إقامة الدليل على إبطال التحليل/9

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إقامة الدليل على إبطال التحليل
المؤلف: ابن تيمية


- مسألة: في رجل تزوج بنتا عمرها عشر سنين، واشترط عليه أهلها أن يسكن عندهم، ولا ينقلها عنهم، ولا يدخل عليها إلا بعد سنة، فأخذها إليه وأخلف ذلك ودخل عليها، وذكر الدايات أنه نقلها، ثم سكن بها في مكان يضربها فيه الضرب المبرح، ثم بعد ذلك سافر بها، ثم حضر بها ومنع أن يدخل أهلها عليها مع مداومته على ضربها، فهل يحل أن تدوم معه على هذه الحال ؟، الجواب: إذا كان الأمر على ما ذكر فلا يحل إقرارها معه على هذه الحال، بل إذا تعذر أن يعاشرها بالمعروف فرق بينهما، وليس له أن يطأها وطئا يضر بها، بل إذا لم يمتنع من العدوان عليها فرق بينهما، والله أعلم . وإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه، لم يكن لها أن تطيعه في ذلك، فإن النبي ﷺ قال: " إنه { لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق } " بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله لم يجز له أن يطيعه في معصيته، فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها، أو أحد أبويها في معصية، فإن الخير كله في طاعة الله ورسوله، والشر كله في معصية الله ورسوله .

- مسألة: في حديث عن { النبي ﷺ أنه قال له رجل: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد كف لامس }، فهل هو ما ترد نفسها عن أحد ؟ أو ما ترد يدها في العطاء عن أحد ؟ وهل هو الصحيح أم لا ؟، الجواب: الحمد لله رب العالمين، هذا الحديث قد ضعفه أحمد وغيره، وقد تأوله بعض الناس على أنها لا ترد طالب مال، لكن ظاهر الحديث وسياقه يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من اعتقد ثبوته، وأن النبي ﷺ أمره أن يمسكها مع كونها لا تمنع الرجال، وهذا مما أنكره غير واحد من الأئمة، فإن الله قال في كتابه العزيز: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين }، وفي سنن أبي داود وغيره، { أن رجلا كان له في الجاهلية قريبة من البغايا يقال لها عناق، وأنه سأل النبي ﷺ عن تزوجها، فأنزل الله هذه الآية }، وقد قال سبحانه وتعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان }، فإنما أباح الله نكاح الإماء في حال كونهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان، والمسافحة التي تسافح مع كل أحد، والمتخذات الخدن التي يكون لها صديق واحد، فإذا كان من هذه حالها لا تنكح، فكيف بمن لا ترد يد لامس ؟ بل تسافح مع من اتفق، ، وإذا كان من هذه حالها في الإماء، فكيف بالحرائر ؟ وقد قال تعالى: { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان }، فاشترط هذه الشروط في الرجال هنا كما اشترطه في النساء هناك، وهذا يوافق ما ذكره في سورة النور من قوله تعالى: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } لأنه من تزوج زانية بزان مع غيره لم يكن ماؤه مصونا محفوظا، فكان ماؤه مختلطا بماء غيره، والفرج الذي يطؤه مشتركا، وهذا هو الزنا، والمرأة إذا كان زوجها يزني بغيرها لا يميز بين الحلال والحرام، كان وطؤه لها من جنس وطء الزاني للمرأة التي يزني بها، وإن لم يطأها غيره، وإن من صور الزنى اتخاذ الأخدان، والعلماء قد تنازعوا في جواز نكاح الزانية قبل توبتها على قولين مشهورين، لكن الكتاب والسنة والاعتبار يدل على أن ذلك لا يجوز، ومن تأول آية النور بالعقد، وجعل ذلك منسوخا فبطلان قوله ظاهر من وجوه، ثم المسلمون متفقون على ذم الدياثة، ومن تزوج بغيا كان ديوثا بالاتفاق، وفي الحديث: { لا يدخل الجنة بخيل، ولا كذاب ولا ديوث } "، قال تعالى: { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } أي الرجال الطيبون للنساء الطيبات، والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات، وكذلك في النساء، فإذا كانت المرأة خبيثة كان قرينها خبيثا، وإذا كان قرينها خبيثا كانت خبيثة، وبهذا عظم القول فيمن قذف عائشة ونحوها من أمهات المؤمنين، ولولا ما على الزوج في ذلك من العيب ما حصل هذا التغليظ، ولهذا قال السلف ما بغت امرأة نبي قط، ولو كان تزوج البغي جائزا لوجب تنزيه الأنبياء عما يباح، كيف وفي نساء الأنبياء من هي كافرة، كما في أزواج المؤمنات من هو كافر، كما قال تعالى: { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين }، وأما البغايا فليس في الأنبياء ولا الصالحين من تزوج بغيا، لأن البغاء يفسد فراشه، ولهذا أبيح للمسلم أن يتزوج الكتابية اليهودية والنصرانية، إذا كان محصنا غير مسافح ولا متخذ خدن، فعلم أن تزوج الكافرة قد يجوز، وتزوج البغي لا يجوز، لأن ضرر دينها لا يتعدى إليه، وأما ضرر بغاها فيتعدى إليه، والله أعلم .

- مسألة: في رجل له زوجة، أسكنها بين ناس مناجيس، وهو يخرج بها إلى الفرج وإلى أماكن الفساد، ويعاشر مفسدين، فإذا قيل له: انتقل من هذا المسكن السوء، فيقول: أنا زوجها ولي الحكم في امرأتي ولي السكنى، فهل له ذلك ؟، الجواب: الحمد لله رب العالمين، ليس له أن يسكنها حيث شاء، ولا يخرجها إلى حيث شاء، بل يسكن بها في مسكن يصلح لمثلها، ولا يخرج بها عند أهل الفجور، بل ليس له أن يعاشر الفجار على فجورهم، ومتى فعل ذلك وجب أن يعاقب عقوبتين: عقوبة على فجوره بحسب ما فعل، وعقوبة على ترك صيانة زوجته، وإخراجها إلى أماكن الفجور، فيعاقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل ذلك، والله أعلم . - مسألة: في معسر هل يقسط عليه الصداق ؟ الجواب: إذا كان معسرا قسط عليه الصداق على قدر حاله، ولم يجز حبسه، لكن أكثر العلماء يقبلون قوله في الإعسار مع يمينه، وهو مذهب الشافعي وأحمد، ومنهم من لا يقبل البينة إلا بعد الحبس كما يقوله من يقوله من أصحاب أبي حنيفة، فإذا كانت الحكومة عند من يحكم بمذهب الشافعي وأحمد لم يحبس .

- مسألة: في امرأة عزمت على الحج هي وزوجها، فمات زوجها في شعبان، فهل يجوز لها أن تحج ؟ الجواب: ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة . - مسألة: في امرأة متزوجة برجل، ولها أقارب كلما أرادت تزورهم أخذت الفراش وتقعد عندهم عشرة أيام وأكثر، وقد قربت ولادتها ومتى ولدت عندهم لم يمكن أن تجيء إلى بيتها إلا بعد أيام، ويبقى الزوج بردان فهل يجوز أن يخلوها تلد عندهم ؟، الجواب: لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه، ولا يحل لأحد أن يأخذها إليه ويحبسها عن زوجها، سواء كان ذلك لكونها مرضعا أو لكونها قابلة أو غير ذلك من الصناعات، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله مستحقة العقوبة .

- مسألة: في رجل توفي وقعدت زوجته في عدته أربعين يوما، فما قدرت تخالف مرسوم السلطان، ثم سافرت وحضرت إلى القاهرة ولم تتزين لا بطيب ولا غيره، فهل يجوز خطبتها أو لا ؟ الجواب: العدة تنقضي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن كان قد بقي من هذه شيء فلتتمه في بيتها ولا تخرج ليلا ولا نهارا إلا لأمر ضروري، وتجتنب الزينة والطيب في بنيها وبناتها، ولتأكل ما شاءت من حلال، وتشم الفاكهة، وتجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العدة، لكن إن خطبها إنسان لا تجيبه صريحا والله أعلم . - مسألة: في مطلقة ادعت وحلفت أنها قضت عدتها، فتزوجها زوج ثان، ثم حضرت امرأة أخرى، وزعمت أنها حاضت حيضتين وصدقها الزوج على ذلك ؟ الجواب: إذا لم تحض إلا حيضتين فالنكاح الثاني باطل باتفاق الأئمة، وإذا كان الزوج مصدقا لها وجب أن يفرق بينهما فتكمل عدة الأول بحيضة، ثم تعتد من وطء الثاني عدة كاملة، ثم بعد ذلك إن شاء الثاني أن يتزوجها تزوجها .

- مسألة: في رجل تزوج مصافحة، وقعدت معه أياما فطلع لها زوج آخر، فحمل الزوج والزوجة، وزوجها الأول إلى القاضي فقال لها: تريدين الأول أو الثاني، فقالت: ما أريد إلا الزوج الثاني، فطلقها الأول، ورسم للزوجة أن توفي عدته، وتم معها الزوج، فهل يصح ذلك لها أم لا ؟ الجواب: إذا تزوجت بالثاني قبل أن توفي عدة الأول، وقد فارقها الأول إما لفساد نكاحه، وإما لتطلبه لها، وإما لتفريق الحاكم بينهما، فنكاحها فاسد وتستحق العقوبة هي وهو ومن زوجها، بل عليها أن تتم عدة الأول، ثم إن كان الثاني قد وطئها اعتدت له عدة أخرى، فإذا انقضت العدتان تزوجت حينئذ بمن شاءت بالأول أو بالثاني أو غيرهما .

- سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن امرأة لها زوج، ولها عليه صداق، فلما حضرتها الوفاة أحضرت شاهد عدل وجماعة نسوة، وأشهدت على نفسها أنها أبرأته من الصداق، فهل يصح هذا الإبراء أم لا ؟ وعن رجل وصف له شحم الخنزير لمرض به، هل يجوز له ذلك أم لا ؟ وعن رجل تزوج بيتيمة صغيرة وعقد عقدها شافعي المذهب ولم تدرك إلا بعد شهرين، فهل هذا العقد جائز أم لا ؟، أجاب: الحمد لله، إن كان الصداق ثابتا عليه إلى أن مرضت مرض الموت، لم يصح ذلك إلا بإجازة الورثة الباقين، وأما إن كانت أبرأته في الصحة جاز ذلك، وثبت بشاهد ويمين عند مالك والشافعي وأحمد، وثبت أيضا بشهادة امرأتين ويمين عند مالك، وقول في مذهب أحمد، وإن أقرت في مرضها أنها أبرأته في الصحة لم يقبل هذا الإقرار عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، ويقبل عند الشافعي، وقد قال النبي ﷺ: { إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، وليس للمريض أن يخص الوارث بأكثر مما أعطاه الله)

سئل رحمه الله تعالى أيضا عمن يقول: إن المرأة إذا وقع بها الطلاق الثلاث تباح بدون نكاح ثان للذي طلقها ثلاثا: فهل قال هذا القول أحد من المسلمين، ومن قال هذا القول ماذا يجب عليه ؟ ومن استحلها بعد وقوع الثلاث بدون نكاح ثان ماذا يجب عليه ؟ وما صفة النكاح الثاني الذي يبيحها للأول ؟ أفتونا مأجورين مثابين يرحمكم الله، فأجاب: رضي الله عنه - الحمد لله رب العالمين، إذا وقع بالمرأة الطلاق الثلاث فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم يقل أحد من علماء المسلمين: إنها تباح بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون زوج ثان، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد كذب، ومن قال ذلك أو استحل وطأها بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون نكاح زوج ثان، فإن كان جاهلا يعذر بجهله - مثل أن يكون نشأ بمكان قوم لا يعرفون فيه شرائع الإسلام، أو يكون حديث عهد بالإسلام، أو نحو ذلك - فإنه يعرف دين الإسلام ; فإن أصر على القول بأنها تباح بعد وقوع الثلاث بدون نكاح ثان أو على استحلال هذا الفعل: فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، كأمثاله من المرتدين الذين يجحدون وجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، وحل المباحات التي علم أنها من دين الإسلام، وثبت ذلك بنقل الأمة المتواتر عن نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام، وظهر ذلك بين الخاص والعام، كمن يجحد وجوب " مباني الإسلام " من الشهادتين، والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان وحج البيت الحرام، أو جحد " تحريم الظلم، وأنواعه " كالربا والميسر، أو تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما يدخل في ذلك من تحريم " نكاح الأقارب " سوى بنات العمومة والخؤولة، وتحريم " المحرمات بالمصاهرة " وهن أمهات النساء وبناتهن وحلائل الآباء والأبناء ونحو ذلك من المحرمات، أو حل الخبز واللحم، والنكاح واللباس ; وغير ذلك مما علمت إباحته بالاضطرار من دين الإسلام: فهذه المسائل مما لم يتنازع فيها المسلمون، لا سنيهم ولا بدعيهم، ولكن تنازعوا في مسائل كثيرة من " مسائل الطلاق والنكاح " وغير ذلك من الأحكام ; كتنازع الصحابة والفقهاء بعدهم في " الحرام " هل هو طلاق، أو يمين، أو غير ذلك ؟ وكتنازعهم في " الكنايات الظاهرة " كالخلية، والبرية، والبتة: هل يقع بها واحدة رجعية، أو بائن، أو ثلاث ؟ أو يفرق بين حال وحال ؟ وكتنازعهم في " المولي ": هل يقع به الطلاق عند انقضاء المدة إذا لم يف فيها ؟ أم يوقف بعد انقضائها حتى يفيء أو يطلق ؟ وكتنازع العلماء في طلاق السكران، والمكره، وفي الطلاق بالخط، وطلاق الصبي المميز، وطلاق الأب على ابنه، وطلاق الحكم الذي هو من أهل الزوج بدون توكيله، كما تنازعوا في بذل أجر العوض بدون توكيلها، وغير ذلك من المسائل التي يعرفها العلماء، وتنازعوا أيضا في مسائل " تعليق الطلاق بالشرط " ومسائل " الحلف بالطلاق، والعتاق والظهار، والحرام، والنذر " كقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج أو صوم شهر أو الصدقة بألف، وتنازعوا أيضا في كثير من مسائل " الأيمان " مطلقا في موجب اليمين، وهذا كتنازعهم في تعليق الطلاق بالنكاح: هل يقع أو لا يقع ؟ أو يفرق بين العموم والخصوص ؟ أو بين ما يكون فيه مقصود شرعي وبين أن يقع في نوع ملك أو غير ملك ؟ وتنازعوا في الطلاق المعلق بالشرط بعد النكاح ؟ على ثلاثة أقوال، فقيل: يقع مطلقا، وقيل: لا يقع وقيل: يفرق بين الشرط الذي يقصد وقوع الطلاق عند كونه، وبين الشرط الذي يقصد عدمه، وعدم الطلاق عنده، " فالأول " كقوله: إن أعطيتني ألفا فأنت طالق، " والثاني " كقوله: إن فعلت كذا فعبيدي أحرار، ونسائي طوالق، وعلي الحج، وأما النذر المعلق بالشرط، فاتفقوا على أنه إذا كان مقصوده وجود الشرط كقوله: إن شفى الله مريضي، أو سلم مالي الغائب فعلي صوم شهر، أو الصدقة بمائة: أنه يلزمه، وتنازعوا فيما إذا لم يكن مقصوده وجود الشرط ; بل مقصوده عدم الشرط، وهو حالف بالنذر، كما إذا قال: لا أسافر، وإن سافرت فعلي الصوم، أو الحج، أو الصدقة، أو علي عتق رقبة، ونحو ذلك ؟ على ثلاثة أقوال: فالصحابة وجمهور السلف على أنه يجزيه كفارة يمين، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وهو آخر الروايتين عن أبي حنيفة، وقول طائفة من المالكية: كابن وهب، وابن أبي الغمر، وغيرهما، وهل يتعين ذلك، أم يجزيه الوفاء ؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقيل: عليه الوفاء، كقول مالك، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وحكاه بعض المتأخرين قولا للشافعي ; ولا أصل له في كلامه، وقيل: لا شيء عليه بحال، كقول طائفة من التابعين، وهو قول داود، وابن حزم، وهكذا تنازعوا على هذه الأقوال الثلاثة فيمن حلف بالعتاق أو الطلاق أن لا يفعل شيئا كقوله: إن فعلت كذا فعبدي حر، أو امرأتي طالق، هل يقع ذلك إذا حنث، أو يجزيه كفارة يمين، أو لا شيء عليه ؟ على ثلاثة أقوال، ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق، واتفقوا على أنه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلق امرأتي لا يقع به الطلاق ; بل ولا يجب عليه إذ لم يكن قربة ; ولكن هل عليه كفارة يمين ؟ على قولين، " أحدهما " يجب عليه كفارة يمين، وهو مذهب أحمد في المشهور عنه، ومذهب أبي حنيفة فيما حكاه ابن المنذر والخطابي وابن عبد البر وغيرهم، وهو الذي وصل إلينا في كتب أصحابه، وحكى القاضي أبو يعلى وغيره، وعنه أنه لا كفارة فيه، " والثاني " لا شيء عليه، وهو مذهب الشافعي .

- مسألة: قال شيخ الإسلام: إذا حلف الرجل يمينا من الأيمان، فالأيمان ثلاثة أقسام: أحدها: ما ليس من أيمان المسلمين، وهو الحلف بالمخلوقات، كالكعبة، والملائكة، والمشايخ، والملوك والآباء ; وتربتهم، ونحو ذلك، فهذه يمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها باتفاق العلماء ; بل هي منهي عنها باتفاق أهل العلم والنهي نهي تحريم في أصح قوليهم، ففي الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: { من كان حالفا فيحلف بالله أو ليصمت }، وقال: { إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم }، وفي السنن عنه أنه قال: { من حلف بغير الله فقد أشرك }، والثاني: اليمين بالله تعالى، كقوله: والله لأفعلن، فهذه يمين منعقدة فيها الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين، وأيمان المسلمين التي هي في معنى الحلف بالله مقصود الحالف بها تعظيم الخالق - لا الحلف بالمخلوقات - كالحلف بالنذر، والطلاق، والعتاق، كقوله: إن فعلت كذا فعلي صيام شهر أو الحج إلى بيت الله، أو الحل علي حرام لا أفعل كذا، أو إن فعلت كذا فكل ما أملكه حرام، أو الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، أو لا أفعله، أو إن فعلته فنسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وكل ما أملكه صدقة، ونحو ذلك فهذه الأيمان للعلماء فيها ثلاثة أقوال، قيل إذا حنث لزمه ما علقه وحلف به، وقيل لا يلزمه شيء، وقيل: يلزمه كفارة يمين، ومنهم من قال: الحلف بالنذر يجزيه فيه الكفارة، والحلف بالطلاق والعتاق يلزمه ما حلف به، وأظهر الأقوال، وهو القول الموافق للأقوال الثابتة عن الصحابة، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار: أنه يجزئه كفارة يمين في جميع أيمان المسلمين، كما قال الله تعالى: { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم }، وقال تعالى: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم }، وثبت في الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: { من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه }، فإذا قال: الحلال علي حرام لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، أو إن فعلت كذا فعلي الحج، أو مالي صدقة: أجزأه في ذلك كفارة يمين، فإن كفر كفارة الظهار فهو أحسن، وكفارة اليمين يخير فيها بين العتق، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، وإذا أطعمهم أطعم كل واحد جراية من الجرايات المعروفة في بلده، مثل: أن يطعم ثمان أواق، أو تسع أواق بالشامي، ويطعم مع

ذلك إدامها ; كما جرت عادة أهل الشام في إعطاء الجرايات خبزا وإداما، وإذا كفر يمينه لم يقع به الطلاق، وأما إذا قصد إيقاع الطلاق على الوجه الشرعي، مثل أن ينجز الطلاق فيطلقها واحدة في طهر لم يصبها فيه، فهذا يقع به الطلاق باتفاق العلماء، وكذلك إذا علق الطلاق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها، مثل أن يكون مريدا للطلاق إذا فعلت أمرا من الأمور، فيقول لها: إن فعلته فأنت طالق، قصده أن يطلقها إذا فعلته، فهذا مطلق يقع به الطلاق عند السلف وجماهير الخلف ; بخلاف من قصده أن ينهاها ويزجرها باليمين ; ولو فعلت ذلك الذي يكرهه لم يجز أن يطلقها ; بل هو مريد لها وإن فعلته ; لكنه قصد اليمين لمنعها عن الفعل ; لا مريدا أن يقع الطلاق وإن فعلته، فهذا حالف لا يقع به الطلاق في أظهر قولي العلماء من السلف والخلف، بل يجزئه كفارة يمين، كما تقدم .

فصل وأما إذا قال: إن فعلته فعلي إذا عتق عبدي، فاتفقوا على أنه لا يقع العتق بمجرد الفعل ; لكن يجب عليه العتق، وهو مذهب مالك، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وقيل: لا يجب عليه شيء، وهو قول طائفة من التابعين، وقول داود، وابن حزم، وقيل: عليه كفارة يمين، وهو قول الصحابة وجمهور التابعين، ومذهب الشافعي وأحمد، وهو مخير بين التكفير والإعتاق على المشهور عنهما، وقيل: يجب التكفير عينا ; ولم ينقل عن الصحابة شيء في الحلف بالطلاق فيما بلغنا بعد كثرة البحث، وتتبع كتب المتقدمين والمتأخرين ; بل المنقول عنهم إما ضعيف ; بل كذب من جهة النقل، وإما أن لا يكون دليلا على الحلف بالطلاق ; فإن الناس لم يكونوا يحلفون بالطلاق على عهدهم ; ولكن نقل عن طائفة منهم في الحلف بالعتق أن يجزيه كفارة يمين، كما إذا قال: إن فعلت كذا فعبدي حر، وقد نقل عن بعض هؤلاء نقيض هذا القول، وأنه يعتق، وقد تكلمنا على أسانيد ذلك في غير هذا الموضع، ومن قال من الصحابة والتابعين: إنه لا يقع العتق فإنه لا يقع الطلاق بطريق الأولى، كما صرح بذلك من صرح به من التابعين، وبعض العلماء ظن أن الطلاق لا نزاع فيه فاضطره ذلك إلى أن عكس موجب الدليل فقال: يقع الطلاق ; دون العتاق، وقد بسط الكلام على هذه المسائل، وبين ما فيها من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والأئمة الأربعة، وغيرهم من علماء المسلمين، وحجة كل قوم في غير هذا الموضع، وتنازع العلماء فيما إذا حلف بالله أو الطلاق أو الظهار أو الحرام أو النذر أنه لا يفعل شيئا ففعله ناسيا ليمينه، أو جاهلا بأنه المحلوف عليه: فهل يحنث، كقول أبي حنيفة ومالك وأحمد، وأحد القولين للشافعي وإحدى الروايات عن أحمد ؟ أو لا يحنث بحال، كقول المكيين، والقول الآخر للشافعي والرواية الثانية عن أحمد ؟ أو يفرق بين اليمين بالطلاق والعتاق وغيرهما، كالرواية الثالثة عن أحمد، وهو اختيار القاضي والخرقي وغيرهما من أصحاب أحمد، والقفال من أصحاب الشافعي ؟ وكذلك لو اعتقد أن امرأته بانت بفعل المحلوف عليه، ثم تبين له أنها لم تبن ؟ ففيه قولان، وكذلك إذا حلف بالطلاق أو غيره على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه ؟ ففيه ثلاثة أقوال كما ذكر، ولو حلف على شيء يشك فيه ثم تبين صدقه ؟ ففيه قولان، عند مالك يقع، وعند الأكثرين لا يقع، وهو المشهور من مذهب أحمد، والمنصوص عنه في رواية حرب التوقف في المسألة، فيخرج على وجهين، كما إذا حلف ليفعلن اليوم كذا ومضى اليوم، أو شك في فعله هل يحنث ؟ على وجهين، واتفقوا على أنه يرجع في اليمين إلى نية الحالف إذا احتملها لفظه، ولم يخالف الظاهر، أو خالفه وكان مظلوما، وتنازعوا هل يرجع إلى سبب اليمين وسياقها وما هيجها ؟ على قولين: فمذهب المدنيين كمالك وأحمد وغيره أنه يرجع إلى ذلك، والمعروف في مذهب أبي حنيفة والشافعي أنه لا يرجع: لكن في مسائلهما ما يقتضي خلاف ذلك، وإن كان السبب أعم من اليمين عمل به عند من يرى السبب، وإن كان خاصا: فهل يقصر اليمين عليه ؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، وإن حلف على معين يعتقده على صفة فتبين بخلافها ؟ ففيه أيضا قولان، وكذلك لو طلق امرأته بصفة ; ثم تبين بخلافها مثل أن يقول: أنت طالق أن دخلت الدار - بالفتح - أي لأجل دخولك الدار ; ولم تكن دخلت، فهل يقع به الطلاق ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، وكذلك إذا قال: أنت طالق لأنك فعلت كذا ونحو ذلك، ولم تكن فعلته ؟ ولو قيل له: امرأتك فعلت كذا ; فقال: هي طالق، ثم تبين أنهم كذبوا عليها ؟ ففيه قولان وتنازعوا في الطلاق المحرم: كالطلاق في الحيض ; وكجمع الثلاث عند الجمهور الذين يقولون: إنه حرام ; ولكن الأربعة وجمهور العلماء يقولون: كونه حراما لا يمنع وقوعه، كما أن الظهار محرم وإذا ظاهر ثبت حكم الظهار ; وكذلك " النذر " قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ " أنه نهى عنه " ومع هذا يجب عليه الوفاء به بالنص والإجماع، والذين قالوا: لا يقع، اعتقدوا أن كل ما نهى الله عنه فإنه يقع فاسدا لا يترتب عليه حكم، والجمهور فرقوا بين أن يكون الحكم يعمه لا يناسب فعل المحرم: كحل الأموال والأبضاع وإجزاء العبادات وبين أن يكون عبادة تناسب فعل المحرم كالإيجاب والتحريم ; فإن المنهي عن شيء إذا فعله قد تلزمه بفعله كفارة أو حد، أو غير ذلك من العقوبات: فكذلك قد ينهى عن فعل شيء فإذا فعله لزمه به واجبات ومحرمات ; ولكن لا ينهى عن شيء إذا فعله أحلت له بسبب فعل المحرم الطيبات ; فبرئت ذمته من الواجبات ; فإن هذا من " باب الإكرام والإحسان " والمحرمات لا تكون سببا محضا للإكرام والإحسان ; بل هي سبب للعقوبات إذا لم يتقوا الله تبارك وتعالى ; كما قال تعالى: {

فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } وقال تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } إلى قوله تبارك وتعالى: { ذلك جزيناهم ببغيهم } وكذلك ما ذكره تعالى في قصة البقرة من كثرة سؤالهم وتوقفهم عن امتثال أمره كان سببا لزيادة الإيجاب، ومنه قوله تعالى: { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } وحديث النبي ﷺ: { إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته } { ولما سألوه عن الحج: أفي كل عام ؟ قال: لا، ولو قلت: نعم لوجب ; ولو وجب لم تطيقوه ; ذروني ما تركتم ; فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ; فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم }، ومن هنا قال طائفة من العلماء: إن الطلاق الثلاث حرمت به المرأة عقوبة للرجل حتى لا يطلق ; فإن الله يبغض الطلاق ; وإنما يأمر به الشياطين والسحرة كما قال تعالى في السحر: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: { إن الشيطان ينصب عرشه على البحر ; ويبعث جنوده فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة ; فيأتي أحدهم فيقول: ما زلت به حتى شرب الخمر، فيقول الساعة يتوب، ويأتي الآخر فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيقبله بين عينيه، ويقول: أنت، أنت، }، وقد روى أهل التفسير والحديث والفقه: أنهم كانوا في أول الإسلام يطلقون بغير عدد: يطلق الرجل المرأة، ثم يدعها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ضرارا، فقصرهم الله على الطلقات الثلاث ; لأن الثلاث أول حد الكثرة، وآخر حد القلة، ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه، كما دلت عليه الآثار والأصول ; ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحيانا، وحرمه في مواضع باتفاق العلماء، كما إذا طلقها في الحيض ولم تكن سألته الطلاق ; فإن هذا الطلاق حرام باتفاق العلماء، والله تعالى بعث محمدا ﷺ بأفضل الشرائع وهي الحنيفية السمحة، كما قال: { أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة } فأباح لعباده المؤمنين الوطء بالنكاح، والوطء بملك اليمين، واليهود والنصارى لا يطئون إلا بالنكاح ; لا يطئون بملك اليمين، " وأصل ابتداء الرق " إنما يقع من السبي، والغنائم لم تحل إلا لأمة محمد ﷺ، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه قال: { فضلنا على الأنبياء بخمس: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، وأعطيت الشفاعة } فأباح سبحانه للمؤمنين أن ينكحوا وأن يطلقوا، وأن يتزوجوا المرأة المطلقة بعد أن تتزوج بغير زوجها، " والنصارى " يحرمون النكاح على بعضهم، ومن أباحوا له النكاح لم يبيحوا له الطلاق، " واليهود " يبيحون الطلاق ; لكن إذا تزوجت المطلقة بغير زوجها حرمت عليه عندهم، والنصارى لا طلاق عندهم، واليهود لا مراجعة بعد أن تتزوج غيره عندهم، والله تعالى أباح للمؤمنين هذا وهذا، ولو أبيح الطلاق بغير عدد - كما كان في أول الأمر - لكان الناس يطلقون دائما: إذا لم يكن أمر يزجرهم عن الطلاق ; وفي ذلك من الضرر والفساد ما أوجب حرمة ذلك، ولم يكن فساد الطلاق لمجرد حق المرأة فقط: كالطلاق في الحيض حتى يباح دائما بسؤالها ; بل نفس الطلاق إذا لم تدع إليه حاجة منهي عنه باتفاق العلماء: إما نهي تحريم، أو نهي تنزيه، وما كان مباحا للحاجة قدر بقدر الحاجة، والثلاث هي مقدار ما أبيح للحاجة، كما قال النبي ﷺ: { لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام } وكما قال: { لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ; إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا } وكما رخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، وهذه الأحاديث في الصحيح، وهذا مما احتج به من لا يرى وقوع الطلاق إلا من القصد ; ولا يرى وقوع طلاق المكره ; كما لا يكفر من تكلم بالكفر مكرها بالنص والإجماع ; ولو تكلم بالكفر مستهزئا بآيات الله وبالله ورسوله كفر ; كذلك من تكلم بالطلاق هازلا وقع به، ولو حلف بالكفر فقال: إن فعل كذا فهو بريء من الله ورسوله ; أو فهو يهودي أو نصراني، لم يكفر بفعل المحلوف عليه ; وإن كان هذا حكما معلقا بشرط في اللفظ ; لأن مقصوده الحلف به بغضا له ونفورا عنه ; لا إرادة له ; بخلاف من قال: إن أعطيتموني ألفا كفرت فإن هذا يكفر، وهكذا يقول من يفرق بين الحلف بالطلاق وتعليقه بشرط لا يقصد كونه، وبين الطلاق المقصود عند وقوع الشرط، ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إلى أن الخلع فسخ للنكاح ; وليس هو من الطلقات الثلاث، كقول ابن عباس، والشافعي و أحمد في أحد قوليهما لأن المرأة افتدت نفسها من الزوج كافتداء الأسير ; وليس هو من الطلاق المكروه في الأصل، ولهذا يباح في الحيض ; بخلاف الطلاق، وأما إذا عدل هو عن الخلع وطلقها إحدى الثلاث بعوض فالتفريط منه، وذهب طائفة من السلف: كعثمان بن عفان وغيره ; ورووا في ذلك حديثا مرفوعا، وبعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد جعلوه مع الأجنبي فسخا، كالإقالة، والصواب أنه مع الأجنبي كما هو مع المرأة ; فإنه إذا كان افتداء المرأة كما يفدى الأسير فقد يفتدي الأسير بمال منه ومال من غيره ; وكذلك العبد يعتق بمال يبذله هو وما يبذله الأجنبي، وكذلك الصلح يصح مع المدعى عليه ومع أجنبي فإن هذا جميعه من باب الإسقاط والإزالة، وإذ كان الخلع رفعا للنكاح ; وليس هو من الطلاق الثلاث: فلا فرق بين أن يكون المال المبذول من المرأة، أو من أجنبي، وتشبيه فسخ النكاح بفسخ البيع: فيه نظر ; فإن البيع لا يزول إلا برضى المتبايعين ; لا يستقل

أحدهما بإزالته ; بخلاف النكاح ; فإن المرأة ليس إليها إزالته ; بل الزوج يستقل بذلك ; لكن افتداؤها نفسها منه كافتداء الأجنبي لها، ومسائل الطلاق وما فيها من الإجماع والنزاع مبسوط في غير هذا الموضوع، والمقصود هنا إذا وقع به الثلاث حرمت عليه المرأة بإجماع المسلمين، كما دل عليه الكتاب والسنة، ولا يباح إلا بنكاح ثان، وبوطئه لها عند عامة السلف والخلف ; فإن النكاح المأمور به يؤمر فيه بالعقد وبالوطء، بخلاف المنهي عنه ; فإنه ينهى فيه عن كل من العقد والوطء ; ولهذا كان النكاح الواجب والمستحب يؤمر فيه بالوطء من العقد " والنكاح المحرم " يحرم فيه مجرد العقد، وقد ثبت في الصحيح { أن النبي ﷺ قال لامرأة رفاعة القرظي، لما أرادت أن ترجع إلى رفاعة بدون الوطء لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك } وليس في هذا خلاف إلا عن سعيد بن المسيب، فإنه - مع أنه أعلم التابعين - لم تبلغه السنة في هذه المسألة، " والنكاح المبيح " هو النكاح المعروف عند المسلمين، وهو النكاح الذي جعل الله فيه بين الزوجين مودة ورحمة ; ولهذا قال النبي ﷺ فيه: { حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك } فأما " نكاح المحلل " فإنه لا يحلها للأول عند جماهير السلف، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: { لعن الله المحلل والمحلل له } وقال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما، وكذلك قال عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم: إنه لا يبيحها إلا بنكاح رغبة ; لا نكاح محلل، ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه رخص في نكاح التحليل، ولكن تنازعوا في " نكاح المتعة " فإن نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من ثلاثة أوجه، " أحدها " أنه كان مباحا في أول الإسلام ; بخلاف التحليل، " الثاني " أنه رخص فيه ابن عباس وطائفة من السلف ; بخلاف التحليل فإنه لم يرخص فيه أحد من الصحابة، " الثالث " أن المتمتع له رغبة في المرأة وللمرأة رغبة فيه إلى أجل ; بخلاف المحلل فإن المرأة ليس لها رغبة فيه بحال، وهو ليس له رغبة فيها ; بل في أخذ ما يعطاه، وإن كان له رغبة فهي من رغبته في الوطء ; لا في اتخاذها زوجة، من جنس رغبة الزاني ; ولهذا قال ابن عمر: لا يزالان زانيين، وإن مكثا عشرين سنة، إذ الله علم من قلبه أنه يريد أن يحلها له، ولهذا تعدم فيه خصائص النكاح ; فإن النكاح المعروف كما قال تعالى: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } والتحليل فيه البغضة والنفرة ; ولهذا لا يظهره أصحابه ; بل يكتمونه كما يكتم السفاح، ومن شعائر النكاح إعلانه، كما قال النبي ﷺ: { أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف }، ولهذا يكفي في إعلانه الشهادة عليه عند طائفة من العلماء، وطائفة أخرى توجب الإشهاد والإعلان ; فإذا تواصوا بكتمانه بطل، ومن ذلك الوليمة عليه، والنثار، والطيب، والشراب، ونحو ذلك مما جرت به عادات الناس في النكاح، وأما " التحليل " فإنه لا يفعل فيه شيء من هذا ; لأن أهله لم يريدوا أن يكون المحلل زوج المرأة، ولا أن تكون المرأة امرأته ; وإنما المقصود استعارته لينزو عليها، كما جاء في الحديث المرفوع تسميته بالتيس المستعار ; ولهذا شبه بحمار العشريين الذي يكترى للتقفيز على الإناث ; ولهذا لا تبقى المرأة مع زوجها بعد التحليل كما كانت قبله ; بل يحصل بينهما نوع من النفرة، ولهذا لما لم يكن في التحليل مقصود صحيح يأمر به الشارع: صار الشيطان يشبه به أشياء مخالفة للإجماع، فصار طائفة من عامة الناس يظنون أن ولادتها لذكر يحلها، أو إن وطئها بالرجل على قدمها أو رأسها أو فوق سقف أو سلم هي تحته يحلها، ومنهم من يظن أنهما إذا التقيا بعرفات، كما التقى آدم وامرأته أحلها ذلك، ومنهن من إذا تزوجت بالمحلل به لم تمكنه من نفسها ; بل تمكنه من أمة لها، ومنهن من تعطيه شيئا، وتوصيه بأن يقر بوطئها، ومنهم من يحلل الأم وبنتها، إلى أمور أخر قد بسطت في غير هذا الموضع، بيناها في " كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل "، ولا ريب أن المنسوخ من الشريعة وما تنازع فيه السلف خير من مثل هذا، فإنه لو قدر أن الشريعة تأتي بأن الطلاق لا عدد له لكان هذا ممكنا وإن كان هذا منسوخا، وإما أن يقال: إن من طلق امرأته لا تحل له حتى يستكري من يطؤها فهذا لا تأتي به شريعة، وكثير من أهل التحليل يفعلون أشياء محرمة باتفاق المسلمين ; فإن المرأة المعتدة لا يحل لغير زوجها أن يصرح بخطبتها، سواء كانت معتدة من عدة طلاق أو عدة وفاة، قال تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } فنهى الله تعالى عن المواعدة سرا، وعن عزم عقدة النكاح، حتى يبلغ الكتاب أجله، وإذا كان هذا في عدة الموت فهو في عدة الطلاق أشد باتفاق المسلمين ; فإن المطلقة قد ترجع إلى زوجها ; بخلاف من مات عنها، وأما " التعريض " فإنه يجوز في عدة المتوفى عنها، ولا يجوز في عدة الرجعية وفيما سواهما، فهذه المطلقة ثلاثا لا يحل لأحد أن يواعدها سرا، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين، وإذا تزوجت بزوج ثان وطلقها ثلاثا لم يحل للأول أن يواعدها سرا، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله باتفاق المسلمين، وذلك أشد وأشد وإذا كانت مع زوجها لم يحل لأحد أن يخطبها، لا تصريحا، ولا تعريضا ; باتفاق المسلمين، فإذا كانت لم تتزوج بعد لم يحل للمطلق ثلاثا أن يخطبها ; لا تصريحا ولا تعريضا، باتفاق المسلمين، وخطبتها في هذه الحال أعظم من خطبتها بعد أن تتزوج بالثاني، وهؤلاء " أهل التحليل " قد يواعد أحدهم المطلقة ثلاثا، ويعزمان قبل أن تنقضي عدتها وقبل نكاح الثاني على عقدة النكاح بعد النكاح الثاني نكاح المحلل، ويعطيها ما تنفقه على شهود عقد التحليل، وللمحلل، وما ينفقه عليها في عدة التحليل، والزوج المحلل لا يعطيها مهرا، ولا نفقة عدة، ولا نفقة طلاق، فإذا كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز في هذه وقت نكاحها بالثاني أن يخطبها الأول - لا تصريحا ولا تعريضا - فكيف إذا خطبها قبل أن تتزوج بالثاني ؟ أو إذا كان بعد أن يطلقها الثاني لا يحل للأول أن يواعدها سرا، ولا يعزم عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله: فكيف إذا فعل ذلك من قبل أن يطلق ؟، بل قبل أن يتزوج، بل قبل أن تنقضي عدتها منه، فهذا كله يحرم باتفاق المسلمين، وكثير من أهل التحليل يفعله، وليس في التحليل صورة اتفق المسلمون على حلها ولا صورة أباحها النص ; بل من صور التحليل ما أجمع المسلمون على تحريمه، ومنها ما تنازع فيه العلماء، وأما الصحابة فلم يثبت { عن النبي ﷺ أنه لعن المحلل والمحلل له } منهم ; وهذا وغيره يبين أن من التحليل ما هو شر من نكاح المتعة وغيره من الأنكحة التي تنازع فيها السلف ; وبكل حال فالصحابة أفضل هذه الأمة وبعدهم التابعون، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: { خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم } فنكاح تنازع السلف في جوازه أقرب من نكاح أجمع السلف على تحريمه، وإذا تنازع فيه الخلف فإن أولئك أعظم علما ودينا ; وما أجمعوا على تعظيم تحريمه كان أمره أحق مما اتفقوا على تحريمه وإن اشتبه تحريمه على من بعدهم، والله تعالى أعلم .

فصل والطلاق الذي يقع بلا ريب هو الطلاق الذي أذن الله فيه وأباحه، وهو أن يطلقها في الطهر قبل أن يطأها، أو بعد ما يبين حملها طلقة واحدة، فأما الطلاق المحرم: مثل أن يطلقها في الحيض، أو يطلقها بعد أن يطأها وقبل أن يبين حملها، فهذا الطلاق محرم باتفاق العلماء، وكذلك إذا طلقها ثلاثا بكلمة أو كلمات في طهر واحد، فهو محرم عند جمهور العلماء، وتنازعوا فيما يقع بها، فقيل: يقع بها الثلاث، وقيل: لا يقع بها إلا طلقة واحدة، وهذا هو الأظهر الذي يدل عليه الكتاب والسنة، كما قد بسط في موضعه، وكذلك الطلاق المحرم في الحيض وبعد الوطء، هل يلزم ؟ فيه قولان للعلماء، والأظهر أنه لا يلزم، كما لا يلزم النكاح المحرم، والبيع المحرم، وقد ثبت في الصحيح { عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة }، وثبت أيضا في مسند أحمد { أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فقال النبي ﷺ: هي واحدة }، ولم يثبت عن النبي خلاف هذه السنة، بل ما يخالفها إما أنه ضعيف ; بل مرجوح، وإما إنه صحيح لا يدل على خلاف ذلك، كما قد بسط ذلك في موضعه، والله أعلم .

فصل الطلاق منه طلاق سنة أباحه الله تعالى، وطلاق بدعة حرمه الله، فطلاق السنة أن يطلقها طلقة واحدة إذا طهرت من الحيض قبل أن يجامعها، أو يطلقها حاملا قد تبين حملها، فإن طلقها وهي حائض، أو وطئها وطلقها بعد الوطء قبل أن يتبين حملها فهذا طلاق محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وتنازع العلماء: هل يلزم ؟ أو لا يلزم ؟ على قولين، والأظهر أنه لا يلزم، وإن طلقها ثلاثا بكلمة، أو بكلمات في طهر واحد قبل أن يراجعها، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا، أو أنت طالق ألف طلقة، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ونحو ذلك من الكلام، فهذا حرام عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وظاهر مذهبه، وكذلك لو طلقها ثلاثا قبل أن تنقضي عدتها، فهو أيضا حرام عند الأكثرين، وهو مذهب مالك وأحمد في ظاهر مذهبه، وأما السنة: إذا طلقها طلقة واحدة لم يطلقها الثانية حتى يراجعها في العدة، أو يتزوجها بعقد جديد بعد العدة، فحينئذ له أن يطلقها الثانية وكذلك الثالثة، فإذا طلقها الثالثة كما أمر الله ورسوله حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وأما لو طلقها الثلاث طلاقا محرما، مثل أن يقول: لها أنت طالق ثلاثة جملة واحدة، فهذا فيه قولان للعلماء أحدهما يلزمه الثلاث، والثاني لا يلزمه إلا طلقة واحدة، وله أن يرتجعها في العدة، وينكحها بعقد جديد بعد العدة، وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو قول طائفة من أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ; وهذا أظهر القولين ; لدلائل كثيرة: منها ما ثبت في الصحيح { عن ابن عباس قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر واحدة }، ومنها ما رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد جيد عن ابن عباس: { أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: إنما هي واحدة وردها عليه } وهذا الحديث قد ثبته أحمد بن حنبل وغيره، وضعف أحمد وأبو عبيد وابن حزم وغيرهم، ما روي { أنه طلقها ألبتة وقد استحلفه ما أردت إلا واحدة ؟ } فإن رواة هذا مجاهيل لا يعرف حفظهم وعدلهم ; ورواة الأول معروفون بذلك، ولم ينقل أحد عن النبي ﷺ بإسناد مقبول أن أحدا طلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة فألزمه الثلاث ; بل روي في ذلك أحاديث كلها كذب باتفاق أهل العلم ; ولكن جاء في أحاديث صحيحة: " أن فلانا طلق امرأته ثلاثا "، أي ثلاثا متفرقة وجاء: { إن الملاعن طلق ثلاثا } وتلك امرأة لا سبيل له إلى رجعتها ; بل هي محرمة عليه سواء طلقها أو لم يطلقها، كما لو طلق المسلم امرأته إذا ارتدت ثلاثا، وكما لو أسلمت امرأة اليهودي فطلقها ثلاثا ; أو أسلم زوج المشركة فطلقها ثلاثا، وإنما الطلاق الشرعي أن يطلق من يملك أن يرتجعها أو يتزوجها بعقد جديد، والله أعلم .

فالطلاق ثلاثة أنواع باتفاق المسلمين: الطلاق الرجعي: وهو الذي يمكنه أن يرتجعها فيه بغير اختيارها، وإذا مات أحدهما في العدة ورثه الآخر، والطلاق البائن: وهو ما يبقى به خاطبا من الخطاب، لا تباح له إلا بعقد جديد، والطلاق المحرم لها: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وهو فيما إذا طلقها ثلاث تطليقات، كما أذن الله ورسوله، وهو: أن يطلقها ثم يرتجعها في العدة، أو يتزوجها ثم يطلقها ثم يرتجعها، أو يتزوجها ثم يطلقها الطلقة الثالثة، فهذا الطلاق المحرم لها حتى تنكح زوجا غيره باتفاق العلماء، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله في المدخول بها طلاق بائن يحسب من الثلاث، ولهذا كان مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في أحد قوليه، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وابن المنذر، وداود وابن خزيمة وغيرهم: أن " الخلع " فسخ للنكاح وفرقة بائنة بين الزوجين، لا يحسب من الثلاث، وهذا هو الثابت عن الصحابة: كابن عباس، وكذلك ثبت عن عثمان بن عفان وابن عباس وغيرهما: أن المختلعة ليس عليها أن تعتد بثلاثة قروء ; وإنما عليها أن تعتد بحيضة، وهو قول إسحاق بن راهويه ; وابن المنذر وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وروي في ذلك أحاديث معروفة في السنن عن النبي ﷺ يصدق بعضها بعضا، وبين أن ذلك ثابت عن النبي ﷺ وقال: روي عن طائفة من الصحابة أنهم جعلوا الخلع طلاقا ; لكن ضعفه أئمة الحديث، كالإمام أحمد بن حنبل ; وابن خزيمة ; وابن المنذر، والبيهقي، وغيرهم، كما روي في ذلك عنهم، والخلع: أن تبذل المرأة عوضا لزوجها ; ليفارقها، قال الله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون، وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم } فبين سبحانه أن المطلقات بعد الدخول يتربصن أي ينتظرن ثلاث قروء، " والقرء " عند أكثر الصحابة: كعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وغيرهم: الحيض، فلا تزال في العدة حتى تنقضي الحيضة الثالثة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وذهب ابن عمر وعائشة وغيرهما أن العدة تنقضي بطعنها في الحيضة الثالثة، وهي مذهب مالك، والشافعي .

- مسألة: سئل الشيخ رحمه الله تعالى أيضا عن الفرق بين الطلاق الحلال والطلاق الحرام ؟ وعن الطلاق الحرام هل هو لازم أو ليس بلازم ؟ وعن الفرق بين الخلع والطلاق ؟ وعن حكم الحلف بلفظ الحرام، هل هو طلاق أم لا ؟ وعن بسط الحكم في ذلك ؟ فأجاب رحمه الله تعالى بقوله: الطلاق منه ما هو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، ومنه ما ليس بمحرم، فالطلاق المباح - باتفاق العلماء - هو أن يطلق الرجل امرأته طلقة واحدة ; إذا طهرت من حيضتها، بعد أن تغتسل وقبل أن يطأها ثم يدعها فلا يطلقها حتى تنقضي عدتها، وهذا الطلاق يسمى " طلاق السنة " فإن أراد أن يرتجعها في العدة فله ذلك بدون رضاها ولا رضا وليها، ولا مهر جديد، وإن تركها حتى تقضي العدة، فعليه أن يسرحها بإحسان فقد بانت منه، فإن أراد أن يتزوجها بعد انقضاء العدة جاز له ذلك ; لكن يكون بعقد ; كما لو تزوجها ابتداء أو تزوجها غيره ثم ارتجعها في العدة، أو تزوجها بعد العدة وأراد أن يطلقها ; فإنه يطلقها كما تقدم، ثم إذا ارتجعها، أو تزوجها مرة ثانية، وأراد أن يطلقها، فإنه يطلقها كما تقدم، فإذا طلقها الطلقة الثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، كما حرم الله ذلك ورسوله، وحينئذ فلا تباح له إلا بعد أن يتزوجها غيره النكاح المعروف الذي يفعله الناس إذا كان الرجل راغبا في نكاح المرأة ثم يفارقها، فأما إن تزوجها بقصد أن يحلها لغيره فإنه محرم عند أكثر العلماء، كما نقل عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وغيرهم، وكما دلت على ذلك النصوص النبوية، والأدلة الشرعية، ومن العلماء من رخص في ذلك، كما قد بين ذلك في غير هذا الموضع، وإن كانت المرأة مما لا تحيض لصغرها أو كبرها ; فإنه يطلقها متى شاء، سواء كان وطئها أو لم يكن يطؤها ; فإن هذه عدتها ثلاثة أشهر، ففي أي وقت طلقها لعدتها ; فإنها لا تعتد بقروء، ولا بحمل ; لكن من العلماء من يسمي هذا " طلاق سنة " ومنهم من لا يسميه " طلاق سنة " ولا " بدعة "، وإن طلقها في الحيض، أو طلقها بعد أن وطئها وقبل أن يتبين حملها: فهذا الطلاق محرم، ويسمى " طلاق البدعة " وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وإن كان قد تبين حملها، وأراد أن يطلقها: فله أن يطلقها، وهل يسمى هذا طلاق سنة ؟ أو لا يسمى طلاق سنة، ولا بدعة ؟ فيه نزاع لفظي، وهذا الطلاق المحرم في الحيض، وبعد الوطء وقبل تبين الحمل هل يقع ؟ أو لا يقع ؟ سواء كانت واحدة أو ثلاثا، فيه قولان معروفان للسلف والخلف، وإن طلقها ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات ; مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا، أو أنت طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق، أو يقول: أنت طالق ثلاثا، أو عشر طلقات، أو مائة طلقة، أو ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها، ومن السلف من فرق بين المدخول بها وغير المدخول بها، وفيه قول رابع محدث مبتدع: أحدها: أنه طلاق مباح لازم، وهو قول الشافعي، وأحمد في الرواية القديمة عنه: اختارها الخرقي، الثاني: أنه طلاق محرم لازم وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف، من الصحابة، والتابعين، والذي قبله منقول عن بعضهم، الثالث: أنه محرم، ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله ﷺ مثل الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان ; وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم ; مثل طاوس وخلاس بن عمرو ; ومحمد بن إسحاق ; وهو قول داود وأكثر أصحابه، ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد، ولهذا ذهب إلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، وأما القول الرابع: الذي قاله بعض المعتزلة والشيعة: فلا يعرف عن أحد من السلف، وهو أنه لا يلزمه شيء، والقول الثالث: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة: فإن كل طلاق شرعه الله في القرآن في المدخول بها إنما هو الطلاق الرجعي ; لم يشرع الله لأحد أن يطلق الثلاث جميعا، ولم يشرع له أن يطلق المدخول بها طلاقا بائنا، ولكن إذا طلقها قبل الدخول بها بانت منه، فإذا انقضت عدتها بانت منه .

وأما المطلقة قبل الدخول فقد قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا }، ثم قال: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك }، أي في ذلك التربص، ثم قال: { الطلاق مرتان }، فبين أن الطلاق الذي ذكره هو الطلاق الرجعي الذي يكون فيه أحق بردها: هو ( مرتان ) مرة بعد مرة، كما إذا قيل للرجل: سبح مرتين، أو سبح ثلاث مرات، أو مائة مرة، فلا بد أن يقول: سبحان الله، سبحان الله، حتى يستوفي العدد، فلو أراد أن يجمل ذلك فيقول: سبحان الله مرتين، أو مائة مرة، لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة والله تعالى لم يقل: الطلاق طلقتان، بل قال: { مرتان } فإذا قال لامرأته: أنت طالق اثنتين، أو ثلاثا، أو عشرا، أو ألفا، لم يكن قد طلقها إلا مرة واحدة، { وقول النبي ﷺ لأم المؤمنين جويرية: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله مداد كلماته }، أخرجه مسلم في صحيحه .

فمعناه أنه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك، { كقوله ﷺ: ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد }، ليس المراد أنه سبح تسبيحا بقدر ذلك، فالمقدار تارة يكون وصفا لفعل العبد، وفعله محصور، وتارة يكون لما يستحقه الرب، فذاك الذي يعظم قدره ; وإلا فلو قال المصلي في صلاته: سبحان الله عدد خلقه، لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة، ولما شرع النبي ﷺ أن يسبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثا وثلاثين، فلو قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، عدد خلقه، لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة، ولا نعرف أن أحدا طلق على عهد النبي ﷺ امرأته ثلاثا بكلمة واحدة فألزمه النبي ﷺ بالثلاث، ولا روي في ذلك حديث صحيح ولا حسن، ولا نقل أهل الكتب المعتمد عليها في ذلك شيئا ; بل رويت في ذلك أحاديث كلها ضعيفة باتفاق علماء الحديث، بل موضوعة ; بل الذي في صحيح مسلم وغيره من السنن والمسانيد، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال: { كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم }، وفي رواية لمسلم وغيره، عن طاوس { أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر ؟ فقال ابن عباس: نعم }، وفي رواية: { أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة ؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في زمن عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم }، وروى الإمام أحمد في مسنده، حدثنا سعيد بن إبراهيم، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، { عن ابن عباس أنه قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا ; قال: فسأله رسول الله ﷺ: كيف طلقتها ؟ قال: طلقتها ثلاثا، قال ; فقال: في مجلس واحد ؟ قال: نعم، قال: فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت، قال: فرجعها }، فكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر ; وقد أخرجه أبو عبد الله المقدسي في كتابه " المختارة " الذي هو أصح من " صحيح الحاكم "، وهكذا روى أبو داود وغيره من حديث، وقول النبي ﷺ: " في مجلس واحد " مفهومه أنه لو لم يكن في مجلس واحد لم يكن الأمر كذلك ; وذلك لأنها لو كانت في مجالس لأمكن في العادة أن يكون قد ارتجعها ; فإنها عنده، والطلاق بعد الرجعة يقع، والمفهوم لا عموم له في جانب المسكوت عنه ; بل قد يكون فيه تفصيل، كقوله: { إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث }، أو: { لم ينجسه شيء }، وهو إذا بلغ قلتين فقد يحمل الخبث، وقد لا يحمله، وقوله: { في الإبل السائمة الزكاة }، وهي إذا لم تكن سائمة قد يكون فيها الزكاة - زكاة التجارة - وقد لا يكون فيها، وكذلك قوله: { من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه }، ومن لم يقمها فقد يغفر له بسبب آخر، وكقوله: { من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه }، وقوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله }، ومن لم يكن كذلك فقد يعمل عملا آخر يرجو به رحمة الله مع الإيمان،

وقد لا يكون كذلك، فلو كان في مجالس فقد يكون له فيها رجعة، وقد لا يكون ; بخلاف المجلس الواحد الذي جرت عادة صاحبه بأنه لا يراجعها فيه ; فإن له فيه الرجعة، كما قال النبي ﷺ حيث قال: { ارجعها إن شئت }، ولم يقل كما قال في حديث ابن عمر: { مره فليراجعها }، فأمره بالرجعة، والرجعة يستقل بها الزوج: بخلاف المراجعة، وقد روى أبو داود وغيره { أن ركانة طلق امرأته ألبتة فقال له النبي ﷺ: الله ما أردت إلا واحدة ؟ فقال: ما أردت بها إلا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ }، وأبو داود لما لم يرو في سننه الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده فقال: حديث " ألبتة " أصح من حديث ابن جريج: { أن ركانة طلق امرأته ثلاثا }، لأن أهل بيته أعلم ; لكن الأئمة الأكابر العارفون بعلل الحديث والفقه فيه: كالإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهما وأبي عبيد، وأبي محمد بن حزم، وغيره: ضعفوا حديث ألبتة، وبينوا أن رواته قوم مجاهيل، لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد أثبت حديث الثلاث، وبين أنه الصواب مثل قوله: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته ألبتة .

وقال أيضا: حديث ركانة في " ألبتة " ليس بشيء، لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: { أن ركانة طلق امرأته ثلاثا }، وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق ألبتة، وأحمد إنما عدل عن حديث ابن عباس ; لأنه كان يرى أن الثلاث جائزة، موافقة للشافعي، فأمكن أن يقال: حديث ركانة منسوخ، ثم لما رجع عن ذلك، وتبين أنه ليس في القرآن والسنة طلاق مباح إلا الرجعي عدل: عن حديث ابن عباس، لأنه أفتى بخلافه، وهذا علة عنده في إحدى الروايتين عنه ; لكن الرواية الأخرى التي عليها أصحابه أنه ليس بعلة، فيلزم أن يكون مذهبه العمل بحديث ابن عباس، وقد تبين في غير هذا الموضع أعذار الأئمة المجتهدين - رضي الله عنهم - الذين ألزموا من أوقع جملة الثلاث بها مثل عمر رضي الله عنه ; فإنه لما رأى الناس قد أكثروا مما حرمه الله عليهم من جمع الثلاث، ولا ينتهون عن ذلك إلا بعقوبة: رأى عقوبتهم بإلزامها: لئلا يفعلوها، إما من نوع التعزير العارض الذي يفعل عند الحاجة، كما كان يضرب في الخمر ثمانين، ويحلق الرأس، وينفي، وكما { منع النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن الاجتماع بنسائهم }، وإما ظنا أن جعلها واحدة كان مشروطا بشرط وقد زال، كما ذهب إلى مثل ذلك في متعة الحج: إما مطلقا، وإما متعة الفسخ، والإلزام بالفرقة لمن لم يقم بالواجب: مما يسوغ فيه الاجتهاد ; لكن تارة يكون حقا للمرأة، كما في العنين، والمولى عند جمهور العلماء، والعاجز عن النفقة عند من يقول به، وتارة يقال: إنه حق لله، كما في تفريق الحكمين بين الزوجين عند الأكثرين إذا لم يجعلا وكيلين، وكما في وقوع الطلاق بالمولى عند من يقول بذلك من السلف والخلف إذا لم يف في مدة التربص، كما قال من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره: إنهما إذا تطاوعا في الإتيان في الدبر فرق بينهما، والأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما رآه من مصلحة الولد فعليه أن يطيعه، كما قال أحمد وغيره، كما { أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمر أن يطيع أباه لما أمره أبوه بطلاق امرأته }، فالإلزام إما من الشارع: وإما من الإمام بالفرقة إذا لم يقم الزوج بالواجب: هو من موارد الاجتهاد، فلما كان الناس إذا لم يلزموا بالثلاث يفعلون المحرم رأى عمر إلزامهم بذلك، لأنهم لم يلزموا طاعة الله ورسوله مع بقاء النكاح ; ولكن كثير من الصحابة والتابعين نازعوا من قال ذلك: إما لأنهم لم يروا التعزير بمثل ذلك، إما لأن الشارع لم يعاقب بمثل ذلك، وهذا فيمن يستحق العقوبة، وأما من لا يستحقها بجهل أو تأويل فلا وجه لإلزامه بالثلاث، وهذا شرع شرعه النبي ﷺ كما شرع نظائره لم يخصه ; ولهذا قال من قال من السلف والخلف: إن ما شرعه النبي ﷺ في فسخ الحج إلى العمرة - التمتع كما أمر به أصحابه في حجة الوداع - هو شرع مطلق، كما أخبر به لما { سئل أعمرتنا هذه لعامنا هذا ؟ أم للأبد ؟ فقال: لا ; بل لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة }، وإن قول من قال: إنما شرع للشيوخ لمعنى يختص بهم مثل بيان جواز العمرة في أشهر الحج: قول فاسد ; لوجوه مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }، فأمر المؤمنين عند تنازعهم برد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فما تنازع فيه السلف والخلف وجب رده إلى الكتاب والسنة، وليس في الكتاب والسنة ما يوجب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقدة ; بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله ; وعلى هذا يدل القياس والاعتبار بسائر أصول الشرع ; فإن كل عقد يباح تارة ويحرم تارة - كالبيع والنكاح - إذا فعل على الوجه المحرم لم يكن لازما نافذا كما يلزم الحلال الذي أباحه الله ورسوله، ولهذا اتفق المسلمون على أن ما حرمه الله من نكاح المحارم ومن النكاح في العدة ونحو ذلك يقع باطلا غير لازم، وكذلك ما حرمه الله من بيع المحرمات: كالخمر، والخنزير ; والميتة، وهذا بخلاف ما كان محرم الجنس كالظهار، والقذف، والكذب، وشهادة الزور، ونحو ذلك، فإن هذا يستحق من فعله العقوبة بما شرعه الله من الأحكام ; فإنه لا يكون تارة حلالا وتارة حراما حتى يكون تارة صحيحا وتارة فاسدا، وما كان محرما من أحد الجانبين مباحا من الجانب الآخر - كافتداء الأسير، واشتراء المجحود عتقه، ورشوة الظالم لدفع ظلمة أو لبذل الحق الواجب، وكاشتراء الإنسان المصراة وما دلس عيبه، وإعطاء المؤلفة قلوبهم ليفعل الواجب أو ليترك المحرم، وكبيع الجالب لمن تلقى منه ونحو ذلك، فإن - المظلوم يباح له فعله، وله أن يفسخ العقد، وله أن يمضيه ; بخلاف الظالم فإن ما فعله ليس بلازم، والطلاق هو مما أباحه الله تارة، وحرمه أخرى، فإذا فعل على الوجه الذي حرمه الله ورسوله لم يكن لازما نافذا كما يلزم ما أحله الله ورسوله، كما في الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } وقد قال تعالى: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان }، فبين أن الطلاق الذي شرعه الله للمدخول بها - وهو الطلاق الرجعي - ( مرتان ) وبعد المرتين: إما ( إمساك بمعروف ) بأن يراجعها فتبقى زوجته، وتبقى معه على طلقة واحدة، وإما ( تسريح بإحسان ) بأن يرسلها إذا انقضت العدة، كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا }، ثم قال بعد ذلك: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به }، وهذا هو الخلع سماه " افتداء " لأن المرأة تفتدي نفسها من أسر زوجها، كما يفتدي الأسير والعبد نفسه من سيده بما يبذله، قال تعالى: { فإن طلقها } يعني الطلقة الثالثة { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره }، { فإن طلقها } يعني هذا الزوج الثاني { فلا جناح عليهما } يعني عليها وعلى الزوج الأول { أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } وكذلك قال الله تعالى: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا }، وفي الصحيح والسنن والمسانيد { عن عبد الله بن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر للنبي ﷺ فتغيض عليه النبي ﷺ، وقال: مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء بعد أمسكها، وإن شاء طلقها قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء }، ( ) وفي رواية في الصحيح: { أنه أمره أن يطلقها طاهرا أو حاملا } وفي رواية في الصحيح " قرأ النبي ﷺ: { إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن }، وعن ابن عباس وغيره من الصحابة: " الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام، فأما اللذان هما حلال: فأن يطلق امرأته طاهرا في غير جماع، أو يطلقها حاملا قد استبان حملها، وأما اللذان هما حرام: فأن يطلقها حائضا، أو يطلقها بعد الجماع لا يدري اشتمل الرحم على ولد أم لا، ورواه الدارقطني وغيره، وقد بين النبي ﷺ أنه لا يحل له أن يطلقها إلا إذا طهرت من الحيض قبل أن يجامعها، وهذا هو الطلاق للعدة، أي: لاستقبال العدة، فإن ذلك الطهر أو العدة، فإن طلقها قبل العدة يكون قد طلقها قبل الوقت الذي أذن الله فيه، ويكون قد طول عليها التربص، وطلقها من غير حاجة به إلى طلاقها، والطلاق في الأصل مما يبغضه، وهو أبغض الحلال إلى الله، وإنما أباح منه ما يحتاج إليه الناس كما تباح المحرمات للحاجة: فلهذا حرمها بعد الطلقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له، لينتهي الإنسان عن إكثار الطلاق، فإذا طلقها لم تزل في العدة متربصة ثلاثة قروء، وهو مالك لها يرثها وترثه، وليس له فائدة في تعجيل الطلاق قبل وقته ; كما لا فائدة في مسابقة الإمام، ولهذا لا يعتد له بما فعله قبل الإمام ; بل تبطل صلاته إذا تعمد ذلك في أحد قولي العلماء، وهو لا يزال معه في الصلاة حتى يسلم . - مسألة: في ثيب بالغ لم يكن وليها إلا الحاكم فزوجها الحاكم لعدم الأولياء ثم خالعها الزوج وأبرأته من الصداق بغير إذن الحاكم، فهل تصح المخالعة والإبراء ؟ الجواب: إذا كانت أهلا للتبرع جاز خلعها، وإبراؤها بدون إذن الحاكم .

مسألة: في رجل طلق زوجته طلقة رجعية، فلما حضر عند الشهود قال له بعضهم: قل طلقتها على درهم، فقال ذلك، فلما فعل، قالوا له: قد ملكت نفسها فلا ترجع إليك إلا برضاها، فإذا وقع المنع، هل يسقط حقهما مع غرره بذلك أم لا ؟ الجواب: الحمد لله، إذا كان قد طلقها طلقة رجعية ثم إن الشاهد قد لقنه أن يقول طلقها على درهم، فقال ذلك معتقدا أنه يقرر بذلك الطلاق الأول لا لشيء طلاقا آخر لم يقع به غير الطلاق الأول، ويكون رجعيا لا بائنا، وإذا ادعى عليه أنه قال ذلك القول الثاني إنشاء لطلاق آخر ثان، وقال إنما قلته إقرارا بالطلاق الأول، وليس ممن يعلم أن الطلاق بالعوض يبينها فالقول قوله مع يمينه، لا سيما وقرينة الحال تصدقه، فإن العادة جارية بأنه إذا طلقها ثم حضر عند الشهود فإنما حضر ليشهد عليه بما وقع من الطلاق .

- مسألة: في رجل تزوج بامرأة وليها فاسق، يأكل الحرام، ويشرب الخمر، والشهود أيضا كذلك، وقد وقع به الطلاق الثلاث فهل له بذلك الرخصة في رجعتها ؟ الجواب: إذا طلقها ثلاثا وقع به الطلاق، ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة العقد ولم ينظر في صفته قبل ذلك، فهو من المتعدين لحدود الله، فإنه يريد أن يستحل محارم الله قبل الطلاق وبعده، والطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه عند مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، والنكاح بولاية الفاسق يصح عند جماهير الأئمة، والله أعلم . - مسألة: في رجل طلق زوجته الطلاق الثلاث قبل أن يدخل بها، وهي بكر، فهل له سبيل في مراجعتها ؟ الجواب: الحمد لله الطلاق ثلاث قبل الدخول وبعد الدخول سواء في ثبوت التحريم بذلك عند الأئمة الأربعة .

مكرر - مسألة: في رجل قال لامرأته: أنت علي مثل أمي، وأختي ؟ الجواب: إن كان مقصوده أنت علي مثل أمي وأختي في الكرامة فلا شيء عليه، وإن كان مقصوده يشبهها بأمه وأخته في " باب النكاح " فهذا ظهار، عليه ما عليه لعانا، فإذا أمسكها فلا يقربها حتى يكفر كفارة ظهار .

باب فتيا - مسألة: في رجل تزوج امرأة ولها عنده أربع سنين لم تحض، وذكرت أن لها أربع سنين قبل زواجها لم تحض، فحصل من زوجها الطلاق الثلاث: فكيف يكون تزويجها بالزوج الآخر ؟ وكيف تكون العدة وعمرها خمسون سنة ؟ الجواب: الحمد لله، هذه تعتد عدة الآيسات ثلاثة أشهر في أظهر قولي العلماء ; فإنها قد عرفت أن حيضها قد انقطع، وقد عرفت أنه قد انقطع انقطاعا مستمرا ; بخلاف المستريبة التي لا تدري ما رفع حيضها: هل هو ارتفاع إياس ؟ أو ارتفاع لعارض ثم يعود: كالمرض، والرضاع ؟ فهذه ثلاثة أنواع، فما ارتفع لعارض: كالمرض، والرضاع، فإنها تنتظر زوال العارض بلا ريب، ومتى ارتفع لا تدري ما رفعه ; فمذهب مالك وأحمد في المنصوص عنه، وقول للشافعي: أنها تعتد عدة الآيسات بعد أن تمكث مدة الحمل، كما قضى بذلك عمر، ومذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد أنها تمكث حتى تطعن في سن الإياس، فتعتد عدة الآيسات، وفي هذا ضرر عظيم عليها ; فإنها تمكث عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة لا تتزوج، ومثل هذا الحرج مرفوع عن الأمة ; وإنما { واللائي يئسن من المحيض } فإنهن يعتددن ثلاثة أشهر بنص القرآن، وإجماع الأمة، لكن العلماء مختلفون: هل للإياس سن لا يكون الدم بعده إلا دم إياس ؟ وهل ذلك السن خمسون، أو ستون ؟ أو فيه تفصيل ؟ ومتنازعون: هل يعلم الإياس بدون السن ؟ وهذه المرأة قد طعنت في سن الإياس على أحد القولين، وهو الخمسون، ولها مدة طويلة لم تحض، وقد ذكرت أنها شربت ما يقطع الدم، والدم يأتي بدواء: فهذه لا ترجو عود الدم إليها، فهي من الآيسات تعتد عدة الآيسات، والله أعلم .

مسألة: في رجل طلق امرأته وهي مرضعة لولده، فلبثت مطلقة ثمانية أشهر ثم تزوجت برجل آخر، فلبثت معه دون شهر، ثم طلقها فلبثت مطلقة ثلاثة أشهر، ولم تحض لا في الثمانية الأولى، ولا في مدة عصمتها مع الرجل الثاني، ولا في الثلاثة أشهر الأخيرة، ثم تزوج بها المطلق الأول أبو الولد، فهل يصح هذان العقدان أو أحدهما ؟ الجواب: الحمد لله، لا يصح العقد الأول ولا الثاني بل عليها أن تكمل عدة الأول ثم تقضي عدة الثاني، ثم بعد انقضاء العدتين تتزوج من شاءت منهما والله أعلم .

- مسألة: في امرأة معتدة عدة وفاة، ولم تعتد في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية، فهل يجب عليها إعادة العدة ؟ وهل تأثم بذلك ؟ الجواب: العدة انقضت بمعنى أربعة أشهر وعشر من حين الموت، ولا تقضي العدة، فإن كانت خرجت لأمر يحتاج إليه، ولم تبت إلا في منزلها فلا شيء عليها، وإن كانت قد خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة أو باتت في غير ضرورة، أو تركت الإحداد فلتستغفر الله وتتب إليه من ذلك، ولا إعادة عليها .

- مسألة: في رجل أقر عند عدول أنه طلق امرأته من مدة تزيد على العدة الشرعية، فهل يجوز لهم تزويجها له الآن ؟ الجواب: أما إن كان المقر فاسقا أو مجهولا لم يقبل قوله في إسقاط العدة التي فيها حق الله وليس هذا إقرارا محضا على نفسه حتى يقبل من الفاسق بل فيه حق لله إذ في العدة حق لله وحق للزوج، وأما إذا كان عدلا غير متهم، مثل أن يكون غائبا فلما حضر أخبرها أنه طلق من مدة كذا وكذا، فهل تعتد من حين بلغها الخبر إذا لم تقم بذلك بينة أو من حين الطلاق كما لو قامت به بينة ؟ فيه خلاف مشهور عن أحمد وغيره والمشهور عنه هو الثاني والله أعلم .

- مسألة: في رجل عقد العقد على أنها تكون بالغا، ولم يدخل بها ولم يصبها، ثم طلقها ثلاثا، ثم عقد عليها شخص آخر ولم يدخل بها ولم يصبها ثم طلقها ثلاثا، فهل يجوز للذي طلقها أولا أن يتزوج بها ؟ الجواب: إذا طلقها قبل الدخول فهو كما لو طلقها بعد الدخول عند الأئمة الأربعة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويدخل بها، فإذا طلقها قبل الدخول لم تحل للأول .

- مسألة: في رجل حلف على زوجته، وقال: لأهجرنك إن كنت ما تصلين فامتنعت من الصلاة ولم تصل، وهجر الرجل فراشها، فهل لها على الزوج نفقة أم لا ؟ وماذا يجب عليها إذا تركت الصلاة ؟ الجواب: الحمد لله، إذا امتنعت من الصلاة فإنها تستتاب فإن تابت وإلا قتلت، وهجر الرجل على ترك الصلاة من أعمال البر التي يحبها الله ورسوله، ولا نفقة لها إذا امتنعت من تمكينه إلا مع ترك الصلاة، والله أعلم . - مسألة: في رجل عجز عن الكسب، ولا له شيء، وله زوجة وأولاد: فهل يجوز لولده الموسر أن ينفق عليه، وعلى زوجته، وإخوته الصغار ؟ الجواب: الحمد لله رب العالمين، نعم على الولد الموسر أن ينفق على أبيه وزوجة أبيه، وعلى إخوته الصغار، وإن لم يفعل ذلك كان عاقا لأبيه، قاطعا لرحمه مستحقا لعقوبة الله تعالى في الدنيا والآخرة، والله أعلم .

- مسألة: في رجل له ولد كبير، فسافر مع كرائم أمواله في البحر المالح، وله آخر مراهق من أم أخرى مطلقة منه، ولها أب وأم ; والولد عندهم مقيم، فأراد والده أخذه وتسفيره صحبة أخيه بغير رضا الوالدة، وغير رضا الولد: فهل له ذلك ؟ الجواب: يخير الولد بين أبويه: فإن اختار المقام عند أمه وهي غير مزوجة كان عندها ولم يكن للأب تسفيره ; لكن يكون عند أبيه نهارا ليعلمه ويؤدبه وعند أمه ليلا، وإن اختار أن يكون عند الأب كان عنده، وإذا كان عند الأب ورأى من المصلحة له تسفيره ولم يكن في ذلك ضرر على الولد فله ذلك، والله أعلم .

- مسألة: في رجل له زوجة، وله مدة سبع سنين لم ينتفع بها ; لأجل مرضها: فهل تستحق عليه نفقة، أم لا ؟ فإن لم تكن تستحق وحكم عليه حاكم: فهل يجب عليه إعطاؤه أم لا ؟ الجواب: نعم تستحق النفقة في مذهب الأئمة الأربعة .

- مسألة: في رجل وطئ أجنبية حملت منه، ثم بعد ذلك تزوج بها: فهل يجب عليه فرض الولد في تربيته، أم لا ؟ الجواب: الولد ولد زنا ; لا يلحقه نسبه عند الأئمة الأربعة ; ولكن لا بد أن ينفق عليه المسلمون ; فإنه يتيم من اليتامى، ونفقة اليتامى على المسلمين مؤكدة، والله أعلم .

- مسألة: في رجل عدل له جارية اعترف بوطئها بحضرة عدول، وأنها حبلت منه، وأنه سأل بعض الناس عن أشياء تسقط الحمل، وأنه ضرب الجارية ضربا مبرحا على فؤادها فأسقطت عقيب ذلك ; وأن الجارية قالت: إنه كان يلطخ ذكره بالقطران ويطؤها حتى يسقطها، وأنه أسقاها السم وغيره من الأشياء المسقطة مكرهة، فما يجب على مالك الجارية بما ذكر ؟ وهل هذا مسقط لعدالته أم لا ؟ الجواب: الحمد لله: إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، وهو من الوأد الذي قال الله فيه: { وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت } وقد قال: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } ولو قدر أن الشخص أسقط الحمل خطأ مثل أن يضرب المرأة خطأ فتسقط: فعليه غرة عبد أو أمة ; بنص النبي ﷺ واتفاق الأئمة، وتكون قيمة الغرة بقدر عشر دية الأم عند جمهور العلماء: كمالك، والشافعي، وأحمد، كذلك عليه " كفارة القتل " عند جمهور الفقهاء، وهو المذكور في قوله تعالى: { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } إلى قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله } وأما إذا تعمد الإسقاط فإنه يعاقب على ذلك عقوبة تردعه عن ذلك، وذلك مما يقدح في دينه وعدالته، والله أعلم .

- مسألة: في رجل وجد عند امرأته رجلا أجنبيا فقتلها، ثم تاب بعد موتها، وكان له أولاد صغار، فلما كبر أحدهما أراد أداء كفارة القتل، ولم يجد قدرة على العتق، فأراد أن يصوم شهرين متتابعين: فهل تجب الكفارة على القاتل ؟ وهل يجزي قيام الولد بها ؟ وإذا كان الولد امرأة فحاضت في زمن الشهرين: هل ينقطع التتابع ؟ وإذا غلب على ظنها أن الطهر يحصل في وقت معين: هل يجب عليها الإمساك، أم لا ؟ الجواب: الحمد لله، إن كان قد وجدهما يفعلان الفاحشة وقتلها فلا شيء عليه في الباطن في أظهر قولي العلماء، وهو أظهر القولين في مذهب أحمد ; وإن كان يمكنه دفعه عن وطئها بالكلام، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: { لو أن رجلا اطلع في بيتك ففقأت عينه ما كان عليك شيء } " و { نظر رجل مرة في بيته فجعل يتبع عينه بمدرى لو أصابته لقلعت عينه } " وقال: { إنما جعل الاستئذان من أجل النظر } "، وقد كان يمكن دفعه بالكلام، وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبيده سيف متلطخ بدم قد قتل امرأته، فجاء أهلها يشكون عليه، فقال الرجل: إني قد وجدت لكاعا قد تفخذها فضربت ما هنالك بالسيف فأخذ السيف فهزه، ثم أعاده إليه، فقال: إن عاد فعد، ومن العلماء من قال يسقط القود عنه إذا كان الزاني محصنا، سواء كان القاتل هو زوج المرأة أو غيره، كما يقوله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، والقول الأول إنما مأخذه أنه جنى على حرمته فهو كفقء عين الناظر، وكالذي انتزع يده من فم العاض حتى سقطت ثناياه، فأهدر النبي ﷺ دمه، وقال: { يدع يده في فيك فتقضمها كما يقضم الفحل ؟ } " وهذا الحديث الأول القول به مذهب الشافعي وأحمد، ومن العلماء من لم يأخذ به، قال: لأن دفع الصائل يكون بالأسهل، والنص يقدم على هذا القول، وهذا القول فيه نزاع بين السلف والخلف، فقد دخل اللص على عبد الله بن عمر، فأصلت له السيف، قالوا: فلولا أنا نهيناه عنه لضربه، وقد استدل أحمد بن حنبل بفعل ابن عمر هذا مع ما تقدم من الحديثين، وأخذ بذلك، وأما إن كان الرجل لم يفعل بعد فاحشة ; ولكن وصل لأجل ذلك فهذا فيه نزاع، والأحوط لهذا أن يتوب من القتل من مثل هذه الصورة

، وفي وجوب الكفارة عليه نزاع، فإذا كفر فقد فعل الأحوط ; فإن الكفارة تجب في قتل الخطأ، وأما قتل العمد فلا كفارة فيه عند الجمهور: كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وعليه الكفارة عند الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى، وإذا مات من عليه الكفارة ولم يكفر فليطعم عنه وليه ستين مسكينا فإنه بدل الصيام الذي عجزت عنه قوته، فإذا أطعم عنه في صيام رمضان فهذا أولى، والمرأة إن صامت شهرين متتابعين لم يقطع الحيض تتابعها، بل تبني بعد الطهر باتفاق الأئمة، والله أعلم، . - مسألة: فيمن اتهموه النصارى في قتل نصارى ولم يظهر عليه ; فأحضروه إلى النائب بالكرك ; وألزموه أن يعاقبه، فعوقب حتى مات ولم يقر بشيء: فما يلزم النصارى الذين التزموا بدمه ؟ الجواب: يجب عليهم ضمان الذي التزموا دمه إن مات تحت العقوبة بل يعاقبون كما عوقب أيضا ; كما روى أبو داود في السنن عن النعمان بن بشير قضى نحو ذلك، والله أعلم .

حد الزنا - - سئل: عمن زنى بأخته: ماذا يجب عليه ؟ الجواب: وأما من زنى بأخته مع علمه بتحريم ذلك وجب قتله، والحجة في ذلك ما رواه { البراء بن عازب، قال: مر بي خالي أبو بردة، ومعه راية، فقلت: أين تذهب يا خالي، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه ; فأمرني أن أضرب عنقه، وأخمس ماله } " والله أعلم .

- مسألة: في امرأة مزوجة بزوج كامل، ولها أولاد، فتعلقت بشخص من الأطراف أقامت معه على الفجور، فلما ظهر أمرها سعت في مفارقة الزوج: فهل بقي لها حق على أولادها بعد هذا الفعل ؟ وهل عليهم إثم في قطعها ؟ وهل يجوز لمن تحقق ذلك منها قتلها سرا ؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم ؟ الجواب: الحمد لله، الواجب على أولادها وعصبتها أن يمنعوها من المحرمات فإن لم تمتنع إلا بالحبس حبسوها ; وإن احتاجت إلى القيد قيدوها، وما ينبغي للولد أن يضرب أمه، وأما برها فليس لهم أن يمنعوها برها، ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء ; بل يمنعوها بحسب قدرتهم، وإن احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها، وكسوها، ولا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتل ولا غيره، وعليهم الإثم في ذلك .

- مسألة: في بلد فيها جوار سائبات يزنون مع النصارى والمسلمين ؟ الجواب: على سيد الأمة إذا إن زنت أن يقيم عليها الحد، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: { إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها ; ثم إن زنت فليجلدها ; ثم إن زنت في الرابعة فليبعها ولو بظفير } " والظفير الحبل، فإن لم يفعل ما أمره به رسول الله ﷺ كان عاصيا لله ورسوله، وكان إصراره على المعصية قادحا في عدالته، فأما إذا كان هو يرسلها لتبغي وتنفق على نفسها من مهر البغاء، أو يأخذ هو شيئا من ذلك: فهذا ممن لعنه الله ورسوله ; وهو فاسق خبيث ; آذن في الكبيرة، وآخذ مهر البغي ; ولم ينهها عن الفاحشة، ومثل هذا لا يجوز أن يكون معدلا ; بل لا يجوز إقراره بين المسلمين ; بل يستحق العقوبة الغليظة حتى يصون إماءه، وأقل العقوبة أن يهجر فلا يسلم عليه، ولا يصلى خلفه إذا أمكنت الصلاة خلف غيره، ولا يستشهد ولا يولى ولاية أصلا، ومن استحل ذلك فهو كافر مرتد ; يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وكان مرتدا لا ترثه ورثته المسلمون، وإن كان جاهلا بالتحريم عرف ذلك حتى تقوم عليه الحجة، فإن هذا من المحرمات المجمع عليها .

سئل: عمن حلف لولده أنه إن فعل منكرا يقيم عليه الحد، فأقر لوالده فضربه مائة جلدة، وبقي تغريب عام: فهل يجوز في تغريب العام كفارة، أم لا ؟ الجواب: أنه إذا غربه في الحبس ولو في دار الأب بر في يمينه، وإن كان مطلقا غير مقيد في موضع معين ; فإنه لا يجب القيد، ولا جعله في مكان مظلم، والله أعلم .

مسألة: في اليهود بمصر من أمصار المسلمين وقد كثرت منهم بيع الخمر لآحاد المسلمين وقد كثرت أموالهم من ذلك وقد شرط عليهم سلطان المسلمين أنهم لا يبيعونها للمسلمين ومتى فعلوا ذلك حل منهم ما يحل من أهل الحرب فماذا يستحقون من العقوبة وهل للسلطان أن يأخذ منهم الأموال التي اكتسبوها من بيع الخمر أم لا ؟ الجواب: الحمد لله، يستحقون على ذلك العقوبة التي تردعهم وأمثالهم عن ذلك وينتقض بذلك عهدهم في أحد قولي العلماء في مذهب أحمد وغيره، وإذا أنقض عهدهم حلت دماؤهم وأموالهم وحل منهم ما يحل من المحاربين الكفار وللسلطان أن يأخذ منهم هذه الأموال التي قبضوها من أموال المسلمين بغير حق ولا يردها إلى من اشترى منهم الخمر فإنهم إذا علموا أنهم ممنوعون عن شرب الخمر وشرائها وبيعها فإذا اشتروها كانوا بمنزلة من يبيع الخمر من المسلمين ومن باع خمرا لم يملك ثمنه، فإذا كان المشتري قد أخذ الخمر فشربها لم يجمع له بين العوض والمعوض بل يؤخذ هذا المال فيصرف في مصالح المسلمين كما قيل في مهر البغي وحلوان الكاهن وأمثال ذلك مما هو عوض عن عين أو منفعة محرمة إذا كان الماضي قد استوفى العوض وهذا بخلاف ما لو باع ذمي لذمي خمرا سرا فإنه لا يمنع من ذلك وإذا تقابضا جاز أن يعامله المسلم بذلك الثمن الذي قبضه من ثمن الخمر كما قال عمر رضي الله عنه، ولو هم ببيعها وأخذوا منهم أثمانها بل أبلغ من ذلك أنه يجوز للإمام أن يخرب المكان الذي يباع فيه الخمر كالحانوت والدار كما فعل ذلك عمر بن الخطاب حيث أخرب حانوت رويشد الثقفي قال: إنما أنت فويسق لست برويشد وكما أحرق علي بن أبي طالب قرية كان يباع فيها الخمر وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء .

مسألة: في رجل يسفه على والديه: فما يجب عليه ؟ الجواب: إذا شتم الرجل أباه واعتدى عليه فإنه يجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله عن مثل ذلك، بل وأبلغ من ذلك أنه قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: { من الكبائر أن يسب الرجل والديه قالوا: وكيف يسب الرجل والديه ؟ قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه } " فإذا كان النبي ﷺ قد جعل من الكبائر أن يسب الرجل أبا غيره لئلا يسب أباه فكيف إذا سب هو أباه مباشرة: فهذا يستحق العقوبة التي تمنعه عن عقوق الوالدين الذي قرن الله حقهما بحقه حيث قال: { أن اشكر لي ولوالديك } وقال تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما } فكيف بسبهما ؟، .

مسألة: في رجل من أكابر مقدمي العسكر معروف بالخير والدين، وكذب عليه بعض المكاسين، حتى ضربه، وعلقه، وطاف به على حمار ; وحبسه بعد ذلك: هل يجب على ولي الأمر ضرب من ظلمه ؟ الجواب: من كذب عليه وظلمه حتى فعل به ذلك فإنه تجب عقوبته التي تزجره وأمثاله عن مثل ذلك باتفاق المسلمين ; بل جمهور السلف يثبتون القصاص في مثل ذلك ; فمن ضرب غيره وجرحه بغير حق فإنه يفعل به كما فعل ; كما قال { عمر بن الخطاب: أيها الناس، إني لم أبعث عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن ليعلموكم كتاب الله وسنة نبيكم، ويقسموا بينكم فيأكم، فلا يبلغني أن أحدا ضربه عامله بغير حق إلا أقدته، فراجعه عمرو بن العاص في ذلك، فقاله لهم: إن رسول الله ﷺ أقاد ممن ظلمه }، .

مسألة: فيمن شتم رجلا وسبه ؟ الجواب: إذا اعتدى عليه بالشتم والسب فله أن يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه ; فيشتمه إذا لم يكن ذلك محرما لعينه: كالكذب، وأما إن كان محرما لعينه كالقذف بغير الزنا فإنه يعزر على ذلك تعزيرا بليغا يردعه وأمثاله من السفهاء، ولو عزر على النوع الأول من الشتم جاز ; وهو الذي يشرع إذا تكرر سفهه أو عدوانه على من هو أفضل منه، والله أعلم .

- مسألة: فيمن شتم رجلا فقال له: أنت ملعون، ولد زنا ؟ الجواب: يجب تعزيره على هذا الكلام، ويجب عليه حد القذف إن لم يقصد بهذه الكلمة ما يقصده كثير من الناس قصدهم بهذه الكلمة أن المشتوم فعله خبيث كفعل ولد الزنا .

مسألة: في مسلم بدت منه معصية في حال صباه توجب مهاجرته ومجانبته، فقالت طائفة منهم يستغفر الله ويصفح عنه ويتجاوز عن كل ما كان منه، وقالت طائفة أخرى لا تجوز أخوته ولا مصاحبته فأي الطائفتين أحق بالحق ؟ الجواب: لا ريب أن من تاب إلى الله توبة نصوحا تاب الله عليه كما قال تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } وقال تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } ( ) أي لمن تاب وإذا كان كذلك وتاب الرجل فإن عمل عملا صالحا سنة من الزمان ولم ينقض التوبة، فإنه يقبل منه ذلك ويجالس ويكلم، وأما إذا تاب ولم تمض عليه سنة فللعلماء فيه قولان مشهوران، ومنهم من يقول في الحال: يجالس وتقبل شهادته، ومنهم من يقول لا بد من مضي سنة كما فعل عمر بن الخطاب بصبغ بن عسل وهذه من مسائل الاجتهاد، فمن رأى أن تقبل توبة هذا التائب ويجالس في الحال قبل اختباره فقد أخذ بقول سائغ ومن رأى أنه يؤخر مدة حتى يعمل صالحا ويظهر صدق توبته فقد أخذ بقول سائغ وكلا القولين ليس من المنكرات .

- مسألة: هل يجوز بيع الكرم لمن يعصره خمرا إذا اضطر صاحبه إلى ذلك ؟ الجواب: لا يجوز بيع العنب لمن يعصره خمرا، بل قد لعن رسول الله ﷺ من يعصر العنب لمن يتخذه خمرا فكيف بالبائع له الذي هو أعظم معاونة ولا ضرورة إلى ذلك، فإنه إذا لم يمكن بيعه رطبا ولا تزبيبه فإنه يتخذ خلا أو دبسا ونحو ذلك .

مسألة: في الفتن التي تقع من أهل البر وأمثالها ; فيقتل بعضهم بعضا ويستبيح بعضهم حرمة بعض: فما حكم الله تعالى فيهم ؟ الجواب: الحمد لله، هذه الفتن وأمثالها من أعظم المحرمات، وأكبر المنكرات، قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }، وهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا حتى صار عنهم من الكفر ما صار، وقد قال النبي ﷺ: { لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض } " فهذا من الكفر ; وإن كان المسلم لا يكفر بالذنب، قال تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } فهذا حكم الله بين المقتتلين من المؤمنين: أخبر أنهم إخوة، وأمر أولا بالإصلاح بينهم إن اقتتلوا: { فإن بغت إحداهما على الأخرى } ولم يقبلوا الصلاح: { فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل } فأمر بالإصلاح بينهم بالعدل بعد أن { تفيء إلى أمر الله } أي ترجع إلى أمر الله، فمن رجع إلى أمر الله وجب أن يعدل بينه وبين خصمه، ويقسط بينهما، فقبل أن نقاتل الطائفة الباغية وبعد اقتتالهما أمرنا بالإصلاح بينهما مطلقا ; لأنه لم تقهر إحدى الطائفتين بقتال، وإذا كان كذلك فالواجب أن يسعى بين هاتين الطائفتين بالصلح الذي أمر الله به، ورسوله، ويقال لهذه: ما تنقم من هذه ؟ ولهذه: ما تنقم من هذه ؟ فإن ثبت على إحدى الطائفتين أنها اعتدت على الأخرى: بإتلاف شيء من الأنفس، والأموال: كان عليها ضمان ما أتلفته، وإن كان هؤلاء أتلفوا لهؤلاء وهؤلاء أتلفوا لهؤلاء تقاصوا بينهم، كما قال الله تعالى: { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } وقد ذكرت طائفة من السلف أنها نزلت في مثل ذلك في طائفتين اقتتلتا فأمرهم الله بالمقاصة، قال: { فمن عفي له من أخيه شيء } والعفو الفضل فإذا فضل لواحدة من الطائفتين شيء على الأخرى { فاتباع بالمعروف } والذي عليه الحق يؤديه بإحسان، وإن تعذر أن تضمن واحدة للأخرى، فيجوز أن يتحمل الرجل حمالة يؤديها لصلاح ذات البين، وله أن يأخذها بعد ذلك من زكاة المسلمين، ويسأل الناس في إعانته على هذه الحالة وإن كان غنيا، { قال النبي ﷺ لقبيصة بن مخارق الهلالي: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فيسأل حتى يجد سدادا من عيش، ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة ; فإنه يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه ; فيقولون: قد أصاب فلانا فاقة، فيسأل حتى يجد قواما من عيش وسدادا من عيش ; ثم يمسك، ورجل يحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته، ثم يمسك } "، والواجب على كل مسلم قادر أن يسعى في الإصلاح بينهم ويأمرهم بما أمر الله به مهما أمكن. ومن كان من الطائفتين يظن أنه مظلوم مبغي عليه فإذا صبر ومن أعزه الله ونصره ; كما ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال: { ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ; ولا نقصت صدقة من مال } " وقال تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله } وقال تعالى: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } فالباغي الظالم ينتقم الله منه في الدنيا والآخرة، فإن البغي مصرعه، قال ابن مسعود: ولو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكا، ومن حكمة الشعر: قضى الله أن البغي يصرع أهله وأن على الباغي تدور الدوائر ويشهد لهذا قوله تعالى: { إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا } الآية، وفي الحديث: { ما من ذنب أحرى أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا من البغي، وما حسنة أحرى أن يعجل لصاحبها الثواب من صلة الرحم } " فمن كان من إحدى الطائفتين باغيا ظالما فليتق الله وليتب، ومتى كان مظلوما مبغيا عليه وصبر كان له البشرى من الله، قال تعالى: { وبشر الصابرين } قال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون إذا ظلموا، وقد قال تعالى للمؤمنين في حق عدوهم: { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } وقال يوسف عليه السلام لما فعل به إخوته ما فعلوا فصبر واتقى حتى نصره الله ودخلوا عليه وهو في عزه: { قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } فمن اتقى الله من هؤلاء وغيرهم بصدق وعدل، ولم يتعد حدود الله، وصبر على أذى الآخر وظلمه لم يضره كيد الآخر ; بل ينصره الله عليه، وهذه الفتن سببها الذنوب والخطايا فعلى كل من الطائفتين أن يستغفر الله ويتوب إليه فإن ذلك يرفع العذاب، وينزل الرحمة، قال الله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } وفي الحديث عن النبي ﷺ: { من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب } قال الله تعالى: { الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذيفضل فضله) .

- مسألة: في أقوام لم يصلوا ولم يصوموا، والذي يصوم لم يصل، ومالهم حرام، ويأخذون أموال الناس، ويكرمون الجار والضعيف، ولم يعرف لهم مذهب، وهم مسلمون ؟ الجواب: الحمد لله، هؤلاء وإن كانوا تحت حكم ولاة الأمور فإنه يجب أن يأمروهم بإقامة الصلاة، ويعاقبوا على تركها، وكذلك الصيام، وإن أقروا بوجوب الصلاة الخمس وصيام رمضان والزكاة المفروضة ; وإلا فمن لم يقر بذلك فهو كافر، وإن أقروا بوجوب الصلاة وامتنعوا عن إقامتها عوقبوا حتى يقيموها، ويجب قتل كل من لم يصل إذا كان بالغا عاقلا عند جماهير العلماء، كمالك، والشافعي، وأحمد، وكذلك تقام عليهم الحدود، وإن كانوا طائفة ممتنعة ذات شوكة ; فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا أداء الواجبات الظاهرة والمتواترة: كالصلاة، والصيام، والزكاة، وترك المحرمات، كالزنا، والربا، وقطع الطريق، ونحو ذلك، ومن لم يقر بوجوب الصلاة والزكاة فإنه كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ومن لم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار فهو كافر أكفر من اليهود والنصارى، وعقوق الوالدين من الكبائر الموجبة للنار

- مسألة: في أقوام مقيمون في الثغور، يغيروا على الأرمن وغيرهم، ويكسبون المال ينفقون على الخمر والزنا: هل يكونون شهداء إذا قتلوا ؟ الجواب: الحمد لله، إن كانوا إنما يغيرون على الكفار المحاربين، فإنما الأعمال بالنيات، وقد { قالوا يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ; ويقاتل رياء: فأي ذلك في سبيل الله ؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله } فإن كان أحدهم لا يقصد إلا أخذ المال، وإنفاقه في المعاصي: فهؤلاء فساق مستحقون للوعيد، وإن كان مقصودهم أن تكون كلمة الله هي العليا ; ويكون الدين لله: فهؤلاء مجاهدون ; لكن إذا كانت لهم كبائر كان لهم حسنات وسيئات، وأما إن كانوا يغيرون على المسلمين الذين هناك: فهؤلاء مفسدون في الأرض ; محاربون لله ورسوله ; ومستحقون للعقوبة البليغة في الدنيا والآخرة، والله أعلم .

وقد شهد القرآن بأن اقتتال المؤمنين لا يخرجهم عن الإيمان بقوله تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } فسماهم " مؤمنين " وجعلهم " إخوة " مع وجود الاقتتال والبغي، والحديث المذكور { إذا اقتتل خليفتان فأحدهما ملعون } " كذب مفترى لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، ولا هو في شيء من دواوين الإسلام المعتمدة، " ومعاوية " لم يدع الخلافة ; ولم يبايع له بها حين قاتل عليا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه، ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدئوا عليا وأصحابه بالقتال، ولا يعلوا، بل لما رأى علي رضي الله عنه وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة، وهم قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين قالوا: لأن عثمان قتل مظلوما باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون لهم شوكة، فإذا امتنعنا ظلمونا واعتدوا علينا، وعلي لا يمكنه دفعهم، كما لم يمكنه الدفع عن عثمان ; وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف، وكان في جهال الفريقين من يظن بعلي وعثمان ظنونا كاذبة، برأ الله منها عليا، وعثمان، كان يظن بعلي أنه أمر بقتل عثمان، وكان علي يحلف وهو البار الصادق بلا يمين أنه لم يقتله، ولا رضي بقتله، ولم يمالئ على قتله، وهذا معلوم بلا ريب من علي رضي الله عنه، فكان أناس من محبي علي ومن مبغضيه يشيعون ذلك عنه: فمحبوه يقصدون بذلك الطعن على عثمان بأنه كان يستحق القتل، وأن عليا أمر بقتله، ومبغضوه يقصدون بذلك الطعن على علي، وأنه أعان على قتل الخليفة المظلوم الشهيد، الذي صبر نفسه ولم يدفع عنها، ولم يسفك دم مسلم في الدفع عنه، فكيف في طلب طاعته ؟، وأمثال هذه الأمور التي يتسبب بها الزائغون على المتشيعين العثمانية، والعلوية، وكل فرقة من المتشيعين مقرة مع ذلك بأنه ليس معاوية كفئا لعلي بالخلافة، ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف علي رضي الله عنه ; فإن فضل علي وسابقيته، وعلمه، ودينه، وشجاعته، وسائر فضائله: كانت عندهم ظاهرة معروفة، كفضل إخوانه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم رضي الله عنهم، ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد، وسعد كان قد ترك هذا الأمر وكان الأمر قد انحصر في عثمان وعلي ; فلما توفي عثمان لم يبق لها معين إلا علي رضي الله عنه، وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان وضعف أهل العلم والإيمان، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يطاع فيه من غيره أولى منه بالطاعة ; ولهذا أمر الله بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف ; ولهذا قيل: ما يكرهون في الجماعة خير مما يجمعون من الفرقة، وأما الحديث الذي فيه { أن عمارا تقتله الفئة الباغية } " فهذا الحديث قد طعن فيه طائفة من أهل العلم ; لكن رواه مسلم في صحيحه وهو في بعض نسخ البخاري: قد تأوله بعضهم على أن المراد بالباغية الطالبة بدم عثمان، كما قالوا: نبغي ابن عفان بأطراف الأسل، وليس بشيء ; بل يقال ما قاله رسول الله ﷺ، فهو حق كما قاله، وليس في كون عمارا تقتله الفئة الباغية ما ينافي ما ذكرناه، فإنه قد قال الله تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } فقد جعلهم مع وجود الاقتتال والبغي مؤمنين إخوة ; بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين، وليس كل ما كان بغيا وظلما أو عدوانا يخرج عموم الناس عن الإيمان، ولا يوجب لعنتهم ; فكيف يخرج ذلك من كان من خير القرون ؟، وكل من كان باغيا، أو ظالما، أو معتديا، أو مرتكبا ما هو ذنب فهو " قسمان " متأول، وغير متأول، فالمتأول المجتهد: كأهل العلم والدين، الذين اجتهدوا، واعتقد بعضهم حل أمور، واعتقد الآخر تحريمها كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف، فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم

مخطئون، وقد قال الله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء، وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان عليهما السلام أنهما حكما في الحرث، وخص أحدهما بالعلم والحكم، مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم، والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا فهم أحدهم من المسألة ما لم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملوما ولا مانعا لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثما وظلما، والإصرار عليه فسقا، بل متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفرا، فالبغي هو من هذا الباب، أما إذا كان الباغي مجتهدا ومتأولا، ولم يتبين له أنه باغ، بل اعتقد أنه على الحق وإن كان مخطئا في اعتقاده: لم تكن تسميته " باغيا " موجبة لإثمه، فضلا عن أن توجب فسقه، والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين يقولون: مع الأمر بقتالهم قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم ; لا عقوبة لهم ; بل للمنع من العدوان، ويقولون: إنهم باقون على العدالة ; لا يفسقون، ويقولون هم كغير المكلف، كما يمنع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان أن لا يصدر منهم ; بل تمنع البهائم من العدوان .

ويجب على من قتل مؤمنا خطأ الدية بنص القرآن مع أنه لا إثم عليه في ذلك، وهكذا من رفع إلى الإمام من أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحد، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والباغي المتأول يجلد عند مالك والشافعي وأحمد ونظائره متعددة، ثم بتقدير أن يكون " البغي " بغير تأويل: يكون ذنبا، والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة: بالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة وغير ذلك، ثم " إن عمارا تقتله الفئة الباغية " ليس نصا في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه ; بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها، ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار: كعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره ; بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية، وعمرو، ويروى أن معاوية تأول أن الذي قتله هو الذي جاء به ; دون مقاتليه: وأن عليا رد هذا التأويل بقوله: فنحن إذا قتلنا حمزة ولا ريب أن ما قاله علي هو الصواب ; لكن من نظر في كلام المتناظرين من العلماء الذين ليس بينهم قتال ولا ملك، وأن لهم في النصوص من التأويلات ما هو أضعف من معاوية بكثير، ومن تأول هذا التأويل لم ير أنه قتل عمارا، فلم يعتقد أنه باغ، ومن لم يعتقد أنه باغ وهو في نفس الأمر باغ: فهو متأول مخطئ، والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عمارا ; لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة: منهم من يرى القتال مع عمار وطائفته، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقا، وفي كل من الطائفتين طوائف من السابقين الأولين، ففي القول الأول عمار، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب، وفي الثاني سعد بن أبي وقاص ; ومحمد بن مسلمة ; وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر ونحوهم، ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي ; ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص، وكان من القاعدين، " وحديث عمار " قد يحتج به من رأى القتال ; لأنه إذا كان قاتلوه بغاة فالله يقول: { فقاتلوا التي تبغي } والمتمسكون يحتجون بالأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في { أن القعود عن الفتنة خير من القتال فيها } " وتقول: إن هذا القتال ونحوه هو قتال الفتنة ; كما جاءت أحاديث صحيحة تبين ذلك ; وأن النبي ﷺ لم يأمر بالقتال ; ولم يرض له ; وإنما رضي بالصلح ; وإنما أمر الله بقتال الباغي ; ولم يأمر بقتاله ابتداء ; بل قال: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } قالوا: والاقتتال الأول لم يأمر الله به ; ولا أمر كل من بغي عليه أن يقاتل من بغى عليه ; فإنه إذا قتل كل باغ كفر ; بل غالب المؤمنين ; بل غالب الناس: لا يخلو من ظلم وبغي ; ولكن إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فالواجب الإصلاح بينهما ; وإن لم تكن واحدة منهما مأمورة بالقتال، فإذا بغت الواحدة بعد ذلك قوتلت ; لأنها لم تترك القتال ; ولم تجب إلى الصلح ; فلم يندفع شرها إلا بالقتال فصار قتالها بمنزلة قتال الصائل الذي لا يندفع ظلمه عن غيره إلا بالقتال، كما قال النبي ﷺ، { من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد } "، قالوا: فبتقدير أن جميع العسكر بغاة فلم نؤمر بقتالهم ابتداء ; بل أمرنا بالإصلاح بينهم، " وأيضا، فلا يجوز قتالهم إذا كان الذين مع علي ناكلين عن القتال فإنهم كانوا كثيري الخلاف عليه ضعيفي الطاعة له، " والمقصود " أن هذا الحديث لا يبيح لعن أحد من الصحابة، ولا يوجب فسقه، وأما " أهل البيت " فلم يسبوا قط، ولله الحمد، ولم يقتل الحجاج أحدا من بني هاشم، وإنما قتل رجالا من أشراف العرب، وكان قد تزوج بنت عبد الله بن جعفر فلم يرض بذلك بنو عبد مناف ولا بنو هاشم ولا بنو أمية حتى فرقوا بينه وبينها ; حيث لم يروه كفئا، والله أعلم .

- مسألة: طائفتان يزعمان أنهما من أمة محمد تتداعيان بدعوة الجاهلية: كأسد وهلال، وثعلبة، وحرام، وغير ذلك، وبينهم أحقاد ودماء ; فإذا تراءت الفئتان سعى المؤمنون بينهم لقصد التأليف، وإصلاح ذات البين ; فيقول أولئك الباغون: إن الله قد أوجب علينا طلب الثأر بقوله: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } - إلى قوله - { والجروح قصاص } ثم إن المؤمنين يعرفونهم أن هذا الأمر يقضي إلى الكفر: من قتل النفوس، ونهب الأموال فيقولون: نحن لنا عليهم حقوق، فلا نفارق حتى نأخذ ثأرنا بسيوفهم، ثم يحملون عليهم، فمن انتصر منهم بغى وتعدى وقتل النفس، ويفسدون في الأرض، فهل يجب قتال الطائفة الباغية وقتلها، بعد أمرهم بالمعروف ؟ أو ماذا يجب على الإمام أن يفعل بهذه الطائفة الباغية ؟ الجواب: الحمد لله: قتال هاتين الطائفتين حرام بالكتاب والسنة والإجماع، حتى قال: { إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه } " وقال ﷺ: { لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض } " وقال ﷺ: { إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع } " والواجب في مثل هذا ما أمر الله به ورسوله، حيث قال: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } فيجب الإصلاح بين هاتين الطائفتين، كما أمر الله تعالى، والإصلاح له طرق، " منها " أن تجمع أموال الزكوات وغيرها حتى يدفع في مثل ذلك فإن الغرم لإصلاح ذات البين، يبيح لصاحبه أن يأخذ من الزكاة بقدر ما غرم، كما ذكره الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، كما { قال النبي ﷺ لقبيصة بن مخارق: إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لرجل تحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله وسأل حتى يجد سدادا من عيش، ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، فيقولون: قد أصابت فلانا فاقة، فيسأل ; حتى يجد قواما من عيش، وسدادا من عيش، ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسألة فإنه يأكله صاحبه سحتا } "، ومن طرق الصلح أن تعفو إحدى الطائفتين أو كلاهما عن بعض مالها عند الأخرى من الدماء والأموال { فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين } ومن طرق الصلح أن يحكم بينهما بالعدل، فينظر ما أتلفته كل طائفة من الأخرى من النفوس والأموال، فيتقاصان { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } وإذا فضل لإحداهما على الأخرى شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، فإن كان يجهل عدد القتلى، أو مقدار المال: جعل المجهول كالمعدوم، وإذا ادعت إحداهما على الأخرى بزيادة: فإما أن تحلفها على نفي ذلك، وإما أن تقيم البينة، وإما تمتنع عن اليمين فيقضي برد اليمين أو النكول، فإن كانت إحدى الطائفتين تبغي بأن تمتنع عن العدل الواجب، ولا تجيب إلى أمر الله ورسوله، وتقاتل على ذلك أو تطلب قتال الأخرى وإتلاف النفوس والأموال، كما جرت عادتهم به ; فإذا لم يقدر على كفها إلا بالقتل قوتلت حتى تفيء إلى أمر الله ; وإن أمكن أن تلزم بالعدل بدون القتال مثل أن يعاقب بعضهم، أو يحبس ; أو يقتل من وجب قتله منهم، ونحو ذلك: عمل ذلك، ولا حاجة إلى القتال، وأما قول القائل: إن الله أوجب علينا طلب الثأر، فهو كذب على الله ورسوله ; فإن الله لم يوجب على من له عند أخيه المسلم المؤمن مظلمة من دم أو مال أو عرض أن يستوفي ذلك ; بل لم يذكر حقوق الآدميين في القرآن إلا ندب فيها إلى العفو، فقال تعالى: { والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له } وقال تعالى: { فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح }، وأما قوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } فهذا مع أنه مكتوب على بني إسرائيل، وإن كان حكمنا كحكمهم مما لم ينسخ من الشرائع: فالمراد بذلك التسوية في الدماء بين المؤمنين، كما قال النبي: { المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم } "، فالنفس بالنفس وإن كان القاتل رئيسا مطاعا من قبيلة شريفة والمقتول سوقيا طارفا، وكذلك إن كان كبيرا وهذا صغيرا، أو هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا عربيا وهذا عجميا، أو هذا هاشميا وهذا قرشيا، وهذا رد لما كان عليه أهل الجاهلية من أنه إذا قتل كبير من القبيلة قتلوا به عددا من القبيلة الأخرى غير قبيلة القاتل، وإذا قتل ضعيف من قبيلة لم يقتلوا قاتله إذا كان رئيسا مطلقا فأبطل الله ذلك بقوله: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } فالمكتوب عليهم هو العدل، وهو كون النفس بالنفس ; إذ الظلم حرام وأما استيفاء الحق فهو إلى المستحق، وهذا مثل قوله: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل } أي لا يقتل غير قاتله، وأما إذا طلبت إحدى الطائفتين حكم الله ورسوله، فقالت الأخرى: نحن نأخذ حقنا بأيدينا في هذا الوقت، فهذا من أعظم الذنوب الموجبة عقوبة هذا القاتل الظالم الفاجر، وإذا امتنعوا عن حكم الله ورسوله ولهم شوكة وجب على الأمير قتالهم ; وإن لم يكن لهم شوكة: عرف من امتنع من حكم الله ورسوله، وألزم بالعدل، وأما قولهم: لنا عليهم حقوق من سنين متقادمة، فيقال لهم نحن نحكم بينكم في الحقوق القديمة والحديثة، فإن حكم الله ورسوله يأتي على هذا، وأما من قتل أحدا من بعد الاصطلاح، أو بعد المعاهدة والمعاقدة: فهذا يستحق القتل، حتى قالت طائفة من العلماء: إنه يقتل حدا، ولا يجوز العفو عنه لأولياء المقتول، وقال الأكثرون: بل قتله قصاص، والخيار فيه إلى أولياء المقتول، وإن كان الباغي طائفة فإنهم يستحقون العقوبة، وإن لم يمكن كف صنيعهم إلا بقتالهم قوتلوا، وإن أمكن بما دون ذلك عوقبوا بما يمنعهم من البغي والعدوان ونقض العهد والميثاق، قال: { ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان } وقد قال تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } قالت طائفة من العلماء: المعتدي هو القاتل بعد العفو، فهذا يقتل حتما وقال آخرون: بل يعذب بما يمنعه من الاعتداء، والله أعلم .

- مسألة: في قوم ذوي شوكة مقيمين بأرض، وهم لا يصلون الصلوات المكتوبات، وليس عندهم مسجد ولا أذان ولا إقامة، وإن صلى أحدهم صلى الصلاة غير المشروعة، ولا يؤدون الزكاة مع كثرة أموالهم من المواشي والزروع، وهم يقتتلون فيقتل بعضهم بعضا، وينهبون مال بعضهم بعضا، ويقتلون الأطفال، وقد لا يمتنعون عن سفك الدماء وأخذ الأموال، لا في شهر رمضان، ولا في الأشهر الحرم، ولا غيرها، وإذا أسر بعضهم بعضا باعوا أسراهم للإفرنج، ويبيعون رقيقهم من الذكور والإناث للإفرنج علانية، ويسوقونهم كسوق الدواب ويتزوجون المرأة في عدتها، ولا يورثون النساء، ولا ينقادون لحاكم المسلمين، وإذا دعي أحدهم إلى الشرع قال جاءنا الشرع إلى غير ذلك فهل يجوز قتالهم والحالة هذه، وكيف الطريق إلى دخولهم في الإسلام مع ما ذكر، الجواب: نعم يجوز بل يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء وأمثالهم من كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، مثل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه، وعن صيام شهر رمضان أو الذين لا يمتنعون عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم، أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله، كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم في مانع الزكاة، وكما قاتل علي بن أبي طالب وأصحاب النبي ﷺ الخوارج الذين قال فيهم النبي: { يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة } ( ) وذلك بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله } ( )، وبقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ( )، والربا آخر ما حرمه الله ورسوله، فكيف بما هو أعظم تحريما، ويدعون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام، فإن التزموها استوثق منهم، ولم يكتف منهم بمجرد الكلام كما فعل أبو بكر بمن قاتلهم بعد أن أذلهم، وقال اختاروا إما الحرب وإما السلم المخزية، وقال أنا خليفة رسول الله ﷺ فقالوا هذه حرب الحيلة قد عرفناها فما السلم المخزية، قال تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وننزع منكم الكراع يعني الخيل والسلاح، حتى يرى خليفة رسول الله ﷺ والمؤمنون أمرا بعد، فهكذا الواجب في مثل هؤلاء، إذا أظهروا الطاعة يرسل إليهم من يعلمهم شرائع الإسلام ويقيم بهم الصلوات، وما ينتفعون به من شرائع الإسلام، وإما أن يستخدم بعض المطيعين منهم في جند المسلمين، ويجعلهم في جماعة المسلمين وإما بأن ينزع منهم السلاح الذي يقاتلون به ويمنعون من ركوب الخيل، وإما أنهم يضعونه حتى يستقيموا، وإما أن يقبل الممتنع منهم التزام الشريعة، وإن لم يستجيبوا لله ولرسوله وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، وهذا متفق عليه بين علماء المسلمين، والله أعلم.

- مسألة: في جندي مع أمير، وطلع السلطان إلى الصيد، ورسم السلطان بنهب ناس من العرب وقتلهم، فطلع إلى الجبل فوجد ثلاثين نفرا فهربوا، فقال الأمير: سوقوا خلفهم، فردوا عليهم ليحاربوا، فوقع من الجندي ضربة في واحد فمات: فهل عليه شيء أم لا ؟ الجواب: الحمد لله رب العالمين، إذا كان هذا المطلوب من الطائفة المفسدة الظلمة الذين خرجوا عن الطاعة وفارقوا الجماعة وعدوا على المسلمين في دمائهم وأموالهم بغير حق، وقد طلبوا ليقام فيهم أمر الله ورسوله: فهذا الذي عاد منهم مقاتلا يجوز قتاله، ولا شيء على من قتله على الوجه المذكور ; بل المحاربون يستوي فيهم المعاون والمباشر عند جمهور الأئمة: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، فمن كان معاونا كان حكمه حكمهم .

- مسألة: ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم في " الحلاج الحسين بن منصور " هل كان صديقا ؟ أو زنديقا ؟ وهل كان وليا لله متقيا له ؟ أم كان له حال رحماني ؟ أو من أهل السحر والخزعبلات ؟ وهل قتل على الزندقة بمحضر من علماء المسلمين ؟ أو قتل مظلوما ؟ أفتونا مأجورين ؟ أجاب: شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية قدس الله روحه: الحمد لله رب العالمين، الحلاج قتل على الزندقة، التي ثبتت عليه بإقراره، وبغير إقراره ; والأمر الذي ثبت عليه لما يوجب القتل باتفاق المسلمين ومن قال: إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد، وإما جاهل ضال، والذي قتل به ما استفاض عنه من أنواع الكفر، وبعضه يوجب قتله ; فضلا عن جميعه، ولم يكن من أولياء الله المتقين ; بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات: بعضها شيطاني، وبعضها نفساني، وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه، فلبس الحق بالباطل، وكان قد ذهب إلى بلاد الهند، وتعلم أنواعا من السحر، وصنف كتابا في السحر معروفا، وهو موجود إلى اليوم، وكان له أقوال شيطانية، ومخاريق بهتانية، وقد جمع العلماء أخباره في كتب كثيرة أرخوها الذين كانوا في زمنه، والذين نقلوا عنهم مثل أبي علي الحطي ذكره في تاريخ بغداد " والحافظ أبو بكر الخطيب ذكر له ترجمة كبيرة في تاريخ بغداد " وأبو يوسف القزويني صنف مجلدا في أخباره، وأبو الفرج بن الجوزي له فيه مصنف سماه " رفع اللجاج في أخبار الحلاج "، وبسط ذكره في تاريخه أبو عبد الرحمن السلمي في " طبقات الصوفية " أن كثيرا من المشايخ ذموه وأنكروا عليه، ولم يعدوه من مشايخ الطريق ; وأكثرهم حط عليه، وممن ذمه وحط عليه أبو القاسم الجنيد ; ولم يقتل في حياة الجنيد ; بل قتل بعد موت الجنيد ; فإن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومئتين، والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمائة، وقدموا به إلى بغداد راكبا على جمل ينادى عليه: هذا داعي القرامطة، وأقام في الحبس مدة حتى وجد من كلامه الكفر والزندقة، واعترف به: مثل أنه ذكر في كتاب له: من فاته الحج فإنه يبني في داره بيتا ويطوف به، كما يطوف بالبيت، ويتصدق على ثلاثين يتيما بصدقة ذكرها، وقد أجزأه ذلك عن الحج، فقالوا له: أنت قلت هذا ؟ قال: نعم، فقالوا له: من أين لك هذا ؟ قال ذكره الحسن البصري في " كتاب الصلاة " فقال له القاضي أبو عمر: تكذب يا زنديق، أنا قرأت هذا الكتاب وليس هذا فيه، فطلب منهم الوزير أن يشهدوا بما سمعوه، ويفتوا بما يجب عليه، فاتفقوا على وجوب قتله، لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذا أظهر التوبة، هل تقبل توبته فلا يقتل ؟ أم يقتل ; لأنه لا يعلم صدقه ; فإنه ما زال يظهر ذلك ؟ فأفتى طائفة بأنه يستتاب فلا يقتل، وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وإن أظهر التوبة فإن كان صادقا في توبته نفعه ذلك عند الله وقتل في الدنيا ; وكان الحد تطهيرا له، كما لو تاب الزاني والسارق ونحوهما بعد أن يرفعوا إلى الإمام فإنه لا بد من إقامة الحد عليهم: فإنهم إن كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم، ومن كان كاذبا في التوبة كان قتله عقوبة له، فإن كان الحلاج وقت قتله تاب في الباطن فإن الله ينفعه بتلك التوبة، وإن كان كاذبا فإنه قتل كافرا، ولما قتل لم يظهر له وقت القتل شيء من الكرامات ; وكل من ذكر أن دمه كتب على الأرض، اسم الله، وأن رجله انقطع ماؤها، أو غير ذلك، فإنه كاذب، وهذه الأمور لا يحكيها إلا جاهل أو منافق، وإنما وضعها الزنادقة وأعداء الإسلام، حتى يقول قائلهم: إن شرع محمد بن عبد الله يقتل أولياء الله، حتى يسمعوا أمثال هذه الهذيانات ; وإلا فقد قتل أنبياء كثيرون، وقتل من أصحابهم وأصحاب نبينا ﷺ والتابعين وغيرهم من الصالحين من لا يحصي عددهم إلا الله، قتلوا بسيوف الفجار والكفار والظلمة وغيرهم، ولم يكتب دم أحدهم اسم الله، والدم أيضا نجس فلا يجوز أن يكتب به اسم الله تعالى، فهل الحلاج خير من هؤلاء، ودمه أطهر من دمائهم ؟، ، وقد جزع وقت القتل ; وأظهر التوبة والسنة فلم يقبل ذلك منه، ولو عاش افتتن به كثير من الجهال، لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية، وأحوال شيطانية، ولهذا إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية، والنفسانية، والبهتانية، وأما أولياء الله العالمون بحال الحلاج فليس منهم واحد يعظمه ; ولهذا لم يذكره القشيري في مشايخ رسالته ; وإن كان قد ذكر من كلامه كلمات استحسنها، وكان الشيخ أبو يعقوب النهرجوري قد زوجه بابنته، فلما اطلع على زندقته نزعها منه، وكان عمرو بن عثمان يذكر أنه كافر، ويقول: كنت معه فسمع قارئا يقرأ القرآن، فقال: أقدر أن أصنف مثل هذا القرآن، أو نحو هذا من الكلام، كان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه ; فيظهر عند أهل السنة أنه سني، وعند أهل الشيعة أنه شيعي، ويلبس لباس الزهاد تارة، ولباس الأجناد تارة، وكان من مخاريقه أنه بعث بعض أصحابه إلى مكان في البرية يخبئ فيه شيئا من الفاكهة والحلوى، ثم يجيء بجماعة من أهل الدنيا إلى قريب من ذلك المكان، فيقول لهم: ما تشتهون أن آتيكم به من هذه البرية فيشتهي أحدهم فاكهة، أو حلاوة، فيقول: امكثوا ; ثم يذهب إلى ذلك المكان ويأتي بما خبأ أو ببعضه، فيظن الحاضرون أن هذه كرامة له، ، وكان صاحب سيما وشياطين تخدمه أحيانا، كانوا معه على جبل أبي قبيس، فطلبوا منه حلاوة، فذهب إلى مكان قريب منهم وجاء بصحن حلوى، فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن، حمله شيطان من تلك البقعة، ومثل هذا يحصل كثيرا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني، ونحن نعرف كثيرا من هؤلاء في زماننا وغير زماننا: مثل شخص هو الآن بدمشق كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق، فيجيء من الهوى إلى طاعة البيت الذي فيه الناس، فيدخل وهم يرونه، ويجيء بالليل إلى باب الصغير فيعبر منه هو ورفقته، وهو من أفجر الناس . وآخر كان بالشويك، في قرية يقال لها: " الشاهدة " يطير في الهوى إلى رأس الجبل والناس يرونه، وكان شيطان يحمله، كان يقطع الطريق، وأكثرهم شيوخ الشر، يقال لأحدهم " البوي " أي المخبث، ينصبون له حركات في ليلة مظلمة، ويصنعون خبزا على سبيل القربات، فلا يذكرون الله، ولا يكون عندهم من يذكر الله، ولا كتاب فيه ذكر الله ; ثم يصعد ذلك البوي في الهوى، وهم يرونه، ويسمعون خطابه للشيطان، وخطاب الشيطان له، ومن ضحك أو شرق بالخبز ضربه بالدف، ولا يرون من يضرب به، ثم إن الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه، ويأمرهم بأن يقربوا له بقرا وخيلا وغير ذلك وأن يخنقوها خنقا ولا يذكرون اسم الله عليها، فإذا فعلوا قضى حاجتهم، وشيخ آخر أخبر عن نفسه أنه كان يزني بالنساء، ويلوط بالصبيان الذين يقال لهم " الحوارات " وكان يقول: يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان، فيقول لي: فلان، إن فلانا نذر لك نذرا، وغدا يأتيك به، وأنا قضيت حاجته لأجلك، فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر ; ويكاشفه هذا الشيخ الكافر، قال: وكنت إذا طلب مني تغيير مثل اللاذن أقول حتى أغيب عن عقلي ; وإذ باللاذن في يدي، أو في فمي وأنا لا أدري من وضعه، ، قال: وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور، فلما تاب هذا الشيخ، وصار يصلي، ويصوم ويجتنب المحارم، ذهب الكلب الأسود وذهب التغيير ; فلا يؤتى بلاذن ولا غيره، وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس، فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون منه إبراءه، فيرسل إلى أتباعه فيفارقون ذلك المصروع، ويعطون ذلك الشيخ دراهم كثيرة، وكان أحيانا تأتيه الجن بدراهم وطعام تسرقه من الناس، حتى إن بعض الناس كان له تين في كوارة، فيطلب الشيخ من شياطينه تينا، فيحضرونه له، فطلب أصحاب الكوارة التين فوجدوه قد ذهب، وآخر كان مشتغلا بالعلم والقراءة، فجاءته الشياطين أغرته، وقالوا له: نحن نسقط عنك الصلاة، ونحضر لك ما تريد، فكانوا يأتونه بالحلوى والفاكهة، حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التي أكلها ذلك المفتون بالشيطان، فكل من خرج عن الكتاب والسنة، وكان له حال من مكاشفة أو تأثير، فإنه صاحب حال نفساني ; أو شيطاني، وإن لم يكن له حال بل هو يتشبه بأصحاب الأحوال فهو صاحب حال بهتاني، وعامة أصحاب الأحوال الشيطانية يجمعون بين الحال الشيطاني، والحال البهتاني، كما قال تعالى: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم } والحلاج " كان من أئمة هؤلاء أهل الحال الشيطاني، والحال البهتاني وهؤلاء طوائف كثيرة، فأئمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام مثل الكهان، والسحرة الذين كانوا للعرب المشركين، ومثل الكهان الذين هم بأرض الهند والترك وغيرهم، ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يجيء بعد الموت ; فيكلمهم ويقضي ديونه، ويرد ودائعه ويوصيهم بوصايا، فإنهم تأتيهم تلك الصورة التي كانت في الحياة، وهو شيطان يتمثل في صورته ; فيظنونه إياه، وكثير ممن يستغيث بالمشايخ فيقول: يا سيدي فلان، أو يا شيخ فلان، اقض حاجتي، فيرى صورة ذلك الشيخ تخاطبه، ويقول: أنا أقضي حاجتك وأطيب قلبك فيقضي حاجته، أو يدفع عنه عدوه، ويكون ذلك شيطانا تمثل في صورته لما أشرك بالله فدعا غيره، وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة ; حتى إن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم استغاثوا بي في شدائد أصابتهم، أحدهم كان خائفا من الأرمن، والآخر كان خائفا من التتر، فذكر كل منهم أنه لما استغاث بي رآني في الهوى وقد رفعت عنه عدوه، فأخبرتهم أني لم أشعر بهذا، ولا دفعت عنكم شيئا ; وإنما هذا الشيطان تمثل لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى، وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ مع أصحابهم ; يستغيث أحدهم بالشيخ، فيرى الشيخ قد جاء وقضى حاجته، ويقول ذلك الشيخ: إني لم أعلم بهذا، فيعرف أن ذلك كان شيطانا، وقد قلت لبعض أصحابنا لما ذكر لي أنه استغاث بهما كان يعتقدهما، وأنهما أتياه في الهوى ; وقالا له طيب قلبك، نحن ندفع عنك هؤلاء، ونفعل، ونصنع، قلت له: فهل كان من ذلك شيء ؟ فقال: لا فكان هذا مما دله على أنهما شيطانان ; فإن الشياطين وإن كانوا يخبرون الإنسان بقضية أو قصة فيها صدق، فإنهم يكذبون أضعاف ذلك، كما كانت الجن يخبرون الكهان، ولهذا من اعتمد على مكاشفته التي هي من أخبار الجن كان كذبه أكبر من صدقه، كشيخ كان يقال له: " الشياح " توبناه، وجددنا إسلامه كان له قرين من الجن يقال له: عنتر " يخبره بأشياء، فيصدق تارة، ويكذب تارة، فلما ذكرت له أنك تعبد شيطانا من دون الله، اعترف بأنه يقول له: يا عنتر، لا سبحانك ; إنك إله قذر، وتاب من ذلك، في قصة مشهورة، وقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء مثل الشخص الذي قتلناه سنة خمس عشرة وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة، ويكذب تارة، وقد انقاد له طائفة من المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة، فيكاشفهم حتى كشف الله لهم، وذلك أن القرين كان تارة يقول له: أنا رسول الله، ويذكر أشياء تنافي حال الرسول، فشهد عليه أنه قال: إن الرسول يأتيني، ويقول لي كذا وكذا من الأمور التي يكفر من أضافها إلى الرسول ; فذكرت لولاة الأمور أن هذا من جنس الكهان ; وأن الذي يراه شيطانا ; ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي، بل يأتيه في صورة منكرة، ويذكر عنه أنه يشكي له ; ويبيح له أن يتناول المسكر وأمورا أخرى، وكان كثير من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية ; ولم يكن كاذبا في أنه رأى تلك الصورة ; لكن كان كافرا في اعتقاده أن ذلك رسول الله، ومثل هذا كثير، ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان ; فكلما بعدوا عن الله ورسوله وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان، فيطيرون في الهواء ; والشيطان طار بهم، ومنهم من يصرع الحاضرين، وشياطينه صرعتهم، ومنهم من يحضر طعاما وإداما وملأ الإبريق ماء من الهوى، والشياطين فعلت ذلك، فيحسب الجاهلون أن هذه كرامات أولياء الله المتقين ; وإنما هي من جنس أحوال السحرة والكهنة وأمثالهم، ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل، ومن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن لم يعرف طريق المحق من المبطل ; والتبس عليه الأمر والحال، كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء ; وإنما هم كذابون، وقد قال: { لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون دجالون كذابون، كلهم يزعم أنه رسول الله }، وأعظم الدجاجلة فتنة " الدجال الكبير " الذي يقتله عيسى ابن مريم: فإنه ما خلق الله من لدن آدم إلى قيام الساعة أعظم من فتنته، وأمر المسلمين أن يستعيذوا من فتنته في صلاتهم، وقد ثبت { أنه يقول للسماء: أمطري: فتمطر ; وللأرض أنبتي، فتنبت } { وأنه يقتل رجلا مؤمنا ; ثم يقول له قم فيقوم ; فيقول أنا ربك ; فيقول له كذبت ; بل أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول الله، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فيقتله مرتين، فيريد أن يقتله في الثالثة فلا يسلطه الله عليه } وهو يدعي الإلهية، وقد بين له النبي ثلاث علامات تنافي ما يدعيه: أحدها: { أنه أعور ; وإن ربكم ليس بأعور }، والثاني: { أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن من قارئ وغير قارئ }، والثالثة قوله: { واعلموا أن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت }، فهذا هو الدجال الكبير ودونه دجاجلة منهم من يدعي النبوة ; ومنهم من يكذب بغير ادعاء النبوة ; كما قال: { يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم }، فالحلاج كان من الدجاجلة بلا ريب ; ولكن إذا قيل: هل تاب قبل الموت، أم لا ؟ قال: الله أعلم ; فلا يقول ما ليس له به علم ; ولكن ظهر عنه من الأقوال والأعمال ما أوجب كفره وقتله باتفاق المسلمين، والله أعلم به .

-مسألة: عن " المعز معد بن تميم " الذي بنى القاهرة، والقصرين: هل كان شريفا فاطميا ؟ وهل كان هو وأولاده معصومين ؟ وأنهم أصحاب العلم الباطن، وإن، كانوا ليسوا أشرافا: فما الحجة على القول بذلك ؟ وإن كانوا على خلاف الشريعة: فهل هم " بغاة " أم لا ؟ وما حكم من نقل ذلك عنهم من العلماء المعتمدين الذين يحتج بقولهم ؟ ولتبسطوا القول في ذلك، الجواب: الحمد لله، أما القول بأنه هو أو أحد من أولاده أو نحوهم كانوا معصومين من الذنوب والخطأ، كما يدعيه الرافضة في " الاثني عشرة فهذا القول شر من قول الرافضة بكثير ; فإن الرافضة ادعت ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه، بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة: كعلي، والحسن، والحسين رضي الله عنهم، ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال ; وأنه من أقوال أهل الإفك والبهتان ; فإن العصمة في ذلك ليست لغير الأنبياء عليهم السلام، بل كان من سوى الأنبياء يؤخذ من قوله ويترك، ولا تجب طاعة من سوى الأنبياء والرسل في كل ما يقول، ولا يجب على الخلق اتباعه والإيمان به في كل ما يأمر به ويخبر به، ولا تكون مخالفته في ذلك كفرا ; بخلاف الأنبياء ; بل إذا خالفه غيره من نظرائه وجب على المجتهد النظر في قوليهما، وأيهما كان أشبه بالكتاب والسنة تابعه، كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فأمر عند التنازع بالرد إلى الله وإلى الرسول ; إذ المعصوم لا يقول إلا حقا، ومن علم أنه قال الحق في موارد النزاع وجب اتباعه، كما لو ذكر آية من كتاب الله تعالى، أو حديثا ثابتا عن رسول الله يقصد به قطع النزاع، أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله من غير ذكر دليل يدل على صحة ما يقول فليس بصحيح ; بل هذه المرتبة هي " مرتبة الرسول، التي لا تصلح إلا له، كما قال تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وقال تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما }، وقال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وقال تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم }، وقال تعالى: { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } وقال: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا }، وقال تعالى: { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } وقال تعالى: { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس، على الله حجة بعد الرسل }، وقال تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا }، وقال تعالى: { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم } وأمثال هذه في القرآن كثير، بين فيه سعادة من آمن بالرسل واتبعهم وأطاعهم، وشقاوة من لم يؤمن بهم ولم يتبعهم ; بل عصاهم، فلو كان غير الرسول معصوما فيما يأمر به وينهي عنه لكان حكمه في ذلك حكم الرسول، والنبي المبعوث إلى الخلق رسول إليهم ; بخلاف من لم يبعث إليهم، فمن كان آمرا ناهيا للخلق: من إمام، وعالم، وشيخ، وأولي أمر غير هؤلاء من أهل البيت أو غيرهم، وكان معصوما: كان بمنزلة الرسول في ذلك، وكان من أطاعه وجبت له الجنة، ومن عصاه وجبت له النار، كما يقوله القائلون بعصمة علي أو غيره من الأئمة ; بل من أطاعه يكون مؤمنا ; ومن عصاه يكون كافرا ; وكان هؤلاء كأنبياء بني إسرائيل ; فلا يصح حينئذ قول النبي: { لا نبي بعدي } وفي السنن عنه أنه قال: { العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا إنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر }، فغاية العلماء من الأئمة وغيرهم من هذه الأمة أن يكونوا ورثة أنبياء، وأيضا فقد ثبت بالنصوص الصحيحة والإجماع { أن النبي قال للصديق في تأويل رؤيا عبرها: أصبت بعضا، وأخطأت بعضا } وقال الصديق: أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم وغضب مرة على رجل فقال له أبو بردة: دعني أضرب عنقه، فقال له: أكنت فاعلا ؟ قال: نعم، فقال: ما كانت لأحد بعد رسول الله، ولهذا اتفق الأئمة على أن من سب نبيا قتل، ومن سب غير النبي لا يقتل بكل سب سبه ; بل يفصل في ذلك ; فإن من قذف أم النبي ﷺ، قتل مسلما كان أو كافرا: لأنه قدح في نسبه، ولو قذف غير أم النبي ممن لم يعلم براءتها لم يقتل، وكذلك عمر بن الخطاب كان يقر على نفسه في مواضع بمثل هذه، فيرجع عن أقوال كثيرة إذا تبين له الحق في خلاف ما قال، ويسأل الصحابة عن بعض السنة حتى يستفيدها منهم، ويقول في مواضع: والله ما يدري عمر أصاب الحق أو أخطأه، ويقول: امرأة أصابت، ورجل أخطأ، ومع هذا فقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال: { قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر } وفي الترمذي: { لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر } وقال: { إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه } فإذا كان المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه بهذه المنزلة يشهد على نفسه بأنه ليس بمعصوم فكيف بغيره من الصحابة وغيرهم الذين لم يبلغوا منزلته ؟، فإن أهل العلم متفقون على أن أبا بكر وعمر أعلم من سائر الصحابة، وأعظم طاعة لله ورسوله من سائرهم، وأولى بمعرفة الحق واتباعه منهم، وقد ثبت بالنقل المتواتر الصحيح عن النبي أنه قال: { خير هذه

الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر } روي ذلك عنه من نحو ثمانين وجها، وقال علي رضي الله عنه: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري، والأقوال المأثورة عن عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة [ كثيرة ]، بل أبو بكر الصديق لا يحفظ له فتيا أفتى فيها بخلاف نص النبي، وقد وجد لعلي وغيره من الصحابة من ذلك أكثر مما وجد لعمر وكان الشافعي رضي الله عنه يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه، فيحتجون عليه بقول علي، فصنف كتاب اختلاف علي وعبد الله بن مسعود " وبين فيه مسائل كثيرة تركت من قولهما ; لمجيء السنة بخلافها، وصنف بعده محمد بن نصر الثوري كتابا أكبر من ذلك، كما ترك من قول علي رضي الله عنه أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا فإنها تعتد أبعد الأجلين، ويروى ذلك عن ابن عباس أيضا، واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما في ذلك، وهو أنها إذا وضعت حملها حلت، لما ثبت { عن النبي: أن سبيعة الأسلمية كانت قد وضعت بعد زوجها بليال، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا، فسألت النبي عن ذلك ؟ فقال: كذب أبو السنابل، حللت فانكحي } فكذب النبي من قال بهذه الفتيا، " وكذلك المفوضة التي تزوجها زوجها ومات عنها ولم يفرض لها مهر قال فيها علي وابن عباس إنها لا مهر لها، وأفتى فيها ابن مسعود وغيره أن لها مهر المثل، فقام رجل من أشجع فقال: نشهد " أن رسول الله قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به في هذه "، ومثل هذا كثير، وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضا في العلم والفتيا، كما يخالف سائر أهل العلم بعضهم بعضا، ولو كانوا معصومين لكانت مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة، وقد كان الحسن، في أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيرا مما يفعله، ويرجع علي رضي الله عنه في آخر الأمر إلى رأيه، وكان يقول: لئن عجزت عجزة لا أعتذر سوف أكيس بعدها وأستمر وأجبر الرأي النسيب المنتشر وتبين له في آخر عمره أن لو فعل غير الذي كان فعله لكان هو الأصوب وله فتاوى رجع ببعضها عن بعض، كقوله في أمهات الأولاد، فإن له فيها قولين: أحدهما: المنع من بيعهن، والثاني: إباحة ذلك والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان ; إلا أن يكون أحدهما ناسخا للآخر، كما في { قول النبي السنة استقرت } فلا يرد عليها بعده نسخ إذ لا نبي بعده، وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق، ولا يطلب هذا الأمر، وأشار عليه بذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه ورأوا أن مصلحته ومصلحة المسلمين أن لا يذهب إليهم، لا يجيبهم إلى ما قالوه من المجيء إليهم والقتال معهم ; وإن كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين، ولكنه رضي الله عنه قال ما رآه مصلحة، والرأي يصيب ويخطئ، والمعصوم ليس لأحد أن يخالفه ; وليس له أن يخالف معصوما آخر ; إلا أن يكونا على شريعتين، كالرسولين، ومعلوم أن شريعتهما واحدة، وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع، والمقصود أن من ادعى عصمة هؤلاء السادة، المشهور لهم بالإيمان والتقوى والجنة ; هو في غاية الضلال والجهالة، ولم يقل هذا القول من له في الأمة لسان صدق ; بل ولا من له عقل محمود، فكيف تكون العصمة في ذرية " عبد الله بن ميمون القداح " مع شهرة النفاق والكذب والضلال ؟، وهب أن الأمر ليس كذلك: فلا ريب أن سيرتهم من سيرة الملوك، وأكثرها ظلما وانتهاكا للمحرمات، وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات، وأعظم إظهارا للبدع المخالفة للكتاب والسنة، وإعانة لأهل النفاق والبدعة، وقد اتفق أهل العلم على أن دولة بني أمية وبني العباس أقرب إلى الله ورسوله من دولتهم، وأعظم علما وإيمانا من دولتهم، وأقل بدعا وفجورا من بدعتهم، وأن خليفة الدولتين أطوع لله ورسوله من خلفاء دولتهم ; ولم يكن في خلفاء الدولتين من يجوز أن يقال فيه أنه معصوم، فكيف يدعي العصمة من ظهرت عنه الفواحش والمنكرات، والظلم والبغي، والعدوان والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة، والاطمئنان لأهل الكفر والنفاق ؟، فهم من أفسق الناس، ومن أكفر الناس، وما يدعي العصمة في النفاق والفسوق إلا جاهل مبسوط الجهل، أو زنديق يقول بلا علم، ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من شهد لهم بالإيمان والتقوى، أو بصحة النسب فقد شهد لهم بما لا يعلم، وقد قال الله تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم } وقال تعالى: { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } وقال عن إخوة يوسف: { وما شهدنا إلا بما علمنا } وليس أحد من الناس يعلم صحة نسبهم ولا ثبوت إيمانهم وتقواهم ; فإن غاية ما يزعمه أنهم كانوا يظهرون الإسلام والتزام شرائعه ; وليس كل من أظهر الإسلام يكون مؤمنا في الباطن ; أن قد عرف في المظهرين للإسلام المؤمن والمنافق، قال الله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين }، وقال تعالى: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون }، وقال تعالى: { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة، وأئمتها وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فإذا قدر أن بعض الناس خالفهم في ذلك صار في إيمانهم نزاع مشهور، فالشاهد لهم بالإيمان شاهد لهم بما لا يعلمه ; إذ ليس معه شيء يدل على إيمانهم مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم، وكذلك " النسب " قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من: الحنيفية، والمالكية والشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب، والعامة، وغيرهم، وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه، فإنه ذكر ما كتبه علماء المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم، وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه، فإنهم ذكروا بطلان نسبهم، وكذلك ابن الجوزي، وأبو شامة وغيرهم من أهل العلم بذلك، حتى صنف العلماء في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، كما صنف القاضي أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وذكر أنهم من ذرية المجوس، وذكر من مذاهبهم ما بين فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى ; بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون إلهية علي أو نبوته، فهم أكفر من هؤلاء ; وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه " المعتمد " فصلا طويلا في شرح زندقتهم وكفرهم، وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه الذي سماه فضائل المستظهرية وفضائح الباطنية، قال: ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض، وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا يفضلون على علي غيره ; بل يفسقون من قاتله ولم يتب من قتاله: يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة، فهذه مقالة المعتزلة في حقهم، فكيف تكون مقالة أهل السنة والجماعة ؟، ، والرافضة الإمامية - مع أنهم من أجهل الخلق، وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل، ولا دين صحيح، ولا دنيا منصورة نعم - يعلمون أن مقالة هؤلاء مقالة الزنادقة المنافقين ; ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شر من مقالة الغالية الذين يعتقدون إلهية علي رضي الله عنه، وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف، وقد تولى الخلافة غيرهم طوائف، وكان في بعضهم من البدعة والعلم ما فيه ; فلم يقدح الناس في نسب أحد من أولئك، كما قدحوا في نسب هؤلاء ولا نسبوهم إلى الزندقة والنفاق كما نسبوا هؤلاء، وقد قام من ولد علي طوائف ; من ولد الحسن، وولد الحسين، كمحمد بن عبد الله بن حسن، وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأمثالهما، ولم يطعن أحد لا من أعدائهم ولا من غير أعدائهم لا في نسبهم ولا في إسلامهم، وكذلك الداعي القائم بطبرستان وغيره من العلويين، وكذلك بنو حمود الذين تغلبوا بالأندلس مدة وأمثال هؤلاء لم يقدح أحد في نسبهم، ولا في إسلامهم، وقد قتل جماعة من الطالبين من على الخلافة، لا سيما في الدولة العباسية، وحبس طائفة موسى بن جعفر وغيره، ولم يقدح أعداؤهم في نسبهم، ولا دينهم، وسبب ذلك أن الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدو أن يطفئه

وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله والرسول أمر لا يخفى، وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه وله هذه الشهرة لم يمكنه ذلك، فإن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولا يجوز أن تتفق على ذلك أقوال العلماء، وهؤلاء " بنو عبيد القداح " ما زالت علماء الأمة المأمونون علما ودينا يقدحون في نسبهم ودينهم ; لا يذمونهم بالرفض والتشيع ; فإن لهم في هذا شركاء كثيرين ; بل يجعلونهم " من القرامطة الباطنية " الذين منهم الإسماعيلية والنصيرية، ومن جنسهم الخرمية المحمرة وأمثالهم من الكفار المنافقين، الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ; ولا ريب أن اتباع هؤلاء باطل ; وقد وصف العلماء أئمة هذا القول بأنهم الذين ابتدعوه ووضعوه ; وذكروا ما بنوا عليه مذاهبهم ; وأنهم أخذوا بعض قول المجوس وبعض قول الفلاسفة ; فوضعوا لهم " السابق " " والتالي " " والأساس " " والحجج " " والدعاوى " وأمثال ذلك من المراتب، وترتيب الدعوة سبع درجات ; آخرها " البلاغ

الأكبر ; والناموس الأعظم " مما ليس هذا موضع تفصيل ذلك، وإذا كان كذلك فمن شهد لهم بصحة نسب أو إيمان فأقل ما في شهادته أنه شاهد بلا علم، قاف ما ليس له به علم ; وذلك حرام باتفاق الأمة ; بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق، ومعاداة ما جاء به الرسول: دليل على بطلان نسبهم الفاطمي ; فإن من يكون من أقارب النبي القائمين بالخلافة في أمته لا تكون معاداته لدينه كمعاداة هؤلاء ; فلم يعرف في بني هاشم، ولا ولد أبي طالب، ولا بني أمية: من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام ; فضلا عن أن يكون معاديا كمعاداة هؤلاء ; بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية لدين آبائهم وأسلافهم، فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف يعادي دينه هذه المعاداة ; ولهذا نجد جميع المأمونين على دين الإسلام باطنا وظاهرا معادين لهؤلاء، إلا من هو زنديق عدو لله ورسوله، أو جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله، وهذا مما يدل على كفرهم، وكذبهم في نسبهم .