مجموع الفتاوى/المجلد السابع عشر/من أسس دين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
من أسس دين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط
ابن تيمية

من أسس دين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط[عدل]

ودين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدًا فقط؛ ولهذا مشاعر الحج غير المسجد الحرام تقصد للنسك، لا للصلاة فلا صلاة بعرفة، وإنما صلى النبي ﷺ الظهر والعصر يوم عرفة بعرفة خطب بها ثم صلى، ثم بعد الصلاة ذهب إلى عرفات، فوقف بها، وكذلك يذكر الله ويدعى بعرفات وبمزدلفة على قزح، وبالصفا والمروة، وبين الجمرات، وعند الرمي. ولا تقصد هذه البقاع للصلاة. وأما غير المساجد ومشاعر الحج فلا تقصد بقعة لا للصلاة، ولا للذكر، ولا للدعاء، بل يصلي المسلم حيث أدركته الصلاة، إلا حيث نهي، ويذكر الله ويدعوه حيث تيسر من غير قصد تخصيص بقعة بذلك، وإذا اتخذ بقعة لذلك كالمشاهد نهي عن ذلك، كما نهي عن الصلاة في المقبرة، إلا ما يفعله الرجل عند السلام على الميت من الدعاء له وللمسلمين، كما يفعل مثل ذلك في الصلاة على الجنازة، فإن زيارة قبر المؤمن من جنس الصلاة على جنازته، يفعل في هذا من جنس ما يفعل في هذا، ويقصد بالدعاء هنا ما يقصد بالدعاء هنا.

ومما يشبه هذا أن الأنصار بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة بالوادى الذي وراء جمرة العقبة؛ لأنه مكان منخفض قريب من منى، يستر من فيه، فإن السبعين الأنصار كانوا قد حجوا مع قومهم المشركين، ومازال الناس يحجون إلى مكة قبل الإسلام وبعده، فجاؤوا مع قومهم إلى منى؛ لأجل الحج، ثم ذهبوا بالليل إلى ذلك المكان لقربه وستره لا لفضيلة فيه، ولم يقصدوه لفضيلة تخصه بعينه.

ولهذا لما حج النبي ﷺ هو وأصحابه لم يذهبوا إليه، ولا زاروه، وقد بنى هناك مسجد، وهو محدث، وكل مسجد بمكة وما حولها غير المسجد الحرام فهو محدث، ومنى نفسها لم يكن بها على عهد النبي ﷺ مسجد مبني، ولكن قال: «منى مناخ لمن سبق» فنزل بها المسلمون، وكان يصلى بالمسلمين بمنى، وغير منى، وكذلك خلفاؤه من بعده، واجتماع الحجاج بمنى أكثر من اجتماعهم بغيرها، فإنهم يقيمون بها أربعًا، وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يصلُّون بالناس بمنى وغير منى، وكانوا يقصرون الصلاة بمنى وعرفة ومزدلفة، ويجمعون بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، ويصلى بصلاتهم جميع الحجاج من أهل مكة وغير أهل مكة، وكلهم يقصرون الصلاة بالمشاعر، وكلهم يجمعون بعرفة ومزدلفة.

وقد تنازع العلماء في أهل مكة ونحوهم: هل يقصرون أو يجمعون؟ فقيل: لا يقصرون ولا يجمعون، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد. وقيل: يجمعون ولا يقصرون، كما يقول ذلك أبو حنيفة وأحمد ومن وافقه من أصحابه وأصحاب الشافعى. وقيل: يجمعون ويقصرون، كما قال ذلك مالك وابن عيينة وإسحاق بن راهويه وبعض أصحاب أحمد وغيرهم، وهذا هو الصواب بلا ريب، فإنه الذي فعله أهل مكة خلف النبي ﷺ بلا ريب، ولم يقل النبي ﷺ قط ولا أبو بكر ولا عمر بمنى ولا عرفة ولا مزدلفة: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر، ولكن ثبت أن عمر قال ذلك في جوف مكة. وكذلك في السنن عن النبي ﷺ أنه قال ذلك في جوف مكة في غزوة الفتح. وهذا من أقوى الأدلة على أن القصر مشروع لكل مسافر، ولو كان سفره بريدًا، فإن عرفة من مكة بريد أربع فراسخ ولم يصل النبي ﷺ ولا خلفاؤه بمكة صلاة عيد، بل ولا صلى في أسفاره قط صلاة العيد، ولا صلى بهم في أسفاره صلاة جمعة يخطب ثم يصلى ركعتين، بل كان يصلى يوم الجمعة في السفر ركعتين، كما يصلى في سائر الأيام.

وكذلك لما صلى بهم الظهر والعصر بعرفة صلى ركعتين، كصلاته في سائر الأيام، ولم ينقل أحد أنه جهر بالقراءة يوم الجمعة في السفر، لا بعرفة ولا بغيرها، ولا أنه خطب بغير عرفة يوم الجمعة في السفر، فعلم أن الصواب ما عليه سلف الأمة وجماهيرها من الأئمة الأربعة وغيرهم، من أن المسافر لا يصلى جمعة ولا غيرها، وجمهورهم أيضا على أنه لا يصلى عيدًا، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وهذا هو الصواب أيضا فإن النبي ﷺ وخلفاءه لم يكونوا يصلون العيد إلا في المقام، لا في السفر، ولم يكن يصلى صلاة العيد إلا في مكان واحد مع الإمام يخرج بهم إلى الصحراء فيصلى هناك، فيصلى المسلمون كلهم خلفه صلاة العيد كما يصلون الجمعة ولم يكن أحد من المسلمين يصلى صلاة عيد في مسجد قبيلته ولا بيته، كما لم يكونوا يصلون جمعة في مساجد القبائل، ولا كان أحد منهم بمكة يوم النحر يصلى صلاة عيد على عهد النبي ﷺ وخلفائه، بل عيدهم بمنى بعد إفاضتهم من المشعر الحرام، ورمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لسائر أهل الأمصار يرمون ثم ينحرون وسائر أهل الأمصار يصلون ثم ينحرون، والنبي ﷺ لما أفاض من منى نزل بالمحَصِّبِ، فاختلف أصحابه: هل التحصيب سنة لاختلافهم في قصده هل قصد النزول به أو نزل به لأنه كان أسمح لخروجه؟ وهذا مما يبين أن المقاصد كانت معتبرة عندهم في المتابعة.

ولما اعتمر عمرة القضية وكانت مكة مع المشركين لم تفتح بعد، وكان المشركون قد قالوا: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حُمى يثرب، وقعد المشركون خلف قعيقعان وهو جبل المروة ينظرون إليهم، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط من الطواف، ليرى المشركون جلدهم وقوتهم. وروى أنه دعا لمن فعل ذلك، ولم يرملوا بين الركنين؛ لأن المشركين لم يكونوا يرونهم من ذلك الجانب، فكان المقصود بالرمل إذ ذاك من جنس المقصود بالجهاد، فظن بعض المتقدمين أنه ليس من النسك؛ لأنه فعل لقصد وزال، لكن ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ وأصحابه لما حجوا رملوا من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، فكملوا الرَّمْلَ بين الركنين، وهذا قدر زائد على ما فعلوه في عمرة القضية، وفعل ذلك في حجة الوداع مع الأمن العام، فإنه لم يحج معه إلا مؤمن، فدل ذلك على أن الرمل صار من سنة الحج، فإنه فعل أولا لمقصود الجهاد، ثم شرع نسكًا، كما روى في سعى هاجر، وفي رمي الجمار، وفي ذبح الكبش: أنه فعل أولًا لمقصود، ثم شرعه الله نسكًا وعبادة، لكن هذا يكون إذا شرع الله ذلك وأمر به، وليس لأحد أن يشرع ما لم يشرعه الله، كما لو قال قائل: أنا أستحب الطواف بالصخرة سبعًا، كما يطاف بالكعبة، أو أستحب أن أتخذ من مقام موسى وعيسى مصلى، كما أمر الله أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، ونحو ذلك، لم يكن له ذلك؛ لأن الله تعالى يختص ما يختصه من الأعيان والأفعال بأحكام تخصه يمتنع معها قياس غيره عليه، إما لمعنى يختص به لا يوجد بغيره على قول أكثر أهل العلم، وإما لمحض تخصيص المشيء ة على قول بعضهم، كما خص الكعبة بأن يحج إليها ويطاف بها، وكما خص عرفات بالوقوف بها، وكما خص منى برمي الجمار بها، وكما خص الأشهر الحرم بتحريمها، وكما خص شهر رمضان بصيامه وقيامه، إلى أمثال ذلك.

وإبراهيم ومحمد كل منهما خليل الله، فإنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله اتخذنى خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلا». وقد ثبت في الصحيح: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: يا خير البرية قال: «ذاك إبراهيم». فإبراهيم أفضل الخلق بعد محمد ﷺ. وقوله: «ذاك إبراهيم» تواضع منه، فإنه قد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائى يوم القيامة ولا فخر» إلى غير ذلك من النصوص المبينة أنه أفضل الخلق، وأكرمهم على ربه، وإبراهيم هو الإمام الذي قال فيه: { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } [1]، وهو الأمة أي: القدوة الذي قال الله فيه: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا } [2]، وهو الذي بوأه الله مكان البيت، وأمره أن يؤذن في الناس بالحج إليه، وقد حرم الله الحرم على لسانه، وإسماعيل نبأه معه، وهو الذبيح الذي بذل نفسه لله وصبر على المحنة، كما بينا ذلك بالدلائل الكثيرة في غير هذا الموضع، وأمه هاجر هي التي أطاعت الله ورسوله إبراهيم في مقامها مع ابنها في ذلك الوادى الذي لم يكن به أنيس، كما قال الخليل: { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ } [3].

وكان لإبراهيم ولآل إبراهيم من محبة الله وعبادته والإيمان به وطاعته ما لم يكن لغيرهم، فخصهم الله بأن جعل لبيته الذي بنوه له خصائص لا توجد لغيره، وجعل ما جعله من أفعالهم قدوة للناس وعبادة يتبعونهم فيها، ولا ريب أن الله شرع لإبراهيم السعى ورمي الجمار والوقوف بعرفات بعد ما كان من أمر هاجر وإسماعيل وقصة الذبح وغير ذلك ما كان، كما شرع لمحمد الرَّمْلَ في الطواف حيث أمره أن ينادى في الناس بحج البيت، والحج مبناه على الذل والخضوع لله؛ ولهذا خص باسم النسك، والنَّسْكُ في اللغة: العبادة.

قال الجوهري: النَّسْكُ: العبادة، والنَّاسِكُ: العابد، وقد نَسَكَ وتَنَسَّك، أي: تعبد، ونَسُك بالضم، أي: صار ناسكا، ثم خص الحج باسم النسك؛ لأنه أدخل في العبادة والذل لله من غيره، ولهذا كان فيه من الأفعال ما لا يقصد فيه إلا مجرد الذل لله، والعبادة له، كالسعى ورمي الجمار. قال النبي ﷺ: «إنما جعل رمي الجمار والسعى بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله» رواه الترمذي. وخص بذلك الذبح الفداء أيضا دون مطلق الذبح؛ لأن إراقة الدم لله أبلغ في الخضوع والعبادة له، ولهذا كان من كان قبلنا لا يأكلون القربان، بل تأتى نار من السماء فتأكله؛ ولهذا قال تعالى: { الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [4].

وكذلك كانوا إذا غنموا غنيمة جمعوها ثم جاءت النار فأكلتها ليكون قتالهم محضا لله لا للمغنم، ويكون ذبحهم عبادة محضة لله لا لأجل أكلهم، وأمة محمد ﷺ وسع الله عليهم لكمال يقينهم وإخلاصهم، وأنهم يقاتلون لله ولو أكلوا المغنم، ويذبحون لله ولو أكلوا القربان؛ ولهذا كان عباد الشياطين والأصنام يذبحون لها الذبائح - أيضا - فالذبح للمعبود غاية الذل والخضوع له.

ولهذا لم يجز الذبح لغير الله، ولا أن يسمى غير الله على الذبائح، وحرم سبحانه ما ذبح على النصب، وهو ما ذبح لغير الله، وما سمى عليه غير اسم الله، وإن قصد به اللحم لا القربان، ولعن النبي ﷺ من ذبح لغير الله، ونهي عن ذبائح الجن، وكانوا يذبحون للجن، بل حرم الله ما لم يذكر اسم الله عليه مطلقا كما دل على ذلك الكتاب والسنة في غير موضع.

وقد قال تعالى: { فصل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [5]، أي: انحر لربك، كما قال الخليل: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [6]، وقد قال هو وإسماعيل إذ يرفعان القواعد من البيت: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } [7]، فالمناسك هنا مشاعر الحج كلها، كما قال تعالى: { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ } [8]، وقال تعالى: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } [9]، وقال: { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ } [10]، كما قال تعالى: { وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } [11].

فالمقصود تقوى القلوب لله وهو عبادتها له وحده دون ما سواه بغاية العبودية له، والعبودية فيها غاية المحبة وغاية الذل والإخلاص، وهذه ملة إبراهيم الخليل، وهذا كله مما يبين أن عبادة القلوب هي الأصل، كما قال النبي ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»، والنية والقصد هما عمل القلب، فلابد في المتابعة للرسول ﷺ من اعتبار النية والقصد.

ومن هذا الباب: أن النبي ﷺ لما احتجم وأمر بالحجامة. وقال في الحديث الصحيح: «شفاء أمتي في شَرْطَةِ محجم، أو شَرْبَة عسل، أو كية بنار، وما أحب أن أكتوي»، كان معلومًا أن المقصود بالحجامة: إخراج الدم الزائد الذي يضر البدن، فهذا هو المقصود، وخص الحجامة لأن البلاد الحارة يخرج الدم فيها إلى سطح البدن فيخرج بالحجامة؛ فلهذا كانت الحجامة في الحجاز ونحوه من البلاد الحارة يحصل بها مقصود استفراغ الدم، وأما البلاد الباردة، فالدم يغور فيها إلى العروق فيحتاجون إلى قطع العروق بالفصاد. وهذا أمر معروف بالحس والتجربة، فإنه في زمان البرد تسخن الأجواف وتبرد الظواهر؛ لأن شبيه الشيء منجذب إليه، فإذا برد الهواء برد ما يلاقيه من الأبدان والأرض، فيهرب الحر الذي فيها من البرد المضاد له إلى الأجواف فيسخن باطن الأرض وأجواف الحيوان، ويأوى الحيوان إلى الأكنان الدافئة ولقوة الحرارة في باطن الإنسان يأكل في الشتاء وفي البلاد الباردة أكثر مما يأكل في الصيف وفي البلاد الحارة؛ لأن الحرارة تطبخ الطعام وتصرفه، ويكون الماء النابع في الشتاء سَخِنًا لسخونة جوف الأرض، والدم سخن فيكون في جوف العروق لا في سطح الجلد، فلو احتجم لم ينفعه ذلك بل قد يضره، وفي الصيف والبلاد الحارة تسخن الظواهر فتكون البواطن باردة فلا ينهضم الطعام فيها كما ينهضم في الشتاء، ويكون الماء النابع باردًا لبرودة باطن الأرض. وتظهر الحيوانات إلى البرارى لسخونة الهواء، فهؤلاء قد لا ينفعهم الفصاد، بل قد يضرهم، والحجامة أنفع لهم.

وقوله: «شفاء أمتي» إشارة إلى من كان حينئذ من أمته وهم كانوا بالحجاز، كما قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»؛ لأن هذا كان قبلة أمتي حينئذ؛ لأنهم كانوا بالمدينة وما حولها، وهذا كما أنه في آخر الأمر بعد أن فرض الحج سنة تسع أو سنة عشر وَقَّتَ ثلاث مواقيت للمدينة ولنجد وللشام، ولما فتح اليمن وَقَّتَ لهم يلملم، ثم وَقَّتَ ذات عِرْقٍ لأهل العراق، وهذا كما أنه فرض صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير عن كل صغير وكبير ذكرًا وأنثى من المسلمين، وكان هذا هو الفرض على أهل المدينة؛ لأن الشعير والتمر كان قوتهم، ولهذا كان جماهير العلماء على أنه من اقتات الأرز والذرة ونحو ذلك يخرج من قوته، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهل يجزيه أن يخرج التمر والشعير إذا لم يكن يقتاته؟ فيه قولان للعلماء.

وكان الصحابة يرمون بالقوس العربية الطويلة التي تشبه قوس النَّدَفِ، وفتح الله لهم بها البلاد، وقد رويت آثار في كراهة الرمي بالقوس الفارسية عن بعض السلف لكونها كانت شعار الكفار، فأما بعد أن اعتادها المسلمون وكثرت فيهم وهي في أنفسها أنفع في الجهاد من تلك القوس، فلا تكره في أظهر قولى العلماء، أو قول أكثرهم؛ لأن الله تعالى: قال: { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ } [12].

والقوة في هذا أبلغ بلا ريب، والصحابة لم تكن هذه عندهم فعدلوا عنها إلى تلك؛ بل لم يكن لهم غيرها، فينظر في قصدهم بالرمي: أكان لحاجة إليها إذ ليس لهم غيرها؟ أم كان لمعنى فيها؟ ومن كره الرمي بها كرهه لمعنى لازم، كما يكره الكفر وما يستلزم الكفر، أم كرهها لكونها كانت من شعائر الكفار فكره التشبه بهم؟

وهذا كما أن الكفار من اليهود والنصارى إذا لبسوا ثوب الغيار من أصفر وأزرق نهي عن لباسه لما فيه من التشبه بهم، وإن كان لو خلا عن ذلك لم يكره، وفي بلاد لا يلبس هذه الملابس عندهم إلا الكفار فنهي عن لبسها، والذين اعتادوا ذلك من المسلمين لا مفسدة عندهم في لبسها.

ولهذا كره أحمد وغيره لباس السواد لما كان في لباسه تشبه بمن يظلم أو يعين على الظلم، وكره بيعه لمن يستعين بلبسه على الظلم، فأما إذا لم يكن فيه مفسدة لم ينه عنه.

وكره من كره من الصحابة والتابعين بيع الأرض الخراجية؛ لأن المسلم المشترى لها إذا أدى الخراج عنها أشبه أهل الذمة في التزام الجزية، فإن الخراج جزية الأرض، وإن لم يؤدها ظلم المسلمين بإسقاط حقهم من الأرض، لم يكرهوا بيعها لكونها وقفا، فإن الوقف إنما منع من بيعه لأن ذلك يبطل الوقف؛ ولهذا لا يباع ولا يوهب ولا يُورث، والأرض الخراجية تنتقل إلى الوارث باتفاق العلماء، وتجوز هبتها، والمتهب المشترى يقوم فيها مقام البائع فيؤدى ما كان عليه من الخراج، وليس في بيعها مضرة لمستحقى الخراج، كما في بيع الوقف. وقد غلط كثير من الفقهاء فظنوا أنهم كرهوا بيعها لكونها وقفًا، واشتبه عليهم الأمر؛ لأنهم رأوا الآثار مروية في كراهة بيعها، وقد عرفوا أن عمر جعلها فيء ا لم يقسمها قط، وذلك في معنى الوقف، فظنوا أن بيعها مكروه لهذا المعنى، ولم يتأملوا حق التأمل، فيرون أن هذا البيع ليس هو من جنس البيع المنهي عنه في الوقف، فإن هذه يصرف مغلها إلى مستحقها قبل البيع وبعده، وعلى حد واحد، ليست كالدار التي إذا بيعت تعطل نفعها عن أهل الوقف وصارت للمشتري.

وأعجب من ذلك أن طائفة من هؤلاء قالوا: مكة إنما كره بيع رباعها لكونها فتحت عنوة، ولم تقسم أيضا وهم قد قالوا مع جميع الناس: إن الأرض العنوة التي جعلت أرضها فيء ا يجوز بيع مساكنها، والخراج إنما جعل على المزارع لا على المساكن، فلو كانت مكة قد جعلت أرضها للمسلمين، وجعل عليها خراج لم يمتنع بيع مساكنها لذلك، فكيف ومكة أقرها النبي ﷺ بيد أهلها على ما كانت عليه مساكنها ومزارعها ولم يقسمها ولم يضرب عليها خراجا؛ ولهذا قال من قال: إنها فتحت صلحًا، ولا ريب أنها فتحت عنوة كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة، لكن النبي ﷺ أطلق أهلها جميعهم فلم يقتل إلا من قاتله، ولم يَسْبِ لهم ذرية، ولا غنم لهم مالًا؛ ولهذا سموا الطلقاء.

وأحمد وغيره من السلف إنما عللوا ذلك بكونها فتحت عنوة مع كونها مشتركة بين المسلمين، كما قال تعالى: { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } [13]، وهذه هي العلة التي اختصت بها مكة دون سائر الأمصار، فإن الله أوجب حجها على جميع الناس، وشرع اعتمارها دائمًا فجعلها مشتركة بين جميع عباده، كما قال: { سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } . ولهذا كانت منى وغيرها من المشاعر من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى ينتقل عنه كالمساجد، ومكة نفسها من سبق إلى مكان فهو أحق به، والإنسان أحق بمسكنه ما دام محتاجًا إليه وما استغنى عنه من المنافع فعليه بذله بلا عوض لغيره من الحجيج، وغيرهم؛ ولهذا كانت الأقوال في إجارة دورها وبيع رباعها ثلاثة.

قيل: لا يجوز لا هذا ولا هذا، وقيل: يجوز الأمران، والصحيح أنه يجوز بيع رباعها، ولا يجوز إجارتها، وعلى هذا تدل الآثار المنقولة في ذلك عن النبي ﷺ وعن الصحابة رضي الله عنهم فإن الصحابة كانوا يتبايعون دورها، والدور تورث وتوهب، وإذا كانت تورث وتوهب جاز أن تباع بخلاف الوقف، فإنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب.

وكذلك أم الولد من لم يجوز بيعها لم يجوز هبتها ولا أن تورث، وأما إجارتها فقد كانت تدعى السوائب على عهد النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن؛ لأن المسلمين كلهم محتاجون إلى المنافع، فصارت كمنافع الأسواق والمساجد والطرقات التي يحتاج إليها المسلمون، فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق به، وما استغنى عنه أخذه غيره بلا عوض، وكذلك المباحات التي يشترك فيها الناس، ويكون المشترى لها استفاد بذلك أنه أحق من غيره ما دام محتاجا، وإذا باعها الإنسان قطع اختصاصه بها وتوريثه إياها، وغير ذلك من تصرفاته؛ ولهذا له أن ألا يبذله إلا بعوض، والنبي ﷺ مَنَّ على أهل مكة، فإن الأسير يجوز المن عليه للمصلحة، وأعطاهم مع ذلك ذراريهم وأموالهم، كما مَنَّ على هوازن لما جاؤوا مسلمين بإحدى الطائفتين: السبي أو المال، فاختاروا السبي فأعطاهم السبي وكان ذلك بعد القسمة، فعوض عن نصيبه من لم يرض بأخذه منهم، وكان قد قسم المال فلم يرده عليهم، وقريش لم تحاربه كما حاربته هوازن، وهو إنما مَنَّ على مَنْ لم يقاتله منهم كما قال: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن».

فلما كف جمهورهم عن قتاله، وعرف أنهم مسلمون أطلقهم، ولم يغنم أموالهم ولا حريمهم، ولم يضرب الرق لا عليهم ولا على أولادهم بل سماهم الطلقاء من قريش، بخلاف ثقيف، فإنهم سموا العتقاء، فإنه أعتق أولادهم بعد الاسترقاق والقسمة، وكان في هذا ما دل على أن الإمام يفعل بالأموال والرجال والعقار والمنقول ما هو أصلح، فإن النبي ﷺ فتح خيبر فقسمها بين المسلمين، وسبى بعض نسائها، وأقر سائرهم مع ذراريهم حتى أجلوا بعد ذلك، فلم يسترقهم، ومكة فتحها عنوة ولم يقسمها لأجل المصلحة.

وقد تنازع العلماء في الأرض إذا فتحت عنوة هل يجب قسمها كخيبر لأنها مغنم؟ أو تصير فيئا كما دلت عليه سورة الحشر، وليست الأرض من المغنم؟ أو يخير الإمام فيما بين هذا وهذا؟ على ثلاثة أقوال، وأكثر العلماء على التخيير، وهو الصحيح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه وغيرهما.

ولو فتح الإمام بلدًا وغلب على ظنه أن أهله يسلمون ويجاهدون جاز أن يمن عليهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، كما فعل النبي ﷺ بأهل مكة، فإنهم أسلموا كلهم بلا خلاف، بخلاف أهل خيبر فإنه لم يسلم منهم أحد، فأولئك قسم أرضهم؛ لأنهم كانوا كفارًا مصرين على الكفر، وهؤلاء تركها لهم؛ لأنهم كلهم صاروا مسلمين، والمقصود بالجهاد: أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وقد كان النبي ﷺ يعطى المؤلفة قلوبهم ليتألفهم على الإسلام، فكيف لا يتألفهم بابقاء ديارهم وأموالهم؟!

وهم لما حضروا معه حنينًا أعطاهم من غنائم حنين ما تألفهم به، حتى عتب بعض الأنصار، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك: أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن: ما أفاء، فطفق رسول الله ﷺ يعطى رجالًا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطى قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحدث ذلك النبي ﷺ من قولهم، فأرسل رسول الله ﷺ إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: «ما حديث بلغنى عنكم؟!» فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطى قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ: «فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟! فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»، قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا، قال: «فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض» قالوا: سنصبر. وفي رواية: «لو سلك الناس واديا أو شِعْبًا وسلكت الأنصار واديًا أو شِعْبًا لسلكت وادى الأنصار وشعبهم، الناس دثارٌ، والأنصار شعار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار»، وحدثهم حتى بكوا رضي الله تعالى عنهم.

فهذا كله بذل وعطاء لأجل إسلام الناس، وهو المقصود بالجهاد.

ومن قال: إن الإمام يجب عليه قسمة العقار والمنقول مطلقًا، فقوله في غاية الضعف مخالف لكتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر، وليس معه حجة واحدة توجب ذلك، فإن قسمة النبي ﷺ خيبر تدل على جواز ما فعل، لا تدل على وجوبه، إذ الفعل لا يدل بنفسه على الوجوب، وهو لم يقسم مكة ولا شك أنها فتحت عنوة، وهذا يعلمه ضرورة من تدبر الأحاديث، وكذلك المنقول من قال: إنه يجب قسمه كله بالسوية بين الغانمين في كل غزاة، فقوله ضعيف، بل يجوز فيه التفضيل للمصلحة، كما كان النبي ﷺ يفضل في كثير من المغازي.

والمؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم النبي ﷺ من غنائم خيبر فيما أعطاهم قولان: أحدهما: أنه من الخمس، والثاني: أنه من أصل الغنيمة، وهذا أظهر؛ فإن الذي أعطاهم إياه هو شيء كثير لا يحتمله الخمس، ومن قال: العطاء كان من خمس الخمس، فلم يدر كيف وقع الأمر، ولم يقل هذا أحد من المتقدمين، هذا مع قوله: «ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم». وهذا لأن المؤلفة قلوبهم كانوا من العسكر، ففضلهم في العطاء للمصلحة كما كان يفضلهم فيما يقسمه من الفيء للمصلحة.

وهذا دليل على أن الغنيمة للإمام أن يقسمها باجتهاده كما يقسم الفيء باجتهاده، إذا كان إمام عدل قسمها بعلم وعدل، ليس قسمتها بين الغانمين كقسمة الميراث بين الورثة، وقسمة الصدقات في الأصناف الثمانية؛ ولهذا قال في الصدقات: «إن الله لم يرض فيها بقسمة نبي ولا غيره، ولكن جعلها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأصناف أعطيتك»، فعلم أن ما أفاء الله من الكفار بخلاف ذلك، وقد قسم النبي ﷺ من خيبر لأهل السفينة الذين قدموا مع جعفر، ولم يقسم لأحد غاب عنها غيرهم، وقسم من غنائم بدر لطلحة والزبير ولعثمان، وكان قد أقام بالمدينة، وهؤلاء الذين كانوا يريدون القتال وكانوا مشغولين ببعض مصالح المسلمين الذين هم فيها في جهاد.

وأيضا، أهل السفينة وطلحة والزبير وعثمان لم يكونوا كغيرهم، والقتال لم يكن لأجل الغنيمة، فليست الغنيمة كمباح اشترك فيه ناس مثل الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد، فإن ذلك الفعل مقصوده هو اكتساب المال، بخلاف الغنيمة، بل من قاتل فيها لأجل المال لم يكن مجاهدًا في سبيل الله؛ ولهذا لم تبح الغنائم لمن قبلنا وأبيحت لنا معونة على مصلحة الدين.

فالغنائم أبيحت لمصلحة الدين وأهله، فمن كان قد نفع المجاهدين بنفع استعانوا به على تمام جهادهم جعل منهم وإن لم يحضر؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «المسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد متسريهم على قاعدهم»، فإن المتسرى إنما تسرى بقوة القاعد، فالمعاونون للمجاهدين من المجاهدين. ولبسط هذه الأمور موضع آخر.

والمقصود هنا ذكر متابعة النبي ﷺ، وهو أنه يعتبر فيه متابعته في قصده، فإذا قصد مكانًا للعبادة فيه كان قصده لتلك العبادة سنة، وأما إذا صلى فيه اتفاقا من غير قصد لم يكن قصده للعبادة سنة؛ ولهذا لم يكن جمهور الصحابة يقصدون مشابهته في ذلك، وابن عمر رضي الله عنهما مع أنه كان يحب مشابهته في ظاهر الفعل لم يكن يقصد الصلاة إلا في الموضع الذي صلى فيه لا في كل موضع نزل به، ولهذا رخص أحمد بن حنبل في ذلك إذا كان شيئًا يسيرًا، كما فعله ابن عمر، ونهي عنه رضي الله عنه إذا كثر لأنه يفضي إلى المفسدة، وهي اتخاذ آثار الأنبياء مساجد وهي التي تسمى المشاهد، وما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار فهو من البدع المحدثة في الإسلام، من فِعْل من لم يعرف شريعة الإسلام، وما بعث الله به محمدا ﷺ من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبنى آدم؛ ولهذا يوجد من كان أبعد عن التوحيد وإخلاص الدين لله ومعرفة دين الإسلام هم أكثر تعظيما لمواضع الشرك، فالعارفون بسنة رسول الله ﷺ وحديثه أولى بالتوحيد وإخلاص الدين لله، وأهل الجهل بذلك أقرب إلى الشرك والبدع.

ولهذا يوجد ذلك في الرافضة أكثر مما يوجد في غيرهم؛ لأنهم أجهل من غيرهم، وأكثر شركًا وبدعًا، ولهذا يعظمون المشاهد أعظم من غيرهم، ويخربون المساجد أكثر من غيرهم، فالمساجد لا يصلون فيها جمعة ولا جماعة، ولا يصلون فيها إن صلوا إلا أفرادًا، وأما المشاهد فيعظمونها أكثر من المساجد، حتى قد يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله الحرام، ويسمونها الحج الأكبر، وصنف ابن المفيد منهم كتابا سماه مناسك حج المشاهد وذكر فيه من الأكاذيب والأقوال ما لا يوجد في سائر الطوائف، وإن كان في غيرهم أيضا نوع من الشرك والكذب والبدع؛ لكن هو فيهم أكثر، وكلما كان الرجل أتبع لمحمد ﷺ كان أعظم توحيدًا لله وإخلاصًا له في الدين، وإذا بعد عن متابعته نقص من دينه بحسب ذلك، فإذا كثر بعده عنه ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى اتباع الرسول.

والله إنما أمر في كتابه وسنة رسوله بالعبادة في المساجد، والعبادة فيها هي عمارتها، قال تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } [14]، ولم يقل: مشاهد الله، وقال تعالى: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [15]، ولم يقل: عند كل مشهد، فإن أهل المشاهد ليس فيهم إخلاص الدين لله، بل فيهم نوع من الشرك، وقال تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ } الآيات [16]، وفي الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان»، ثم قرأ هذه الآية. فإن المراد بعمارتها عمارتها بالعبادة فيها كالصلاة والاعتكاف، يقال: مدينة عامرة، إذا كانت مسكونة، ومدينة خراب، إذا لم يكن فيها ساكن، ومنه قوله تعالى: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ } [17].

وأما نفس بناء المساجد، فيجوز أن يبنيها البر والفاجر، والمسلم والكافر، وذلك يسمى بناء كما قال النبي ﷺ: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة»، فبين الله تعالى أن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على أنفسهم بالكفر، وبين إنما يعمرها من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه، وعمار المشاهد يخافون غير الله، ويرجون غيره، ويدعون غيره، وهو سبحانه لم يقل: إنما يعمر مشاهد الله، فإن المشاهد ليست بيوت الله، إنما هي بيوت الشرك؛ ولهذا ليس في القرآن آية فيها مدح المشاهد، ولا عن النبي ﷺ في ذلك حديث، وإنما ذكره الله عمن كان قبلنا أنهم بنوا مسجدًا على قبر أهل الكهف، وهؤلاء من الذين نهانا الله أن نتشبه بهم حيث قال ﷺ في الحديث الصحيح: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك».

ففي هذا الحديث ذم أهل المشاهد، وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة، كما قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا»، وقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»، ثم أهل المشاهد كثير من مشاهدهم أو أكثرها كذب، فإن الشرك مقرون بالكذب في كتاب الله كثيرًا، قال تعالى: { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } [18]، وقال النبي ﷺ: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» قالها ثلاثا. وذلك كالمشهد الذي بنى بالقاهرة على رأس الحسين، وهو كذب باتفاق أهل العلم، ورأس الحسين لم يحمل إلى هناك أصلًا، وأصله من عسقلان. وقد قيل: إنه كان رأس راهب، ورأس الحسين لم يكن بعسقلان، وإنما أحدث هذا في أواخر دولة الملاحدة بنى عبيد.

وكذلك مشهد على رضي الله عنه إنما أحدث في دولة بنى بويه، وقال محمد بن عبد الله مطين الحافظ وغيره: إنما هو قبر المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وعلى رضي الله عنه إنما دفن بقصر الإمارة بالكوفة، ودفن معاوية بقصر الإمارة بدمشق، ودفن عمرو ابن العاص بقصر الإمارة بمصر، خوفًا عليهم إذا دفنوا في المقابر البارزة أن ينبشهم الخوارج المارقون، فإن الخوارج كانوا تعاهدوا على قتل الثلاثة، فقتل ابن ملجم عليا، وجرح صاحبه معاوية، وعمرو كان استخلف رجلًا اسمه خارجة فقتله الخارجى. وقال: أردت عمرًا وأراد الله خارجة. فسارت مثلًا.

فالمقصود أن هذا المشهد إنما أحدث في دولة الملاحدة دولة بني عبيد، وكان فيهم من الجهل والضلال ومعاضدة الملاحدة وأهل البدع من المعتزلة والرافضة أمور كثيرة؛ ولهذا كان في زمنهم قد تضعضع الإسلام تضعضعًا كثيرًا، ودخلت النصارى إلى الشام، فإن بنى عبيد ملاحدة منافقون ليس لهم غرض في الإيمان بالله ورسوله، ولا في الجهاد في سبيل الله، بل في الكفر والشرك ومعاداة الإسلام بحسب الإمكان، وأتباعهم كلهم أهل بدع وضلال، فاستولت النصارى في دولتهم على أكثر الشام، ثم قيض الله من ملوك السنة مثل نور الدين، وصلاح الدين، وإخوته وأتباعهم ففتحوا بلاد الإسلام، وجاهدوا الكفار والمنافقين.

ونهى النبي ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها؛ لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ، والشيطان يقارنها، وإن كان المسلم المصلي لا يقصد السجود لها، لكن سد الذريعة لئلا يتشبه بالمشركين في بعض الأمور التي يختصون بها فيفضى إلى ما هو شرك؛ ولهذا نهي عن تحرى الصلاة في هذين الوقتين، هذا لفظ ابن عمر الذي في الصحيحين. فقصد الصلاة فيها منهي عنه.

وأما إذا حدث سبب تشرع الصلاة لأجله، مثل تحية المسجد، وصلاة الكسوف، وسجود التلاوة، وركعتى الطواف، وإعادة الصلاة مع إمام الحي ونحو ذلك، فهذه فيها نزاع مشهور بين العلماء، والأظهر جواز ذلك واستحبابه، فإنه خير لا شر فيه، وهو يفوت إذا ترك، وإنما نهي عن قصد الصلاة وتحريها في ذلك الوقت لما فيه من مشابهة الكفار بقصد السجود ذلك الوقت، فما لا سبب له قد قصد فعله في ذلك الوقت، وإن لم يقصد الوقت، بخلاف ذي السبب فإنه فعل لأجل السبب فلا تأثير فيه للوقت بحال، ونهي النبي ﷺ عن الصلاة في المقبرة عموما فقال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» رواه أهل السنن، وقد روى مسندًا ومرسلًا، وقد صحح الحفاظ أنه مسند، فإن الحمام مأوى الشياطين، والمقابر نهى عنها لما فيه من التشبه بالمتخذين القبور مساجد، وإن كان المصلى قد لا يقصد الصلاة لأجل فضيلة تلك البقعة، بل اتفق له ذلك.

لكن فيه تشبه بمن يقصد ذلك، فنهي عنه كما ينهي عن الصلاة المطلقة وقت الطلوع والغروب. وإن لم يقصد فضيلة ذلك الوقت لما فيه من التشبه بمن يقصد فضيلة ذلك الوقت وهم المشركون، فنهيه عن الصلاة في هذا الزمان، كنهيه عن الصلاة في ذلك المكان، فلما كان الشرك الذي أضل أكثر بنى آدم أصله وأعظمه من عبادة البشر والتماثيل المصورة على صورهم، فإن المشركين قد اعتادوا آلهة يلدون ويولدون، ويَرثون و يُورثون، ويكونون من شيء من الأشياء، فسألوا النبي ﷺ عن إلهه الذي يعبده: من أي شيء هو؟ أمن كذا أم من كذا؟ وممن ورث الدنيا؟ ولمن يورثها؟ فقال تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [19].

وفي حديث أبي بن كعب: «لأنه ليس أحد يولد إلا يموت، ولا أحد يرث إلا يورث». يقول: كل من عُبِدَ من دون الله قد وُلِدَ مثل المسيح والعزير وغيرهما من الصالحين وتماثيلهم، ومثل الفراعنة المدعين الإلهية، فهذا مولود يموت، وهو وإن كان ورث من غيره ما هو فيه، فإذا مات ورثه غيره. والله - سبحانه - حي لا يموت، ولا يورث سبحانه وتعالى. والله أعلم، وصلى الله على محمد.

هامش

  1. [البقرة: 124]
  2. [النحل: 120]
  3. [إبراهيم: 37]
  4. [آل عمران: 183]
  5. [الكوثر: 2]
  6. [الأنعام: 162]
  7. [البقرة: 127، 128]
  8. [الحج: 67]
  9. [الحج: 34]
  10. [الحج: 37]
  11. [الحج: 32]
  12. [الأنفال: 60]
  13. [الحج: 25]
  14. [البقرة: 114]
  15. [الأعراف: 29]
  16. [التوبة: 17، 18]
  17. [التوبة: 19]
  18. [الحج: 30، 31]
  19. [سورة الإخلاص]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السابع عشر
سورة الإخلاص | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عما ورد في سورة قل هو الله أحد أنها تعدل ثلث القرآن | فصل في بيان هل كلام الله بعضه أفضل من بعض أو لا | أسماء المصادر | فصل في دلالة النصوص النبوية والآثار على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض | فصل في النصوص والآثار في تفضيل كلام الله | فصل في إذا علم أن بعض القرآن أفضل من بعض | فصل في مسألة التفاضل والتماثل إنما يقع بين شيئين فصاعدا | تنازع الذين قالوا كلام الله غير مخلوق | فصل في أصناف الناس في مقام حكمة الأمر والنهي | سئل شيخ الإسلام في تفسير قول النبي في سورة الإخلاص إنها تعدل ثلث القرآن | سئل عمن يقرأ القرآن، هل يقرأ سورة الإخلاص مرة أو ثلاثا وما السنة في ذلك | فصل في تفسير قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد | فصل في قول الله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد | فصل في أن التولد لابد له من أصلين | فصل في أن كل ما يستعمل فيه لفظ التولد من الأعيان القائمة، فلابد أن يكون من أصلين | فصل فيما يبين أن ما نزه الله نفسه ونفاه عنه بقوله لم يلد ولم يولد | فصل في الذين كانوا يقولون من العرب إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن | فصل في ما يقوله الفلاسفة القائلون بأن العالم قديم صدر عن علة موجبة بذاته | فصل في الاحتجاج بسورة الإخلاص من أهل الكلام | مسألة تماثل الأجسام وتركيبها من الجواهر الفردة | فصل في الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ المركب ونحو ذلك | كلام للإمام أحمد في رده على الجهمية | زعم الملاحدة أن الأدلة السمعية لا تفيد العلم | فصل في بيان أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة | فصل في المعنى الصحيح الذي هو نفي المثل والشريك والند | من أسس دين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط | سورة الفلق | فصل في تفسير قوله تعالى قل أعوذ برب الفلق | سورة الناس | فصل في تفسير قوله تعالى قل أعوذ برب الناس | فصل في بيان بعض الاستعاذة كما جاءت بذلك الأحاديث | فصل في تفسير سورة الفلق والناس | فصل في ظهور المناسبة بين السورتين