجودي العيني أو العلمي على وجه من الوجوه جاز أن ينسب إليه ومعلوم أن النبي ﷺ لم يقصد الأول ولا الثاني فثبت أنه قصد الثالث والرابع وهو المقصود نعم تسمية الفرس مع الفرسين محللا هو من القسم الأول

فإن قيل: نحمل هذا الحديث على شرط التحليل في نفس العقد وهذا وإن كان فيه تخصيص فالموجب له أن الشروط المؤثرة في العقد ما قارنته دون ما تقدمته كما في الشروط المؤثرة في البيع أو يحمل على من أظهر التحليل دون من نواه لأن العقود إنما يعتبر فيها ظاهرها دون باطنها وإلا لكان فيه ضرر على العاقد الآخر فإنه لا اطلاع له على نية الآخر ولأن النكاح يفتقر إلى الشهادة فلو كانت النية مؤثرة فيه لم تنفع الشهادة إذا كان قصد الرغبة شرطا في صحة النكاح وهو غير معلوم ولأنه لو اشترى شيئا بنية أن لا يبيعه ولا يهبه صح ذلك ولو شرط ذلك فيه كان فاسدا فعلم أن النية ليست كالشرط هذا ان سلمنا أن لفظ التحليل يعم المشروط في العقد وغيره وإلا فقد يقال أن المحلل إنما هو من شرط التحليل في العقد فأما من نواه فليس هو محلا أصلا فلا يدخل في عموم اللفظ وحينئذ فلا يكون هذا تخصيصا ودليل هذا أن المؤثر في العقد اسما وحكما

ما قارنه وهو الذي يختلف الإسلام باختلافه فأما مجرد الباطن فلا يوجب تغيير الإسم ثم لا بد من الدليل على أن القاصد للتحليل من غير شرط محلل حتى يدخل في الحديث وإلا فالأصل عدم دخوله قلنا الكلام في مقامين

أحدهما: إن اسم المحلل يعم القاصد والشارط في العقد وقبله بمعنى أن لفظ المحلل يقع على هذا كله

والثاني: أنه يجب إجراء الحديث على عمومه وأن عمومه مراد

أما المقام الأول: فالدليل عليه من وجوه:

أحدها: إن السلف كانوا يسمون المقاصد للتحليل محللا وإن لم يشرطه والأصل في الإطلاق الحقيقة فإن لم يكن المحلل عاما لكل من قصد التحليل محللا وإن لم يشرطه والأصل في الإطلاق الحقيقة فإن لم يكن المحلل عاما لكل من قصد التحليل وإلا كان إطلاقه على غير ائشارط بطريق الاشتراك أو المجاز وهذا لا يجوز المصير إليه إلا لموجب ولا موجب مثل ما سيأتي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن المحلل والمحلل له قال: لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم الله سبحانه أنهما أرادا أن يحللاها ومعلوم أنه إنما سئل عمن يقصد التحليل وإن لم يشرط فإنه أجاب عن ذلك وقد سمي محللا وفي لفظ عنه: إذا علم الله أنهما محللان لا يزالان زانيين فأطلق على القاصد اسم المحلل وفي رواية عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها فقال: لعن الله المحلل والمحلل له هما زانيان فسئل عمن قصد التحليل فأجاب بلعنة المحلل والمحلل له فعلم دخول القاصد في المحلل وإلا لم يكن قد أجاب وهذا موجود في كلام غير واحد كما قدمنا في ألفاظ السلف في أول المسألة وكما سيأتي إن شاء الله من ألفاظ الصحابة فإنه من تأملها علم بالإضطرار أنهم كانوا يسمون القاصد للتحليل محللا ويدخل عندهم في الاسم كان هو الذي يسمونه محللا لعدم الشارط في العقد عندهم أو لقلته

الثاني: إنه قد قال أهل اللغة منهم الجوهري المحلل في النكاح الذي يتزوج المطلقة ثلاثا حتى تحل للزوج الأول فجعلوا كل من تزوجها لتحل للأول محللا في اللغة

الثالث: استعمال الخاصة والعامة إلى اليوم فإنهم يسمون كل من تزوج المرأة ليحلها محللا وإن لم يشرط التحليل في العقد والأصل بقاء اللغة وتقريرها لا نقلها وتغييرها وإن لم يثبت أن اسم المحلل كان مقصورا في لغة من كان على عهد رسول الله ﷺ على الشارط في العقد وإلا لم يحكم بأنه من الأسماء المنقولة أو المغيرة فكيف وقد ثبت عن أهل عصره أنهم كانوا يسمون من قصد التحلبل محللا وإن لم يشرطه وكذلك نقل أهل اللغة وكذلك هو في عرف الفقهاء فإن منهم من يقول نكاح المحلل باطل ومنهم من يقول نكاح المحلل باطل إذا شرط التحليل في العقد ومنهم من يقول هو صحيح وهذا اتفاق منهم على أن المحلل ينقسم إلى قاصد وإلى شارط وليس تصحيح بعضهم لنكاح القاصد مانعا من أن يسميه محللا كما أن من صحح نكاح الشارط فإنه يسميه أيضا محللا إذ الفقهاء إنما اختلفوا في حكم النكاح لا في اسمه فثبت بالنقل واستعمال الخاص والعام أن هذا يسمى محللا

الرابع: إن المحلل اسم لمن حلل الشيء الحرام فإنه اسم فاعل لمن أحل المرأة وحللها إذا جعلها حلالا وهذا المعنى يشمل كل من تزوجها ليحلها فإنا قد قدمنا أنه لم يعن به من جعلها حلالا في حكم الله في الباطن وإنما أريد به من قصد التحليل وأراده وهذا المعنى بالمريد أخص منه بالشارط وأن أريد به من جعلها حلالا عند الناس وليست حلالا عند الله فهذا أيضا في القاصد أظهر منه في الشارط إذا الشارط قد أظهر المفسد للعقد فلا يحصل الحل لا في الظاهر ولا في الباطن بخلاف الكاتم للقصد فعلم أن إظهار التحليل أو اشتراطه لا تأثير له في استحقاق اسم المحلل في نفس الأمر إذا كان قد قصد التحليل وأراده

الخامس: إنه لا ريب أن من قصد التحليل يسمى محللا إذا باشر سببه كما يسمى من حرم طعامه وشرابه محرما لقصد التحريم ومباشرة سببه ومن أظهر التحلل في العقد يسمى محللا لاشتراطه إياه وإذا كان قياس التصريف والأصول الكلية للغة العربية يوجب تسمية كل منهما محللا لم يجز سلب أحدهما اسم التحليل بل يكون اللفظ شاملا لهما واعلم إنا سنبين من وجوه أن الحديث قصد به وعنى به من قصد التحليل وإن لم يشرطه وإذا ثبت أنه مراد لرسول الله ﷺ ثبت أن اللفظ أيضا يشمله فإنا كما نستدل بشمول اللفظ له على إرادته نستدل أيضا بإرادته على شمول اللفظ له

وهذا هو المقام الثاني فنقول: الدليل على أن الحديث عنى به كل محلل أظهر التحليل أو أضمره وأنه لا يجوز قصره على من شرط التحليل وحده وجوه عشرة:

أحدها: إن الحديث أدنى أحواله أن يشمل التحليل المشروط والمقصود فإن لفط التحليل قد بينا أن المراد به جعل المرأة حلالا أي قصد أن تكون حلالا وهذا بدخل فيه من قصد ولم يشرط ولا موجب لتخصيصه وسنتكلم إن شاء الله على ما ذكروه مخصصا بل الأدلة على عموم الحكم تعضد هذا العموم يوضح ذلك أن الإسلام إذا تناول صورا كثيرة موجودة وأراد المتكلم بعضها دون بعض فلا بد أن ينصب دليلا يبين خروج ما لم يرده فلما لم يذكر شيء من الحديث لعن الله المحلل الذي يظهر التحليل أو الذي يشترط التحليل أو الذي يكتم التحليل ولم يجىء في شيء من النصوص ما يخالف هذا القول كان العمل به متعينا وعلم أن الشارع قصد مفهومه ومعناه

الثاني: إنه ﷺ لو قصد التحليل المشروط في العقد خاصة أو التحليل الذي تواطؤوا عليه دون المقصود للعن الزوجة والولي كما لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ولعن في الخمر عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها وآكل ثمنها وشاربها وساقيها بل كانت المرأة أحق باللعن من الزوجين لأنها شاركت كلا منهما فيما يفعله فصار إثمها بمنزلة إثمهما جميعا وإذا كان يلعن الشاهد والكاتب فالولي والعاقد أولى فلما خص باللعنة الزوجين علم أنه عنى التحليل المقصود المكتوم عن المرأة ووليها وهو ما كان يفعله الصديق مع صديقه عند الطلاق من تزوجه بالمطلقة ليحلها له وهما قد علما ذلك والمرأة وأهلها لا يعلمون ذلك

الوجه الثالث: إنه لعن شاهدي الربا وكاتبه وقد تقدم هذا الحديث أنه لعن شاهدي الربا وكاتبه إذا علموا به ولعن المحلل والمحلل له مع أن الشاهدين في النكاح أوكد فلو كان التحليل ظاهرا للعن الشاهدين فعلم أنه تحليل لم يعلم به وأن المحلل لم يكن يظهر تحليله لأحد

الوجه الرابع: إن التحليل المشروط في العقد لا يتم بين المسلمين لا سيما على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه فإنه حينئذ يشهد به الشهود فيظهر للناس فينكرون ذلك ويحولون بين الرجل وبين هذا النكاح كما لو أراد أن يتزوج بامرأة يقول هي أخته أو بنته أو ربيبته فإنه متى أراد أن ينكح نكاحا فاسدا وأظهر فساده لم يتم له ذلك فلما لعن المحلل زجرا عن ذلك علم أنه من الأمور التي تخفى على العامة كالسرقة والزنا وغير ذلك

يبين ذلك: أن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه لعن من نكح نكاحا محرما إلا المحلل والمحلل له مع أن سائر الأنكحة المحرمة مثل نكاح ذوات المحارم ونحوهن مثل نكاح المحلل وأغلظ وذلك والله أعلم لأن القصد بإظهار اللعن بيان العقوبة لتنزجر النفوس بذلك وسائر الأنكحة المحرمة لا يتمكر مريدها من فعلها لأن شاهدي العقد والولي وغيرهم يطلعون على السبب المحرم فلا يمكنونه بخلاف المحلل فإن السبب المحرم في حقه باطن ثم تلك المناكح قد ظهر تحريمها فلا يشتبه حالها بخلاف نكاح المحلل فإنه قد يشتبه حاله على كثير من الناس لأن صورته صوره النكاح الصحيح وهذا يبين أنه إنما قصد باللعنة من أسر التحليل ثم يكون هذا تنبيها على من أظهره

فإن قيل: فقد لعن آكل الربا وموكله ولعن بائع الخمر ومبتاعها

قيل: البيع لا يفتقر إلى إشهاد وإعلان فتقع هذه العقود من غير ظهور بين المسلمين كما تقع الفاحشة والسرقة

ولهذا لعن الشاهدين إذا علما أنه ربا فإنهما قد يستشهدان على دين مؤجل ولا يشعران أنه ربا ولا يتم مقصود المربى غالبا إلا بالإشهاد على الدين

ولهذا لم يذكر في بيع الخمر الشاهدين لأن بيعها لا يكون غالبا إلى أجل

يحقق هذا أنه لم يلعن من عقد بيعا محرما إلا في الخمر والربا لأن شاهدي النوعين هما اللذان يقع فيهما الاحتيال والتأويل بأن يبيع الرجل عصيره لمن يتخذه خمرا متأولا أني لم أبع الخمر وبأن يربي بصورة البيع متأولا أني بائع لا مرب وهما اللذان يقع الشر فيهما أكثر من غيرهما فظهر أنه ﷺ إنما لعن العقود ثلاثة أصناف صنف التحليل وصنف الربا وصنف الخمر وهذه الثلاثة هي التي تقدم البيان بأن سيكون في هذه الأمة من يستحلها بالتأويل الفاسد وتسميتها بغير أسمائها فخصها باللعنة لأن أصحابها غير عارفين بأنها معاص ولأن معصيتهم تبطل غالبا فلا تتمكن الأمة من تغييرها ولأن هذه المعاصي يجتمع فيها الداعي الطبيعي إلى المال والوطء والشرب مع تزيين الشيطان أنها ليست بحرام فيكون ذلك سببا لكثرتها ولأنه قد علم ﷺ أنه سيكون من يفعلها فتقدم بلعنته زجرا عن ذلك بخلاف بيع الميتة ونكاح الأم ونحو ذلك من المحرمات وهذا كله إذا تأمله اللبيب علم أنه قصد لعنة من أبطن التحليل وإن كان من أظهره يدخل في ذلك بطريق التنبيه وبطريق العموم

الوجه الخامس: إن التحليل أكثر ما يكون برغبة من الزوج المطلق ثلاثا فحينئذ فإما أن يسر ذلك إلى المحلل أو يشرطه عليه ثم يعقد النكاح مطلقا وكذلك إن كان باتفاق من المرأة فالإشتراط في العقد نادر جد لا سيما اللفظ الذي يعتبره هذا السائل وهو أن يقول زوجتك إلى أن تحلها أو على أنك إذا وطئتها فلا نكاح بينكما أو على أنك إذا وطئتها طلقتها فإن العقد بمثل هذا اللفظ إما نادر أو معدوم في جميع الأزمان واللفظ العام الشامل لصور كثيرة تعم بها البلوى لا يجوز قصره على الصور القليلة دون الكثيرة فإن هذا نوع من العي واللبس وكلام الشارع منزه عنه وكما قالوا في قوله أيما امرأة نكحت نفسها بدون إذن وليها فنكاحها باطل فإن حمل هذا اللفظ على المكاتبة ممتنع بلا ريب عند كل ذي لب ومن عرف عقود المسلمين كيف كانت وإن هذه الصيغة المذكورة للتحليل مثل قوله زوجتك على أنك تطلقها إذا أحللتها أو على أنك إذا وطئتها فلا نكاح بينكما لم تكن تعقد بها العقود علم أن التحليل الملعون فاعله هو ما كان واقعا من قصد التحليل وإرادته

الوجه السادس: إن المحلل اسم مشتق من التحليل وليس المعنى أنه أثبت الحل حقيقة فإن هذا لا يعلن بالاتفاق وألا للعن كل من تزوج المطلقة ثلاثا ثم طلقها فعلم أن المعنى به أنه أراد التحليل وسعى فيه والحكم إذا علق باسم مشتق من معنى كان ما منه الإشتقاق علة فيكون الموجب للعنة أنه قصد الحل للأول وسعى فيه فتكون اللعنة عامة لذلك عموما معنويا ومثل هذا العموم لا بجوز تخصيصه إلا لوجود مانع ولا مانع من عمومه فلا يجوز تخصيصه بحال

يبين هذا إنا لو قصرناه على التحليل المشروط في العقد لم تكن العلة هي التحليل ولا شيئا من لوازم التحليل بل العلة توقيت النكاح أو شرط الفرقة فيه بالعقد وهذا المعنى ليس من لوازم قصد التحليل فكيف تعلق الحكم باسم مشتق مناسب ثم لا تجعل العلة ذلك المعنى المشتق منه ولا شيئا من لوازمه بل شيئا قد يوجب في بعض أفراده لقد كان الواجب أن يقال أن لو أريد ذلك المعنى لعن الله من شرط التحليل في العقد وهذا بين إن شاء الله تعالى

الوجه السابع: إنه لو كان التحليل هوالمشروط في العقد فقط لكان إنما لعن لأنه بمنزلة نكاح المتعة من حيث أنه نكاح مؤقت أو مشروط فيه زواله أو الفرقة وحينئذ فكان يجب أن يباح لما كانت المتعة مباحة وأن يكون في التحريم بمنزلة المتعه ولما لعن النبي ﷺ المحلل والمحلل له ولم يذكر عنه لعن المستمتع ولم ينقل عنه أنه أبيح التحليل في الإسلام قط بل هذا ابن عباس وهو ممن يرى إباحة المتعة ويفتي بها ويروي عن النبي ﷺ أنه لعن المحلل والمحلل له ويلعن هو من فعل ذلك ويفتي بتحريمه ويقول إن التحليل المكتوم مخادعة لله وأنه من يخادع الله يخدعه علم أن التحليل حرم لقدر زائد على المتعة وما ذلك إلا لأن المستمتع له رغبة في المرأة وقصد إن كانت إلى أجل والمحلل لا رغبة له في النكاح أصلا وإنما هو كما جاء في الحديث بمنزلة التيس المستعار فإن صاحب الماشية يستعير التيس لا لأجل الملك والقنية ولكن لينزيه على غنمه فكذلك المحلل لا رغبة للمرأة ووليها في مصاهرته ومناكحته واتخاذه ختنا وإنما يستعيرونه لينزونه على فتاتهم وإذا كان كذلك فهذا المعنى موجود سواء شرط في العقد أو لم يشرط

الوجه الثامن: إنه قرنه بالواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة فلا بد من قدر مشترك بينهما وذلك هو التدليس والتلبيس فإن هذه تظهر من الخلقة ما ليس لها وكذلك المحلل يظهر من الرغبة ما ليس له وكذلك قرنه بآكل الربا وموكله لوجهين:

أحدهما: إن كلاهما يستحل بالتدليس والمخادعة

والثاني: إن هذا استحلال للربا وهذا للزنا والزنا والربا فساد الأنساب والأموال وقد جاء في حديث ابن مسعود المتقدم فيما مضى وهو راوي الحديث ما ظهر الربا والزنا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم العقاب وإذا كان الجامع بينهما التدليس والمخادعة فمعلوم إن هذا في التحليل المكتوم أبين منه في التحليل المشروط في العقد

الوجه التاسع: إنا سنذكر إن شاء الله تعالى عن النبي ﷺ ما روي عنه من النص في التحليل المقصود وأن أصحابه بينوا أن من التحليل المقصود ما قصد بالعقد سواء شرط أو لم يشرط وهم أعلم بمقصوده وأعرف بمراده لأنهم أعلم بمفهوم الخطاب اللغوي وبأسباب الحكم الشرعي وبدلالات حال النبي ﷺ وهؤلاء منهم من روى حديث التحليل مثل علي وابن عباس وابن عمر ومعلوم أن الصحابي إذا روى الحديث وفسره بما يوافق الظاهر ولا يخالفه كان الرجوع إلى تفسيره واجبا مانعا للتأوبل ولم يرو عنه الحديث مسندا فقد سماه محللا وقد ثبت بما سيأتي إن شاء الله من حديث عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يفهمون من إطلاق نكاح المحلل ما قصد به التحليل وإنما نهى هؤلاء عنه استدلالا بنهي النبي ﷺ على نكاح المحلل فعلم أنهم فهموا ذلك منه

الوجه العاشر: إنه لو كان التحليل ينقسم إلى حلال وحرام وصحيح وفاسد مع أن النبي ﷺ قد نهى عن ذلك في أحاديث متفرقة بألفاظ مختلفة وكذلك أصحابه في أوقات متباينة وأحوال مختلفة منها ما هو نص في التحليل المقصود ومنها ماهو كالنص فلو كان كثير من التحليل بل أكثره مباحا كما يقوله المنازع لكان الذي تقتضيه العادة المطرودة فضلا عما أوجب الله من بيان الحق أن يبين ذلك ولو واحد منهم في بعض الأوقات فلما لم يفصلوا ولم يبينوا كان هذا مما يوجب القطع إن هذا التفصيلي لا حقيقة له عندهم وإن جنس التحليل حرام فيما عناه النبي ﷺ وفيما فهموه وهذا يوجب اليقين التام بعد استقراء الآثار وتأملها

فإن قيل: تسميته تيسا مستعارا دليل على مشارطته على التحليل لأن غيره إنما يكون استعارة إذا إتفقنا جميعا على التحليل وهذا لا يكون في النية المجردة

قلنا: المستعير له هو المطلق فإن المطلق كان يجيء إلى بعض الناس فيطلب منه أن يحلل له المرأة فيكون هذا بمنزلة التيس الذي استعير لينزو على الشاة لأن المطلق الأول هو الذي له غرض في مراجعة المرأة فهو بمنزلة صاحب الشاة الذي له غرض في إنزاء التيس على شاته فينبغي منه الوطء كما ينبغي من التيس النزو فإذا كانت العادة أن المستعير له إنما هو المطلق لم يلزم من ذلك أن تكون المرأة قد شارطته فإن المرأة مشبهة بالشاة والشاة لا تستعير وإنما يستعار لها ولهذا لعن رسول الله ﷺ [ المحلل والمحلل له ] وهما المستعير والمستعار فعلم أن هذه الاستعارة إنما صدرت منهما والله أعلم



ابن تيمية: إقامة الدليل على إبطال التحليل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29