مجموع الفتاوى/المجلد السابع عشر/فصل في الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ المركب ونحو ذلك

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ المركب ونحو ذلك
ابن تيمية

فصل في الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ المركب ونحو ذلك[عدل]

وهذه الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ المركب و المؤلف و المنقسم ونحو ذلك، قد صار كل من أراد نفي شيء مما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات عبر بها عن مقصوده، فيتوهم من لا يعرف مراده أن المراد تنزيه الرب الذي ورد به القرآن، وهو إثبات أحديته وصمديته، ويكون قد أدخل في تلك الألفاظ ما رآه هو منفيا وعبر عنه بتلك العبارة وضعًا له واصطلاحا اصطلح عليه هو ومن وافقه على ذلك المذهب، وليس ذلك من لغة العرب التي نزل بها القرآن، ولا من لغة أحد من الأمم، ثم يجعل ذلك المعنى هو مسمى الأحد والصمد والواحد ونحو ذلك من الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة ويجعل ما نفاه من المعاني التي أثبتها الله ورسوله من تمام التوحيد.

واسم التوحيد اسم معظم جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، فإذا جعل تلك المعانى التي نفاها من التوحد، ظن من لم يعرف مخالفة مراده لمراد الرسول ﷺ أنه يقول بالتوحيد الذي جاءت به الرسل، ويسمى طائفته الموحدين، كما يفعل ذلك الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم على نفي شيء من الصفات، ويسمون ذلك توحيدًا، وطائفتهم الموحدين، ويسمون علمهم علم التوحيد، كما تسمى المعتزلة ومن وافقهم نفي القدر عدلا، ويسمون أنفسهم العدلية، وأهل العدل. ومثل هذه البدع كثير جدًا يعبر بألفاظ الكتاب والسنة عن معان مخالفة لما أراده الله ورسوله بتلك الألفاظ، ولا يكون أصحاب تلك الأقوال تلقوها ابتداء عن الله عز وجل ورسوله ﷺ، بل عن شبه حصلت لهم، وأئمة لهم، وجعلوا التعبير عنها بألفاظ الكتاب والسنة حجة لهم، وعمدة لهم؛ ليظهر بذلك أنهم متابعون للرسول ﷺ لا مخالفون له، وكثير منهم لا يعرفون أن ما ذكروه مخالف للرسول ﷺ؛ بل يظن أن هذا المعنى الذي أراده هو المعنى الذي أراده الرسول ﷺ وأصحابه؛ فلهذا يحتاج المسلمون إلى شيئين:

أحدهما: معرفة ما أراد الله ورسوله ﷺ بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر علماء المسلمين في معانى تلك الألفاظ، فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسنة عَرَّفهم ما أراد بتلك الألفاظ. وكانت معرفة الصحابة لمعانى القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بَلَّغوا تلك المعانى إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه. فإن المعانى العامة التي يحتاج إليها عموم المسلمين، مثل معنى التوحيد، ومعنى الواحد، والأحد، والإيمان، والإسلام ونحو ذلك كان جميع الصحابة يعرفون ما أحب الله ورسوله ﷺ من معرفته ولا يحفظ القرآن كله إلا القليل منهم، وإن كان كل شيء من القرآن يحفظه منهم أهل التواتر، والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد، وواحد، ومن ذكر أن إلهكم واحد، ومن ذكر أنه لا إله إلا الله، ونحو ذلك.

فلابد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك، فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول ﷺ إليه الخلق، وهو أول ما يقاتلهم عليه، وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به، وقد تواتر عنه أنه أول ما دعا الخلق إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، ولما أمر بالجهاد بعد الهجرة قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله». وفي الصحيحين: أنه لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».

فقال لمعاذ: ليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد، ومع هذا كانوا من أهل الكتاب، كانوا يهودًا، فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن، وهذا الذي أمر به معاذا موافق لقوله تعالى: { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [1]، وفي الآية الأخرى: { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } [2]، وهذا مطابق لقوله تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [3]. وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «الإيمان بضعٌ وستون، أو بضع وسبعون شعبة: أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

فالمقصود أن معرفة ما جاء به الرسول وما أراده بألفاظ القرآن والحديث هو أصل العلم والإيمان والسعادة والنجاة، ثم معرفة ما قال الناس في هذا الباب لينظر المعانى الموافقة للرسول والمعانى المخالفة لها.

والألفاظ نوعان: نوع يوجد في كلام الله ورسوله، ونوع لا يوجد في كلام الله ورسوله، فيعرف معنى الأول، ويجعل ذلك المعنى هو الأصل، ويعرف ما يعنيه الناس بالثاني، ويرد إلى الأول. هذا طريق أهل الهدى والسنة، وطريق أهل الضلال والبدع بالعكس، يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعًا لهم، فيردونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم، ويقولون: نحن نفسر القرآن بالعقل واللغة يعنون أنهم يعتقدون معنى بعقلهم ورأيهم ثم يتأولون القرآن عليه بما يمكنهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف الكلم عن مواضعه، ولهذا قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. وقال: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس. وهذه الطريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكبار والصغار، فهي طريق الجهمية والمعتزلة ومن دخل في التأويل من الفلاسفة والباطنية الملاحدة.

وأما حذاق الفلاسفة فيقولون: إن المراد بخطاب الرسول ﷺ إنما هو أن يخيل إلى الجمهور ما ينتفعون به في مصالح دنياهم، وإن لم يكن ذلك مطابقا للحق قالوا: وليس مقصود الرسول ﷺ بيان الحق وتعريفه، بل مقصوده أن يخيل إليهم ما يعتقدونه. ويجعلون خاصة النبوة قوة التخييل، فهم يقولون: إن الرسول ﷺ لم يبين، ولم يفهم، بل ولم يقصد ذلك. وهم متنازعون: هل كان يعلم الأمور على ما هي عليه؟ على قولين:

منهم من قال: كان يعلمها، لكن ما كان يمكنه بيانها، وهؤلاء قد يجعلون الرسول أفضل من الفيلسوف. ومنهم من يقول: بل ما كان يعرفها، أو ما كان حاذقًا في معرفتها، وإنما كان يعرف الأمور العملية. وهؤلاء يجعلون الفيلسوف أكمل من النبي ﷺ؛ لأن الأمور العملية أكمل من العلمية، فهؤلاء يجعلون خبر الله وخبر الرسول ﷺ إنما فيه التخييل، وأولئك يقولون: لم يقصد به التخييل، ولكن قصد معنى يعرف بالتأويل، وكثير من أهل الكلام الجهمية يوافق أولئك على أنه ما كان يمكنه أن يبوح بالحق في باب التوحيد، فخاطب الجمهور بما يخيل لهم، كما يقولون: إنه لو قال: إن ربكم ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه، ولا هو فوق العالم، ولا كذا ولا كذا لنفرت قلوبهم عنه، وقالوا: هذا لا يعرف. قالوا: فخاطبهم بالتجسيم، حتى يثبت لهم ربا يعبدونه، وإن كان يعرف أن التجسيم باطل. وهذا يقوله طوائف من أعيان الفقهاء المتأخرين المشهورين الذين ظنوا أن مذهب النفاة هو الصحيح، واحتاجوا أن يعتذروا عما جاء به الرسول ﷺ من الإثبات، كما يوجد في كلام غير واحد.

وتارة يقولون: إنما عدل الرسول ﷺ عن بيان الحق؛ ليجتهدوا في معرفة الحق من غير تعريفه، ويجتهدوا في تأويل ألفاظه، فتعظم أجورهم على ذلك، وهو اجتهادهم في عقلياتهم وتأويلاتهم، ولا يقولون: إنه قصد به إفهام العامة الباطل، كما يقول أولئك المتفلسفة. وهذا قول أكثر المتكلمين النفاة من الجهمية والمعتزلة، ومن سلك مسلكهم حتى ابن عقيل وأمثاله، وأبو حامد، وابن رشد الحفيد وأمثالهما يوجد في كلامهم المعنى الأول. وأبو حامد إنما ذم التأويل في آخر عمره، وصنف إلجام العوام عن علم الكلام محافظة على هذا الأصل؛ لأنه رأى مصلحة الجمهور لا تقوم إلا بابقاء الظواهر على ما هي عليه، وإن كان هو يرى ما ذكره في كتبه المضنون بها أن النفي هو الثابت في نفس الأمر.

فلم يجعلوا مقصوده بالخطاب البيان والهدى، كما وصف الله به كتابه ونبيه حيث قال: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [4]، وقال: { هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ } [5]، وقال: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [6]، وقال: { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [7] وقال: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } [8]، وأمثال ذلك. وقال النبي ﷺ: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك» وقال تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [9]، وقال: { قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [10]، وقال: { مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [11]، وقال: { فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [12].

وثَمَّ طائفة ثالثة كثرت في المتأخرين المنتسبين إلى السنة يقولون: ما يتضمن أن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل عليه من القرآن كآيات الصفات؛ بل لازم قولهم أيضا أنه كان يتكلم بأحاديث الصفات، ولا يعرف معانيها.

وهؤلاء مساكين لما رأوا المشهور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان أن الوقف التام عند قوله: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ } [13] وافقوا السلف، وأحسنوا في هذه الموافقة؛ لكن ظنوا أن المراد بالتأويل هو معنى اللفظ وتفسيره، أو هو التأويل الاصطلاحي الذي يجري في كلام كثير من متأخري أهل الفقه والأصول، وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، فهم قد سمعوا كلام هؤلاء وهؤلاء، فصار لفظ التأويل عندهم هذا معناه.

ولما سمعوا قول الله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ } ظنوا أن لفظ التأويل في القرآن معناه هو معنى لفظ التأويل في كلام هؤلاء، فلزم من ذلك أنه لا يعلم أحد معنى هذه النصوص إلا الله، لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، بل كل من الرسولين على قولهم يتلو أشرف ما في القرآن من الإخبار عن الله بأسمائه وصفاته، وهو لا يعرف معنى ذلك أصلا، ثم كثير منهم يذمون ويبطلون تأويلات أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهما، وهذا جيد، لكن قد يقولون: تجرى على ظواهرها، وما يعلم تأويلها إلا الله، فإن عنوا بظواهرها ما يظهر منها من المعانى، كان هذا مناقضًا لقولهم: إن لها تأويلا يخالف ظاهرها لا يعلمه إلا الله، وإن عنوا بظواهرها مجرد الألفاظ، كان معنى كلامهم أنه يتكلم بهذه الألفاظ، ولها باطن يخالف ما ظهر منها، وهو التأويل، وذلك لا يعلمه إلا الله.

وفيهم من يريد بإجرائها على ظواهرها هذا المعنى، وفيهم من يريد الأول، وعامتهم يريدون بالتأويل المعنى الثالث، وقد يريدون به الثاني، فإنه أحيانًا قد يفسر النص بما يوافق ظاهره، وتبين من هذا أنه ليس من التأويل الثالث، فيأبون ذلك ويكرهون تدبر النصوص والنظر في معانيها أعني النصوص التي يقولون: إنه لم يعلم تأويلها إلا الله.

ثم هم في هذه النصوص بحسب عقائدهم، فإن كانوا من القدرية قالوا: النصوص المثبتة لكون العبد فاعلا محكمة، والنصوص المثبتة لكون الله تعالى خالق أفعال العباد أو مريدًا لكل ما وقع نصوص متشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله، إذا كانوا ممن لا يتأولها، فإن عامة الطوائف منهم من يتأول ما يخالف قوله، ومنهم من لا يتأوله. وإن كانوا من الصفاتية المثبتين للصفات التي زعموا أنهم يعلمونها بالعقل دون الصفات الخبرية مثل كثير من متأخرى الكُلابية، كأبي المعالي في آخر عمره، وابن عقيل في كثير من كلامه قالوا عن النصوص المتضمنة للصفات التي لا تعلم عندهم بالعقل: هذه نصوص متشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله، وكثير منهم يكون له قولان وحالان، تارة يتأول ويوجب التأويل أو يجوزه، وتارة يحرمه، كما يوجد لأبي المعالي ولابن عقيل ولأمثالهما من اختلاف الأقوال.

ومن أثبت العلو بالعقل، وجعله من الصفات العقلية كأبي محمد بن كُلاب، وأبي الحسن بن الزاغوني، ومن وافقه، وكالقاضي أبي يعلى في آخر قوليه، وأبي محمد أثبتوا العلو، وجعلوا الاستواء من الصفات الخبرية التي يقولون: لا يعلم معناها إلا الله. وإن كانوا ممن يرى أن الفوقية والعلو أيضا من الصفات الخبرية، كقول القاضي أبي بكر، وأكثر الأشعرية، وقول القاضي أبي يعلى في أول قوليه، وابن عقيل في كثير من كلامه، وأبي بكر البيهقي، وأبي المعالي وغيرهم ومن سلك مسلك أولئك. وهذه الأمور مبسوطة في موضعها.

والمقصود هنا أن كل طائفة تعتقد من الآراء ما يناقض ما دل عليه القرآن، يجعلون تلك النصوص من المتشابه، ثم إن كانوا ممن يرى الوقف عند قوله: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ } [14]، قالوا: لا يعلم معناها إلا الله، فيلزم ألا يكون محمد وجبريل ولا أحد علم معاني تلك الآيات والأخبار، وإن رأوا أن الوقف على قوله: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } [15]، جعلوا الراسخين يعلمون ما يسمونه هم تأويلا. ويقولون: إن الرسول ﷺ إنما لم يبين الحق بخطابه ليجتهد الناس في معرفة الحق من غير جهته بعقولهم وأذهانهم، ويجتهدون في تخريج ألفاظه على اللغات العربية، فيجتهدون في معرفة غرائب اللغات التي يتمكنون بها من التأويل. وهذا إن قالوا: إنه قصد بالقرآن والحديث معنى حقًا في نفس الأمر، وإن قالوا بقول الفلاسفة والباطنية الذين لا يرون التأويل، قالوا: لم يقصد بهذه الألفاظ إلا ما يفهمه العامة والجمهور، وهو باطل في نفس الأمر، لكن أراد أن يخيل لهم ما ينتفعون به، ولم يمكنه أن يعرفهم الحق، فإنهم كانوا ينفرون عنه ولا يقبلونه، وأما من قال من الباطنية الملاحدة وفلاسفتهم بالتأويل، فإنه يتأول كل شيء مما أخبرت به الرسل من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ثم يؤولون العبارات كما هو معروف من تأويلات القرامطة الباطنية.

وأبو حامد في الإحياء ذكر قول هؤلاء المتأولين من الفلاسفة وقال: إنهم أسرفوا في التأويل، وأسرفت الحنابلة في الجمود، وذكر عن أحمد بن حنبل كلامًا لم يقله أحمد، فإنه لم يكن يعرف ما قاله أحمد، ولا ما قاله غيره من السلف في هذا الباب، ولا ما جاء به القرآن والحديث، وقد سمع مضافًا إلى الحنابلة ما يقوله طائفة منهم، ومن غيرهم من المالكية والشافعية، وغيرهم في الحرف والصوت. وبعض الصفات مثل قولهم: إن الأصوات المسموعة من القراء قديمة أزلية، وإن الحروف المتعاقبة قديمة الأعيان، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ويخلو منه العرش، حتى يبقى بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته إلى غير ذلك من المنكرات فإنه ما من طائفة إلا وفي بعضهم من يقول أقوالا ظاهرها الفساد، وهي التي يحفظها من ينفر عنهم، ويشنع بها عليهم، وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها كما في هذه المسائل المنكرة التي يقولها بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي فإن جماهير هذه الطوائف ينكرها، وأحمد وجمهور أصحابه منكرون لها.

وكلامهم في إنكارها وردها كثير جدًا، لكن يوجد في أهل الحديث مطلقًا من الحنبلية وغيرهم من الغلط في الإثبات أكثر مما يوجد في أهل الكلام، ويوجد في أهل الكلام من الغلط في النفي أكثر مما يوجد في أهل الحديث؛ لأن الحديث إنما جاء بإثبات الصفات ليس فيه شيء من النفي الذي انفرد به أهل الكلام، والكلام المأخوذ عن الجهمية والمعتزلة مبنى على النفي المناقض لصرائح القرآن والحديث، بل والعقل الصريح أيضا لكنهم يَدَّعون أن العقل دل على النفي، وقد ناقضهم طوائف من أهل الكلام، وزادوا في الإثبات كالهشامية والكرامية وغيرهم لكن النفي في جنس الكلام المبتدع الذي ذمه السلف أكثر.

والمنتسبون إلى السنة من الحنابلة وغيرهم الذين جعلوا لفظ التأويل يعم القسمين يتمسكون بما يجدونه في كلام الأئمة في المتشابه مثل قول أحمد في رواية حنبل ولا كيف ولا معنى، ظنوا أن مراده أنا لا نعرف معناها. وكلام أحمد صريح بخلاف هذا في غير موضع، وقد بين أنه إنما ينكر تأويلات الجهمية ونحوهم الذين يتأولون القرآن على غير تأويله، وصنف كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما أنكرته من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، فأنكر عليهم تأويل القرآن على غير مراد الله ورسوله، وهم إذا تأولوه يقولون: معنى هذه الآية كذا، والمكيفون يثبتون كيفية، يقولون: إنهم علموا كيفية ما أخبر به من صفات الرب، فنفي أحمد قول هؤلاء، وقول هؤلاء قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية وقول المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون: معناه كذا وكذا.

وقد كتبت كلام أحمد بألفاظه -كما ذكره الخَلاَّلُ في كتاب السنة وكما ذكره من نقل كلام أحمد بإسناده في الكتب المصنفة في ذلك -في غير هذا الموضع، وبين أن لفظ التأويل في الآية إنما أريد به التأويل في لغة القرآن، كقوله تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } [16].

وعن ابن عباس في قوله: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } : تصديق ما وعد في القرآن. وعن قتادة { تَأْوِيلَهُ }: ثوابه. وعن مجاهد: جزاءه. وعن السدى: عاقبته. وعن ابن زيد: حقيقته. قال بعضهم: { تَأْوِيلَهُ }: ما يؤول إليه أمرهم من العذاب وورود النار.

وقوله تعالى: { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } [17]، قال بعضهم: تصديق ما وعدوا به من الوعيد، والتأويل: ما يؤول إليه الأمر. وعن الضحاك: يعني عاقبة ما وعد الله في القرآن أنه كائن من الوعيد، والتأويل ما يؤول إليه الأمر. وقال الثعلبي: تفسيره، وليس بشيء. وقال الزجاج: لم يكن معهم علم تأويله. وقال يوسف الصديق عليه السلام: { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ } [18]، فجعل نفس سجود أبويه له تأويل رؤياه.

وقال قبل هذا: { لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا } [19] أي: قبل أن يأتيكما التأويل. والمعنى: لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام لما قال أحدهما: { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا } [20]، { إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } في اليقظة { قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا } الطعام، هذا قول أكثر المفسرين، وهو الصواب. وقال بعضهم { لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } : تطعمانه وتأكلانه، { إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } : بتفسيره وألوانه، أي طعام أكلتم؟ وكم أكلتم؟ ومتى أكلتم؟ فقالوا: هذا فعل العرافين والكهنة، فقال: ما أنا بكاهن، وإنما ذلك العلم مما يعلمني ربي. وهذا القول ليس بشيء، فإنه قال: { إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } وقد قال أحدهما: { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } فطلبا منه تأويل ما رأياه، وأخبرهما بتأويل ذاك، ولم يكن تأويل الطعام في اليقظة، ولا في القرآن أنه أخبرهما بما يرزقانه في اليقظة، فكيف يقول قولا عاما: { لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } وهذا الإخبار العام لا يقدر عليه إلا الله، والأنبياء يخبرون ببعض ذلك، لا يخبرون بكل هذا.

وأيضا، فصفة الطعام وقدره ليس تأويلا له.

وأيضا، فالله إنما أخبر أنه علمه تأويل الرؤيا، قال يعقوب عليه السلام: { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } [21]، وقال يوسف عليه السلام: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } [22]، وقال: { هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ } [23]، ولما رأي الملك الرؤيا قال له الذي ادكر بعد أمة: { أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } [24]، والملك قال: { يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } [25]، فهذا لفظ التأويل في مواضع متعددة كلها بمعنى واحد.

وقال تعالى: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } [26]، قال مجاهد وقتادة: جزاءًا وثوابا. وقال السدى وابن زيد وابن قتيبة والزجاج: عاقبةً. وعن ابن زيد أيضا: تصديقًا، كقوله: { هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ } وكل هذه الأقوال صحيحة، والمعنى واحد، وهذا تفسير السلف أجمعين، ومنه قوله: { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا } [27]، فلما ذكر له ما ذكر قال: { ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا } [28]، وهذا تأويل فعله ليس هو تأويل قوله، والمراد به عاقبة هذه الأفعال بما يؤول إليه ما فعلته من مصلحة أهل السفينة، ومصلحة أبوي الغلام، ومصلحة أهل الجدار.

وأما قول بعضهم: ردكم إلى الله والرسول أحسن من تأويلكم، فهذا قد ذكره الزجاج عن بعضهم، وهذا من جنس ما ذكر في تلك الآية في لفظ التأويل، وهو تفسير له بالاصطلاح الحادث، لا بلغة القرآن، فأما قدماء المفسرين فلفظ التأويل والتفسير عندهم سواء، كما يقول ابن جرير: القول في تأويل هذه الآية، أي: في تفسيرها.

ولما كان هذا معنى التأويل عند مجاهد وهو إمام التفسير جعل الوقف على قوله: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } [29]، فإن الراسخين في العلم يعلمون تفسيره، وهذا القول اختيار ابن قتيبة وغيره من أهل السنة. وكان ابن قتيبة يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق. وقد بسط الكلام على ذلك في كتابه في المشكل وغيره.

وأما متأخرو المفسرين -كالثعلبي- فيفرقون بين التفسير والتأويل. قال: فمعنى التفسير: هو التنوير، وكشف المغلق من المراد بلفظه. والتأويل: صرف الآية إلى معنى تحتمله يوافق ما قبلها وما بعدها، وتكلم في الفرق بينهما بكلام ليس هذا موضعه، إلا أن التأويل الذي ذكره هو المعنى الثالث المتأخر، وأبو الفرج ابن الجوزي يقول: اختلف العلماء: هل التفسير والتأويل بمعنى واحد أم يختلفان؟ فذهب قوم يميلون إلى العربية إلى أنهما بمعنى، وهذا قول جمهور المفسرين المتقدمين.

وذهب قوم يميلون إلى الفقه إلى اختلافهما، فقالوا: التفسير: إخراج الشيء عن مقام الخفاء إلى مقام التجلي. والتأويل: نقل الكلام عن وضعه إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، فهو مأخوذ من قولك: آل الشيء إلى كذا، أي: صار إليه، فهؤلاء لا يذكرون للتأويل إلا المعنى الأول والثاني، وأما التأويل في لغة القرآن فلا يذكرونه، وقد عرف أن التأويل في القرآن: هو الموجود الذي يؤول إليه الكلام، وإن كان ذلك موافقًا للمعنى الذي يظهر من اللفظ، بل لا يعرف في القرآن لفظ التأويل مخالفًا لما يدل عليه اللفظ، خلاف اصطلاح المتأخرين.

والكلام نوعان: إنشاء، وإخبار.

فالإنشاء: الأمر والنهي والإباحة وتأويل الأمر، والنهي: نفس فعل المأمور، ونفس ترك المحظور، كما في الصحيح عن عائشة -رضى الله عنها- أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن. فكان هذا الكلام تأويل قوله: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ } [30]. قال ابن عيينة: السنة: تأويل الأمر والنهي. وقال أبو عبيد لما ذكر اختلاف الفقهاء وأهل اللغة في نهي النبي ﷺ عن اشتمال الصماء قال: والفقهاء أعلم بالتأويل. يقول: هم أعلم بتأويل ما أمر الله به، وما نهي عنه فيعرفون أعيان الأفعال الموجودة التي أمر بها، وأعيان الأفعال المحظورة التي نهي عنها.

وتفسير كلامه ليس هو نفس ما يوجد في الخارج؛ بل هو بيانه وشرحه وكشف معناه. فالتفسير من جنس الكلام يفسر الكلام بكلام يوضحه. وأما التأويل فهو فعل المأمور به، وترك المنهي عنه، ليس هو من جنس الكلام.

والنوع الثاني: الخبر، كإخبار الرب عن نفسه تعالى بأسمائه وصفاته، وإخباره عما ذكره لعباده من الوعد والوعيد، وهذا هو التأويل المذكور في قوله: وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فصلنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } [31]، وهذا كقولهم: { يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } [32]، ومثله قوله: { انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ } [33]، وقوله: { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ } [34]، ونظائره متعددة في القرآن، وكذلك قوله: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } [35]، فإن ما وُعِدُوا به في القرآن لما يأتهم بعد، وسوف يأتيهم.

فالتفسير هو الإحاطة بعلمه، والتأويل هو نفس ما وُعِدُوا به إذا أتاهم، فهم كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله؛ وقد يحيط الناس بعلمه، ولما يأتهم تأويله؛ فالرسول ﷺ يحيط بعلم ما أنزل الله عليه، وإن كان تأويله لم يأت بعد، وفي الحديث عن النبي ﷺ لما نزل قوله: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ } الآية [36]، قال: «إنها كائنة، ولم يأت تأويلها بعد»، قال تعالى: { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } [37]، قال بعضهم: موضع قرار وحقيقة ومنتهي ينتهي إليه، فيبين حقه من باطله وصدقه من كذبه.

وقال مقاتل: لكل خبر يخبر به الله وقت ومكان يقع فيه، من غير خلف ولا تأخير. وقال ابن السائب: لكل قول وفعل حقيقة، ما كان منه في الدنيا فستعرفونه، وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لكم، وسوف تعلمون. وقال الحسن: لكل عمل جزاء، فمن عمل عملا من الخير جوزى به في الجنة، ومن عمل عمل سوء جوزي به في النار، وسوف تعلمون. ومعنى قول الحسن: أن الأعمال قد وقع عليها الوعد والوعيد، فالوعد والوعيد عليها هو النبأ الذي له المستقر، فبين المعنى، ولم يرد أن نفس الجزاء هو نفس النبأ.

وعن السدي قال: { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } [38] أي: ميعاد وعدتكموه، فسيأتيكم حتى تعرفونه. وعن عطاء: { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } تؤخر عقوبته ليعمل ذنبه، فإذا عمل ذنبه عاقبه، أي: لا يعاقب بالوعيد، حتى يفعل الذنب الذي توعده عليه. ومنه قول كثير من السلف في آيات: هذه ذهب تأويلها، وهذه لم يأت تأويلها، مثل ما روى أبو الأشهب، عن الحسن والربيع، عن أبي العالية؛ أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ } الآية [39]، فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قبلت منكم، فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل حيث نزل، فمنه أي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه أي وقع تأويلهن على عهد النبي ﷺ، ومنه أي وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، ومنه أي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه أي يقع تأويلهن في آخر الزمان، ومنه أي يقع تأويلهن يوم القيامة، ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.

فابن مسعود رضي الله عنه قد ذكر في هذا الكلام تأويل الأمر، وتأويل الخبر، فهذه الآية: { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ }، من باب الأمر، وما ذكر من الحساب والقيامة من باب الخبر، وقد تبين أن تأويل الخبر. هو وجود المخبر به، وتأويل الأمر هو فعل المأمور به، فالآية التي مضى تأويلها قبل نزولها هي من باب الخبر، يقع الشيء فيذكره الله، كما ذكر ما ذكره من قول المشركين للرسول وتكذيبهم له، وهي وإن مضى تأويلها فهي عبرة ومعناها ثابت في نظيرها، ومن هذا قول ابن مسعود: خمس قد مضين، ومنه قوله تعالى: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ } [40].

وإذا تبين ذلك، فالمتشابه من الأمر لابد من معرفة تأويله؛ لأنه لابد من فعل المأمور، وترك المحظور، وذلك لا يمكن إلا بعد العلم، لكن ليس في القرآن ما يقتضى أن في الأمر متشابهًا، فإن قوله: { وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } [41]، قد يراد به من الخبر، فالمتشابه من الخبر مثل ما أخبر به في الجنة من اللحم واللبن والعسل والماء والحرير والذهب، فإن بين هذا وبين ما في الدنيا تشابه في اللفظ والمعنى، ومع هذا فحقيقة ذلك مخالفة لحقيقة هذا، وتلك الحقيقة لا نعلمها نحن في الدنيا، وقد قال الله تعالى: { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [42]. وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: «أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا حظر على قلب بشر»، فهذا الذي وعد الله به عباده المؤمنين لا تعلمه نفس هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وكذلك وقت الساعة لا يعلمه إلا الله، وأشراطها، وكذلك كيفيات ما يكون فيها من الحساب والصراط والميزان والحوض والثواب والعقاب لا يعلم كيفيته إلا الله، فإنه لم يخلق بعد حتى تعلمه الملائكة، ولا له نظير مطابق من كل وجه حتى يعلم به، فهو من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.

وكذلك ما أخبر به الرب عن نفسه مثل استوائه على عرشه وسمعه وبصره وكلامه وغير ذلك، فإن كيفيات ذلك لا يعلمها إلا الله، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك بن أنس. وسائر أهل العلم تلقوا هذا الكلام عنهما بالقبول لما قيل: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [43]، كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. هذا لفظ مالك. فأخبر أن الاستواء معلوم وهذا تفسير اللفظ، وأخبر أن الكيف مجهول، وهذا هو الكيفية التي استأثر الله بعلمها.

وكذلك سائر السلف كابن الماجشون، وأحمد بن حنبل، وغيرهما يبينون أن العباد لا يعلمون كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، فالكيف هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وأما نفس المعنى الذي بينه الله فيعلمه الناس كُلٌّ على قدر فهمه. فإنهم يفهمون معنى السمع، ومعنى البصر، وأن مفهوم هذا ليس هو مفهوم هذا، ويعرفون الفرق بينهما، وبين العليم والقدير، وإن كانوا لا يعرفون كيفية سمعه وبصره، بل الروح التي فيهم يعرفونها من حيث الجملة، ولا يعرفون كيفيتها. كذلك يعلمون معنى الاستواء على العرش، وأنه يتضمن علو الرب على عرشه، وارتفاعه عليه كما فسره بذلك السلف قبلهم وهذا معنى معروف من اللفظ لا يحتمل في اللغة غيره، كما قد بسط في موضعه؛ ولهذ قال مالك: الاستواء معلوم.

ومن قال: الاستواء له معان متعددة، فقد أجمل كلامه، فإنهم يقولون: استوى فقط، ولا يصلونه بحرف، وهذا له معنى. ويقولون: استوى على كذا وله معنى، واستوى إلى كذا وله معنى، واستوى مع كذا وله معنى، فتتنوع معانيه بحسب صلاته. وأما استوى على كذا فليس في القرآن ولغة العرب المعروفة إلا بمعنى واحد. قال تعالى: { فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ } [44]، وقال: { وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ } [45]، وقال: { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } [46]، وقال: { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ } [47]، وقد أتى النبي ﷺ بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الغرز قال: «بسم الله»، فلما استوى على ظهرها قال: «الحمد لله». وقال ابن عمر: أَهَلَّ رسول الله ﷺ بالحج لما استوى على بعيره. وهذا المعنى يتضمن شيئين: علوه على ما استوى عليه، واعتداله أيضا. فلا يسمون المائل على الشيء مستويًا عليه، ومنه حديث الخليل بن أحمد لما قال: استووا. وقوله:

ثم استوى بِشْرٌ على العراق ** من غير سيف ودم مهراق

هو من هذا الباب؛ فإن المراد به بِشْرُ بن مروان، واستواؤه عليها، أي: على كرسي ملكها، لم يرد بذلك مجرد الاستيلاء، بل استواء منه عليها؛ إذ لو كان كذلك لكان عبد الملك الذي هو الخليفة قد استوى أيضا على العراق، وعلى سائر مملكة الإسلام، ولكان عمر بن الخطاب قد استوى على العراق وخراسان والشام ومصر، وسائر ما فتحه، ولكان رسول الله ﷺ قد استوى على اليمن وغيرها مما فتحه. ومعلوم أنه لم يوجد في كلامهم استعمال الاستواء في شيء من هذا، وإنما قيل فيمن استوى بنفسه على بلد فإنه مستو على سرير ملكه، كما يقال: جلس فلان على السرير، وقعد على التخت، ومنه قوله: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا } [48]، وقوله: { إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } [49].

وقول الزمخشري وغيره: استوى على كذا بمعنى: ملك، دعوى مجردة، فليس لها شاهد في كلام العرب، ولو قدر ذلك لكان هذا المعنى باطلا في استواء الله على العرش؛ لأنه أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وقد أخبر أن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وحينئذ فهو من حين خلق العرش مالك له مستول عليه، فكيف يكون الاستواء عليه مؤخرًا عن خلق السموات والأرض؟!

وأيضا، فهو مالك لكل شيء مستول عليه، فلا يخص العرش بالاستواء وليس هذا كتخصيصه بالربوبية في قوله: { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [50]، فإنه قد يخص لعظمته، ولكن يجوز ذلك في سائر المخلوقات فيقال: رب العرش، ورب كل شيء، وأما الاستواء فمختص بالعرش، فلا يقال: استوى على العرش وعلى كل شيء، ولا استعمل ذلك أحد من المسلمين في كل شيء، ولا يوجد في كتاب ولا سنة، كما استعمل لفظ الربوبية في العرش خاصة، وفي كل شيء عامة، وكذلك لفظ الخلق ونحوه من الألفاظ التي تخص وتعم، كقوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } [51]، فالاستواء من الألفاظ المختصة بالعرش، لا تضاف إلى غيره، لا خصوصًا ولا عمومًا، وهذا مبسوط في موضع آخر.

وإنما الغرض بيان صواب كلام السلف في قولهم: الاستواء معلوم، بخلاف من جعل هذا اللفظ له بضعة عشر معنى، كما ذكر ذلك ابن عربي المعافري.

يبين هذا: أن سبب نزول هذه الآية كان قدوم نصارى نجران ومناظرتهم للنبي ﷺ في أمر المسيح، كما ذكر ذلك أهل التفسير، وأهل السيرة، وهو من المشهور، بل من المتواتر أن نصارى نجران قدموا على النبي ﷺ ودعاهم إلى المباهلة المذكورة في سورة آل عمران، فأقروا بالجزية ولم يباهلوه. وصدر آل عمران نزل بسبب ما جرى؛ ولهذا عامتها في أمر المسيح، وذكروا أنهم احتجوا بما في القرآن من لفظ إنا و نحن ونحو ذلك على أن الآلهة ثلاثة، فاتبعوا المتشابه وتركوا المحكم الذي في القرآن من أن الإله واحد { ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } [52]، فإنهم قصدوا بذلك الفتنة، وهي فتنة القلوب بالكفر وابتغاء تأويل لفظ إنا و نحن وما يعلم تأويل هذه الأسماء إلا الله ؛ لأن هذه الأسماء إنما تقال للواحد الذي له أعوان، إما أن يكونوا شركاء له، وإما أن يكونوا مماليك له.

ولهذا صارت متشابهة، فإن الذي معه شركاء يقول: فعلنا نحن كذا، وإنا نفعل نحن كذا، وهذا ممتنع في حق الله تعالى والذي له مماليك ومطيعون يطيعونه كالملك يقول: فعلنا كذا، أي: أنا فعلت بأهل ملكى وملكى، وكل ما سوى الله مخلوق له مملوك له، وهو سبحانه يدبر أمر العالم بنفسه، وملائكته التي هي رسله في خلقه وأمره، وهو سبحانه أحق من قال: إنا ونحن بهذا الاعتبار، فإن ما سواه ليس له ملك تام، ولا أمر مطاع طاعة تامة، فهو المستحق أن يقول: إنا، و نحن، والملوك لهم شبه بهذا، فصار فيه أيضا من المتشابه معنى آخر، ولكن الذي ينسب لله من هذا الاختصاص لا يماثله فيه شيء، وتأويل ذلك معرفة ملائكته وصفاتهم وأقدارهم، وكيف يدبر بهم أمر السماء والأرض، وقد قال تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ } [53]، فهذا التأويل لهذا المتشابه لا يعلمه إلا هو، وإن علمنا تفسيره ومعناه، لكن لم نعلم تأويله الواقع في الخارج، بخلاف قوله: { اللهُ الَّذِي خَلَقَ } [54]، فإنها آية محكمة ليس فيها تشابه، فإن هذا الاسم مختص بالله، ليس مثل إنا و نحن التي تقال لمن له شركاء، ولمن له أعوان يحتاج إليهم، والله تعالى منزه عن هذا وهذا، كما قال: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } [55]، وقال: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } [56]، فالمعنى الذي يراد به هذا في حق المخلوقين لا يجوز أن يكون نظيره ثابتًا لله؛ فلهذا صار متشابهًا.

وكذلك قوله: { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [57]، فإنه قد قال: { وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ } [58]، وقال: { فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ } [59]، وقال: { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ } [60]، وقال: { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } [61]، فهذا الاستواء كله يتضمن حاجة المستوى إلى المستوى عليه، وأنه لو عدم من تحته لخر، والله تعالى غنى عن العرش، وعن كل شيء، بل هو سبحانه بقدرته يحمل العرش، وحملة العرش، وقد روى أنهم إنما أطاقوا حمل العرش لما أمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.

فصار لفظ الاستواء متشابهًا يلزمه في حق المخلوقين معاني ينزه الله عنها، فنحن نعلم معناه، وأنه العلو والاعتدال، لكن لا نعلم الكيفية التي اختص بها الرب التي يكون بها مستويًا من غير افتقار منه إلى العرش، بل مع حاجة العرش، وكل شيء محتاج إليه من كل وجه، وأنا لم نعهد في الموجودات ما يستوى على غيره مع غناه عنه وحاجة ذلك المستوى عليه إلى المستوى، فصار متشابهًا من هذا الوجه، فإن بين اللفظين والمعنيين قدرًا

مشتركًا، وبينهما قدرًا فارقا هو مراد في كل منهما، ونحن لا نعرف الفارق الذي امتاز الرب به، فصرنا نعرفه من وجه، ونجهله من وجه، وذلك هو تأويله، والأول هو تفسيره.

وكذلك ما أخبر الله به في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس، كاللبن والعسل والخمر والماء، فإنا لا نعرف لبنًا إلا مخلوقًا من ماشية يخرج من بين فَرْثٍ ودم، وإذا بقى أيامًا يتغير طعمه، ولا نعرف عسلا إلا من نحل تصنعه في بيوت الشمع المسدسة، فليس هو عسلا مصفي، ولا نعرف حريرًا إلا من دود القز، وهو يبلى، وقد علمنا أن ما وعد الله به عباده ليس مماثلا لهذه، لا في المادة، ولا في الصورة والحقيقة، بل له حقيقة تخالف حقيقة هذه، وذلك هو من التأويل الذي لا نعلمه نحن. قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.

لكن يقال: فالملائكة قد تعلم هذا، فيقال: هي لا تعلم ما لم يخلق بعد ولا تعلم كل ما في الجنة. وأيضا، فمن النعم ما لا تعرفه الملائكة، والتأويل يتناول هذا كله. وإذا قدرنا أنها تعرف ما لا نعرفه، فذاك لا يكون من المتشابه عندها، ويكون من المتشابه عندنا؛ فإن المتشابه قد يراد به ما هو صفة لازمة للآية، وقد يراد به ما هو من الأمور النسبية، فقد يكون متشابهًا عند هذا ما لا يكون متشابهًا عند هذا.

هامش

  1. [التوبة: 5]
  2. [التوبة: 11]
  3. [البينة: 5]
  4. [البقرة: 2]
  5. [آل عمران: 138]
  6. [يوسف: 2]
  7. [النور: 54]
  8. [إبراهيم: 1]
  9. [الأنعام: 153]
  10. [المائدة: 15، 16]
  11. [الشورى: 52]
  12. [الأعراف: 157]
  13. [آل عمران: 7]
  14. [آل عمران: 7]
  15. [آل عمران: 7]
  16. [الأعراف: 53]
  17. [يونس: 39]
  18. [يوسف: 100]
  19. [يوسف: 37]
  20. [يوسف: 36]
  21. [يوسف: 6]
  22. [يوسف: 101]
  23. [يوسف: 100]
  24. [يوسف: 45]
  25. [يوسف: 43، 44]
  26. [النساء: 95]
  27. [الكهف: 78]
  28. [الكهف: 82]
  29. [آل عمران: 7]
  30. [النصر: 3]
  31. [الأعراف: 52، 53]
  32. [يس: 52]
  33. [المرسلات: 29]
  34. [الملك: 25: 27]
  35. [يونس: 38، 39]
  36. [الأنعام: 56]
  37. [الأنعام: 66، 67]
  38. [الأنعام: 67]
  39. [المائدة: 105]
  40. [القمر: 1]
  41. [آل عمران: 7]
  42. [السجدة: 17]
  43. [طه: 5]
  44. [الفتح: 29]
  45. [هود: 44]
  46. [الزخرف: 13]
  47. [المؤمنون: 28]
  48. [يوسف: 100]
  49. [النمل: 23]
  50. [التوبة: 129]
  51. [العلق: 1، 2]
  52. [آل عمران: 7]
  53. [المدثر: 31]
  54. [الأعراف: 54]
  55. [سبأ: 22]
  56. [الإسراء: 111]
  57. [الأعراف: 54]
  58. [هود: 44]
  59. [الفتح: 29]
  60. [المؤمنون: 28]
  61. [الزخرف: 13]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السابع عشر
سورة الإخلاص | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عما ورد في سورة قل هو الله أحد أنها تعدل ثلث القرآن | فصل في بيان هل كلام الله بعضه أفضل من بعض أو لا | أسماء المصادر | فصل في دلالة النصوص النبوية والآثار على أن كلام الله بعضه أفضل من بعض | فصل في النصوص والآثار في تفضيل كلام الله | فصل في إذا علم أن بعض القرآن أفضل من بعض | فصل في مسألة التفاضل والتماثل إنما يقع بين شيئين فصاعدا | تنازع الذين قالوا كلام الله غير مخلوق | فصل في أصناف الناس في مقام حكمة الأمر والنهي | سئل شيخ الإسلام في تفسير قول النبي في سورة الإخلاص إنها تعدل ثلث القرآن | سئل عمن يقرأ القرآن، هل يقرأ سورة الإخلاص مرة أو ثلاثا وما السنة في ذلك | فصل في تفسير قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد | فصل في قول الله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد | فصل في أن التولد لابد له من أصلين | فصل في أن كل ما يستعمل فيه لفظ التولد من الأعيان القائمة، فلابد أن يكون من أصلين | فصل فيما يبين أن ما نزه الله نفسه ونفاه عنه بقوله لم يلد ولم يولد | فصل في الذين كانوا يقولون من العرب إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن | فصل في ما يقوله الفلاسفة القائلون بأن العالم قديم صدر عن علة موجبة بذاته | فصل في الاحتجاج بسورة الإخلاص من أهل الكلام | مسألة تماثل الأجسام وتركيبها من الجواهر الفردة | فصل في الألفاظ المحدثة المجملة النافية مثل لفظ المركب ونحو ذلك | كلام للإمام أحمد في رده على الجهمية | زعم الملاحدة أن الأدلة السمعية لا تفيد العلم | فصل في بيان أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة | فصل في المعنى الصحيح الذي هو نفي المثل والشريك والند | من أسس دين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن تكون مسجدا فقط | سورة الفلق | فصل في تفسير قوله تعالى قل أعوذ برب الفلق | سورة الناس | فصل في تفسير قوله تعالى قل أعوذ برب الناس | فصل في بيان بعض الاستعاذة كما جاءت بذلك الأحاديث | فصل في تفسير سورة الفلق والناس | فصل في ظهور المناسبة بين السورتين