مجموع الفتاوى/المجلد السابع عشر/فصل في بيان بعض الاستعاذة كما جاءت بذلك الأحاديث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في بيان بعض الاستعاذة كما جاءت بذلك الأحاديث
ابن تيمية

فصل في بيان بعض الاستعاذة كما جاءت بذلك الأحاديث[عدل]

وبهذا يتبين بعض هذه الاستعاذة والتي قبلها كما جاءت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ أنه لم يستعذ المستعيذون بمثلهما، فإن الوسواس أصل كل كفر وفسوق وعصيان، فهو أصل الشر كله، فمتى وقى الإنسان شره وقى عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، فإن جميع هذه إنما تحصل بطريق الوسواس، ووقى عذاب الله في الدنيا والآخرة، فإنه إنما يعذب على الذنوب، وأصلها من الوسواس، ثم إن دخل في الآية وسواس غيره بحيث يكون قوله: { مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ } ، استعاذة من الوسواس الذي يعرض له، والذي يعرض للناس بسببه، فقد وقى ظلمهم، وإن كان إنما يريد وسواسه، فهم إنما يسلطون عليه بذنوبه وهي من وسواسه، قال تعالى: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } [1]، وقال: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [2]، وقال: { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [3].

والوسواس من جنس الحديث والكلام؛ ولهذا قال المفسرون في قوله: { مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } [4]، قالوا: ما تحدث به نفسه. وقد قال ﷺ: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به».

وهو نوعان: خبر، وإنشاء.

فالخبر إما عن ماض، وإما عن مستقبل. فالماضي يذكره به، والمستقبل يحدثه بأن يفعل هو أمورًا، أو أن أمورًا ستكون بقدر الله، أو فعل غيره، فهذه الأماني والمواعيد الكاذبة، والإنشاء أمر ونهي وإباحة.

والشيطان تارة يحدث وسواس الشر، وتارة ينشئ الخير، وكان ذلك بما يشغله به من حديث النفس، قال تعالى في النسيان: { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [5]، وقال فتى موسى: { فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ } [6]، وقال تعالى: { فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } [7].

وثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضُراط؛ حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يذكر حتى يظل الرجل لم يَدْرِ كَمْ صَلَّى». فالشيطان ذكره بأمور ماضية، حدث بها نفسه مما كانت في نفسه من أفعاله ومن غير أفعاله، فبتلك الأمور نسى المصلى كم صلى، ولم يدر كم صلى، فإن النسيان أزال مافي النفس من الذكر، وشغلها بأمر آخر حتى نسي الأول.

وأما إخباره بما يكون في المستقبل من المواعيد والأماني فكقوله: { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم } [8]، وفي هذه الآية أمره ووعده، وقال تعالى: { وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا } [9]، وقال تعالى: { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [10]، ففي هذه أيضا أمره ووعده، وقال موسى لما قتل القبطى: { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } [11].

وقد قال غير واحد من الصحابة كأبي بكر وابن مسعود فيما يقولونه باجتهادهم: إن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان. فجعلوا ما يلقى في النفس من الاعتقادات التي ليست مطابقة من الشيطان، وإن لم يكن صاحبها آثمًا لأنه استفرغ وسعه، كما لا يأثم بالوسواس الذي يكون في الصلاة من الشيطان، ولا بما يحدث به نفسه، وقد قال المؤمنون: { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [12]، وقد قال الله: قد فعلت.

والنسيان للحق من الشيطان، والخطأ من الشيطان، قال تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [13]، وقد قال ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». ولما نام هو وأصحابه عن الصلاة في غزوة خيبر قال لأصحابه: «ارتحلوا فإن هذا مكان حضرنا فيه شيطان». وقال: «إن الشيطان أتى بلالًا فجعل يهديه كما يهدي الصبي حتى نام». وكان النبي ﷺ وَكَّلَ بلالًا أن يوقظهم عند الفجر، والنوم الذي يشغل عما أمر به والنعاس من الشيطان، وإن كان معفوًا عنه؛ ولهذا قيل: النعاس في مجلس الذكر من الشيطان، وكذلك الاحتلام في المنام من الشيطان، والنائم لا قلم عليه.

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا ما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في النوم». وقد قيل: إن هذا من كلام ابن سيرين، لكن تقسيم الرؤيا إلى نوعين: نوع من الله، ونوع من الشيطان صحيح عن النبي ﷺ بلا ريب، فهذان النوعان من وسواس النفس، ومن وسواس الشيطان، وكلاهما معفو عنه، فإن النائم قد رُفِع القلم عنه، ووسواس الشيطان يغشى القلب كطيف الخيال، فينسيه ما كان معه من الإيمان حتى يعمى عن الحق فيقع في الباطل، فإذا كان من المتقين كان كما قال الله: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [14]، فإن الشيطان مسهم بطيف منه يغشى القلب، وقد يكون لطيفًا، وقد يكون كثيفًا إلا أنه غشاوة على القلب تمنعه إبصار الحق. قال النبي ﷺ: «إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي قال الله تعالى: { كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [15] ».

لكن طيف الشيطان غير رين الذنوب، هذا جزاء على الذنب، والغين ألطف من ذلك، كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ: «إنه ليَغانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة». فالشيطان يلقى في النفس الشر، والملك يلقى الخير. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجن». قالوا: وإياك يارسول الله؟ قال: «وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم». وفي رواية: «فلا يأمرني إلا بخير» أي: استسلم وانقاد.

وكان ابن عُيينة يرويه: فأسلم بالضم ويقول: إن الشيطان لا يسلم، لكن قوله في الرواية الأخرى: «فلا يأمرني إلا بخير» دل على أنه لم يبق يأمره بالشر، وهذا إسلامه، وإن كان ذلك كناية عن خضوعه وذلته لا عن إيمانه بالله كما يقهر الرجل عدوه الظاهر ويأسره، وقد عرف العدو المقهور أن ذلك القاهر يعرف ما يشير به عليه من الشر فلا يقبله، بل يعاقبه على ذلك، فيحتاج لانقهاره معه إلى أنه لا يشير عليه إلا بخير لذلته وعجزه لا لصلاحه ودينه؛ ولهذا قال ﷺ: «إلا أن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير». وقال ابن مسعود: إن للملك لمة، وإن للشيطان لمة، فلمة الملك إيعاد بالخير، وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق. وقد قال تعالى: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ } [16] أي: يخوفكم أولياؤه بما يقذف في قلوبكم من الوسوسة المرعبة، كشيطان الإنس الذي يخوف من العدو فيرجف ويخذل.

وعكس هذا قوله تعالى: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ } [17]، وقال تعالى: { يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } [18]، وقال تعالى: { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شيئًا قَلِيلًا } [19] والتثبت: جعل الإنسان ثابتًا لامرتابًا، وذلك بإلقاء ما يثبته من التصديق بالحق والوعد بالخير، كما قال ابن مسعود: لمة الملك وعد بالخير، وتصديق بالحق، فمتى علم القلب أن ما أخبر به الرسول حق صدقه، وإذا علم أن الله قد وعده بالتصديق وثق بوعد الله فثبت، فهذا يثبت بالكلام كما يثبت الإنسانُ الإنسانَ في أمر قد اضطرب فيه بأن يخبره بصدقه، ويخبره بما يبين له أنه منصور فيثبت، وقد يكون التثبت بالفعل بأن يمسك القلب، حتى يثبت كما يمسك الإنسانُ الإنسانَ حتى يثبت.

وفي الحديث عن النبي ﷺ: «من سأل القضاء واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يسأل القضاء، ولم يستعن عليه، أنزل الله عليه ملكا يسدده». فهذا الملك يجعله سديد القول بما يلقى في قلبه من التصديق بالحق، والوعد بالخير، وقد قال تعالى: { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [20]، فدل ذلك على أن هذه الصلاة سبب لخروجهم من الظلمات إلى النور، وقد ذكر إخراجه للمؤمنين من الظلمات إلى النور في غير آية، كقوله: { اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } [21]، وقال: { هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [22]، وقال: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } [23]، وفي الحديث: «إن الله وملائكته يصلون على معلمى الناس الخير». وذلك أن هذا بتعليمه الخير يخرج الناس من الظلمات إلى النور، والجزاء من جنس العمل؛ ولهذا كان الرسول أحق الناس بكمال هذه الصلاة، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } [24].

والصلاة هي الدعاء، إما بخير يتضمن الدعاء، وإما بصيغة الدعاء، فالملائكة يدعون للمؤمنين، كما في الصحيح عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، مالم يحدث». فبين أن صلاتهم قولهم: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.

وفي الأثر: «إن الرب يصلي فيقول: سبقت أو غلبت رحمتي غضبي».

وهذا كلامه سبحانه هو خبر وإنشاء، يتضمن أن الرحمة تسبق الغضب وتغلبه، وهو سبحانه لا يدعو غيره أن يفعل كما يدعوه الملائكة وغيرهم من الخلق، بل طلبه بأمره وقوله وقسمه، كقوله: لأفعلن كذا، وقوله: كن فيكون، وقوله: لأفعلن كذا قسم منه، كقوله: { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ } [25]، وقوله: { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [26]، وقوله: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } [27]، وقوله: { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [28]، وهذا وعد مؤكد بالقسم بخلاف قوله: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } [29]، فإن هذا وعد وخبر ليس فيه قسم، لكنه مؤكد باللام التي يمكن أن تكون جواب قسم، وقوله: { وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } [30]، وقوله: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ } [31]، ونحو ذلك وعد مجرد.

وقد قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء } [32]، فأخبر أنه يوحي إلى البشر تارة وحيًا منه، وتارة يرسل رسولًا فيوحي إلى الرسول بإذنه ما يشاء.

والملائكة رسل الله. ولفظ الملك يتضمن معنى الرسالة، فإن أصل الكلمة: ملأك على وزن مفعل، لكن لكثرة الاستعمال خففت، بأن ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذفت الهمزة، وملاك مأخوذ من المألك والملأك، بتقديم الهمزة على اللام، واللام على الهمزة، وهو الرسالة، وكذلك الألوكة بتقديم الهمزة على اللام، قال الشاعر:

أبلغ النعمان عني مالكًا ** أنه قد طال حبسي وانتظاري

وهذا بتقديم الهمزة. لكن الملك هو بتقديم اللام على الهمزة، وهذا أجود، فإن نظيره في الاشتقاق الأكبر: لاك يلوك، إذا لاك الكلام، واللجام، والهمز أقوى من الواو، ويليه في الاشتقاق الأوسط: أكل يأكل، فإن الآكل يلوك ما يدخله في جوفه من الغذاء، والكلام والعلم ما يدخل في الباطن ويغذى به صاحبه. قال عبد الله بن مسعود: إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته، وإن مأدبة الله القرآن، والآدب المضيف، والمأدبة الضيافة، وهو ما يجعل من الطعام للضيف، فبين أن الله ضيف عباده بالكلام الذي أنزله إليهم، فهو غذاء قلوبهم وقوتها، وهو أشد انتفاعا به، واحتياجا إليه من الجسد بغذائه.

وقال علي رضي الله عنه: الربانيون: هم الذين يغذون الناس بالحكمة، ويربونهم عليها، وقد قال ﷺ: «إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني». وقد أخبر الله تعالى أن القرآن شفاء لما في الصدور، والناس إلى الغذاء أحوج منهم إلى الشفاء في القلوب والأبدان، وفي الصحيحين عنه ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة أمسكت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثنى الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».

فأخبر أن ما بعث به للقلوب كالماء للأرض، تارة تشربه فتنبت، وتارة تحفظه، وتارة لا هذا ولا هذا، والأرض تشرب الماء وتغتذى به حتى يحصل الخير، وقد أخبر الله تعالى أنه روح تحيا به القلوب فقال: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [33].

وإذا كان ما يوحيه إلى عباده تارة يكون بوساطة ملك، وتارة بغير وساطة، فهذا للمؤمنين كلهم مطلقًا لا يختص به الأنبياء، قال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ } [34]، وقال تعالى: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } [35]، وإذا كان قد قال: { وَأَوْحي رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ } الآية [36]، فذكر أنه يوحي إليهم، فإلى الإنسان أولى، وقال تعالى: { وَأَوْحي فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا } [37] وقد قال تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [38]، فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو إلهام وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي، هذا أمر بالفجور، وهذا أمر بالتقوى، والأمر لابد أن يقترن به خبر.

وقد صار في العرف لفظ الإلهام إذا أطلق لا يراد به الوسوسة. وهذه الآية مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي، وبين الوسوسة. فالمأمور به إن كان تقوى الله فهو من إلهام الوحي، وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان.

فيكون الفرق بين الإلهام المحمود وبين الوسوسة المذمومة هو الكتاب والسنة، فإن كان مما ألقى في النفس مما دل الكتاب والسنة على أنه تقوى للّه فهو من الإلهام المحمود، وإن كان مما دل على أنه فجور فهو من الوسواس المذموم، وهذا الفرق مطرد لا ينتقض. وقد ذكر أبو حازم في الفرق بين وسوسة النفس والشيطان فقال: ما كرهته نفسك لنفسك فهو من الشيطان، فاستعذ بالله منه، وما أحبته نفسك لنفسك فهو من نفسك فانهها عنه.

وقد تكلم النظار في العلم الحاصل في القلب عقب النظر والاستدلال فذكروا فيه ثلاثة أقوال، كما ذكر ذلك أبو حامد في «مستصفاه» وغيره قول الجهمية، وقول القدرية، وقول الفلاسفة. وكثير من أهل الكلام لا يذكر إلا القولين: قول الجهمية، وقول القدرية.

وذلك أنهم يذكرون في كتبهم ما يعرفونه من أقوال من يعرفونه تكلم في هذا، وهم لا يعرفون إلا هؤلاء، والمسألة هي من فروع القدر، فإن الحاصل في نفس حادث فيها، فالقول فيه كالأقوال في أمثاله.

ومذهب جهم ومن وافقه كأبي الحسن الأشعري، وكثير من المتأخرين المثبتة هو مذهب أهل السنة والجماعة: إن الله خالق كل شيء، وإن الله خالق أفعال العباد. لكنه لا يثبت سببًا ولا قدرة موثرة، ولا حكمة لفعل الرب، فأنكر الطبائع والقوى التي في الأعيان وأنكر الأسباب والحكم؛ فلهذا لم يجعل لشيء سببًا، بل يقول: هذا حاصل بخلق الله وقدرته، ولم يذكروا له سببًا، وهم صادقون في إضافته إلى قدره، وأنه خالقه، خلافًا للقدرية، لكن من تمام المعرفة إثبات الأسباب ومعرفتها.

وأما القدرية من المعتزلة وغيرهم، فبنوه على أصلهم، وهو أن كل ما تولد عن فعل العبد فهو فعله لا يضاف إلى غيره، كالشبع، والرى، وزهوق الروح، ونحو ذلك، فقالوا: هذا العلم متولد عن نظر العبد أو تذكر النظر.

والمتفلسفة بنوه على أصلهم: في أن ما يحدث من الصور هو من فيض العقل الفعال عند استعداد المواد القابلة، فقالوا: يحصل في نفوس البشر من فيض العقل الفعال عند استعداد النفس باستحضار المقدمتين. وهذا القول خطأ، والذي قبله أقرب منه، والأول أقرب، وليس في شيء منها تحقيق الأمر في ذلك.

وحقيقته أن الله وكل بالإنس ملائكة وشياطين، يلقون في قلوبهم الخير والشر، فالعلم الصادق من الخير، والعقائد الباطلة من الشر، كما قال ابن مسعود: لمة الملك تصديق بالحق، ولمة الشيطان تكذيب بالحق، وكما قال النبي ﷺ في القاضى: «أنزل الله عليه مَلَكًا يسدده». وكما أخبر الله أن الملائكة توحي إلى البشر ما توحيه، وإن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك، كما لا يشعر بالشيطان الموسوس. لكن الله أخبر أنه يكلم البشر وحيًا، ويكلمه بملك يوحي بإذنه ما يشاء، والثالث التكليم من وراء حجاب. وقد قال بعض المفسرين: المراد بالوحي هنا الوحي في المنام، ولم يذكر أبو الفرج غيره، وليس الأمر كذلك؛ فإن المنام تارة يكون من الله، وتارة يكون من النفس، وتارة يكون من الشيطان، وهكذا ما يلقى في اليقظة، والأنبياء معصومون في اليقظة والمنام.

ولهذا كانت رؤيا الأنبياء وحيًا، كما قال ذلك ابن عباس، وعبيد بن عمير، وقرأ قوله: { إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } [39]، وليس كل من رأي رؤيا كانت وحيًا، فكذلك ليس كل من ألقى في قلبه شيء يكون وحيًا، والإنسان قد تكون نفسه في يقظته أكمل منها في نومه كالمصلى الذي يناجى ربه، فإذا جاز أن يوحي إليه في حال النوم فلماذا لا يوحي إليه في حال اليقظة، كما أوحي إلى أم موسى، والحواريين، وإلى النحل؟! لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في يقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس. والله أعلم.

هامش

  1. [آل عمران: 165]
  2. [الشورى: 30]
  3. [النساء: 79]
  4. [ق: 16]
  5. [الأنعام: 68]
  6. [الكهف: 63]
  7. [يوسف: 42]
  8. [إبراهيم: 22]
  9. [النساء: 119: 121]
  10. [البقرة: 268]
  11. [القصص: 15]
  12. [البقرة: 286]
  13. [الأنعام: 68]
  14. [الأعراف: 201]
  15. [المطففين: 14]
  16. [آل عمران: 175]
  17. [الأنفال: 12]
  18. [إبراهيم: 27]
  19. [الإسراء: 47]
  20. [الأحزاب: 43]
  21. [البقرة: 257]
  22. [الحديد: 9]
  23. [إبراهيم: 1]
  24. [الأحزاب: 56]
  25. [ص: 85]
  26. [السجدة: 13]
  27. [النور: 55]
  28. [المجادلة: 21]
  29. [غافر: 51]
  30. [الفتح: 20]
  31. [الأنفال: 7]
  32. [الشورى: 51]
  33. [الشورى: 52]
  34. [القصص: 7]
  35. [المائدة: 111]
  36. [النحل: 68]
  37. [فصلت: 21]
  38. [الشمس: 7، 8]
  39. [الصافات: 102]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السابع عشر
سورة الإخلاص | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عما ورد في سورة قل هو الله أحد أنها تعدل ثلث القرآن | فصل في بيان هل كلام الله بعضه أفضل من بعض أو لا | أسماء المصادر | فصل في دلالة النصوص النبوية والآثار على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض | فصل في النصوص والآثار في تفضيل كلام الله | فصل في إذا علم أن بعض القرآن أفضل من بعض | فصل في مسألة التفاضل والتماثل إنما يقع بين شيئين فصاعدا | تنازع الذين قالوا كلام الله غير مخلوق | فصل في أصناف الناس في مقام حكمة الأمر والنهي | سئل شيخ الإسلام في تفسير قول النبي في سورة الإخلاص إنها تعدل ثلث القرآن | سئل عمن يقرأ القرآن، هل يقرأ سورة الإخلاص مرة أو ثلاثا وما السنة في ذلك | فصل في تفسير قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد | فصل في قول الله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد | فصل في أن التولد لابد له من أصلين | فصل في أن كل ما يستعمل فيه لفظ التولد من الأعيان القائمة، فلابد أن يكون من أصلين | فصل فيما يبين أن ما نزه الله نفسه ونفاه عنه بقوله لم يلد ولم يولد | فصل في الذين كانوا يقولون من العرب إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن | فصل في ما يقوله الفلاسفة القائلون بأن العالم قديم صدر عن علة موجبة بذاته | فصل في الاحتجاج بسورة الإخلاص من أهل الكلام | مسألة تماثل الأجسام وتركيبها من الجواهر الفردة | فصل في الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ المركب ونحو ذلك | كلام للإمام أحمد في رده على الجهمية | زعم الملاحدة أن الأدلة السمعية لا تفيد العلم | فصل في بيان أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة | فصل في المعنى الصحيح الذي هو نفي المثل والشريك والند | من أسس دين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط | سورة الفلق | فصل في تفسير قوله تعالى قل أعوذ برب الفلق | سورة الناس | فصل في تفسير قوله تعالى قل أعوذ برب الناس | فصل في بيان بعض الاستعاذة كما جاءت بذلك الأحاديث | فصل في تفسير سورة الفلق والناس | فصل في ظهور المناسبة بين السورتين